د. زينب العسال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    شكاوى النشر والجوائز كما يراها الشاروني:

    الوضع شائك في المجلس الأعلي للثقافة
    مغادرة الفائزين لقاعة التصويت.. ليست حلاً
    يعرفونني في الخارج جيداً.. وهنا "سداح مداح"

    حوار: د. زينب العسال
    ...................

    عندما يبدي أديب في قامة يوسف الشاروني آراءه في أوضاعنا الثقافية فإن أبسط ما يجب علينا هو أن ننصت إلي هذه الآراء ونتأملها ونناقشها ونحاول بموضوعية وتجرد ان نصل إلي كلمة سواء.
    قلت: ما رأيك في النظام الحالي لجوائز الدولة؟
    قال: المجلس الأعلي للثقافة في مصر هو الهيئة الوحيدة في العالم - في حدود علمي - الذي يجيز له قانونه أن يمنح لأعضائه جوائز الدولة التي يعلن عنها سنويا علما بأن الجوائز المماثلة من نوبل إلي الفيصل إلي الشيخ زايد إلي العويس والبابطين الخ لم نسمع انها تمنح جوائزها لأحد من أعضاء لجانها التي تقوم بالتحكيم أما أن يغادر الأعضاء المرشحون في مجلسنا الموقر الجلسة عند الاقتراع علي الفوز بجوائز مبارك والتقديرية فهو ليس حلا لهذا الوضع الشائك الذي يضع فيه المجلس الأعلي للثقافة أعضاءه المرشحين لجوائزه وتاريخ الجوائز الممنوحة من المجلس خير دليل علي ذلك
    * ما رؤيتك لتعديل هذا النظام بحيث يتلافي السلبيات مقابلا لايجابيات تضيف إليه وتطوره؟
    ** لئن كان هذا الوضع أولي سلبيات نظام ما يمنحه المجلس الأعلي للثقافة من جوائز سنوية فهناك اقتراح بأن ينقسم أعضاء المجلس إلي ثلاثة اقسام طبقا لشعبه في الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية. تمنح كل شعبة جوائزها لمن تراه جديرا بها.
    * قد لا يضمن هذا الاقتراح منح الجائزة من المحكمين المتخصصين لأن المختص في الموسيقا - علي سبيل المثال - قد لا تكون له دراية تمنحه حق الحكم علي فنان تشكيلي وهما من فرع واحد هو الفنون فضلا عن ان اكثر من نصف اعضاء المجلس من موظفي وزارة الثقافة ممن لا يتيح لهم تخصصهم الحكم علي مبدعين في تخصصات أخري فيشاركون في التحكيم بالسماع ودون أي مؤهل يجيز لهم ذلك؟
    منح عشوائي
    ** الحل بسيط وهو ان نطبق ما تطبقه مختلف الهيئات العالمية عندما تمنح جوائزها المشابهة فهي تشكل لجانا مختصة في الفرع المطلوب تتغير كل عام ولا تظل كما هي في مجلسنا الموقر الذي يمنح جوائزها في الفن التشكيلي - مثلا - من لجنة اعضاؤها فنانون واساتذة في الفن التشكيلي فقط والموسيقا بالمثل من مختصين في الموسيقي وربما يمكن التجاوز في تشكيل لجان الأدب من نقاد وقصاصين وشعراء وبدون ذلك فإن جوائز الدولة - ربما عدا التشجيعية لاختلاف نظام منحها - سيظل منحها عشوائيا مرة تصيب ومرة تخيب لأن المشاركين في منحها من مختلف التخصصات التي لا رابط بينها إلا رباط الثقافة العامة وهي ليست أساسا لمنح جوائز الدولة للمبدعين في مختلف الفروع كل في تخصصه لهذا أري أنه يجب تغيير قانون جوائز الدولة تغييرا جذريا ويصبح أساس منحها كما هو معمول به في كل الجوائز العالمية الأخري وينتهي هذا الوضع الشائك الذي يحرج أعضاء مجلسنا الموقر المرشحين لجوائزه فلا يصبح الحال كما هو الآن منه فيه وهو ما لا يحدث في أية جوائز أخري مماثلة وستتحق نبوءتي - إذا ظل الوضع كما هو الآن - في الآداب علي الأقل لأنني أدري بها - أن يكون نصيب الأسد كما يقولون في الفوز في العام المقبل من أعضاء المجلس في جائزتيه: مبارك والتقديرية.
    * ثمة رأي ان التقدير المادي يجب ألا يكون هو المقياس الوحيد لدور المبدع في الحياة الأدبية؟
    ** هذا صحيح فكل شيء من التواصل والإصرار يلقي اثناء مسيرته الابداعية ألوانا من التقدير لم يكن يحلم بها كما يلقي من العقبات والمحبطات ألوانا لا يتصورها الآخرون ففي عام 1976 كنت ضيفا في برلين الغربية - قبل توحيد ألمانيا - مع الصديق الدكتور عبدالغفار مكاوي بدعوة من احدي الهيئات العلمية ولما كانت الهيئة الداعية تصدر سلسلة كتب تنشر فيها بعض ابداعات مدعويها من الأدباء بعد ترجمتها إلي الألمانية فقد اقترحت علي عبدالغفار أن يتقدم إلي المسئول عن هذه السلسلة بنشر بعض قصصنا المترجمة الألمانية وطلب المسئول امهالنا اسبوعين حتي تتاح الفرصة لاتخاذ قراره بالنشر لكننا فوجئنا في صباح اليوم التالي بالناشر الألماني يتصل بعبدالغفار ويبلغه ان قصصنا شائقة فلم ينم حتي أتم قراءتها ودعانا لمقابلته لتوقيع عقد نشر الكتاب.
    في عام 1944 اتصلت بي الباحثة البريطانية كيت فيكتوريا ماكدونالد دانيلز بجامعة لندن تطلب تحديد موعد للقائها بالقاهرة حيث انها رسالة عن ابداعي القصصي وعندما تقابلنا سألتها - من باب الفضول - من أشار عليك بدراسة مشواري الابداعي وكان د.صبري حافظ هو المشرف علي رسالتها فأجابتني لا أحد. قرأتك ورأيت ان ابداعاتك جديرة بالدراسة وبعد عدة لقاءات في القاهرة حصلت الباحثة علي درجة الدكتوراه.
    وفي خريف 1996 زرت الصين بدعوة من الصديق المستعرب جيكون تشونغ رئيس الرابطة الصينية للدراسات العربية. وكان من بين نتائج الرحلة أن أزور مدينة شنغهاي كبري موانيء الصين. وبها كلية للغة العربية بجامعة الدراسات الدولية. وكان مرافقي قد حرص علي ترتيب لقاء في الفندق الذي اقيم به مع الاستاذ جو وي لي رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة. لكنه لم يستطع المجئ بسبب الزحام. فأناب مساعدين له احضرا معهما نسخة من معجم الادب العربي المعاصر الذي يشرف علي اصداره استأذهما. وكان مزدحما بأسماء كثير من الادباء الذين اعرفهم. وفي أثناء وداعهما سمعت احد المساعدين يلقي شفاهة فقرة باللغة العربية الفصحي. وعرفت انها من قصتي "اخر العنقود" وأكد المساعد واسمه وانج يو انه يحفظ لي الكثير من قصصي عن ظهر قلب.
    وفي يوليو 1999 ترافقنا انا ومحمد جبريل في رحلة الي دمشق لحضور مؤتمر الاتحاد العام للادباء العرب بطرابلس الليبية والذي كانت الرحلة اليه عن طريق سوريا. وبعد انتهاء المؤتمر كان علينا ان نعود من الطريق نفسه. لكن الاجازة الاجبارية التي فرضها كسوف الشمس في ذلك اليوم. اعد لنا اتحاد كتاب السوريين سيارة لزيارة القنيطرة. نقطة الاتصال والانفصال بين الارض المحررة من الجولان والاخري التي لاتزال في الاسر.
    ووصلنا الي كشك لاتبدو عليه أية مظاهر عسكرية. حتي الضابط السوري كان في لباس مدني وجنوده الثلاثة ايضا. وأثناء هبوطنا من السيارة فوجئت بما لم اتوقعه ابدا في هذا المكان الموحش كأنما هو في آخر الدنيا. صاح الضابط السوري الشاب: الاستاذ يوسف الشاروني. أنا من عشاقك الخمسة. واصر ان يستضيفنا بما قدمه لنا من فاكهة البرية. ثم احضر كاميرا. ونادي علي احد جنوده ليلتقط صورة لثلاثتنا. الضابط الشاب ومحمد جبريل وأنا. ارسلها لي فيما بعد. واحتفظ بها في ألبومي.
    * بعيدا عن الجوائز.. ما أهم المشكلات التي تواجه ادبيا في قامة يوسف الشاروني؟
    ** هناك تصرفات محبطة تتلخص في الموقف السلبي لاكثر من دار نشر. تتفاوت علاقتهم بتاريخي الادبي. بعضهم يؤخر ربما سنوات ما اقدمه للنشر دون سبب واضح. سواء كان كتابا لي أو عني. بينما اخرون يوافقون علي مؤلفك. بل ان احدهم اقترح اضافة بعض الفصول. وبعد تنفيذ مايقترحون يلقون كتابك في جيب النسيان. متجاهلين اي التزام بما سبق الاتفاق عليه. سداح مداح يعني!.. ولعل هذا لعيب في مسيرتي الابداعية. فالمطلوب نشر كتاب لي كل بضع سنوات. وليس أكثر من كتاب عني أو لي كل عام.
    ..................................
    *المساء ـ في 11/7/2009م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      قراءة في مجموعة "مجنون أحلام"، للدكتور حسين علي محمد

      بقلم: د. زينب العسال
      .................

      يبدو أن سحر السرد أصبح يجتذب مخيلة الشعراء ، فبعدما جالت مخيلة الشاعر فى فضاءات شعرية متعددة ، أنتجت العديد من الدواوين الشعرية ، يدخل الشاعر فى مغامرة ارتياد أجواء سردية جديدة ، فيكتب الرواية أو يكتب القصة ، فهل ضاق أفق الشعر بشطحات الشاعر
      وإلى أى مدى ينضح السرد بروح شعرية الشعر؟ هل تخلى الشاعر عن فضاءاته الواسع لتحط قدميه على أرض الواقع الذى يتحرك السرد القصصى .
      هذه التساؤلات تثيرها مجموعة " مجنون أحلام " للشاعر والناقد حسين على محمد ،فلا يمكن إغفال مثل هذه التساؤلات ، وهذا ما ستحاول الدراسة الإجابة عليها .
      يستهل حسين على محمد مجموعته " مجنون أحلام "بمفتتح مقتبس من ماركيز " ليست الحياة ما عاشه المرء ، لكن ما يتذكره وكيف يتذكره لكى يرويه " .
      إذا تأملنا هذه العبارة نجدها تشير إلى السيرة الذاتية ، فحياة المرء هى تلك اللحظات التى تختزلها الذاكرة فمن غير المعقول أو لمقبول أن يتذكر المرء كافة الأحداث والتفاصيل التى تذخر بها حياته ، فثمة أيام بل سنوات يحياها الإنسان دون أن تترك علامة أو تترك بصمة فى حياة المرء ، هذا ما قاله لشاعر مخائيل نعيمة حينما أعرب عن دهشته كيف لإنسان عاش 70 عاماً أن يروى ما حدث فيها ، ثمة اشتراط تضمن مقتطف جارثيا ماركيز ، وهو عملية التذكر ، وهو ما تبقيه الذاكرة ، لأن الذاكرة اللأقطة تبحث عن كل ما هو مثير و تبقية ،وتأتى عملية كيف يتذكره وهنا نحن نقترب من عملية الكتابة ، فالكتابة هى الأخرى وسيلة لتثبيت الذاكرة ، من هنا فنحن أمام استراتيجية كتابة حسين على محمد فى كتابة نصوصه السردية ، فالذاكرة تتنقل بين أزمان مختلفة ، فهى تتنقل من الشباب إلى الطفولة ، واليفاعة ، بين الطفل فى قريته ، والشاب الجامعى والرجل المغترب .
      ويثير المقتبس ملاجظة ثالثة فالمتلقى هو الآخر متورط فى انتاج هذه القصص ، فهو يسمع ، ويقرأ ، ويروى ما سمعه من الراوى وعليه تحديد موقفه مما يطرحه لسرد .
      يمكننا الربط بين العبارة المتصدرة للمجموعة وصاحبها ماركيز ، فعالم ماركيز هو عالم مراوغ ، جاءت مراوغته من دمج السطورى بالفانتازى بالواقعى ليصنع من كل ذلك عالماً شديد الخصوصية ، والسؤال هل تنتمى كتابة حسين على محمد فى مجموعته " مجنون أحلام " إلى هذا العالم السحرى الماركيزى ؟ لنعود الآن إلى عنوان المجموعة " مجنون أحلام "فما المغزى من هذا العنوان الذى يجمع مفردتين ارتبطتا باللاوعى فالكلمة الأولى ترتبط به فى صورة إيجابية ، بينما الكلمة الثانية تأنى فى صورة سلبية ، الأحلام لها منطقها والجنون متفلت من كل منطق
      كل ذلك يثير سؤالاً ، ما العلاقة بين الوعى الذى يختزن الأحداث والوقائع اللاوعى الذى يوحى به عنوان المجموعة ؟ ، لاشك أن عنوان المجموعة يرتبط بوشيجة قوية بالمجموعة وبخاصة أنه عنوان أولى قصص المجموعة .
      ثمة رابط بين الوعى الذى يسقط أحداث ووقائع ويبقى بعضها فيجعل السارد يقع فى هوة الجنون . والجنون فى الثقافة العربية مرتبط بالحب ، فالجنون درب من دروب الهوى ، يقع المرء فى الحب ، فإن شمله واستغرق فيه صار مجنوناً ، كأمرىء القيس .لكن مكر الفنان يجعل من أحلام شخصية يلتقى بها بطل قصة مجنون أحلام ، فتحرك إيقاع حياته الراكد ، القصة تمثل دائرة منغلقة محددة بطريق جبلى وعر ، ثم تظهر المرأة بكل ما يحمله هذا الظهور من انفراج ويبعث على تحريك المشاعر والخيالات ، فينتقل السرد من الحديث عن رتابة حياة المدرس وعالمه الجاف إلى حياة المرأة وعالمها المليء بالمشكلات لكن هذه الحياة لا تخلو من أمل ، اهتم السرد بوصف حياة المدرس ، توقعاته هواجسه علاقته بالزملاء تحركاته ، الدروس لخصوصية ، تحويل العملات تتبع أخبار الأهل والأصدقاء ، الفراغ العاطفى ، بينا لا تتحدث المرأة عن حياتها ، ولكنها تفصح عن استعدادها للسفر لاستكمال تعليمها ، ومشكلات ابنها .
      ل إننا أمام عالم منغلق تماماً برغم تمتع الرجل بشىء نذير من الحرية ، تفتقدها المرأة ، فهى تكنى باسم أبيها ، وهى مخمرة لا يظهر منها إلا العينين فقط .. إنه عالم لا يعترف بالمرأة برغم كونها متعلمة ومثقفة ، فهى معيدة فى الجامعة ، تحاول السفر بالخارج لحصولها على درجة الدكتوراة .
      لا يمكن الحديث عن سيرة الفرد إلا مرتبطة بسيرة الوطن ، حيث تلعب التلميحات دوراً فى إبراز ذلك تسأل البطلة المدرس قائلة : لماذا لاتبقى هنا لكى تدرس التاريخ فى جامعة صنعاء ؟ ، فالتاريخ واحد سواء كان يدرس فى القاهرة أو جامعة صنعاء.
      ترتبط المرأة بحياة الأسرة ، فهى مهمومة بطفلها العاجز ، إنه تنويعة على حياتها التى تتصف بالعجز والشلل من جراء تلك العادات الاجتماعية الضاعطة والمعرقلة لانطلاقها ، لكن شخصيات يبحثون عن الانطلاق نحو الخارج بحثاً عن السعادة والأمل .
      أراها تنظر إلى الأفق مستبشرة .
      لم تتكلم بعد ! .. فمازالت مدينة الحديدة بعيدة والأرض مترامية والخطى التى غادرت عتمة الوصاب .. تتأمل فى لحظات تليق ببداية جديدة .
      يتكرر المشهد نفسه ظهور المرأة الافت لنظر السارد ، وعودة إلى الزمن الماضى ، واستعادة لحظات مسروقة ، لحظة لقاء بعد فراق طويل ،لحظات جاءت متأخرة عن ميعادها بأكثر من عشرين عاماً، ثمة ما هو فى الخلفية ، وما يمثله لمكان ، إن قصص المجموعة تتعدد فيها اللحظات وتلعب المفارقة الزمنية دوراً فى تحريك الحدث نحو الحبكة ، غالباً ما تبدأ القصص بحضور لافت للمرأة ، ما يصاحب هذا الحضور من دهشة وإعجاب وعودة إلى أحداث بعينها . ففى قصة " برق فى الخريف " فصبرى ابن الثالثة والستين سجين سياسى يلتقى بالنجمة ليلى زهدى ، ها هما يلتقيان فى خريف العمر ، ليظل السؤال مطروحاً ، هل هذا صبرى ابن الثالثة والستين ، السجين السياسى فى عهد الملك فاروق ويعتقل ثانية فى زمن عبد الناصر ، ويعتقل ستة عشر شهراً فى زمن السادات ، تأتى الأحداث التاريخية داخل النسيج لقصصى كأيقونات ومحفزات سردية يستعيدها المتلقى ، ومن ثم يتخذ موقف التعاطف تجاه تلك الشخصية المأزومة داخلياً بعدما دفعت سنوات من عمرها لإيمانها بمبدأ الحرية ورفضها للقهر والقمع .
      إن الفترة التى تتناولها القصة تنحصر فى الثلاثين سنة الماضية ، وهى فترة حبلى بالأحداث ذات التمفصلات المتشابكة فى تاريخنا المعاصر.
      " كتبت ثلاثين عاماً ضد الحكومات ، فما التفت إلى أحد إلا السجانون ، وكتبت مسرحيات تاريخية تشير إلى اللحظة التى نعيشها ، فاستدعتنى الرئاسة للتشاور.
      يتدخل صوت الكاتب معبراً عن دهشته ، مقدماً شخصية صبرى عثمان ، فالكاتب يقدم شخصياته مستعيراً لغة المسرح لأن ليلى هدى تستعير لسان الكاتب " إننى لا أصدق هل هذا صبرى عثمان الذى أعرفه ؟ مثل هذا التداخل بين الشخصية والكاتب يمد القصة بالمواقف والآراء التى يتبناها الكاتب نفسه ومدى استشعاره الخطر بسبب انتشار الزيف والتناقض الذى يعيشه مثقف هذا العصر ومحاولة استقطاب السلطة له ز
      " خفضى صوتك ، أريد أن أعيش ، وأن تعرض مسرحيتى فى المسرح القومى" . يفلح حسين على محمد فى تصوير علاقة لسلطة بالمثقف من عدة زوايا ، ويبدو أنه شديد الاهتمام بهذا القضية ـ نذكرك بكتابه النقدى " البطل المطارد فى روايات محمد جبريل " ـ
      نحن أمام لعبة يشترك فيها شخصيات ضعيفة وأخرى متمردة لديها القدرة على التصدى لكل إغراءات السلطة لجذب المثقف ، فلا يكفى هنا خطوة واحدة للتنازل ، فتصير الكتابة فعل مقاومة من قبل المثقف ، يفضح به انتهازية ن وتخاذلهم تجاه قضايا مجتمعهم ، وتلعب المفارقة دوراً فى الحدث، ويكون للغة دور مماثل فى تعزيز هذه المفارقة التى تحمل المعنى ونقيضه ،فيصير فعل الكتابة فعل مقاوم ومحرك لأحداث القصة فى آن .
      بطل قصة "سره باتع " من أبناء ديرب نجم ، يحكى طرفاً مما يحدث قبل إقامة احتفالية المولد الذى يقام فى القرية ، على غير العادة فى مثل القصص لا يحتفى السرد بالحديث عن مظاهر لاحتفال ولكنه يحتشد لتصوير العلاقة بين الإنسان بالمعتقد ، فهو يدخل فى صلب تلك العلاقة وتجذيرها عبر الحكايات التاريخية ، لتظل سطوة الشيخ مستمدة من سطوة المعتقد فى النفوس ، فالكاتب يربط بين الاجتماعى بالعقائدى بالسياسى ، إنها سلسلة لا يمكن حل حلقاتها إذا استحكمت الإغلاق ، وتنتهى القصة بإشاعة البهجة والفرحة ، حيث يتقاطع الداخل بالخارج والآنى مع الماضى " لن يقام مولد أبو شبانة هذا العام ، نظراً للظروف التى تمر بها الأمة " يعن لنا أن نطرح السؤال لماذا غير الكاتب عنوان القصة من " شى الله يا أبو شبانة " إلى " سره باتع " وبخاصة أن الكاتب لم يستبدل التركيب العامى ، بأخر ، فمع العنوان الأول تعدو القصى أمثولة تدور فى فلك أجواء ما بعد حرب 1967 ، بينما عنوان " سره باتع ، يؤكد على المغزى الدلالى الاجتماعى فقط ، فتخبو الدلالة التاريخية تماماً ويتجاوز القص هذه الإشارة السريعة التى قصدت وقت نشر القصة ، لتكتسب دلالة أكثر انفتاحاً .
      المرأة وحضورها الطاغى
      تحتفى المجموعة بوجود لافت للمرأة ، فالراوى يقف أمام المرأة مجسداً محاسنها الأنثوية ، ففى قصة " مجنون أحلام " يلقى الشاب بنظرة من تلك المرأة المنقبة ، فتكون النظرة رسولاً لقلبه ، وتشتعل العاطفة ، بينما البطل فى قصة " برق فى خريف " يتوق إلى مشاهدة وجه المرأة تلك الفتاة الجميل ويتساءل : ماذا فعل به الزمن ؟ وفى اصطياد الوهم نجد ليلى زهدى امرأة ذات شخصية قوية ، فهى تمثل فترة التوهج السياسى ، تشارك فى المناقشات السياسية ، وتدين تخاذل البطل . ، هل تصدق أيها الكاتب الكريم إن السلام الذليل مع إسرائيل سيأتينا بالمن والسلوى ، إن سلامك هذا كمسرحيتك أسوء مسرحية ؟ .
      وصباح فى قصة " اللهم إخزيك يا شطان " نموذج للمرأة المغلوبة على أمرها ، ليس لها أى وجود يا شطان " نموذج للمرأة المغلوبة على أمرها ، ليس لها أى وجود إلا عبر وظيفة المرأة البيولوجية ، فهى تنجب الطفل لصالح امرأة أخرى عقيم ، وتتنازل عن حقوقها الزوجية ، وترضى أن تعامل كخادمة ، هذه الشخصية المنسحقة لا نسمع لها صوتاً اللهم إلا الأنين والشكوى ، حاولت صباح أن تتأقلم مع هذه الحياة التى جعلت منها رحماً لإنجاب الطفل ولا شيء آخر ! ، لكن صباح تعلن تمردها ورفضها عن طريق البوح ، ليظل تمردها بلا ثمرة .
      وفى قصة " شرخ آخر فى المرآة " يرسم السرد بورتريه لامرأة تجاوزت الأربعين ، لكن السرد يقتنص لحظة تحول فى حياها فالمرأة التى تجاوز عمرها الأربعين ، لكنها لم تجن شيئاً ،فلم يتحقق حلمها فى الإنجاب ، ولا سبيل لتحقق هذا الأمل بعد وفاة الزوج و ظهور علامات الشيخوخة ، فقد غزت التجاعيد وجهها وظهرت الشعيرات البيضاء ، يركز القص على هذا ا لإحباط ، الناتج عن الاهتمام الزائد بالجانب الأنثوى الذى طغى على نجاحها وتحققها فى مجال العمل .إن هذة النظرة الذكورية للمرأة تشع فى قصص المجموعة ، وتتراوح نغماتها بين الخفوت والوضوح .
      وتسترجع نادية فى قصة " أحزان نادية " لحظات سعادة عاشتها مع زوجها محمود ، نادية الأستاذة الجامعية تفشل فى الحفاظ على استمرارية الحياة الزوجية ، ولأنها شخصية سلبية جداً تفقد زوجها الذى أحبته وتفانت فى خدمته لتلميذته الصغيرة ورغم ما وصلت إليه نادية من مكانة مرموقة فى المجتمع تتساوى مع ما وصل إليه زوجها إلا أن حياتها ترتبك تماماً بعد انفصال زوجها عنها تعانى الوحدة والاهانة ، نلمح المرأة المتمردة التى وعت بقيمة ذاتها فهيفاء فى قصة " الأعمار بيد الله ، هيفاء الشابةأم لطفلين ، تصر على إجراء عملية جراحية لها بينما يعترض زوجها على توقيت العملية ، فالوقت غير مناسب للأسرة وبخاصة مع اقتراب العيد ، " أنت تستحقين ثقلك ذهب لكن البيت محتاج لك هذا الأسبوع ، والدار تحتاج إلى شغل كثير ، نحتاج إلى غسيل وطحين وخبز وتفصيل هدوم للولدين " هذه الأعباء المنزلية لابد أن تقوم بها هيفاء فلها الأولوية قبل صحة المرأة ! . باعث تمرد هيفاء من كونها نموذج فريد للمرأة تصوره القصة ، فهى أول حاصلة على دبلوم تجارة فى القرية ، وتعمل فى الوحدة الصحية ، ولها كرسى تجلس عليه ، ومكتب لا يشاركها فيه أحد ، وهاتف خاص بها ، فقد منحها العمل قدراً كبيراً من الحرية والاستقلالية والتمرد على وجهة نظر الرجل / الزوج ، لكن الموت يترصد هيفاء لا أدرى لماذا ماتت هيفاء ؟ تلك الشخصية الإيجابية والتى تتمتع بذكاء فطرى وتلقائية .
      تتحول القصة بعد هذا الحافز السردى " إلى المغزى الحقيقى من القصة وهو الإهمال الذى تعانيه القرية من ضعف الخدمات ، لكن القصة تنتهى ونحن نشعر بأننا جميعاً شركاء فى وفاة هيفاء .
      ترصد الكاتب التغيرات الحادثة فى المجتمع ، فيكتب عن الشباب ونشاطاتهم السياسية ، واهتماماتهم بقضايا الوطن ، فهو يقف على ما اعتى حياة المجتمع المصرى من تغيرات شكلت قصة " أم داليا " فأم داليا هى أستاذة جامعية تفشل فى تربية أبنتها الوحيدة بعد وفاة والدها ، داليا خريجة كلية الهندسة والتى تحمل سفاحاً مشكلة تواجهها بعض الفتيات ، نتيجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة ، كذلك البطالة ، تعد قصة أم داليا صرخة احتجاج أطلقها الكاتب ليعلن أن هناك خلل يستشرى وعلينا جميعاً أن نقاومه ليس بالقتل كما حاولت القصة أن توحى بذلك .
      ففا لاشك فيه أن الكاتب لم يكن يناصب العداء للمرأة ، بل جاءت الشخصيات النسائية داخل المجموعة تصور حياة المرأة سواء أكانت بسيطة أو مثقفة ومتعلمة وموظفة وأستاذة جامعية، لم يكن الكاتب ضد المرأة بل عنى سرده بتصوير شخصيات نسائية كلها تعانى القهر، الذى عاناه الرجل أيضاً .

