النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل

    النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل
    ----------------------------


    الناشر:

    الكتاب الفضي
    نادي القصة

    القاهرة 2004م


    ---------------------


    الإهداء

    إلى زينب العسال ..
    رفيقة رحلتى المسقطية .. وما بعدها
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    بين يدى الرواية

    بقلم: د. ماهر شفيق فريد

    هذه الرواية القصيرة ـ شأنها فى ذلك شأن الخليج ( 1993 ) ـ نموذج موجع من أدب الاغتراب .
    الاغتراب هنا ـ أو حس الغربة ـ مزدوج : مكانى ، وروحى . فالراوى صحفى وروائى ، يترك خطيبته مها فى القاهرة ، ويسافر إلى مسقط ، عاصمة سلطنة عمان ، ليصدر ـ بمجهوده الفردى تقريباً ـ جريدة تمولها شركة صحار للمقاولات فى روى ، ويرمى كفيله الشيخ حمود النبهانى إلى أن يجعل من الجريدة نشاطاً تجارياً إلى جانب الاستيراد والتصدير . والراوى يعكف ـ على أنحاء متقطعة ـ على تأليف رواية ، فهذه إذن ( قارن " مزيفو النقود " لأندريه جيد ) رواية عن روائى يحاول كتابة رواية . وبلمسات واثقة سريعة من فرشاته يرسم محمد جبريل صورة لا تنسى لجغرافية عمان وجوها وآثارها ( أنظر أيضاً أعمال يوسف الشارونى إبداعياً ونقدياً ، عن تجربته العمانية : ) الحرارة الخانقة والرطوبة التى تأخذ بالأكظام ، الشمس الحارقة ، المراوح التى لا تفعل شيئاً إلا توليد تيار ساخن من الهواء ، أجهزة التكييف التى صنعت الحياة فى منطقة الخليج ( وهى ـ فى ذلك ـ تلعب دوراً أهم من دور البترول ، على حد قول إحدى شخصيات الرواية ) . وهناك الجبال والطرق المتعرجة ، والفولكلور متشعب الجدائل ، والتحام الواقع بالأسطورة كما فى حادثة ناصر التميمى ( وهو شاب عهد الشيخ حمود النبهانى إلى الراوى بتدريبه على مهنة الصحافة ) . إنه إذ يقود سيارته فى طريقه الجبلى إلى قريات تظهر له امرأة جنية تغويه ثم تختفى ، ويتشوش إدراكه ، ويدخل المستشفى . وقبل أن يتمكن الراوى من السفر إلى بهلا حيث شيخ ذو كرامات يقال إنه قادر على شفاء مثل هذه الحالات ، توافى ناصر منيته . ولأن الضد يظهر حسنه ( أو قبحه ) الضد ، فإن الراوى لا يفتأ يرتد بخياله من قسوة البداوة إلى دفء القاهرة ، إلى بيته المطل على ميدان المساحة بالدقى ، حيث كان يعيش مع أبويه وإخوته خالد وباسم وعفاف الصغيرة . وينسج مع خطيبته مها الواقعة تحت تأثير أمها شرنقة أحلام ـ لا يبدو أنه من المقدر لها أن تكتمل ـ بالزواج والاستقرار . والشركة التى يملكها النبهانى ملتقى أجناس كثيرة ضربت فى مناكب الأرض سعياً وراء الرزق ، وأنماط بشرية متباينة : هناك المهندس عدنان الطراونة الأردنى ، وثمة المدرس عبد العال الذى تخونه زوجته وتستميل أولاده إلى صفها . وتدور فى فلك الراوى ـ من خلال العمل والإقامة ـ شخصيات أخرى : خميس المناعى ، وهو ضابط من شرطة عمان السلطانية ، شوقى كمال ، بهجت حسان ، سليم الغافرى مدير العلاقات العامة بوزارة الإعلام الذى ينتقد عبد الناصر نقداً مراً . ولكن الشخصية المحورية فى هذا السياق العمانى هى زوينة التى تحمل الرواية اسمها : زنجبارية تعرّف بها الراوى فى مطار السيب ، مضيفة أرضية فى شركة طيران الخليج ، مخطوبة لابن عمها زاهر وعلاقتها به مضطربة اضطراب علاقة الراوى بخطيبته مها . يقع الراوى فى حب زوينة ، وتبادله ـ كما هو واضح ـ مشاعره ، ولكنها لا تمنحه نفسها . والأغلب أنها ستتزوج من ابن عمها ، وإن كان شعورها نحوه فاتراً . والعلاقة بين هذين الروحين المعذبين ـ الراوى وزوينة ـ تصنع واحدة من أجمل قصص الحب فى أدبنا القصصى العربى الحديث ، وأغربها