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        في ذكري عيد ميلاده الثامن والتسعين
        ماذا يبقي من نجيب محفوظ؟

        حوار: د. زينب العسال
        ...................

        في الحادي عشر من هذا الشهر نحتفل بذكري الميلاد الثامن والتسعين لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المناسبة: إذا كان نجيب محفوظ قد نال نوبل أهم الجوائز العالمية تقديرا لإبداعه المتميز كما وكيفا فماذا ستبقي الأيام من هذا الإبداع؟
        الإجابة التلقائية عن هذا السؤال كما يقول د. ماهر شفيق فريد هي الثلاثية. وهي إجابة صحيحة. وإن كنت أود التوسع فيها. وأقول إن أكثر ما يبقي من روايات محفوظ هو أعمال المرحلة الواقعية: خان الخليلي. القاهرة الجديدة. زقاق المدق. السراب. بداية ونهاية. وصولا إلي الثلاثية. وبداية ونهاية بصفة خاصة من أهم أعمال نجيب محفوظ. وبخاصة الصفحات الأخيرة منها التي تصف كيف ساق حسنين اخته نفيسة إلي الانتحار بإلقاء نفسها من الكوبري إلي النيل. بينما لم ينتحر هو مدفوعا بجبنه المعنوي المتأصل وهو ما سمعت محفوظ ذاته يقوله في ندوته بكازينو أوبرا. خلافا للظن الشائع. وقد أكده فيلم صلاح أبو سيف بأن حسنين انتحر بعده. لا ينفي حماسي لروايات المرحلة الواقعية أن كثيرا من أعمال محفوظ الأخري ستعيش علي الزمن: رواية كفاح طيبة نموذج ناضج للرواية التاريخية. السرب وإن بدت نشوزا ناتئا في أعماله بسبب منحاها النفسي المفرط الذي يكاد يجعلها دراسة حالة مرضية عن مركب أوديب وأنا أفضل مركب علي كلمة عقدة الشائعة وثمة أولاد حارتنا التي تناولت أخطر قضايا الدين والفلسفة والسياسة. واللص والكلاب التي كانت اختراقا لافتا نحو الحداثة. والحرافيش الغنية بالأبعاد. ولا ننسي بعض أقاصيصه القصيرة. فقد كان محفوظ بخلاف ما يزعم محمد جبريل من أعظم كتاب القصة القصيرة في أية لغة. وهو عندي يتفوق علي إدريس. وحسبك في هذا الصدد أن نذكر أقاصيص مجموعة "دنيا الله". خاصة رائعته الرمزية "زعبلاوي". أما أغلب أعمال محفوظ في مرحلة ما بعد "الحرافيش" وحتي رحيله. فهي في رأيي أعمال تقليدية بالمعني السييء للكلمة. ولن تعيش طويلا. ولا استطيع أن أشارك محمد سلماوي وزكي سالم والقعيد وغيرهم حماستهم لأصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة. فهي تبدو لي مجرد شذرات متفاوتة المستوي. يعوزها إحكام البناء المعماري. بل ان الروايات القصيرة التي سبقتها الطريق. السمان والخريف. الشحاذ تشتمل علي نواحي خلل أساسية في البناء. وإن كان بدرجات متفاوتة. تتسم بالعجلة والافتقار إلي التجويد. مما يجعلها في رأيي محدودة القيمة. خاصة "الشحاذ" التي أعتبرها من اضعف أعمال محفوظ. أما تجاربه القليلة في كتابة المسرحية. فهي تجارب فاشلة. وأغلب مقالاته واعمدته الصحفية بليدة. لا تحرك قارئها. فبقدر ما كان محفوظ في نثره القصصي عظيما. كان نثره غير القصصي متوسط القيمة.
        يري د. حسن طلب أن أهم ما يبقي من أدب نجيب محفوظ هو مجموعة من الدروس في طريقة تعامل المبدع مع فنه. والدأب والنظام واحترام الإبداع والتفرغ له. فهو يعطينا درسا يفيد منه الأدب والفنان وحتي العالم. أن تكون في رأسه فكرة. وعليه الانتظام واحترام الوقت. فيخصص للإبداع وقتا مهما كانت الظروف. وهذا الانتظام قد يعتبره الآخرون آلية أو رتابة. لكنه هو الذي يجعل الإنسان يمسك بلحظة الكتابة. قد لا تأتي الأفكار والوحي والإلهام. لكن في المرة الثالثة لابد أن يأتي الإلهام. الطريقة مخالفة للذين يعتقدون اعتقادا تاما في الإلهام والوحي. نجيب محفوظ يجلس ويستجلب الإلهام. وهو لا يأتي إلا إذا احترمنا وقتنا ونظمناه. الدرس الثاني هو درس الأجيال الجديدة التي قد تشكو عدم الاكتراث بأعمالها. فلم يكتب عنه كثيرا في الأربعينيات والخمسينيات. ولم يهتم نجيب بذلك. ولم يحبط. إذا نظرنا إلي هذا الدرس فهو درس للذين يشتكون الآن من أن أحدا من النقاد لم يكتب عنهم. ولم ينالوا قدرا من الشهرة. ولم يروج لهم أحد. عليهم أن يتعلموا من نجيب محفوظ. المهم أن يكتب المبدع ما يراه. هو يكتب وفي رأسه مشروع وأفكار. سواء أعقب ذلك كتابات نقدية أم لا. أما الدرس الثالث فهو أن نجيب محفوظ اتجه إلي التاريخ الفرعوني. وقبلها ترجم كتابا عن الحضارة الفرعونية. لكنه رأي أن هذا المشروع الذي حاول أن يربط بين مصر وحضارة البحر المتوسط. وربما كان بهذا واقعا تحت تأثير سلامة موسي وطه حسين. لكنه عدل عن هذا المشروع. والتقي الواقع الذي يعيشه. وظهر في الثلاثية وغيرها. وجد نفسه في كتاباته التي اكتشفت الواقع المصري من خلال الشخصيات الحية. لذا وجد نفسه. واستمر في هذا الاتجاه. وقدم روائعه التي حفرت اسمه في تاريخ الأدب العربي. والعالمي فيما بعد. وأما الدرس الرابع فهو الخاص بارتياد المناطق المحرمة التي تراود كل مبدع. فكل مبدع لا يحبذ أن يكون هناك سقف من الحرية. ولا يريد لأحد أن يحدد له هذا السقف. سواء من رجل السياسة أو رجل الدين أو رجل الأخلاق. نجيب محفوظ انطلق. وراودته فكرة التعبير عن الميتافيزيقا. أي فكرة الدين كما تجلت في أولاد حارتنا. وعندما صودرت لم تطرف له عين. كأنها لم تصادر. إن من تصادر له الآن قصيدة تافهة أو كتاب تافه. يثير الدنيا ضجيجا. ويكسب من وراء هذه المصادرة. لكن نجيب محفوظ احترم المصادرة. واعتبرها قضية تخص المجتمع. ولم يخض في هذا المعركة. لانه خاضها بالفعل وقت الإبداع. فلم يتحدث مدافعا أو مروجا. وعندما عرض عليه طباعتها ثانية. كان رأيه أن توافق جهة المصادرة.. كل هذه دروس علينا. وعلي الأجيال الشابة أن تعيها. سيبقي الرجل بإبداعه. وبالطريقة التي تناولت القضايا التي أثارها هذا الإبداع.
        مغامرات
        ويشدد د. حسين حمودة علي أنه سيبقي الكثير من نجيب محفوظ. فإلي جانب دوره الريادي في تاريخ الرواية العربية. ستبقي أيضا مغامراته المنوعة. المستمرة والدائبة بلا حدود. للقفز بجماليات هذه الرواية إلي الأمام. نجيب محفوظ واحد من المبدعين القلائل الذين ظلوا يسائلون تجربتهم الإبداعية باستمرار. يتجاوزونها. ويضيفون إليها. ويستكشفون لها أرضا جديدة لم تكن مأهولة من قبل. وقد ظلت اسهاماته الكبري في هذه الرواية تمثل ارهاصات لافتة. كأن نجيب محفوظ يتخطي نجيب محفوظ. أو كأن هناك أكثر من نجيب محفوظ واحد. سيبقي من الرجل أيضا اجتهاده الابداعي الإنساني الكبير. الذي رأي الإنسان في مشاغله الصغيرة المحدودة المحلية الضيقة. إلي جانب آفافه الرحبة الموصولة بالإنسان في كل زمن. وفي كل مكان. سيبقي من نجيب محفوظ أيضا مزاوجاته الفذة بين المحدد. المحدود. المتعين. المرهون بزمن ومكان. لكن المستند أيضا إلي نظرة فلسفية عميقة. تتوقف عند القضايا الكبري. وهي قضايا قديمة متجددة. مرتبطة بوضع الإنسان مع الإنسان. وبوضع الإنسان مع الطبيعة والحضارة. وبوضع الإنسان في الكون كله. سيبقي من نجيب محفوظ ما يجعلنا دائما ابدا مرات ومرات نطرح هذا السؤال. رغم كثرة الإجابات. ورغم طولها: ماذا يبقي من نجيب محفوظ؟
        أما د. أحمد عتمان فيذهب إلي أن ما يبقي من نجيب محفوظ ليس فقط أدبه. لكن حتي سلوكه الإنساني الذي يمثل الإنسان المصري في أجمل صورة. فهو إنسان بدأ من الصفر كافح. ووصل إلي ما وصل إليه بعرقه ومثابرته التي كلما أمعنا النظر فيها من أولها إلي آخرها. شعرنا في اعماقنا بالفخر والاعتزاز. أنا لا أنسي بعد أن ترجمت روايته "بداية ونهاية" إلي اليونانية. أني رافقت وفدا صحفيا زاره في مكتبه بالأهرام. وبعد المقابلة. قال لي كبيرهم ما معناه: هذا الرجل قديس. إذا كان الرجل قد خرج من لقاء محفوظ بهذا الانطباع. فماذا نقول نحن؟ نحن عايشناه في حركاته وسكناته. وقرأنا رواياته. إنه هو الذي خرج بالأدب العربي إلي العالمية. نحن لا نستطيع أن نحصي الآن اللغات التي ترجمت أعماله إليها. وهو لم يترجم ليوضع علي الأرفف. إنما هو يقرأ ويمثل العالم الثالث كله. والعالم الثالث كله يعتبره مؤلفه وكاتبه. أنا انصح الشباب أن يتخذوه أسوة. ويحاولوا أن يصلوا إلي المستوي الرفيع في حياته وأدبه.
        الذي بقي من نجيب محفوظ في تقدير شوقي بدر يوسف هو نجيب محفوظ نفسه. هي هذه النزعة الإنسانية المضمخة بعبق مفردات الواقع الإنساني الممتلئ بأبعاد زمنية هائلة الاتساع تحوي داخلها مفردات الحرية والخلاص والحق والخير والجمال والحقيقة والخيال. الذي بقي منه هي القاهرة القديمة وعوالمها الصغيرة وشخوصها محددة الملامح والسمات. هي الحارة بحرافيشها وامكنتها الصغيرة المبعثرة هنا وهناك. هي اصداء سيرته التي نعرفها جميعا ولا نمل من سماعها أبدا. ما بقي من نجيب محفوظ هو هذه المجموعة من الأقاصيص القصيرة التي تمثل حالة خاصة من حالات القص والحكي في أدبنا العربي المعاصر. وهذه المجموعة من الروايات التي تمثل أيضا حالة خاصة من حالات السرد الروائي الرامز لميتافيزيقا العالم بكل معالمه وبكل ما يحمل من رؤي وأفكار وقضايا واشكاليات. الباقي من نجيب محفوظ هي سينماه بأحداثها وجوهرها الإنسان المعروف. وطبيعة الصراعات الدائرة فيها بين الإنسان وذاته وبين الإنسان والآخرين وبين صيغ وانساق تأخذ من الحياة لتعيد تشكيل عالم جسده نجيب محفوظ في هذا البانوراما الخلابة من الإبداع ووضع في نسيجه علامة مهمة في أدبنا وفننا المعاصر الآن. ونقل منه بجانب إبداعاته الأديبة مشاهد من النفس البشرية مثلت ملامح أجيال من البشر الذين يعيشون حياتهم بواقعية شديدة الثراء والخصوبة. ما بقي منه هي اصداء هذه الضحكة المجلجلة التي كانت تمثل فكاهة الشعب المصري كلها. وهذه النظرة الثاقبة الصادقة التي جعلت العالم كله ينتبه إلي أن هناك في مصر رؤية إبداعية خلاقة متميزة تستحق أن تنال أرفع وأكبر الجوائز والأوسمة في العالم. هذا في اعتقادي هو معظم ما بقي من نجيب محفوظ.
        ..........................................
        *المساء ـ في 5/12/2009م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          جائزة بوكر..هل تشهد نهايتها؟!

          د. الكومي: تنوع المحكمين يعكس الجدية
          د. العراقي: مطلوب أن نقلد لجان نوبل

          حوار: د. زينب العسال
          ....................

          ظهرت هذه القضية عندما تحدث أحد المقربين من لجنة التحكيم في مسابقة "بوكر" العربية عن الضغط الذي يمارسه د. جابر عصفور علي أعضاء اللجنة لتفوز رواية "اسمه الغرام" للبنانية علوية صبح بجائزة هذا العام أعادت تلك الواقعة إلي وسائل الإعلام الورقية والالكترونية ما رافق جائزة بوكر - منذ صدرت نسختها العربية - من ضغوط وتربيطات ومجاملات وبلطجة أحيانا والتعبير الأخير ليس من عندنا وضعت الجائزة في إطار الشبهات وتمني البعض أن يرفع العرب أيديهم عن هذه الجائزة الأوروبية المهمة لتظل محتفظة بجديتها وقيمتها.
          في كلمات محددة يذهب د. شبل الكومي إلي أنه لا يمكن ان نفصل السياسة عن هذه الجوائز هذا المبدأ موجود في جوائز البابطين والعويس وغيرها لذا نجد ان أول من يحصل علي هذه الجوائز لابد أن يكون من مصر وقد تراعي النشأة والظروف السياسية فينال الجائزة أديب أو شاعر فلسطيني وهكذا أنا لست ضد هذا فلا يمكن أن نتصور ألا تأخذ مصر الجائزة لمصر مكانتها والتنوع مطلوب فهو في مصلحة الجائزة ومصلحتنا لانها تعطي الفرصة للأدباء كي تنتشر أعمالهم علي مستوي الوطن العربي.
          أقول: لابد من وجود أجيال من النقاد فلا تكفي أسماء بعينها هذا خطأ قائم في كل الجوائز سواء في مصر أم في بقية الأقطار العربية التحكيم محصور في ثلاثة أو أربعة أسماء والمفروض ان تتنوع أسماء المحكمين فسيكون هذا مصدر ثقة وتنوع في القماشة ويخلق أجيالاً يمكن أن نطمئن إلي قدراتها النقدية والحق أن مثل هذه الجوائز تنمي الوعي القومي والشخصية العربية وسيحاسب التاريخ النقاد الكبار لتقاعسهم في تقديم أسماء نقدية جديدة علي ان تكون جديرة ولديها آلياتها ومبشر هذا أمر مطلوب الآن لأن اقتصار الجوائز علي أسماء بعينها يعطي أيضاً نوعاً من الاحتكار ويؤدي إلي مثل هذه المسائل التي تثار من آن لآخر في حياتنا الثقافية المهم أن نراعي التنوع في الجوائز لتتسع القاعدة ولا تقتصر الجوائز - إبداعاً وتحكيماً - علي أسماء بعينها.
          فرق جذري
          وفي تقدير د. عاطف العراقي ان نظام التحكيم لهذه الجائزة العربية الكبري يعد خاطئاً لابد من معايير دقيقة للجائزة حتي لا تفقد معناها لا مانع من أن يتم اختيار مجموعة من المحكمين الكبار علي مستوي الوطن العربي ممن لا تثار حولهم أي شكوك بالإضافة إلي أننا يجب أن نفرق بين الأديب وناقد الأدب لأنه يوجد فرق جذري بينهما تماماً مثلما نفرق بين الشاعر وناقد الشعر كل ما أرجوه أن يتم وضع معايير واضحة وثابتة يشارك فيها كبار الأدباء والنقاد أولاً ثم يتم طرح الأعمال المقدمة للجائزة ويتم اختيار الرواية الفائزة "بكل دقة" بواسطة المحكمين الذين يجب ان يعلموا طبقاً للمعايير التي تم الاتفاق عليها واشير إلي أنه بالنسبة لجائزة نوبل يتم تكوين لجان لا تعلم كل لجنة أسماء أعضاء اللجان الأخري ويتم عرض أسماء وأعمال المرشحين للجائزة علي كل لجنة بحيث تكون التقارير سرية وبمبررات دقيقة وهكذا يتم اختيار المرشحين الفائزين بجائزة نوبل في كل فروعها ما المانع أن نفعل في هذه الجائزة العربية الكبري ما يتم فعله في جائزة نوبل؟
          وهذه التركيبة "كما تقول صافي ناز كاظم" معروفة انها لا تعرف إلا أن تهاجم التدين الإسلامي جابر عصفور بدأ يفقد رصيده الأدبي للأسف منذ أدخل نفسه في أمور يجب ألا يورط نفسه فيها الجوائز سواء كانت جوائز عربية أو محلية ينقصها الشفافية.
          بأي حق نال هاني مطاوع جائزة المسرح؟ والقعيد عليه أن يكتفي بأن ينشر ما يكتبه وفتحية العسال نالت جائزة سلوي بكر للأسف لدينا ناس تكتب روايات حقيقية مثل علاء خالد كتب رواية ممتازة وكذلك سعيد سالم وآخرون يتم إقصاؤهم بسهولة للأسف من هذه الشلة لقد تصرف أفراد الشلة كأنهم آلهة ففشلت الثقافة وسط الزحمة كيف نتقبل قول الأمن الجديد للمجلس الأعلي للثقافة إن الإسلام أفقد المرأة حقوقها؟! وذلك الآخر كيف نعهد إليه بمنصب نائب رئيس الهيئة المهمة؟ ما مبررات توليه المنصب؟ وأين ذوو الكفاءات الحقيقية؟ أكرر: إنها شلة خطفت الثقافة المصرية وصار الأمر فساداً يمسك في تلابيب بعضه خلوهم يشبعو بالجوائز ويمنحوها لمن يدور حولهم!
          ويقول الروائي والقاص أبو المعاطي أبو النجا: لقد سمعت عن هذه الأخبار لكن: هل هي ترقي بالفعل إلي مستوي المعلومات التي يبني عليها الإنسان أحكاما أو مجرد آراء؟
          أنا في حيرة من أمري ولو أن هذا حدث واستند الكلام إلي حقائق فسيكون أمراً مؤسفاً جداً لأن المعني هو النية ل "تبويظ" الجائزة وهنا يثور السؤال: ما المقصود من كل ذلك؟ هل يعني كشف الأوراق أو تدعيم حصول رواية علوية صبح علي الجائزة؟ فإذا كانت تستحق الجائزة فما الذي يحول دون حصولها عليها؟ وإذا كانت المسألة معدة من قبل أي مسلم بها فلماذا السؤال إن كانت الكاتبة ستحصل علي الجائزة أم لا؟
          بالمناسبة: لقد قرأت رواية جميلة بالفعل وعرفت أنها قدمت لجائزة بوكر واندهشت لاستبعادها الحقيقة المهمة هي أن الناس يعرفون أن كل ما يقدم من روايات ينال حظوظاً متكافئة في القراءة كمدخل إلي القائمة القصيرة في هيئة تقارير فنية موضوعية بحيث تجيب عن السؤال: لماذا تقدمت هذه الروايات عن غيرها فدخلت القائمة القصيرة؟ نريد الشفافية فيما ينبغي أن يحصل علي الجائزة.
          المؤسف أن غالبية الجوائز علي هذه الصورة وإن كنت أنفي حدوثها في المجلس الأعلي للثقافة وأنا أحكم في جائزته التشجيعية فلدينا تقارير عن الأعمال المستبعدة وغير المستبعدة.
          أخيراً فإنه علينا ألا نوجه الاتهام لأحد وان تصبح المسألة واضحة للجميع كي لا نقع فيما وقعنا فيه الآن.
          برئ !
          وينفي د. أحمد شمس الدين الحجاجي عن د. جابر عصفور شبهة التدخل أو التأثير في الجوائز العربية لأن "عصفور" لا يملك القدرة علي ان يتخذ قراراً أو يوجه أناساً لاتخاذ قرار بعينه ولا أظن أن ضميره يسمح له بذلك فالقضية اساءت لاسم جابر عصفور وهو برئ وأساءت إلي الناس الذين يمكن أن يؤثر عليه جابر عصفور صحيح أن له أصدقاء كثيرين فمع أي من هؤلاء سيقف جابر عصفور؟ جابر عصفور اسم كبير ومن السهل ان يساء له ويساء للجائزة أيضاً.
          أرجو من الأدباء ان يفهموا شيئاً مهماً: من أراد الجائزة فليتقدم لها وليقبل النتيجة أيا كانت ومن لم يرد الجائزة فعليه ان يترفع عنها ولا أظن ان الاساءة للدكتور جابر يمكن أن ترضي أي إنسان مثقف.
          ويوضح د. شفيع السيد أنه في كل جائزة ينبغي ان تكون هناك آليات متفق عليها لمنح الجائزة للعمل الذي يستحقها أما أن تبيت النية علي منح الجائزة لعمل ما أو لأديب بعينه قبل أن تتم خطوات التحكيم فهذا يشين الجائزة ويفقدها المصداقية في آلياتها وقيمتها وتصير المسألة ذاتية أو خاضعة للأهواء وهو ما يثبت الشعور بالإحباط لدي المتقدمين للجائزة وبعضهم يستحقونها بالفعل والواقع أن عدداً كبيراً من الجوائز يشوبها مثل هذه الأغراض الشخصية حيث يتم الاتفاق سلفاً مع شخصيات مؤثرة علي أن تحصل علي الجائزة رواية بعينها أو أديب بعينه وهذا يشيع روح الاحباط ويؤدي إلي فقدان الثقة بين المبدعين والكتاب.
          .......................................
          *المساء ـ في 12/12/2009م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            د. سعد أبو الرضا وتجربة جديدة:

            النقد العربي في محنة لأننا لا نثق في قيمته

            حوار: د. زينب العسال
            ....................

            إذا كانت الورش الأدبية قد أصبحت ظاهرة في حياتنا الأدبية منذ بدأتها "المساء" في عام 1985. فإن د. سعد أبو الرضا أستاذ النقد والأدب والبلاغة بجامعة بنها قد نقل هذه الظاهرة إلي مدرجات الجامعة من خلال استضافة رموز حياتنا الإبداعية في لقاءات طرفها الآخر طلاب قرأوا أعمالهم. وعنوا بمناقشتها. يسألون المبدع في تجربته الأدبية. ويتحدث المبدع عن أبعاد هذه التجربة بما يضيف ليس إلي حياتنا الجامعية فحسب. وإنما إلي الحياة الثقافية جميعاً.
            قلنا: ما رأيك في القول إن النقد العربي في محنة لأنه يعتمد علي المناهج والنظريات الغربية؟
            قال: النقد العربي في محنة لعدة أسباب. قد يكون منها الاعتماد علي النقد الغربي. دون أن نحاول استثمار ما لدينا من أسس ومعارف في هذا المجال بحيث تؤدي دورها مع الإفادة مما في النقد الغربي. وبخاصة أن لدينا جهوداً لحازم القرطاجني وغيره وهناك بعض من يهتمون بالنقد. ولا يثقون في قيمة النقد العربي. ومن ثم لا يحاولون الإفادة منه. بل قد يبتعدون عنه.
            قلنا: أي المدارس النقدية تفضل أن تنتسب إليها؟
            قال: أنا أفيد من النقد الذي يعتمد علي التحليل اللغوي. مع الاهتمام بما يمكن أن يفيد من العلوم الإنسانية المختلفة. دون أن يقتصر المرء علي مدرسة أو منهج نقدي واحد. فلكل نص جوانبه المتعددة التي تتطلب تعدد الرؤي وتعدد النظريات في التعامل معه.
            قلنا: فكرة الأدب الإسلامي.. هل تنطبق علي أدبنا العربي فقط. أم أنها تتسع فتشمل كل ما يبدعه العالم الإسلامي؟
            قال: الأدب الإسلامي - باختصار شديد - لغته الأولي هي اللغة العربية الأدب الإسلامي هو كل أدب يفيد من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة. ويمكن لآداب الأمم المختلفة أن تفيد من هذه التوجهات. وخاصة الحفاظ علي الهوية والقيم الإسلامية. ومن هنا يمكن أن نتوصل إلي مجموعة من الأسس والمعايير التي تستثمر في مجال نقد هذه الآداب.
            بلا شروط
            قلنا: هو إذن أدب وفق معايير وشروط معينة؟
            قال: لا. ليست هناك شروط ما. لكن هناك التزام الأديب والناقد بمسئولياتهما تجاه الإنسان هذا هو الإطار العام وفي هذا المجال ليس هناك فرض لقيم معينة وليس هناك حتم علي معايير مسبقة. إنما هناك أطر عامة من أين تأتي هذه الأطر؟ من قيم الإسلام ومبادئه فقط. بمعني أن القيمة الأخلاقية نعتد بها. ثم تتحقق حرية الأديب فيما يكتب. وفي أي موضوع طالما أنه يحافظ علي هوية الإسلام وقيمه التي كرم الله الإنسان في ضوئها لا أتصور أن هناك قيوداً تتعارض مع حرية الأديب في أن يكتب مادام يبتغي خدمة الإنسان. وترقيته. والحفاظ عليه. والحفاظ علي اللغة العربية. لأننا بذلك نحافظ علي تراثنا وفكرنا وهويتنا. وكل ما يؤدي إلي ترقية الإنسان وخدمته.
            قلنا: فما رأيك في الهجوم الذي يواجهه مصطلح الأدب الإسلامي من حين لآخر؟
            قال: الذين يهاجمون فكرة الأدب الإسلامي. إما أنهم لم يقرأوا نماذجه التي تثبت جدراته. وما أكثرها اليوم. وإما لأن هؤلاء لا تتسع صدورهم للآراء الأخري التي قد تخالفهم. مع أن الصواب أن يتسع فكر الإنسان وصدره للحوار مع مخالفيه.
            قلنا هل نتحدث عن مردود أسفارك المتعددة إلي بعض الأقطار العربية والإسلامية؟
            قال: أنا أتصور أن الاتصال بالأدب في كثير من الأقطار العربية فرصة لانفتاح علي آراء مختلفة والاتصال بوجهات نظر متعددة ولا شك ان هذا يثري فكرة الإنسان للأدب ومجالاته ووظائفه. بالإضافة إلي أنه لابد للإنسان أن تكون له شخصيته. ويفيد في الوقت نفسه ويتصل بالآخرين. حتي لو خالفوه الرأي لذلك فأنا أظن أن كثرة الأدباء في أقطار الوطن العربي مدعاة للائتلاف. ووسيلة للتنوع والتعدد في إطار الوحدة.
            قلنا: هل لاحظت تفاوتاً في إسهام كل قطر في المجالات الإبداعية والنقدية والبحثية؟
            قال: في الحقيقة ان الأقطار العربية لها تقريباً نهضة أدبية وفكرية بصفة عامة. لأن التوقف عند مستوي معين لا يؤدي إلي تقدم. لذلك فإن طبيعة الإنسان هي التغيير بايجابية. ولا يتم ذلك إلا فيما نراه علي المستوي العربي من محاولات للنهوض بالحاضر. والإفادة من الماضي . ومن الآخر. بل إن المؤسسات الثقافية تعني بالأدب والنقد. وبالفكر بصفة عامة. وتحاول أن تتطور. إضافة إلي فكرة الأندية كما في السعودية. وفكرة الديوانيات في الكويت. وفكرة المؤسسات الثقافية المتعددة في المغرب. وكذلك الأندية في بعض مدن اليمن. وأيضاً دور الجامعات في كل ارجاء الوطن العربي. فللجامعات دور حيوي للغاية في إنعاش ونهضة النقد الأكاديمي. إلي جانب الصحف والمجلات المتخصصة التي تعني بفكرة المتابعة والاستثمار الفكري. والنهوض بالإنتاج المحلي ومحاولة ربطه بالرؤية العالمية للأدب والنقد والثقافة.
            مواهب وشلل
            قلنا: ما رأيك فيما يثار من أن الدور المصري في مجال الثقافة قد تراجع؟
            قال: الدور الثقافي لمصر لا يستطيع أن ينكره أحد. لكن يوجد في مصر توجهات شللية في بعض المؤسسات الأدبية. مما قد يحرم أصحاب المواهب. والقادرين علي الإسهام في نهضة الحياة واستطيع ان أضرب مثلاً بالمجلس الأعلي للثقافة: كيف يتم تكوين لجانه؟
            هل هناك أسس موضوعية يتم الاحتكام إليها؟ والمؤتمرات الدولية التي تقام: هل هناك أسس موضوعية يمكن أن تضبط عملية القبول والرفض والسماح بالمشاركة لغير الأعضاء في المجلس؟ وقس علي ذلك بعض المؤسسات الأدبية. سواء الرسمية وغير الرسمية أنا أتصور أنه لو تحققت المعايير الموضوعية. واحتكمنا إليها. لاستقامت الحياة الفكرية والثقافية لدينا.
            قلنا: ما السلبية الأوضح في حياتنا الثقافية؟
            قال: أنا أري أنه يجب الاهتمام بانتاج الشباب. بكل إنتاج الشباب الأدبي. فلا تظهر فئة علي حساب فئة أخري تهمش أعتقد أن لجنة الدراسات الأدبية واللغوية تقيم لقاءات نشطة. فمظاهر هذا النشاط أنه يساهم فيها كل القادرين. و يدعو إليها كل من يريد المشاركة ففي مؤتمر الشعر نجد من يرفض الإسهام من خارج اللجنة. أو كان علي صلة بأعضاء اللجنة يجب إتاحة الفرص للجميع. الأمر نفسه بالنسبة لمسابقات مجمع اللغة العربية. فهو لا يسمح بالاشتراك في مسابقاته إلا لخبرائه وحدهم.
            قلنا: كأستاذ للنقد والأدب والبلاغة. هل تري أن جامعاتنا تقدم للحياة الثقافية نقاداً. أم أن المسألة تخضع للاجتهادات الشخصية؟
            قال: جامعاتنا تستطيع أن تؤدي هذا الدور. إذا أحس كل مسئول في الجامعة بما يجب عليه من تكوين الشباب القادر علي الإسهام في فكر الأمة وثقافتها ونقدها. ومتابعة واكتشاف المواهب وتنميتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة قد نجد ذلك في بعض جامعاتنا. ولابد للجمعيات الثقافية ان تساهم في إيجاد الناقد النابه. لكن مسئوليات الحياة. والاعداد الكبيرة. قد لا تحقق النتائج التي نريدها.
            قلنا: هل تسهم الجوائز العربية في النهضة الثقافية الحديثة؟
            قال: أتصور أن الجوائز العربية تتطلب أن تكون هناك أسس موضوعية ومعايير محترمة. يضع هذه الأسس أهل الثقة وأهل الرأي المخلصون للأدب والنقد ولمعرفة والفكر. بحيث لا نخضع للأهواء أو التحديات. أو غير ذلك مما يعيق موضوعية توجيه الجائزة الوجهة الرشيدة. لتحقيق أهدافها المعرفية المنوطة بها. وللحث علي إخلاص القادرين علي التقدم لهذه المسابقات. والمشاركة فيها بثقة واعتداد واعتزاز ولا شك ان تحقيق ذلك عامل مهم من عوامل نهضة الحياة والأدب والنقد الأدبي. ومردوده - علي مستوي الأمة - يضيف تقدماً وازدهاراً.
            .........................................
            *المساء ـ في 19/12/2009م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              هل نجح النشر الإلكتروني في العالم وفشل عندنا؟!

              حوار: د. زينب العسال
              ....................

              إذا كان الناشر الإلكتروني. أي الذي يروج لمؤلفات الأدباء. قد استطاع أن يحقق نجاحا لافتا في معظم بلاد العالم. فإنه قد واجه في الوطن العربي إخفاقاً تمثل في عدم إقبال مستخدمي الإنترنت علي الكتب التي تباع بواسطته، بحيث صارت العقود بين دور النشر الالكتروني وآلاف المبدعين مجرد حبر علي ورق.
              يلاحظ د. شبل الكومي أن نشر الأعمال الأدبية لا يحقق بالفعل نجاحا في النشر الالكتروني؛ فالانترنت مفيد في الحقائق العلمية. أما الكتاب فشيء ملموس قد يغيب عن النشر الالكتروني. يقول: أنا نادرا ما أدخل في هذه الوسيلة. ولا أذكر أني قرأت علي النت عملا إبداعيا، فالوضع الفيزيقي لا يسمح لي. والإبداع يحتاج إلي تأمل. وهذا التأمل له طقوس. قد يفيد النشر الالكتروني في عرض رواية تعد للنشر. إنه يعرف الناس بها. ويحفز لشرائها. والواقع أن الكثيرين يظنون أن القراءة أمام المكتب فقط. لكن الناس في الخارج يقرأون في الشارع وفي المترو. من الممكن أن يسهم النشر الإلكتروني في نشر الملاحق الأدبية، وفي عرض الكتب والحقائق العلمية. أما الإبداع فهو يحتاج إلي تأمل في المعني والدلالة. وتقنية النشر الإلكتروني لا توفر المناخ الملائم لعملية التأمل.
              ويروي د. سيد البحراوي أنه أعطى مجموعتين من كتبه لدار نشر إلكتروني، وطلب منهم أن ينشروا الكتب مجانا علي الموقع حتى تتاح للناس قراءة كتبه، وبالفعل نشرت الكتب في أكثر من رابط، ودخل المواقع قراء أكثر بكثير ممن يقرأون الكتب المطبوعة. وبصراحة. فإن النشر الالكتروني بالمقابل المادي لا ينفع في مجتمعاتنا. وان كانت التجربة تقول إنه يجب السماح بطباعة الكتب مجانا. وهو أمر مفيد جدا للكاتب. وأنا أنشر علي نفقتي، أنا ادفع للناشر الخاص. أما في النشر الإلكتروني فلا أدفع شيئا، ويُخرج الناشر الكتاب بصورة لائقة، فيتاح للجميع. فضلا عن أن هذه الوسيلة تتيح التعرف إلى آراء القراء ومقترحاتهم. وهو ما لا يتاح في النشر الورقي. كما يتيح تكوين قاعدة بيانات إحصائية، بما يعكس حالة الإبداع.
              إنها تجربة تحتاج لجهد مؤسسي بعيداً عن طموح الأفراد.
              ويؤكد د. أحمد عتمان أن النشر الالكتروني وسيلة معترف بها؛ فثمة مجلات الكترونية دولية معترف بها في الرسائل الجامعية. وبالنسبة لي. فقد أخذ أحد الناشرين بعض أعمالي دون أن أعرف. لولا أن صارحني صديق بأنه حصل علي تلك الأعمال مجانا. وأنا اعتبر هذا سرقة إلكترونية وليس نشرا إلكترونيا. علي أنه يمكن القول إن القرصنة الألكترونية يمكن أن تعرف بالكتاب نظرا لانتشار الأمية، وقلة القراء. وما نأمله أن يتحسن الأمر شيئا فشيئا. وتزول الأمية الكتابية. فنحافظ علي الحقوق الملكية للمؤلفين.
              ويتحدث د. أيمن فؤاد سيد عن ناشر أخذ عشرة كتب من مؤلفاته، وحتى الآن لم يحصل علي أي مقابل. ما حدث إذن هو نصب واحتيال. والأخطر أن بعض كتبي الأخرى منشورة في مواقع مختلفة دون التعاقد معي. أتمنى أن يكون هناك التزام ونوع من ميثاق الشرف بين الطرفين.
              تطور طبيعي
              ويذهب د. يوسف نوفل إلي أن الناشر الإلكتروني تطور طبيعي للقفزة التكنولوجية الهائلة. وعلينا أن نعترف أن الحياة دائمة ومتجددة لكل منهما. لكن الذي ألاحظه في الآونة الأخيرة ـ وفي ضوء ما جري من اتصالات حول كتبي من جهات النشر الإلكترونية ـ أن المسألة في حاجة إلي شيء من التنظيم. لأن هناك فارقا ضخما بين نشر في موقع ما. وبين ناشر مستثمر ينشر كتابا ما. بمعني أن الناشر الالكتروني الآن يبيع السمك في الماء. مرحبا بالنشر الالكتروني. لكن وفق ضوابط واضحة. وحفظ حقوق الملكية الفكرية. ومراعاة العدالة بين الطرفين. وعن نفسي. فقد رفضت التصريح بالنشر الإلكتروني فيما يخص كتبي.
              أما د. رمضان بسطاويسي ففي تقديره أن التجربة مفيدة جدا للباحث الغربي. فهي توفر له الكثير من الوقت والجهد. وبالنسبة للكاتب العربي فإنه لم يستفد من النشر الإلكتروني ماديا لعدم وجود صيغة تجعله يحصل علي مستحقاته. وبالتالي فإنه يجب أن تتبنى النشر الإلكتروني مؤسسات كبيرة قادرة علي دفع المقابل المادي. مشروع جوجل كبير وضخم. يتيح نشر الكتب. ولكن لا يتيح تصويرها. وهو ما يفيد الباحثين. أما لدينا فهي جهود فردية لا تخضع لخطة منظمة، بحيث تجعل الإبداع العربي في متناول الجميع. لا إحصاءات ولا تصنيفات. المشروع بهذا الشكل الانتقائي لا يمكن أن يساعد الباحث. النشر الإلكتروني مرتبط بتكوين قاعدة بيانات إحصائية.
              ويرى الناقد الدكتور مصطفي الضبع أنه ما بين رغبة المؤلف المشروعة في التواجد علي شبكة الانترنت وطرح أعماله عليها. وبين رغبة بعض المؤسسات وبعض الأفراد أيضا ممن يمتلكون تواجدا بدرجة ما علي الشبكة العنكبوتية. وبين الاثنين تضيع الكثير من المواضعات والمبادئ. وبعد أعوام قليلة من التجربة ليست هناك نتائج جيدة علي مستوي العلاقة بين المؤلف والناشر الإلكتروني. وتفكيرنا بالمستقبل يفرض علينا أن نعيد التفكير في تطوير النشر في المؤسسات الكبرى فيتوازي النشر الورقي والنشر الالكتروني، وأن تضع هذه المؤسسات آليات التنفيذ ومبادئ التعامل وقوانينه مما يؤسس لائحة تشكل قانونا أخلاقيا للتعامل يلزم الكثير من دور النشر.
              وفي تقدير الشاعر أحمد فضل شبلول أن القراءة لا تزال علي الشاشات حديثة العهد لدينا، ولم يزل عدد كبير من أدبائنا لا يتعاملون مع أجهزة الكمبيوتر، حتى الذين لهم مواقع أو بريد الكتروني أو مدونات أنشأها لهم غيرهم. لا يتفاعل أغلبهم مع ما هو منشور علي الشبكة. ولم تزل المواقع المخصصة لنشر الكتب العربية إلكترونيا ـ علي قلتها ـ تشكو من قلة أو انعدام المبيعات. وليس معني ذلك فشل التجربة. لكنها تحتاج زمنا حتى تنضج وتأخذ مسارها الطبيعي في الحياة. النشر الإلكتروني ـ أو دور النشر الإلكترونية إن صحت التسمية ـ لم يمض عليه أكثر من عشر سنوات. وأنا أتوقع الازدهار الكبير لهذه الصناعة خلال الأعوام القادمة. خاصة أن مؤشرات الصحافة الالكترونية التي بدأت تسود الآن تدل علي ذلك.
              حقوق ضائعة
              ويتوقع الروائي حسني سيد لبيب أن تعيد هذه المواقع تنظيم معلوماتها بشكل أدق. وتبرز علي السطح إشكالية حقوق الملكية الفكرية، وهي في مجملها حقوق ضائعة تهضم حقوق المؤلفين، رغم أن هذه المواقع تدار بأحدث التقنيات. مما ييسر إصدار بطاقة بحقوق كل مؤلف. دون أن يطالب هو بها. وفي بداية التعامل المادي. اكتنف الغموض مصير هذه الحقوق. ومضى نحو ثلاث سنوات ولم يحصل المؤلفون المشاركون علي جنيه واحد من حقوق النشر، وكانت حجة الإداريين أن الإقبال علي هذه المنظومة الجديدة ضعيف جدا. والعائد المتاح من هذا النشر خصص لتغطية النفقات الإدارية!.. وتدور دورة جديدة لهذا النشر وتأتي النتيجة. كسابقاتها. أي أن هامش الأرباح الضعيف يغطي بالكاد المصاريف الإدارية. كما أن مفهوم النشر الالكتروني. في زعمهم. لا يعرفه أو لا يتعامل معه كثير من المؤلفين!.. وتطفو علي السطح إشكالية أخري، هي تعدد النشر الفكري والإبداعي للمادة الواحدة في عديد من المواقع. حتى باتت المواقع تتبادل الموضوعات. والتكرار يفقد هذه المواقع تميزها. كما انتشرت السرقات الفكرية والأدبية، دون أن تصدر وثيقة تجريم مثل هذه الأفعال المشينة.
              وتؤكد الروائية كوثر عبد الدايم أن هذا النوع الجديد من النشر لا ينافس النشر الورقي، وتشير إلي تعاقد أحد الناشرين معها في مؤتمر الرواية الأخير. بوعد الاتصال بي لمحاسبتي. وحتى الآن لا اتصال من أي نوع.
              المعني نفسه تؤكده الشاعرة إيمان يوسف: أنا لا أجد ايجابية تمكنني أن أكرر تلك التجربة. فلا عائد مادياً ولا أدبياً، ولا يوجد حوار. هل النشر الالكتروني صحف إلكترونية، أم نشر تفاعلي؟ نحن لا ندري. لهذا لم أكرر التجربة ثانية. لابد أن تكون هناك قوانين. وحماية للملكية الفكرية.
              ...................................
              *المساء ـ في 6/6/2009م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                المثقفون يطالبون بتعدد مسئوليات أمين المجلس الأعلي للثقافة

                د. حسين علي محمد: الملاحظة السلبية الوحيدة أن د.عصفور كان يمسك كل الخيوط في يده
                د.عتمان : تنفيذ توصيات اللجان .. واجب
                د.عبدالمطلب : القاهرة عاصمة دائمة .. للثقافة العربية
                الحديدي : التقليل من المؤتمرات
                حسني سيد لبيب : المزاوجة بين تراثنا .. والغرب

                حوار: د. زينب العسال
                ....................

                بعد أن تولي د.جابر عصفور مسئولية المشروع القومي للترجمة. أصبح علي أبوشادي أميناً عاماً للمجلس الأعلي للثقافة. ولقد كانت الفترة الطويلة التي تولي فيها د.عصفور أمانة المجلس إيجابية في مجموعها. وأثرت الحياة الثقافية بالكثير من الأنشطة والإنجازات المهمة. وفي المرحلة بين مسئولية قيادتين يناقش المثقفون دور المجلس الأعلي للثقافة. ما له. وما عليه. وإمكانات تطويره.
                في تقدير د.عبدالمنعم تليمة أن أصحاب الفكر المسئول يسعون دائماً إلي تحديد دور الدولة في المجال الثقافي. حتي تتيسر للناس سبل الاستفادة. وحتي يسهل علي المهتمين المشاركة والمتابعة والمساءلة. ولاشك أن المجلس الأعلي للثقافة أهم أدوات الدولة في أدواء دورها الثقافي. ولاشك كذلك أن تاريخ علي أبوشادي الطويل. في المواقع الثقافية القيادية التي نهض بها. يشهد له. فهو تاريخ يشرف صاحبه. ويجعلنا لانرجو منه. ولا نتمني عليه. وإنما نتوقع منه : صياغة مباديء محددة ومعلنة لعمل المجلس. وضع خطة تفصيلية لأنشطة المجلس شهرياً وسنوياً. جعل الأساس في عمل المجلس في مجال النشر قائماً علي الأصول والأمهات التي لايستطيع الناشر الخاص النهوض بتكلفتها. عقد اتفاقات تؤسس التآخي بين المجلس وكل جهات النشر والتعليم والإعلام والعلم.. كل هذا وما يراه غيرنا إنما يمكن ضبطه بإدارة جديدة في المجلس. يسميها إدارة المتابعة. تكون عضويتها لأهل الاختصاص من المفكرين والعلماء المستقلين. ويكون دستورها التقويم الدائم لعمل المجلس من جهة المسئولية الفكرية والعلمية والأداء الديمقراطي. وضمان حرية التعبير والتفكير والاجتهاد والبحث.
                أعباء ثقيلة
                ويؤكد الشاعر والناقد الدكتور حسين علي محمد أن المجلس أثناء تولي د.جابر عصفور أمانته العامة قد أدي دوراً يصعب إنكاره. بل إنه في أنشطته المختلفة مثل وزارة ثقافة مصغرة. وأربك هيئات الوزارة الأخري. والمثل نجده في المطبوعات التي يصدرها مقابلاً لما تصدره هيئة الكتاب. والندوات التي تمثل النشاط الثقافي الأهم في كل القضايا. وفي كل ألوان المعرفة الإنسانية. وفي المسابقات التي يتوفر فيها حد معقول من الشفافية والموضوعية إلخ.. ولعل الملاحظة السلبية الوحيدة أن د.عصفور كان يمسك كل الخيوط في يده. ولأن الأعباء ثقيلة فقد كان يكل بعض تخصصاته إلي موظفين لاتعد تلك التخصصات من صميم عملهم. ليكن الأمين العام للمجلس مخططاً ومشرفاً ومتابعاً. علي أن تحدد أعمال الإدارات المختلفة بما يدفع العجلة إلي السير دون تسرع. وبلا إبطاء. لا أتصور مثلاً أن يتولي المشرف علي اللجان مسئولية النشر. ولا أن تقترب مواعيد المؤتمرات والمحاضرات والندوات وتتباعد دون خطة واضحة ومعلنة. علي كل مسئول في إطار النشاط الكلي للمجلس أن يؤدي دوره المحدد. بحيث لا تختلط الأوراق. وينتظم الأداء.
                ويري د.أحمد عتمان أن الدكتور جابر عصفور بعث الحياة في المجلس الأعلي للثقافة. وجعله شعلة نشاط متعددة الجوانب. وأصبح الناس يشعرون به. ليس فقط داخل مصر. وإنما علي امتداد الوطن العربي. وصارت لأنشطته أصداء في أنحاء العالم. هناك مؤتمرات عدة رصدت جوائز كبيرة للشعر والرواية. هذا الدور كان له تقديره من الأدباء والمثقفين. فقد استطاع جابر أن يفعل هذا بهؤلاء المثقفين الذين التفوا حوله. أما الأمين الجديد وهو الصديق العزيز فقد سعدت بوجوده في المجلس لعدة أسباب. إنه صاحب تجربة واسعة في مجال العمل الثقافي بعد توليه عدة مناصب في الثقافة الجماهيرية والمصنفات الفنية. إضافة إلي صدقه الفني وصراحته وطموحه. وبالتالي فنحن نأمل أن يسير علي هذا الدرب. ويعمق التجربة. وتكون له سياسة. ونحن واثقون أن طموحاته سيقدرها الجميع. ونشهد له بالأمانة والصدق في كل المواقع التي شغلها. ولن نجد من هو أفضل منه. وأنا واثق أن المثقفين سيلتفون حوله كما التفوا حول جابر عصفور. وهو بخلقه ودماثة أخلاقه قادر علي أن يحتوي كل الأدباء والمثقفين. ولي أمنية أتمناها علي الأمين الجديد. أن يجعل قرارات وتوصيات اللجان قابلة للتنفيذ. بمعني أن يكون هناك ارتباط وثيق بين مناقشات اللجان. وما يجري علي الساحة في مجالات العمل في وزارة الثقافة. وأن يكون للجان الثقافية فيها نتاج ثقافي. فتصدر مجلات. ويكون لها مؤتمراتها الخاصة. كل في مجال تخصصه. كي تقود الحياة الثقافية بالفعل. فمن خلال معايشتي ألحظ أن هناك مناقشات تدور وأفكاراً تطرح. وما يطرح علي الساحة مخالف لذلك تماماً. أرجو أن يتم سد هذه الفجوة.
                منجزات
                ويطالب د.محمد عبدالمطلب الأمين العام الجديد للمجلس أن يحافظ علي المنجزات التي حققها جابر عصفور. وأن يجعل القاهرة عاصمة دائمة للثقافة العربية. علي أن يقلل بعض الشيء من المهرجانات والمؤتمرات التي تتطلب أموالاً باهظة دون أن يكون لها عائد حقيقي في الثقافة المصرية. وأن تنفق في نواح تساعد علي تنشيط الحركة الثقافية. وتشجع الأدباء والمثقفين. وتيسر وسائل النشر. ونأمل من علي أبوشادي أن يركز علي ارتباط الثقافة المصرية بالثقافة العربية. ويربطها بالثقافة الإنسانية كلها. وأن يعمل علي زيادة المبالغ المخصصة لمجال التفرغ. والمخصصة لمجال نشر الكتاب الأول. وأن يتعاون مع المشروع القومي للترجمة لكي يحقق نهضة ثقافية كاملة.
                أما الروائي حسني سيد لبيب فهو يحدد في نقاط ما يراه جديراً باهتمام الأمين العام الجديد للمجلس الأعلي للثقافة : إلقاء الضوء علي الثقافة العربية قديمها وحديثها. مع الاهتمام بنشر الثقافة الغربية. عدم الاكتفاء بنشر كتب لرافد ثقافي معين وإلقاء الضوء علي مؤلفات قيمة في التراث العربي. أو إعادة طباعتها والحرص علي طرح مطبوعات المجلس بسعر يتناسب مع كل القدرات. الاهتمام بنشر الموسوعات والمعاجم وتشجيع الكتاب بشراء نسخ من مؤلفاتهم ورعاية المواهب الأدبية الشابة والعمل علي نشر مؤلفاتهم وإصدار مجلة شهرية تكون منفذا جديداً للنشر وألا يكون نشر شعر العامية بديلاً لشعر الفصحي وأن تصدر لجنة القصة سرداً زمنياً للرواية المصرية. يتضمن اسم الرواية ومؤلفها وسنة الصدور ودار النشر وملخص للرواية.
                ويذهب الروائي والمترجم محمد الحديدي إلي أن وظيفة المجلس الأعلي للثقافة يجب أن تكون معنوية أكثر منها مادية. أي ينشر الوعي بالأدب والفنون للإنسان العادي. أما بالنسبة للجان فإن لها في الأغلب أهدافها وأغراضها وعلي الأمين العام أن يقلص الجانب المادي. وينظم المؤتمرات لأغراض محددة. ويكون المؤتمر كالمنتدي لكل الأدباء والفنانين. لقد دخلت الدولة في الستينيات بثقلها في كل شيء. ولأن الحكومة لها حدودها. فقد أفسدت أشياء كثيرة. ولعلي أتمني عودة عصر الحكيم والمازني. حيث المبدع لايهمه أن يكسب مما يتم بيعه من كتبه. لا أريد أن تتدخل الدولة. والحكومة الآن تتجه إلي الخصخصة. فنحن نعود لاقتصاديات السوق. ونريد أن تحيا الفنون والآداب علي رجلين. دون تدخل من مؤسسات الدولة.
                ....................
                *المساء الأسبوعية ـ في 31/3/2007م ـ صفحة: قضايا أدبية.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  آراء الأدباء ..في خطة وزارة الثقافة

                  د. حسين علي محمد: استعادة الوجه الحقيقي للثقافة المصرية
                  د. حسن طلب: وصول الخدمات إلي قري الأقاليم.. هدف مهم

                  حوار: د. زينب العسال
                  ....................

                  من أجل إعداد خطة خمسية للعمل الثقافي في الفترة من 2007 إلي 2012 طلبت وزارة الثقافة من الهيئات الرسمية والأهلية ان تشارك باقتراحات تغطي - في مجموعها - صورة معطياتنا الثقافية. بما يضيف ويطور ويعبر عن الصورة الحقيقية للإبداع المصري.
                  يقول د. حسين علي محمد: لعل السؤال الذي يفرض نفسه حول الخطة التي تعدها وزارة الثقافة.. ألم تكن الوزارة قد وضعت استراتيجية تعمل في ضوئها؟ وهل هذه هي البداية المتأخرة؟
                  لكنني أتجاوز إلحاح السؤال. وأجد في الدعوة إلي وضع خطة فرصة ينبغي ألا نفلتها لإنجاز الكثير. وبداية. فإن غياب الاستراتيجية واضح في بانورامية العمل الثقافي.. لأن الاستراتيجية تعني وضع خطة للتطوير والاضافة..
                  المقارنة السريعة بين واقعنا المسرحي في الستينيات وبين مسرحنا الحالي تبين - في تقدير د. حسين علي محمد - عن الفرق بين أعمال نعمان عاشور وألفريد فرج وسعد الدين ومحمود دياب وميخائيل رومان ورشاد رشدي وغيرهم وبين.. من؟ فيما عدا أبو العلا السلاموني ورأفت الدويري ويسري الجندي وسليم كتشنر.. فإني أظلم هؤلاء المبدعين الكبار لو أني أوردت أسماء مقابلة من كتبة هذه الأيام.
                  ولعلي أطرح فكرة الإفادة من ميزانية المسرح التجريبي الذي يشبه تأثيره في مجالنا المسرحي تأثير موسيقي الحجرة في المجال الموسيقي.. لتشجيع المبدعين المتميزين علي الإجادة والتفوق. أما السينما فإنها تعاني - منذ سنوات - ما يطلق عليه أفلام المقاولات.. وهي - مع ذلك - قليلة للغاية. وتخسر السينما المصرية. فناً وصناعة ومورداً اقتصادياً مهماً. أمام اللامبالاة التي نستقبل بها هذه الأفلام السلق بيض. أما الأغنية فقد تزوج أحمد حلمي من عايدة. وكان المأذون هو الشيخ رمضان.. وشارك في حفل التلوث السمعي مطربون يعانون أمراضاً في الجهاز التنفسي. وفي أحبال الصوت والأنف. ويقدمون أغنيات تافهة الكلمات. رديئة الألحان. بدعوي الأغنية الشبابية. والقائمة تطول.. الهدف ليس انتقاد وزارة الثقافة. ولا أي أحد.. إنما الهدف هو استعادة الوجه الحقيقي للثقافة المصرية. التي لم يعد يشغلنا - للأسف - ما يروجه البعض أنها لم تعد تعبيراً عن الريادة. وأنها تأخرت في مجالات الإبداع إلي صفوف تالية!
                  القاهرة فقط!
                  لابد للخطة - في تقدير الشاعر د. حسن طلب ان تعمل علي وصول الأنشطة الثقافية إلي مستحقيها في النجوع والكفور والمدن الإقليمية. لماذا تقام المهرجانات في القاهرة فقط؟ لماذا لا تدخل الخدمة الثقافية في حيز الوجود الفعلي. أي تصل إلي هؤلاء المحرومين من الشباب الذي يعاني من الفراغ الثقافي؟ هنا لابد ان يكون لقصور الثقافة دور كبير في تنفيذ هذه الخطة. أضيف السؤال: لماذا تتكدس سلاسل النشر في الهيئات الثقافية في القاهرة؟ ولماذا لا يتم الاهتمام بإبداعات الشباب علي نحو افضل بحيث نضمن لشباب المبدعين الحقيقيين وصول إبداعهم. من خلال الحيدة والموضوعية واستقرار القيم وتشجيع كل من يملك موهبة حقيقية. وإهمال الزيارات الملحة وأصحاب الأصوات الملحة. أعتقد أن للجان المجلس الأعلي للثقافة دوراً مهماً في وضع الخطط التي تشكل بانوراما الخطة المتكاملة في النهاية.
                  ويري الأديب عبد الفتاح صبري في قصور الثقافة تلخيصاً لمعني العمل الثقافي. إنها - كما يقول أندريه مالرو - يجب ان تكون مكاناً للالتقاء والمواجهة بين الثقافة وأولئك الذين يريدون الوصول إليها. بين الذين يحملون الرسالة والذين يتلقونها. بين الفنانين وجمهورهم. بين الناس بعضهم بعضاً. لذلك فإنه من الصعب ان تختزل هيئة قصور الثقافة إلي ادارة للنشر. تلك مسئولية هيئة الكتاب التي يبدو دورها في مجال طباعة الكتب أشبه بالمدفعية الثقيلة. إنها تعني بالمكتبة العربية من خلال خطة لنشر الموسوعات والدراسات والأعمال الإبداعية. سواء من العربية أو إليها. بما يضيف إلي المكتبة العربية. ويساعد حتي القارئ الذي ربما تعوزه اللغة الأجنبية علي المتابعة. والتزود المعرفي والإبداعي.
                  أما النشر الذي تقوم به الهيئات الأخري التابعة لوزارة الثقافة. فهو - في المحصلة النهائية - يضيف إلي عملية النشر بدرجة وبأخري. بالاقتصار علي اهتمامات محددة. وقراء محددين. بحيث انها تمثل أسلحة ذات تأثير يختلف عن التأثير الذي تحدثه مطبوعات هيئة الكتاب..
                  نشر إبداعات الأقاليم
                  أما هيئة قصور الثقافة. فإن البداية التي ربما نسيها الجميع. تعود إلي توصيات مؤتمرات أدباء مصر في الأقاليم التي دعت إلي وجوب نشر إبداعات أدباء الأقاليم. من خلال مجلة شهرية وكتب. وتدحرجت كرة الثلج - بتوالي الأعوام - وتحولت إلي سلاسل ودوريات غاب - بتوزعها - الهدف الذي أنشئت من أجله إدارة للنشر. إن أعمال أدباء الأقاليم تضل طريقها - أحياناً - إلي مطبوعات هيئة الكتاب. فالهيئة - كما اشرنا - لها مشروعها القومي. مدفعيتها الثقيلة التي يشغلها الإضافة والتطوير للمكتبة العربية ككل. وربما أهملت - في سعيها لتحقيق هذا المشروع - أعمالاً جيدة للمبدعين الشباب. ومن بينهم هؤلاء الذين يقيمون في أقاليم بلادنا.
                  والنشر في هيئة قصور الثقافة يجب ان تكون له أهدافه الواضحة والمعلنة. فلا نجني في اهتمامنا به علي أنشطة مهمة أخري كالفنون التشكيلية والتطبيقية والسينما والمسرح والموسيقي والمحاضرات والندوات التي تصدر عن البيئة. وتخاطب اهتماماتها. وليست تلك التي تنطلق من القاهرة لمجاملة المتحدثين وكسب رضاهم.
                  وعلي الرغم من انقضاء عشرات الأعوام علي إنشاء هيئة قصور الثقافة. فإنه من الصعب تصور ان الهدف الجميل الذي تسعي إليه الهيئة قد اقترب من التحقيق. وهو وصول العمل الثقافي إلي أبعد وأصغر قرية مصرية..
                  وكخطوة أولي - أو فلنقل: كخطوة مغايرة صحيحة - علينا ان نطبق فكرة القوافل الثقافية التي تنشر الاستنارة. وتنشط الفكر. وتشجع المبدعين في أقاليم بلادنا.. علي أن يبدأ العمل الثقافي داخل كل إقليم في التعبير عن نفسه. وإظهار ملامحه وقسماته. والمشاركة بفعالية في العمل الثقافي المصري من خلال مبدعيه ومثقفيه..
                  الكتاب
                  د. جمال التلاوي يركز علي قضية الكتاب. حين أعلن ناشر أستاذنا نجيب محفوظ ان كتب عميد الرواية العربية لم تعد تحقق الرواج الذي كان لها. وأنه أوقف طباعة الكتب الأدبية. كنت أتوقع ان تقوم الدنيا ولا تقعد. لجملة أسباب. في مقدمتها ان توقف دار نشر في حجم مكتبة مصر. بعد أكثر من سبعين عاماً في نشر الإبداعات المصرية والعربية لكبار الكتاب: الحكيم ومحفوظ والسحار وإدريس وذهني والبدوي والسباعي وغراب وعبد الحليم عبد الله وباكثير وغيرهم.
                  هذا التوقف له دلالته التي يجب التوقف أمامها. ومناقشتها قد يصادف الناشر - أي ناشر - هبوطاً في أرقام مبيعات كاتب ما. مقابلاً لرواج مؤلفات كاتب آخر. وقد تتأثر حركة التوزيع سلباً بما يسهل تلافيه وتعويضه فيما بعد. لكن التوقف عن نشر الإبداع الأدبي تماماً. والاقتصار علي التقاويم والأجندات والملخصات المدرسية. نتيجة خطيرة يجب ان ندرس أسبابها. وهي - بالتأكيد - ليست أسباباً خاصة. لكنها تتصل بأزمة الكتاب الأدبي. والأزمة التي تعانيها حركة النشر في بلادنا..
                  إذا كانت القاهرة تنظم معرضاً للكتاب في مطلع كل عام. فإن القضية الأهم التي يجب ان يخصص لها المعرض ندواته في الدورة القادمة. هي قضية الكتاب نفسه. كيف ننقذه من حالة الاحتضار التي يعانيها. ونعيد إليه عافيته. لا بأس من استضافة النجوم وإقامة الاستعراضات الفنية وعرض الأفلام وبيع الساندوتشات والفشار. لكن مسمي المعرض ينبغي ان ينطبق عليه. إنه معرض الكتاب. وهذه هي المناسبة الوحيدة التي يمكن ان تطرح فيها كل قضاياه ومشكلاته..
                  إنقاذ المريض ممكن مادامت أنفاسه تتردد. وأنه لم يمت إكلينيكياً.. وإنقاذ الكتاب مسئولية هيئاتنا الثقافية ومثقفينا.. فلندرس البواعث. وهل هي الإنترنت. أو الظروف الاقتصادية. أو ارتفاع أسعار الورق والخامات. أو تفشي الأمية الثقافية. ويبقي الأمل في حلول جادة وموضوعية وحاسمة. تعيد للكتاب المصري مكانته القديمة!
                  ........................................
                  *المساء ـ في 21/10/2006م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    خطاب السيرة الذاتية فى نوار عين الصقر

                    بقلم: د. زينب العسال
                    ..................

                    أعترف لوجون فى أحد حواراته أن كتابة السيرة الذاتية لم تعد تقتصر على الكتاب وحدهم ، بل هى ممارسة فردية واجتماعية, وهو بذلك يوسع من مفهوم السيرة الذاتية , وقد لمسنا ذلك الانفجار الإبداعى لهذا اللون من الأدب ، والحقيقة التى لا يمكن إغفالها أن السيرة الذاتية تتماس وتتقاطع مع غيرها من ألوان الإبداع الأخرى عير كتابية , لقد احتوت على أجناس أخرى إضافة لليوميات والرسائل والمذكرات , ومن ثم صارت السيرة الذاتية لوناً إبداعياً مرناً للغاية بقدرته على احتوائه أجناس أخرى (1)
                    و السيرة الذاتية غالباً ما تحمل وظيفة , فهى اعتراف مدروس أو اعتراف للنشر لنقل " إنها التاريخ الشخصى المعترف به من صاحبه ولا يعنى ذلك أبداً الحقيقة "(2)
                    تضعنا هذه العبارة أمام إشكالية تثيرها السيرة الذاتية ،وهى مدى الحرية التى يتمتع بها الكاتب فى اختيار الوقائع والأحداث التى مرت به , فلا يعقل أن يتحدث الإنسان عن حياته أو حتى عن أن يروى ما وقع له من أحداث خلال عام واحد . لكن يبقى كاتب السيرة فى كل الأحوال شاهداً على العصر ، فلا يمكن أن ينفصل صاحب السيرة عما يقع فى محيطه الأسرى مثلاً , قد يأتى الحديث صراحة , كاشفاً عما يتعرض له المجتمع من أحداث .
                    نوار عين الصقر هى سيرة ذاتية اختار صاحبها فترة بعينها . فقد اجتزأ فترة من شبابه , أهداها إلى شباب مصر .
                    إننا أمام سيرة مجند مصرى , وهذا هو الجديد فى الأمر ,فقد قرأنا عدداً كبيراً من سير القادة والمفكرين و الساسة . السيرة " أحمد نوار " سيرة شفاهية ، فقد أملاها على كاتب آخر , فصاحب السيرة أصبح راوياً ضمنياً , لكن ذلك لم يحل دون من سماع صوته وخلجات نفسه ؛وإن ظلت السيرة تنتمى إلى مرحلة الشفاهية الأمر الذى يؤدى إلى إشكالية البناء والتقنيات السردية إلى من تنتمى ؟.،
                    لماذا كتب نوار سيرته , أقول سيرته وليس ذكرياته ؟
                    قسمت السيرة إلى عدة فصول أخذت العناوين التالية : مولد البطل , القدس , 5يونيو 1967 , المفاجأة , أيام "الهايكستب" , الخيال , الجبهة , أول القنص قطر , القنص الثانى ,الصيد الثالث , لعبة القط والفار , أزهار الملك , مسابقة قنص , القنص والتطعيم , إفطار القنص , رمضان وذكريات أخرى , العبور , بروفات مبكرة لثغرة 1973 , وكانت الثغرة , خاتمة ألف ليلة وليلة .
                    يحيلنا عنوان الفصل الأول إلى السيرة الشعبية حيث يمهد لمولد البطل الشعبى بمجموعة من الأحداث الخارقة والمرهصة بمولده . هذه الحوادث الخارقة والأسطورية تتحول فى سيرة نوار إلى أحداث إنسانية بسيطة مرتبطة بالأرض والناس والأهل , فالبطل ابن قرية مصرية صغيرة ,ومولده جاء عقب انتهاء الحرب العالية الثانية , يبدو أن الحرب ستلعب دورها فى حياة صاحب السيرة .
                    تستعير السيرة من رواية الأيام لطه حسين عبارة : اختار فتانا نوار طريق التعليم ، و يشكل السرد ملامح فتانا , عبر حادثة مرهصة نما سيكون عليه صاحبنا ؛ إنها حادثة ثار ! " ربط الثأر إلى يسير فى دائرة مفرغة بين الأسر والقرى بالخط " إن الفنان يبحث عن تلك البذور التى أينعت بعد ذلك وتفتحت وصارت ذ لك المجند القناص " عين الصقر" .
                    لا يتوقف الحكى كثيراً أمام مرحلة الطفولة , لكن هذا التكثيف وقف أمام أحداث متفرقة أدت إلى تقديم بوتريه نفسى لهذا الفتى ؛فهو المقدام المغامر الحب للاكتشاف .
                    كل شيء موظف لظهور لهذا البطل .
                    فى مرحلة الشباب نتعرف على أحمد نوار الرحالة الذى يجوب المدن يتنقل بين بعض البلدان العربية والأوروبية ؛ فالكشاف لا يهدأ ,ويتوقف السرد لصالح الوصف والتحليل ,فيروى عن البطل انطباعاته عن زيارته لمدينة القدس كانت تجربة زيارتى للقدس حاسمة فى حياتى , لقد ظل المصريون ـ وأن منهم ـ يحاربون إسرائيل دون أن يروها أو يروا إسرائيلياً واحداً فقط ،يقترب البطل من معاناة المدينة العربية من الاحتلال ، كما يعانى الشعب من القهر والاغتراب
                    تلعب المفارقة دوراً ف البناء السردى للسيرة . نلتقى بأول هذه المفارقات فى الفصل الرابع" المفاجأة " وهو كذلك وسوف يشارك المتلقى الراوى فى قلقه , فقد تخرج صاحبنا فى كلية الفنون الجميلة ,ها هو يفوز بإحدى الجوائز العالمية , وبدلاً من أن يتسلم الفنان الجائزة عليه الأنا ن يلتحق ـفوراًـ بالجيش , يعيد لراوى تقديم المشهد , وتتجسد المفارقة فى ردود الفعل التى يتلقاها من الضابط المسئول !.
                    " لقد كانت المفاجأة صدمة عصبية ونفسية ملأت جوانب نفسى بالألم العميق , ولم يكن ذلك بالطبع لأننى سوف ألتحق فوراً بالجيش , وإنما لأسلوب إدارة الأمور من ناحية وللتحول العجيب فى نفسى من فرحة الحصول لمصر على جائزة عالمية وتمثيلها فى الاحتفال باستلامها إلى حزن منعى من السفر وغيبة مصر عن هذا الاحتفال دون مبرر واضح " وستعلو درجة المفارقة حينما يتلقى صاحبنا خطابا ًمن إسبانيا .
                    التكوين
                    " وصار القنص لى حرفة "فى هذا الجزء يقف القارئ على المراحل التى مر بها " نوار"من تدريب والاستعداد النفسى والعلاقة بين التفكير العلمى وملكة التخيل وأثر ذلك على صاحبنا , فى ذلك يقول فى ذلك : " لقد التصقت بسلاحى و اندمجت فى قضية المواجهة مع إسرائيل , وصار القنص لى حرفة مقدسة , هنا يقدم نوار للقارئ نفسه بعض هواجسه , وخوفه من الإخفاق , ها هو الفنان يتحول إلى قناص , وكيف أفاد القناص من الإنسان ثم الفنان .
                    إن القناص يقف على شفير بين الحياة والموت ، وفى اللحظة التى يصوب فيها بندقيته عليه أن يعى أن خطأ واحد اًً قد يفقده حياته !
                    يبدأ الإعداد بهدوء الأعصاب واتزانها وتحديد الهدف والشجاعة يتم التدريب عليها طوال الوقت , وليس الشجاعة يقوم فيها الإنسان بلم جماع نفسه والإمساك بها فى لحظات الخطر .
                    لاشك أن الراوى كان قاسياً على نفسه مندفعاً فى سبيل تحيق هدفه النبيل , والذى سوف يعرضه لخطر الموت " الاستشهاد " , هنا ينقلنا السرد إلى الحياة خارج الجبهة فى لقطة إنسانية ، تصور مشاعر الإنسان المحب , هذه اللحظة الدافئة يعبرها السد سريعاً لقد أهدرت السيرة تلك اللحظات العاطفية لصالح هدف يراه صاحب السيرة أسمى ، وهو الحديث عن تضحيات الأبطال حكايات جنود عاديين ضحوا بحياتهم .فى سبيل تحرير أرض الوطن .
                    كانت حرب الاستنزاف هى بالفعل حرب , ولم تكن كما أشيع نوعاً من الإعداد فى تلك الفترة , سيهتم صاحب السيرة بسرد وقائع وأحداث , فهو شاهد على هذا , وسيكون موقع الأحداث هو الدفرسوار , والفردان وعلى طول شط القناة ـ الخط الأمامى لمواجهة العدو ، سنقترب من حياة القناص سعادته لحصوله على جائزة "برتقالة " , نشاركه الحزن على استشهاد أحد الجنود ,نضحك من ذلك الوضع المعكوس الذى أتخذه نوار للنوم فى الملجأ , ونتعرف روح الأبوة التى يتمتع بها قائد المجموعة , فيصفه صاحبنا بأنه يشبه الظل الذى يعطى الأمان لجنوده فهو يتقدمهم فى مواجهة القصف ، وليس من قواد الكمون فى المخابئ وطاعة الأوامر
                    وبدأت اللعبة .
                    كان على القناص أن يكتشف ويستطلع نقاط الاستطلاع. يحدد الهدف ، يرقب التحركات , ويحسب المسافة بينه وبين الهدف , يفكر فى اللحظة الحاسمة ، يكشف المونولوج الداخلى عما يعتمل فى نفس الفنان , كيف يتأتى له أن يقتل إنساناً ؟.
                    ثمة تحول داخلى لم يكشف عنه الراوى , ولكن أعلن عنه عندما توجه الراوى للمتلقى قائلاً : " هكذا يا سادتى يا كرام بعد أسبوع من التمويه خرجت بنية ممارسة أول عملية قنص " ترى هل تغلب القناص على الفنان ؟.
                    مع كل عملية قنص ثمة ما هو جديد , الأمر الذى يجعلنا لا نشعر بالرتابة أو الملل , ففى كل مرة هناك تغير فى التمويه من جانب العدو , يقابلها وضع خطة محكمة تعتمد على معارف متعددة إضافة إلى خيال الفنان , ووضع كل الاحتمالات , والمدهش ـ حقاً ـ أن صاحبنا لا يقلل من قدر العدو ولا كفاءته , , وقدرة الجندى الإسرائيلى على التعامل مع المواقف الحرجة واستخدام استراتيجية متطورة , وتطوير طرق الدفاع والهجوم , الأمر الذى زاد من يقظة الجندى المصرى الذى عاملها بالمثل , إنها مباراة سيكون النصر فيها للأكثر جدارة واستيعاباً للدروس المستفادة . وتأتى المفارقة عندما يعلن نوار أن الثغرة كانت من الأمور المعروفة لكل من شارك فى حرب الاستنزاف , وكان على قادتنا العسكريين فى حرب أكتوبر أن يعوا ذلك , فالأمر لم يكن مفاجأة، ويعلق الراوى قائلاً :" فلم يكن لإسرائيل الفضل فيه .. لكن كان اعتمادهم على قدرتنا الرائعة على النسيان " .
                    كل ذلك لا تغفل المشاعر الإنسانية , التى قد يتعرض القناص بسببها للمخاطر فالإقدام قد يصل حد التهور , " لقد كانت مجازفة قائد الدبابة الإسرائيلية محسوبة , أما مجازفتى فكانت تهوراً, أو قل مجازفة انتحارية " .
                    لعل من التقنيات الهامة التى استخدمت فى النص , التقطيع السينمائى,للمشاهد وهو يرتبط فى الغالب بمشاهد القنص , واختيار اللحظة المناسبة لإنهاء عملية القنص , فالقطع هنا جاء ليزيد من توتر المتلقى وتلهفه على معرفة ماذا حدث ومصير صاحب السيرة , فنجاح عملية القنص لا تتم إلا بعد عودة القناص إلى موقعه سالماً , والمتلقى فى هذا الأمر يتساوى مع رفاق القناص فى القلق الذى ينتابهم ، بعد أن يعلن العدو عن خسارته بهجوم عنيف بكل أسلحته على موقع القناص !
                    عنوان " ألف ليلة وليلة " يدعنا نتساءل ماذا يعنى هذا العنوان؟, ما علاقته بسيرة حقيقية لواحد من جنودنا فى حرب الاستنزاف؟
                    هل نحن أمام حكايات , يمتزج فيها الخيالى مع الواقعى ؟ الحقيقة الثابتة من السرد تنفى ذلك , لكن ما جاء بعد هذا العنوان يدل أننا أمام حكايات واقعية أغرب من الخيال , لعل مرجع ذلك أن نهاية هذه الحكايات على غير المتوقع !
                    ،تهيمن نزعة إنسانية تؤكد على دور المجتمع تجاه أبنائه الجنود , ثمة نبرة لوم أسيانة , لما يعانيه الجندى فى الحياة المدنية ! لكن ما يلبث السرد أن يسترد تلك النغمة المرحة التى تصل لحد المفارقة اللذعة , فنعرف أن البطل لا يجيد السباحة و بالتعبير العامى " يغرق فى شبر ميه !" فهو يدوب يبلبط فماذا يفعل صاحبنا وعليه أن يشارك زملائه عبور القناة لمهمة استطلاعيه ! إنه تحد له وعليه أن يجتازه , لكن نوار يدفع ثمن هذه المجازفة والجرأة نزلة شعبية , ترى ماذا يخبىء له القدر ؟!.
                    هذا ما تجيب عنه الفصول التالية يطالعنا أحمد نوار الإنسان الذى يعانى الألم النفسى , وبكل صدق يروى الراوى مشاعره وهواجسه وخوفه , أينما رحل كان الخوف ! .
                    ينهى فترة التجنيد و يستأنف نوار حياته العلمية فيسافر إلى أسبانيا ليحصل على الدكتوراه ، لكن المفارقة تظهر بصورة أكثر قسوة , فالبطل مصاب بمرض نتيجة مضاعفات النزلة الشعبية , هاهو يعانى المرض والغربة والبيروقراطية والمماطلة , وتتفاقم الحالة وتتسارع الأحداث , ويكتشف ونكتشف معه إنه أصيب بداء الدرن ! .
                    ترتبط السيرة الذاتية الخاصة بالحياة العامة ، يستغيث نوار وتنجح الحملة الإعلامية , وتكلل جهود سفيرنا فى أسبانيا والملحق الثقافى , ويعالج نوار على نفقة الدولة ويبرأ من المرض , لكن نوار يوجه لنا ـ جميعاً ـ سؤالاً صعباً ماذا عن الإنسان البسيط ؟ ويظل صدى السؤال يتردد فى أسماعنا.
                    لا نملك إلا أن نقول تحية إلى الذين دافعوا عن تراب هذا الوطن .
                    ....................
                    الهوامش:
                    1_ حاتم الصكر , السيرة الذاتية النسوية , البوح والترميز مجلة نزوى .
                    2_ مصطفى سويف , نحن والمستقبل , كتاب الهلال العدد 523, يوليو ص 39

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      على بابا يكشف سر المغارة

                      قصة للأطفال، بقلم: زينب العسال
                      ..........................

                      التقط الراوى الشعبى ربابته ، وجرى عليها بأنغام هادئة ، لا رابط بينها . مجرد أن يهيئ نفسه وجمهور الحضور لسماع ما يرويه من السير والحكايات والملاحم ..
                      انتهى الراوى من بدايات العزف ، واتجه إلى الجمهور بالقول :
                      ـ ماذا تريدون سماعه ؟
                      قال رجل فى المقعد الأول :
                      ـ ارو لنا سيرة عنترة ، وسعيه إلى الحرية ومعاركه وانتصاراته التى جعلت منه بطلاً فى نفوس الناس ..
                      قال شيخ فى الصف الثالث :
                      ـ ليتك تعزف لنا ملحمة السيرة الهلالية . ماذا فعل أبو زيد والزناتى وسعدة والجازية ودياب وغيرهم من أبطال السيرة الهلالية .
                      قال شاب فى نبرة يخالطها انفعال :
                      ـ حدثنا عن الظاهر بيبرس ومعاركه لنصرة الإسلام والعرب .
                      قال رجل فى آخر الصفوف :
                      ـ بل اعزف مغامرات على الزيبق وما فعله بالكلبانى ودليلة المحتالة ..
                      قال الراوى :
                      ـ ما رأيكم لو رويت لكم حكاية على بابا والأربعين حرامى ؟.. ستحبون ما بها من مغامرات على بابا وشقيقه قاسم ومرجانة واللصوص الأربعين .
                      أمن على قوله شيخ فى حوالى السبعين ، يرتدى جلباباً ، ويضع على كتفه تلفيعة :
                      ـ هذه حكاية مسلية ، لا أمل سماعها . اروها لنا ..
                      وضع الراوى الربابة على صدره ، وجرى عليها بأنغام خافتة ، ما لبثت أن علت بموسيقى شجية ، وكلمات جميلة ، تتحدث عن الكنز الذى اكتشفه على بابا فى الصحراء . ردد ما قاله زعيم اللصوص : افتح يا سمسم . انفتح باب المغارة . وجد على بابا الكثير من ألوان الذهب والجواهر والأموال والنفائس . أخذ قدر حاجته ، ومضى . ظل شقيقه قاسم يسأل عن سر الثروة التى عثر عليها على بابا فى داخل المغارة ، لكنه لم يقنع بالثروة القليلة . زاغت عيناه ، وتاه فى كومات الذهب والفضة والمجوهرات . ظل يفرغ مما بالكنز ، حتى ترامى صوت اللصوص :
                      مين يعادينا .. فى أراضينا
                      أراد قاسم أن يفتح باب المغارة ، لكنه كان قد نسى كلمة السر ، فردد كلمات ليست صحيحة ، حتى نطق زعيم اللصوص كلمة السر التى تفتح المغارة :
                      ـ افتح يا سمسم .
                      ولقى قاسم جزاء طمعه ، بينما تزوج على بابا من جاريته مرجانة ، وعاشا معاً فى تبات وهناء .
                      فوجئ الراوى والحضور برجل عليه مخايل العز والطيبة والذكاء ، يرتدى عباءة أشبه بما يرتديه كبار التجار فى زمن ألف ليلة وليلة .
                      بدا الرجل غريباً عن المكان ، لكن الجميع اتجهوا إليه بنظراتهم المتسائلة :
                      قال الرجل :
                      ـ ما تسمعونه من مئات الأعوام ليس حكاية على بابا الحقيقية ، ولا حكاية شقيقه قاسم ، ولا حكاية الأربعين لصاً . الحكاية تختلف تماماً ، فإن شئتم رويتها لكم على الصورة الصحيحة ..
                      قال الحضور :
                      ـ لماذا لا ترويها لنا ؟
                      قال الرجل :
                      ـ كان على بابا يخرج إلى الصحراء ، يتأمل أحواله ، ويدعو ربه ..
                      وذات يوم ، تنبه على صوت جماعى يغنى :
                      مين يعادينا .. فى أراضينا ؟
                      واختبأ على بابا وراء صخرة فى مواجهة جبل مرتفع . رأى الأربعين لصاً ، وبأيديهم صرر الأموال والنفائس ، وانفتح باب المغارة على صوت زعيم العصابة :
                      ـ افتح يا سمسم !
                      وتلاحق دخول أفراد العصابة ، ليضعوا ما كانوا يحملون فى داخل المغارة . وعرف على بابا ـ من أحاديث أفراد العصابة ـ أنهم قد سرقوا قصر شهبندر التجار ، وأنهم يعدون لسرقة قصر التاجر محمد البغدادى ..
                      نادى على بابا ـ بعد أن غادر أفراد العصابة المغارة
                      ـ : افتح يا سمسم .
                      رأى ما تحفل به المغارة من الأشياء الغالية والتحف والذهب والمجوهرات .
                      غادر على بابا المكان وهو يقول :
                      ـ اقفل يا سمسم .
                      ومضى ـ بعد إغلاق باب المغارة ـ إلى بيت القاضى .
                      لمح القاضى فى عينى على بابا خطورة ما قدم من أجله ، فصرف من كانوا بمجلسه . روى له على بابا ما رآه ، واستمع إليه ، من أفراد العصابة ، والسرقات التى قاموا بها ، وما يعدون له من سرقات أخرى .
                      أمر القاضى رجال الشرطة ، فذهبوا مع على بابا إلى المغارة . نادوا : افتح يا سمسم . ودخلوا ، ونقلوا كل ما بها إلى بيت المال .
                      استدعى القاضى شهبندر التجار ، ليتعرف على مسروقاته ، وطلب منه أن يمنح على بابا حقه من هذه المسروقات .
                      حصل على بابا على حقه فى المكافأة . ولأنه كان يتمتع بالقناعة وبر الأسرة وحب الناس ، فقد اكتفى بما يحيا منه فى يسر وسعادة ، وأعطى أخاه " قاسم " جزءاً من الأموال والنفائس ، ووزع بعضها على فقراء المدينة ليشاركوه فرحته وهناءه .
                      صمت على بابا قليلاً ، وأضاف :
                      ـ لا أدرى من نسب إلى قاسم ـ شقيق على بابا ـ الحقد والخيانة . فقد كان مثل أخيه ، باراً بأسرته ، وبالآخرين . ربما أراد القاص أن يزيد من تشابك خيوط أحداث الحكاية ، ليزيد فى متعة المستمع والقارئ .. لكن ما حدث هو رويته الآن .
                      قال الراوى الشعبى :
                      ـ من أخبرك ؟
                      قال الرجل :
                      ـ لقد كنت شريكاً فى الحكاية منذ بداياتها .
                      وقبل أن تعلو الأسئلة ، وتتوالى ، كان الرجل قد مضى خارج المكان بخطواته الواثقة .

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        إيهاب .. وخاتم سليمان

                        قصة للأطفال، بقلم: د. زينب العسال
                        ...............................

                        تعلم إيهاب هواية صيد السمك من أبيه ..
                        كان يذهب ـ فى أوقات الفراغ من الدراسة والمذاكرة ـ إلى شاطئ البحر . يدلى السنارة فى قلب المياه ، وينشغل بتأمل القوارب والسفن ، ومد الأمواج وجزرها ، وتحليق أسراب الطير على امتداد الشاطئ ..
                        كان إيهاب يضع ما تجتذبه السنارة من أسماك فى مخلاة صغيرة ، ثم يعود إلى البيت .
                        رأى إيهاب ـ وهو يضع السمك على طاولة المطبخ ـ سمكة منتفخة البطن ..
                        قال لنفسه :
                        ـ ربما التهمت قبل صيدها سمكة أصغر منها !
                        ضغط إيهاب على بطن السمكة ، فانتتر من فمها خاتم زاهى اللون ..
                        قلّب إيهاب الخاتم بين يديه .
                        لقد قرأ فى الحكايات عن خاتم سليمان الذى يظهر خادمه لمن يحكه بأصابعه وينفذ له كل ما يطلبه . هل يكون هذا الخاتم هو ما تتحدث عنه الحكايات ؟
                        دعَك إيهاب الخاتم بأصابع مترددة ، لكنه حافظ على هدوئه بتوقع ظهور خادم الخاتم كما تروى الحكايات .
                        كان الخادم قد تصاعد من الخاتم ، وملأ وسط المطبخ بجسده العملاق ، ونظراته التى تظهر الطاعة .
                        قال إيهاب :
                        ـ هل أنت الخادم الذى تروى عنه الحكايات ؟
                        قال الخادم :
                        ـ أنا هو . لكننى الآن خادمك أنت . أنا خادم من يحصل على الخاتم .
                        أطال إيهاب التفكير ، ثم قال :
                        ـ ماذا تستطيع أن تصنع من أجلى ؟
                        قال الخادم :
                        ـ عملى أن أحاول تلبية ما تأمرنى به .
                        قال إيهاب :
                        ـ أريد أن تعلمنى كيف يتحول النحاس إلى ذهب ، وكيف تتحول الأرض المجدبة إلى مساحات من الخضرة ، وكيف أتعرف على المدن والبلاد ، وكيف أقرأ وأتحدث باللغات المختلفة .
                        قال الخادم :
                        ـ أيام جدى الخادم الأول للخاتم ، كان يكفى حكة سريعة على الخاتم ليلبى لصاحبه كل ما يطلبه . يقول : شبيك لبيك ، عبدك بين إيديك . ويطلب صاحب الخاتم ما يشاء ، وعلى الخادم أن ينفذ مطالبه دون مناقشة .
                        أضاف الخادم :
                        ـ الظروف الآن تغيرت . لابد أن يسأل الخادم ويناقش ، فيعرف ماذا يريد صاحب الخاتم من وسائل العلم الحديث ، وهى ـ كما تعرف ـ تختلف عن الوسائل التى كان يلجأ إليها من كانوا يمتلكون الخادم فى الزمن القديم .
                        وضع الخادم بين يدى إيهاب بضعة كتب ، وقال :
                        ـ لأننا فى عصر العلم ، فلابد أن نحسن التعامل معه . ادرس ما بهذه الكتب من قواعد اللغة العربية لتجيد قراءاتها وكتابتها .
                        وقال الخادم ، وهو يتلقى الكتب بعد أن قرأها إيهاب :
                        ـ اللغة ليست هى التى نشأنا على معرفتها فقط . هناك لغات أخرى تفيدنا فى تحصيل المعرفة، وفى استخدامات العلوم .
                        وقال الخادم ، وهو يستعيد كتب اللغة الأجنبية :
                        ـ دراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ وغيرها من العلوم ، مهمة جداً لتعرف ما تريده ، ولأستطيع أن أفهم ما تطلبه ، وأنفذه .
                        وقال الخادم :
                        ـ لم تعد حكة الخاتم تكفى لصنع المستحيل . ما نظن أنه المستحيل يسهل علينا تحقيقه بالعلم الذى تطور به العالم عما كان عليه منذ مئات السنين .
                        طال وقت إيهاب بين الكتب التى تتناول المعارف والعلوم والفنون ، حتى حفظها تماماً .
                        أعاد ما قرأه إلى الخادم .
                        قال الخادم :
                        ـ هل ينقصك ما تريد أن تقرأه ؟
                        قال إيهاب :
                        ـ لقد قرأت فى كل شئ . أشعر أنى قد اكتفيت بما قرأته ، ولا أحتاج إلى سحر الخاتم
                        قال الخادم :
                        ـ هذا ما أردته من تشجيعك على الاطلاع والقراءة .
                        أردف :
                        ـ المعرفة الحقيقية ستغنيك عما أملكه من خدمات .
                        قال إيهاب :
                        ـ أنا مدين بالشكر لك . فمساعدتى على تحصيل المعرفة تفوق ما أتوقعه من خدمات الخاتم .
                        ثم وهو يضغط على الكلمات :
                        ـ المعرفة ستظل معى ، ألجأ إليها حين أريد .

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          ونحن علي أبواب معرض الإسكندرية الدولي
                          معارض الكتاب الإقليمية هل أثبتت جدواها ؟

                          أبو المعاطي أبو النجا: الجانب الاقتصادي لا يُمكن إغفاله.
                          د. حسين علي محمد: الإعداد الجيد .. واختيار الأكثر ملاءمة.

                          حوار: د. زينب العسال
                          ....................

                          معرض الاسكندرية الدولي للكتاب. يفتتح أبواه للجمهور هذا الأسبوع. ولأن المعارض الاقليمية للكتاب. سواء عن طريق هيئة الكتاب. أو بواسطة هيئة قصور الثقافة. شكلت في الأعوام الأخيرة ما يشبه الظاهرة. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل تحقق هذه المعارض ما يريده لها منظموها. وجمهور القراء بالتالي. من اقبال ونجاح. أو أنها تظل مجرد مناسبة احتفالية بلا عائد حقيقي؟
                          المسألة بسيطة جدا والكلام للروائي أبوالمعاطي أبو النجا فالمفروض ان تجري دراسات عن الكميات المباعة من الكتب. وهذا مؤشر إلي ان الناس في الأقاليم تقبل علي الكتاب أم لا. كذلك الندوات التي تناقش الكتب التي تحدث حالة من الرواج. وهذا أمر يتم في معرض القاهرة الدولي للكتاب. ثمة المقهي الثقافي الذي يناقش أهم الكتب. والندوات التي تناقش الابداع الجديد.. كل ذلك يظهر لنا اذا كانت هذه المعارض ذات جدوي أم لا. لا يمكن اغفال النشاط المصاحب ذلك كله مطلوب حتي نتعرف بدقة إلي أهمية هذه المعارض. أو عدم أهميتها بالنسبة للاقبال علي القاهرة. ومن ثم رواج الكتاب أم ان المسألة مولد حتي في الموالد هناك الجانب الاقتصادي وهو البيع والشراء وبصراحة أنا لم أذهب الي هذه المعارض. فمن الصعب ان أحكم عليها بالنجاح أو بالفشل. وان كانت لدينا وسائل لمعرفة جدواها ونسب البيع وما الذي يباع وهو أسلوب مهم حتي نتمكن من معرفة جدوي هذه المعارض.
                          ظاهرة ثقافية
                          ويذهب د. صلاح الراوي إلي ان هذه المعارض مجرد تظاهرات حتي ان معرض الكتاب الرئيسي بالقاهرة لم يعد الكتاب مهمته الأولي كما بدأ ان تقام معارض في الأقاليم فهذه فرصة طيبة ان يتعرف الناس الي الكتاب حيث يقيمون فلا يتجشمون عناء الانتقال من مدنهم وقراهم الي العاصمة لكن السؤال هو: أي كتاب يقدم للناس؟ أعتقد ان ثمة شعوراً متبادلا. فالغالبية من القراء لا يتنبهون إلي مثل هذه المعارض لعوامل كثيرة أهمها انه ليس لدينا استراتيجية ثقافية مترابطة. تضع كل عنصر من عناسر الثقافة والتثقيف في سياق مترابط وأعتقد ان الانترنت قد حل الكثير من هذه المشكلات فالكتاب بالنسبة لي أصبح علي مرمي من اصبعي وغلاء الكتاب غير المبرر لم يعد واردا وثمة من يقوم بمهمة تيسير حصول الناس علي الكتب بالمجان. صحيح ان هذا الأمر يضر الناشرين. لكنه الصراع الدائم بين المستهلك والمنتج.
                          المفروض ان يكون معرض الكتاب ظاهرة ثقافية تحرص الناس عليها. منذ زمن كنا نمضي كل الوقت داخل المعرض وكنا نحصل علي كم من الكتب والعناوين لم تكن موجودة في دور النشر المحلية. الأمر الذي لم يعد كذلك. وبالمناسبة فان الاسكندرية ليست اقليما يبقي ان الناس لا يشترون الكتب. ودائما ما توجد مبررات لعدم شراء الكتب. فما المانع ان تقام معارض تقدم فعاليات ثقافية يهتم بها أبناء الاقليم. مثلا لو كنا في الصعيد. تقدم السيرة الشعبية مثلا وتعد الندوات واللقاءات التي تناقش مشكلات تهم رواد المعرض.
                          وفي تقدير د. حسين علي محمد ان أقاليم مصر ظلت تعاني التجاهل الثقافي ردحاً طويلا من الزمن. حتي جاءت الستينيات ووجدنا الثقافة تنزل إلي القري والمدن. حتي لا تحتكر القاهرة والاسكندرية الثقافة وأنشطتها. فشاهدنا المسرحيات تعرض في طنطا والزقازيق وبورسعيد والمنصورة والمنيا. واقيم المؤتمر الأول للأدباء في الزقازيق عام 1969 برئاسة الراحل نجيب محفوظ. أنا أرحب بمعارض الكتب التي تعقد في الأقاليم دمياط والمنصورة وأسيوط والفيوم و الزقازيق. شريطة ان تحمل هذه المعارض من الكتب ما تحمله معارض القاهرة والاسكندرية وان تقام فيها الندوات الفكرية والثقافية والأدبية التي يختلط فيها أدباء الأقاليم بالأدباء الكبار المصريين والعرب ان أمكن ويحضرها كبار المثقفين والنقاد المفكرين وان تكون فيها حلقات نقاش تثري الثقافية العربية المعاصرة برؤاها إنني أريد لهذه المعارض ان تكون أعراساً للثقافة. وليست معارض للدعاية والزينة لمسئولي وزارة الثقافة. حتي يقولوا ويكتبوا في أوراقهم تقارير ميتة عن معارض للكتب. أقاموها بفروسية ونبل وتجرد وتضحية. خارج حدود القاهرة أو مصر المحروسة.
                          ويؤكد د. حسن طلب فائدة انتشار المعارض بعيدا عن العاصمة وان تكون موزعة علي الأقاليم لكسر الاحتكار الذي يجل كل شيء في العاصمة وللعاصمة قديما كانت الاسكندرية تختص بهذا الشرف. جميل ان تعم الظاهرة في المحافظات الأخري. فهدا مكسب لأن معرض الكتاب يعد آلية من آليات انتشار الكتاب بشرط الاعداد الجيد فيراعي تنوع الأقاليم. وبقصور الثقافة وان يتم اختيار الجيد بدءا من النشر الذي يحتاج في تصوري إلي مراجعة. علينا ان نختار الكتب الأكثر ملاءمة للشباب والتي ترفع درجة الوعي والتفكير وبداية فلابد من خطة للنشر تغذي هذه المعارض. وتلبي احتياجاتها وهنا سيكون لانتشار المعارض معناه وفوائده.
                          نشاط مهم
                          وفي رأي د. حسين حمودة ان هذا النشاط مهم لأن منافذ البيع لدور النشر الحكومية وغير الحكومية ليست كافية وبخاصة خارج العاصمة. هذه المعارض تقدم فرصة لوصول الكتب الي قطاع كبير من الجمهور لا تصل اليه هذه الكتب عادة. واذا كانت هناك أنشطة ثقافية مصاحبة لهذه المعارض. فهذا أفضل لأن هذه الأنشطة تجتذب جمهورا أكثر اهتماما بالثقافة واذا كانت بعض هذه الأنشطة تعني بمناقشة كتب بعينها. وكتاب وكاتبات. فهذا النشاط يصل بين الجمهور وما تقدمه هذه المعارض من اصدارات. ولعلي أتصور ان هذه المعارض تسهم في تنشيط الاقبال علي القراءة. حتي لو ظل السؤال قائما: إلي أي حد؟ ان القاريء واحد في القاهرة وخارجها. لكن ربما كانت هناك بعض الكتب التي تلبي الاحتياج الي معرفة بعينها ويمكن ان تراعي هذه الخصوصية هذه المعرفة المتخصصة وتبعا لتغير الأقاليم التي تقام فيها هذه المعارض. وبوجه عام فان الاهتمامات الثقافية تظل واحدة عند القراء في كل مكان.
                          ويري الروائي جار النبي الحلو ان فكرة اقامة معرض للكتاب وتنقله من القاهرة الي اقاليم مصر فكرة تليق بحضارتنا وثقافتنا ورغبتنا الأكيدة في مقاومة الظلام والخزعبلات بالثقافة والفكر لكن أرجو الا يقتصر معرض الكتاب علي ارسال نماذج من المعرض أو بعدد محدود من دور النشر وكما تطرح الفكرة نفسها بقوة وهي اقامة معرض حقيقي في أقاليمنا الثقافية الخمسة بكامل هيئته ودور نشره وهذا يسهم بشكل جيد في اللامركزية الثقافية وتخفف الحمل عن كاهل القاهرة. علي ان تخصص لهذه المعارض في الأقاليم الخمسة مواعيد محددة لأننا في مرحلتنا التاريخية القادمة في حاجة ماسة لكل كتاب نبني به السد في وجه التخلف.
                          .................................
                          *المساء ـ في 1/8/2009م.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            هؤلاء الكتاب خارج المؤسسة الثقافية .. لماذا؟

                            الحجاجي: من يسعى إلى المؤسسة الثقافية هو الذي يهمش نفسه
                            صافيناز كاظم: الأسماء تتكرر في القوائم.. وكل شيء للمحاسيب
                            د. حسن فتح الباب: الأديب الحقيقي يراهن -بإبداعه- علي التاريخ

                            حوار: د. زينب العسال
                            ....................

                            فكرة هذا التحقيق طرحتها ظاهرة في حياتنا الثقافية. من حق الذين تنالهم تأثيراتها السلبية أن يوضحوا وجهات نظرهم إنها اقتصار أعضاء اللجان والفائزين بجوائز الدولة. والمشاركين في المؤتمرات العربية والدولية. علي عدد محدد ومحدود لا لتمايز وإنما لارتباطهم بالسلطة الثقافية بولاءات ومصالح.
                            لم يعد السكوت ممكنا ـ علي حد تعبير الكاتبة الكبيرة صافيناز كاظم ـ ولابد من وضع التصورات التي تجعل من عافية الجسد الثقافي متاحة وممكنة.
                            تقول صافيناز كاظم: لا يوجد أي سبب يجعل هؤلاء يسرقون من الشرفاء كل شيء. إنهم يتشدقون بأننا لا نترك أية مناسبة دون أن نهاجمهم لكن ما يمارسونه في حياتنا الثقافية يبلغ حد القتل. عماد أبوغازي يضع قوائم المرضي عنهم. وهم لا يتقون الله وأفسدوا الكثير من أبناء الجيل والأجيال القادمة. يرون أن أقصر طريق للوصول هو التزلف والتقرب بأشياء لا تمت بصلة للأدب أو الثقافة.
                            الأسماء تتكرر في قوائم السفر، لا قيمة ولا وزن ولا حتى كم إبداعي يعتد به. أصبحت المؤسسة للمحاسيب وتلاميذ فلان. ومعارف ترتان. في الماضي كنا نتحدث عن ظاهرة يوسف السباعي. وقد أصبح المستبدون ثقافيا الآن بالعشرات، أنا ـ والحمد لله ـ لا احتاج إليهم لكن هناك الكثير من المبدعين الشرفاء. لماذا يستبعدون من هؤلاء الذين تصوروا في سيطرتهم علي الشأن الثقافي أن يقربوا من يريدون ويستبعدوا من لا يروق لهم.
                            ويذهب الشاعر حسن فتح الباب إلي أن ظاهرة تلميع بعض الأدباء والشعراء والفنانين، والتعتيم علي آخرين دون وجه حق ليست وليدة اليوم، فهي تضرب بجذورها في أعماق تاريخنا العربي. وثمة عبارة مهمة في هذا السياق هي "ذهب المعز وسيفه"، ثمة سياسة ميكافيلية. تسعي إلي استمالة من يؤيدونها ويشكلون وجدان المتلقي بواسطة إسناد المناصب الرفيعة لهم، ومنحهم فرص النشر والسفر وعضوية اللجان والفوز بالجوائز الرفيعة، مقابلا للضريبة التي يدفعها الفلاسفة والأدباء والشعراء الشرفاء. وإن قدموا بمواقفهم قدوة حسنة لأبناء جيلهم والأجيال التالية. إن الرجل موقف. وهو يبلغ مراتب الفضيلة حين يكون أديباً مفكراً، أو مناضلاً. إن الظاهرة المعيبة هي كيل بعض المؤسسات الثقافية بمكيالين؛ فتمنح بعض جوائزها لمن لا يستحق وتحجبها عمن يستحق وفي كل الأحوال فإنه علي المبدع الحقيقي ألا يصاب باليأس والإحباط. لأنه يدرك أن كل أصحاب القيم والمبادئ معرضون للظلم. وأنه لابد لليل أن ينجلي والأديب الحق الذي يراهن علي التاريخ واثق أنه سينصفه مهما طال المدى، وفي ذلك عزاء له.
                            إن مهمة الأدباء المستنيرين هي العمل الدءوب. وقطرات المطر القليلة ستتحول إلي ينبوع. ولما كانت المؤسسات الثقافية تجمع بين أصحاب الضمائر والمغرضين فإنه علي الأديب ألا يكل ولا يمل في مناشدة أولئك المغرضين أن يتحروا العدالة، لأن الأدباء والمفكرين هم أغلي ثروات الشعب. إنهم الذين يتفانون لتقديم خلاصة مواهبهم وخبراتهم سعياً لنهضة المجتمع ومشاركة الوطن في رسم الحضارة الإنسانية.
                            منطق صاحب العزبة
                            ويري د.حامد أبو أحمد أن أصحاب السلطة الثقافية لا يتحملون أي نقد، أو حتى أن يكون للإنسان موقف يختلف عنهم. فإما أن يكون الإنسان مطيعًا للمؤسسة الثقافية، أو أنه لا يصلح. بل علي العكس، عليه أن يقدم فروض الولاء والطاعة في كل لحظة. والبشر مختلفون؛ ثمة من لديه استعداد لأن يفعل ذلك. وثمة من يذهب إلي النقيض. والمثل نجده في هؤلاء الذين مثلوا الثقافة المصرية في معرض تورينو إن غالبيتهم من موظفي وزارة الثقافة. ومن يدور في فلكهم، وأي واحد خارج المجموعة لا يدخل في حساباتهم. إنهم يتصرفون بمنطق صاحب العزبة الذي يدني من يشاء ويقصي من يشاء.
                            وفي تقدير الروائي أحمد الشيخ أن ما يحدث لغز يخص العالم الثالث فنحن مهمشون بالقصد! والمسألة في النهاية بقاء الكتابة والكلام المكتوب. ولولا هذا العزاء الجواني لكان المرء قد ترك كل شيء. ثمة جحود متعمد وتجاهل لكتابات حقيقية وتغافل عن الحقائق. وللأسف فإن السائد ليس النقاد الكبار. فقد افتقدنا نقاداً عظاما أمثال مندور والراعي والقط. كانوا لا يكتبون لأغراض شخصية أو مصلحة حزبية أو لحجب تيار بعينه كما يحدث الآن.
                            يضيف: هذا عالم ثالث في مرحلة التخلف. أين من يستحقون الجوائز بالفعل؟ لماذا لا تأتيهم الجوائز دون أن يرشحوا أنفسهم لها؟ لماذا لا نحترم عزوفهم وانصرافهم عن التكالب والمداهنة والملق ونعطيهم ما يستحقون؟.. لقد صار لدينا مجموعة أدباء تتكرر أسماؤهم في كل رحلة وفي كل مهرجان ومؤتمر، حتى لو لم يقدموا شيئا يليق باسم مصر التي يفترض أنهم يمثلونها! ثمة إصرار مستميت علي أن يمثلوا مصر في المعارض والمهرجانات والمؤتمرات.. لماذا؟!! لماذا نستبعد تيارا فاعلا وحقيقيا ولديه مشروعه المتميز؟!! هل لمصلحة الأصدقاء والأتباع والأعوان؟ نفس الوجوه والأسماء وقبل أن نروي الحدوتة نتوقع الذي سيظفر بالسفر.. المسألة أصبحت معروفة ليس فقط للمبدعين، وإنما للمثقف العادي. هذا القدر من الارتجال المتعنت الذي لا قيمة له ولا أسس ولا معايير تضبطه في مرحلة من مراحل جوائز الدولة ارتكزت علي أشياء ضئيلة. لا يجوز للإنسان أن يتحدث فيها لتفاهتها ثمة تثبيت لأسماء بعينها. وعند الاختيار تكون النتيجة معروفة سلفاً. هوامش بلا وجود حقيقي علي المستوي الإبداعي حتى لو قرأت لأحدهم عملا نال ضجيجا إعلاميا. ستصدمك النتيجة! هذا وطننا نحن. وهذه ليست شكوى خاصة. إنها شكوى الكثير من المبدعين والمفكرين والشرفاء هذه التوليفة وهذه التربيطات. نشم رائحتها. وأصحابها كانت لهم مصداقية فيما مضى. لكنهم يتعاملون الآن بمنطق متخلف رغم وعي الناس. ورغم وجود الضجيج الزائف من قبل أصحاب الأعمال التي لا ترقي لأن يستمر المرء في قراءتها. نحن سنظل نكتب ونكتب. ونراهن علي المجهول. وإن كنا نشعر بالأسى لأننا لم ننل حقنا. بل سلب هذا الحق عن طريق المؤسسة الثقافية التي كان يجب عليها ألا تنحاز، إلا لأصحاب الأقلام الجادة والإبداع المتميز.
                            مشكلة حقيقية
                            يختلف د. أحمد شمس الدين الحجاجي عن الآراء التي تدين وتتهم يقول: أنا لا أقف في صف المثقف الذي يبحث عن دور.. علي المثقف أن يؤلف، أما أن يجعل همه البحث عن وظيفة أو دور فهذه جريمة. جابر عصفور ـ علي سبيل المثال ـ من أكبر الأسماء في وزارة الثقافة. ورأيي أنه حين قبل العمل الوظيفي داخل المؤسسة خسر الكثير. لأنه مفكر ومثقف. وقد أكلت مهام الوظيفة وقته.. العمل العام- بالنسبة للمبدع أو المفكر- مشكلة حقيقية، وأذكر أن جابر عصفور عرض عليَّ عضوية لجنة في المجلس الأعلى للثقافة، فقلت له: لا يشغلني أبدا أن أدخل لجنة ما، فلا وقت لدي أضيعه. مع ذلك فإني أتوسط لآخرين كي ينضموا إلي اللجان. وعموماً فإن المبدع الحقيقي لا يهمش أبداً، فلم يكن أمل دنقل ـ علي سبيل المثال ـ في وظيفته. اكتفي بصفته كشاعر. كذلك كان يحيى الطاهر عبد الله، حتى عندما التحق بوظيفة اكتفي بتقاضي راتبها. الطيب صالح اسمه ذائع. ولم يكن للوظيفة دخل في ذلك. أنا اعتقد أن من يسعي إلي الوظيفة في المؤسسة الثقافية هو الذي يهمش نفسه. والناس ـ خارج مصر ـ يُدركون من هم المبدعون الحقيقيون. نجيب محفوظ لم يستطع أحد أن يهمشه. ولم يهبه «الأهرام» موقعه في الحياة الثقافية، لكنه نال المكانة الصحيحة بفنه وإبداعه. وفي رأيي أن المهمشين هم من يتولون مناصب قيادية لا يستحقونها. ويأخذون وظائف لا يدرون كيف يديرونها!
                            ..........................
                            *المساء ـ في 23/5/2009م.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              فاروق شوشة..وحوار في اللغة والشعر

                              كيمياء القصيدة لا تصنعها القصة أو الرواية
                              جذب الجمهور لتذوق الإبداع.. مسئولية المبدع
                              لن تتنازل قصيدة الفصحي أو العامية للأخري
                              لي مع النيل حساب.. أريد أن أصفيه!

                              حوار: د. زينب العسال
                              ....................

                              إذا كان لكل مبدع قضية يقصر عليها موهبته واهتمامه. هي المجال الفني الذي يتحرك فيه. ويعبر عنه. فإن فاروق شوشة يزاوج بين اهتمامين أولهما هو الشعر الذي يجد فيه تعبيراً عن موهبته الفنية. وثانيهما هو اللغة التي لا تمثل في يقينه مجرد أداة. وإنما هي تراث ثقافي وتاريخي وتجسيد هوية.
                              * قلنا لفاروق شوشة: هل تري أن هناك تصالحاً قد تم في الفترة الأخيرة بين الشعر ومتلقيه ؟
                              ** قال: لم تكن هناك قطيعة أبداً بين الشعر والمتلقي. حتي يحدث تصالح. كل ما هناك أن الأجيال المتوالية. والاتجاهات والتيارات المختلفة. تبدع الشعر. وعلي المتلقي أن يكون أكثر وعياً بتميز شاعر عن آخر. وبما إذا كانت القصيدة التي قرأها. أو استمع إليها. تحتمل الحياة أم العكس.
                              ** قلنا: ماذا تقصد بالتميز؟
                              *قال: أقصد تميز الأشياء. ما هو صالح بحيث يبقيه في ذاكرته. وما هو طالح بحيث يتركه. ثم أصبح هذا المتلقي يحس أن الشعر بطبيعته هو الفن الداخلي الذي يصاحبه في حالته المنفردة. وفي حالته الجماعية. وأنه لا بديل أمامه عن كيمياء هذا الشعر. هذه الكيمياء لا يمكن أن تصنعها قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية أو أي شيء آخر.. هذا أمر. الأمر الثاني أن الشعراء أصبحوا يتيحون للمتلقي من خلال المنتديات الأدبية. والمواسم. والمهرجانات الشعرية "حالة" لا تعتمد علي القراءة الصامتة. وإنما تعتمد علي الأداء المتنوع المنطوق الذي يكسر الحاجز بين الشعر والمتلقي. وأصبح كثير من هذا الجمهور الأدبي يستقبل عملية الإلقاء روحياً. يتوحد مع القصائد. ويستعيد من خلالها جماليات اللغة. وعوالم التصوير. وهو أمر لا تتيحه أبداً الفنون الأدبية الأخري. والدليل علي هذا كله أن قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب لا تمتليء وتزدحم إلا في حضرة الشعر. سواء في الأمسيات الشعرية بسراي 6 أكتوبر. أو سراي 16. أو المقهي الثقافي. أو أمسيات شعراء الأقاليم. الجمهور يتقبل كل حالة فيها حميمية التلقي والأداء الشعري الذي أصبح الشعراء يهتمون به للتوصيل. وللكشف عن الدلالات الخفية التي تحملها قصائدهم في ثناياها. وهو أمر لا يتاح في حالة القراءة الصامتة.
                              ** قلنا: هل تري أنه من أسباب عودة الشعر لجمهوره. أن الشاعر أصبح واقعياً. أو قريباً من الواقع. وتخلص من الرومانسية؟
                              * قال: هو لن يستطيع الخلاص من الرومانسية. حتي لو كتب ما يسمي بالشعر الواقعي أو الرمزي أو السوريالي. لأن الرومانسية هي جذوة الشعر. بدون حمل هذه الجذوة لا يمكن أن يكون للقصيدة حركتها وفاعليتها عند المتلقي. وكل شاعر يحمل من بدء حياته إلي ختامه نصيباً من هذه الجذوة الرومانسية. صحيح أن الشعراء اقتربوا من تفصيلات الحياة اليومية. وتفصيلات الواقع الذي يعيشه المواطن. وأصبحوا أكثر مشاركة فيما يعتبره الإنسان قضيته الخاصة. لكن تظل القدرة علي التغيير هي الأساس. وتشكيل هذا الاهتمام في بنية فنية هو أمر لابد منه. سواء كان قارئاً. أو مشاركاً في عملية الاستقبال الشعري.
                              قلنا: نسمع أصواتاً تقول إن الشعر غادر القاهرة. تطالعنا كل يوم صيحات عن شاعر المليون. وأمير الشعراء. وغيرها من الصيحات التي تأتينا عبر الحدود.
                              قال: الشعر باق هنا. فمازلنا نتكلم عن الشعر في إطار معرض القاهرة الدولي للكتاب. عن الشعر الذي يملأ أجنحة دور النشر. ويحيل القاعات الباردة إلي حرارة ودفء. ويحمله المغادرون للمعرض في أكياس تشي بتذوقهم له.
                              **قلنا: بالمناسبة ماذا عن ظاهرة شاعر المليون وشعراء المسابقات في القنوات الفضائية؟
                              *قال: هذا كله عظم بغض النظر عن سلبياته. وهي كثيرة. لكن المهم أن تظل راية الشعر مرفوعة. وأن يدرك الجميع أنه بدون شعر لا توجد حياة حقيقية.
                              شكوي القلب
                              **قلنا: المعاناة الصحية الطارئة التي واجهها قلبك في الفترة الأخيرة تطرح السؤال: عندما يشكو قلب الشاعر.. ماذا يعني هذا شعرياً؟
                              *قال: عندما ينوء الجسد بأعباء الحياة. فمن حق الشاعر أن يتكلم. وأن ينبه صاحبه إلي مسئوليته أولاً مع نفسه. وكثيراً ما تتحول هذه الشكايات إلي إبداعات جديدة. هي لصالح الشعر أولاً وأخيراً. وقد صدر لي في هذا المعني في اليوم الأول لمعرض الكتاب ديوان جديد عنوانه: "ربيع خريف العمر". وأيضاً كتاب جديد يضم مجموعة من الدراسات الأدبية. وعنوانه: "في حضرة مولاي الشعر".
                              ** قلنا: ألست تري أن هناك ندرة في الدراسات التطبيقية للشعر؟
                              *قال: نعم. وهذا الكتاب يضم المقالات التي نشرتها خلال السنوات الأخيرة. وكلها تمثل إغراء بالقراءة. وعودة إلي اكتشاف ما سبق لي اكتشافه عند قراءة هذه الأعمال الشعرية. وأنا أعتبر أن حث الجمهور علي قراءة الشعر. ومساعدته علي تذوق الأعمال الشعرية. هو جزء من مسئولية كل الشعراء.
                              قلنا: الشعراء يكتبون الشعر!
                              قال: ولكن ليست مسئوليتهم إبداع الشعر فقط. وإنما نشر الوعي الشعري. وإيضاح حاسة التذوق السليم عند القاريء. هو الذي يستطيع قراءة النصوص الشعرية. ويضيء الكثير من جمالياتها. وتفسير دلالاتها بإحساسه كشاعر. هذا هو جوهر ما أكتبه دوماً.
                              ** قلنا: أنت أمين عام مجمع اللغة العربية.. ما رأيك فيما تعانيه اللغة علي ألسنتنا؟
                              *قال: اللغة لا تتجلي إلا من خلال أعمال. ليست هناك لغة في الفراغ. اللغة تتحقق بوجودها علي ألسنة الناس وأقلامهم. وتظهر في تجليات إبداعية شتي. ولا يمكن الحديث عن اللغة إلا من خلال عمل قد تم. والمجاز قد تحقيق. وفيما يتصل بالشعر فإنه لغوي في الأساس. وما نأخذ من سلبيات علي الأجيال الجديدة من الشعراء تتصدرها هشاشة اللغة لابد للشعراء أن يحكموا لغتهم.
                              **قلنا: ألا تري أن مساحة الشعر العامي تتزايد علي حساب الفصحي؟
                              *قال: ستظل قصيدة الفصحي وقصيدة العامية إلي يوم القيامة. ولغة كل منهما لن تلغي الأخري. إنهما معاً حقيقة الواقع الإنساني الذي نعيشه.
                              قلنا: أشرت من قبل إلي اعتزامك كتابة مسرحية شعرية؟
                              قال: أين المسرح الجاد الحقيقي. لو أنه موجود لكنا استمتعنا بمسرحيات شوقي وعزيز أباظة والشرقاوي وعبدالصبور وغيرهم. الحالة الشعرية هي التي تشجع الشعراء علي إبداع المسرح الشعري. أما والدنيا كما نري. فمن الأفضل أن نتوجه إلي المتلقي.
                              **قلنا: وتجربتك الشعرية في الكتابة للطفل.. ماذا تقول عنها؟
                              *قال: إنها تحتاج إلي قدرات مختلفة. وسيطرة خاصة علي اللغة المناسبة للطفل. واستعداد وجداني للتعبير عما يلائم هذه المرحلة. وحالة من الصدق يعيشها الشاعر مع علاقته الحميمة مع عالم الطفولة. دون أن تكون سيفاً أو ادعاء.
                              **قلنا: أخيراً: ما الجديد الذي تعده؟
                              *قال: ديواني القادم عن النيل. أريد أن أصفي حسابي مع النيل الذي صحبته من الطفولة حتي الكهولة.
                              ........................
                              *المساء ـ في 8/2/2008م.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                في معرض القاهرة..
                                البحث عن حل .. لارتفاع سعر الكتاب

                                د.البنداري: أكثر من مشروع.. لتلبية احتياجات القراءة
                                د.نجوي عمر: النشر الالكتروني يعالج المشكلة
                                حسني لبيب: مطلوب تخفيض أسعار.. كتب المجلس الأعلي للثقافة
                                فكري النقاش: لا بديل حتي الآن لمكتبة الأسرة

                                حوار: د. زينب العسال
                                ....................

                                ارتفاع أسعار الكتاب هو الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة علي معرض القاهرة الدولي هذا العام.. وهي ظاهرة لا تقتصر علي جناح بالذات. ولا ناشر بعينه. لكنها شملت كل الناشرين. حتي كتب سور الأزبكية داخل المعرض لم تخلص من هذه الظاهرة.
                                يلاحظ د.حسن البنداري أن أسعار الكتاب في تزايد مستمر. وإن جاء سعر الكتاب في العام الماضي مناسباً لمن يريد اقتناء الكتاب. لكن غلاء أسعار الكتب يواكب الغلاء الذي نعيشه الآن. ليس في مصر فقط. بل في العالم كله. ومن الممكن أن نطرح حلولاً. حتي نشجع من يحب القراءة علي مواصلة هوايته. وذلك باستحداث سلاسل جديدة ضمن مشروع النشر في هيئة قصور الثقافة. ومنها سلسلة للقصة القصيرة. وأخري للشعر. وهكذا.. لأن هيئة قصور الثقافة قادرة علي نشر كتبها بسرعة. وهي تتحمل بعض العبء. وعلينا أن نترك عملية إعادة نشر وطبع الكتب القديمة. لأنها تعطل عملية نشر الكتب الحديثة. أما هيئة الكتاب فهي تنشر كتبها في فترة معينة بسعر زهيد. ضمن مشروع مكتبة الأسرة.. ونحن نريد أن يكون هناك أكثر من مشروع للنشر ليفي باحتياجات القراءة.
                                وتذهب د.نجوي عمر إلي أن الظاهرة التي تزداد تفاقماً في معرض الكتاب هي ارتفاع الأسعار. قلت الفوضي وضجيج الميكروفونات. لكن زيادة أسعار الكتب تتجاوز كل الخطوط. وإقبال زوار المترددين علي المعرض يتراجع عن الشراء من عام إلي عام. حتي أن الخصم الذي يتم بمناسبة المعرض يصير هامشاً وغير مؤثر في رفع أعداد المشترين.
                                وبصراحة لقد أصبح ارتفاع سعر الكتاب ظاهرة يجب التوقف أمامها. ومحاولة إيجاد حل حاسم لها. وفي تقديري أن مشروع مكتبة الأسرة يمتلك الريادة. لأنه يقدم خدمات كنا ومازلنا في حاجة إليها. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلي مساندات. إما من جهات حكومية. أو من دور نشر أهلية. ولكن يبقي السؤال: هل تقبل دور النشر الخاصة بهامش ربح ضئيل في مقابل هذه الخدمة الوطنية؟. لو قبلت بهذا فسيصبح لدينا مشروع يوازي مكتبة الأسرة. وأتمني أن ينشأ مشروع آخر علي الكتاب الالكتروني. حتي يجذب أجيالا جديدة لم يعد يغريها الكتاب الورقي. مثل هذا المشروع سيحل تلك المعضلة الصعبة. وهي غلاء سعر الكتاب. حيث إن القرص المدمج ثمنه رخيص للغاية. وبهذا ينتشر الكتاب بصورة جيدة.
                                ولعل هيئة الكتاب في تقدير الكاتب المسرحي محمد عبدالحافظ ناصف هي المكان الوحيد الذي تدخله لتشتري كتاباً وأنت مطمئن. ولا تتحسس جيبك طويلاً. وتجد فيها ما تريده إلي حد ما. لذا أري الأمر في حاجة دائمة إلي المراجعة والتدقيق من قبل د.ناصر الأنصاري لاختيار الأفضل الذي يزيد الثقة بين القاريء والهيئة. وخاصة في مكتبة الأسرة التي أصبحت العمود الفقري لمكتبة البسطاء من القراء. الذين يتحسسون دائماً جيوبهم أمام ارتفاع الأسعار والحياة الصعبة.
                                ويري د.أيمن فؤاد سيد علي أن مشروع مكتبة الأسرة. هو الأقل سعراً في الكتب التي يصدرها. وهناك إقبال عليها منذ افتتاح المعرض. لكن هذا الدعم الذي يذهب إلي القاريء. لا يقابله دعم مماثل يذهب إلي المؤلف. لأن الكتاب يعرض ويباع بعشر ثمنه. مهما كان عدد النسخ المسحوبة. وهي في الغالب لا تزيد علي خمسة آلاف نسخة. إن نصيب المؤلف يصل إلي عشر العائد الذي كان سيحصل عليه لو أصدر طبعة ثانية. ولابد من تعويض المؤلف عن هذه الطبعة التي تصدر في مكتبة الأسرة. كما يجب أن تتحمل جهة حكومية دعم الكتاب ليصل إلي القاريء المتعطش. ويعوض المؤلف في الوقت نفسه. وللأسف. فنحن نجد أن مطبوعات مكتبة الأسرة يتم تشوينها من قبل "الكتبجية" وفي أحيان أخري تنزع أغلفتها الأصلية. وتباع بأضعاف أسعارها في المعرض. بحيث لا يصل الدعم إلي مستحقيه وهم القراء. بل يحصل التجار علي أضعافه.
                                ويشير الروائي حسني سيد لبيب إلي أن الشكوي تتزايد من ارتفاع أسعار الكتب في معرضه السنوي. وأصبح الكتاب يواجه مشكلة إعراض معظم الناس عنه في ظل منافس أقوي. هو الكومبيوتر. في الوقت الذي نحن فيه في أمس الحاجة إلي الكتاب الورقي. لقد أصبح معرض الكتاب سوقاً لبيع أي شيء عدا الكتاب الذي ضعف الإقبال عليه وإن أثبت مشروع مكتبة الأسرة نجاحاً منقطع النظير لعدة أسباب. أبرزها عرض الكتاب بسعر زهيد. ويمكن الإفادة من هذا النجاح في مجالات أخري موازية أو مشابهة. مثل إعادة النظر في منافذ التوزيع لسلاسل هيئة قصور الثقافة. حيث تشكل هذه السلاسل قوة جذب للقاريء العادي. لكن ندرة منافذ التوزيع وصعوبة الحصول علي هذه الكتب. يشكلان عقبة رئيسية. وأرجو أن تتدارك الهيئة هذه النقطة بالتوزيع الجيد الذي يساعد علي رواج كتبها. وليت المجلس الأعلي للثقافة يعيد النظر في أسعار كتبه. فمشروعه الثقافي أداة تثقيف للمواطنين. ولا يخضع لمبدأ الريح. وهنا يأتي دور الدولة في دعم ميزانية المجلس. لأن الكتاب علي نفس الدرجة في الأهمية مع رغيف الخبز. وثمة دور مهم لدور النشر الخاصة التي تجأر بالشكوي من تضاؤل حجم المبيعات وكساد تجارة الكتب. بينما تضع علي الأغلفة أسعاراً مغالي فيها. من المهم لهذا الدور أن تساعد في حل المشكلة بأن تقلل من هامش الربح. كما ينبغي علي الدولة أن تقلل من الضرائب المفروضة علي صناعة الكتاب. بما فيها الورق والأحبار. وحتي لا يقال إننا أمة لا تقرأ فإنه ينبغي تآزر الجميع من أجل بيع الكتاب بسعر مناسب.
                                ويجد الكاتب المسرحي فكري النقاش في مكتبة الأسرة حلاً مناسباً لمشكلة ارتفاع سعر الكتاب. إنه مشروع جيد. ومن يقف وراءه يؤمن بأهمية دور الكتاب. ويأتي له بالدعم من الهيئات والمؤسسات. وأعتقد أنه لابديل عن مكتبة الأسرة. وهو ما كان واضحاً أيضاً في المعرض. حيث كان الإقبال كبيراً علي كتب القراءة للجميع. وبخاصة أنها جيدة المستوي. وطبعة بشكل مقبول. لذلك فإني أتمني أن يدوم هذا المشروع. لأنه من الصعب أن ينشأ مشروع مواز له. باعتبار أن دماء هذا المشروع هي الأموال. ومن الصعب علي القطاع الخاص أن يتنازل عن ربحيته. ويبيع كتبه بأثمان زهيدة. فلديه أعباء. ويريد الربح.
                                والغلاء كما يقول القاص فرج مجاهد يتزايد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ولا حل فيما أعتقد إلا برفع الجمارك عن الورق وأحبار الطباعة وغيرها من المستلزمات الخاصة بالنشر. ولعل وجود مكتبة الأسرة وسور الأزبكية في المعرض هو المتنفس الوحيد لرواد المعرض. وخاصة الباحثين والمهتمين بالأدب في الأقاليم. هذه هي طاقة النور الوحيدة في الأفق. كما أشير إلي ضرورة دعم مشروع النشر الإقليمي لكل محافظة. وأن توضع له ضوابط حتي لا يكون سلطة في يد رئيس إقليم أو مدير فرع ثقافي. ينشر لمن يشاء. ولا ينشر لمن لا يعجبه. لابد من تفعيل اللجان الخاصة بالنشر. وأن تكون قراراتها نافذة وليست حبراً علي ورق. إذن فالمشكلة حلها في يد الدولة. ولابد من تدخلها. بهذه الحلول يمكن أن نحد من مشكلة غلاء الكتب ونشرها.
                                ......................................
                                *المساء ـ في 26/1/2008م.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X