أيضاً . فيها شىء من حب الراوى لسانتى فى رواية يوسف إدريس " البيضاء " ، وحب يوسف منصور لزوجة المايسترو فى رواية فتحى غانم " الساخن والبارد " ، وحب الراوى لفتاة تصغره فى السن كثيراً فى رواية بهاء طاهر " الحب فى المنفى " . عدم التحقق هنا ليس نابعاً من ظروف خارجية ـ وإن كان كذلك ، إلى حد ما ـ قدر ما هو نابع من كف داخلى عنيد ، يقيم حاجزاً بين الرغبة والفعل . ويترك جبريل نهاية روايته مفتوحة : فثمة احتمال ـ مجرد احتمال ـ أن يعود الراوى إلى خطيبته مها فى القاهرة ويتزوجها ، ولا يلتقى بزوينة ـ حبه الحقيقى ـ من بعد قط .
    هذه إذن هى الغربة الروحية المساوقة للغربة المكانية : أرواح تلوب ولا تعرف راحة أو مستقراً . وهناك توترات ـ ذات أبعاد سياسية واجتماعية وتاريخية ـ نابعة من الجدل بين قشرة حداثية ولب قروسطى . وجبريل فى هذا صنو لعبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وسليمان فياض ومحمد عبد السلام العمرى وآخرين . فى أعمال هؤلاء الكتاب أعمق تشريح لدينا للثورة الحضارية التى ترتبت على انبثاق البترول ـ وكل ما يصاحبه من مظاهر الحداثة ـ فى تربة مازالت ـ بمعتقداتها ونظمها وموروثاتها وأفكارها وأنماط حساسيتها ـ تعيش فى القرون الوسطى . ربما كانت مشكلة العالم العربى ـ مثل مشكلة روسيا ـ أنه لم يعرف عصر نهضة بالمعنى الأوروبى قط ، وأن نبضات ميلاده الأولى قد أُجهضت ووئدت فى مهدها .
    رواية جبريل هذه جزء من عمله السابق وخروج عن مساره فى آن . ثمة اتساق داخلى يصل بين كل أعماله : رواية وقصة قصيرة ونقداً ومقالة . وثمة أيضاً استكشاف لآفاق جديدة مع كل كتاب جديد ، بصرف النظر عن نوعه الأدبى . هذا كاتب لا يكرر نفسه قط ، وينبثق إنتاجه الغزير ـ كنافورة أرضية ساخنة ـ من بعد غائر يخترق طبقات الوعى إلى صخور القاع الرسوبية . لقد عايشت عمله القصصى ـ منذ روايته الأولى " الأسوار " ( 1970 ) حتى أحدث عمل صادر له " حكايات الفصول الأربعة " ( 2004 ) ، مروراً بصرحه الشامخ " رباعية بحرى " ( 1997 ـ 1998 ) ـ وأشهد أنى لم أجد تكراراً فى عمله قط ، وإنما كنت أشعر مع كل عمل جديد أنى بإزاء كاتب أقرؤه لأول مرة . لأول مرة ، ولكنه ـ مع ذلك ـ قد خاطبنى من قبل : خبرة سابقة ، ومشهد داخلى سبق للمرء رؤيته ، وإن لم يدر متى ولا أين ولا كيف .
    ومن أقدر فصول الرواية على تحريك القارئ وصف زوينة للمحنة التى مر بها قومها منذ سنوات : حركات الزنوج والسواحيليين التى كان همها التخلص من العنصر العربى بالقتل والضرب وإطلاق الرصاص والصرخات وإشعال النار لإخلاء زنجبار من الجنس العربى وإحلال الجنس الأفريقى مكانه ، وكيف أنه بعد أربعة أشهر من هذه الحوادث أعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنزبار ، وأصبح اسم الدولة الجديدة تانزانيا . وتثور عدة أسئلة فى ذهن القارئ : أكان عبد الناصر محقاً فى تأييده للجانب الإفريقى فى هذا الصراع ؟ ماذا كان دور الرئيس جوليوس نيريرى فى هذا كله ؟ أكان الأفارقة طلاب حرية ، يثورون على الغازى العربى ، أم كانوا دمى فى أيد استعمارية غربية تحرك الخيوط من وراء ستار ؟ أسئلة صعبة لا تقدم الرواية إجابات عنها ـ متى كانت وظيفة الفن تقديم إجابات ؟ ـ وإنما تكتفى بإثارتها وتركها تتخايل ـ قلقة مقلقة ـ على حافة الوعى .
    محمد جبريل ـ فى هذا العمل ـ صائغ بارع يعرف كيف يطوّع مفردات اللغة وتراكيبها للغوص على أعمق عذابات الروح ونشواتها وتقلب أطوارها . إنه فنان حقيقى موهوب ( كما وصفه إدوار الخراط فى تقديمه لـ " حكايات الفصول الأربعة " ) أوتى من رهافة الحس وشمول النظرة الجامعة بين البانورامى والمنمنم وبراعة التقنية ، ما يجعله صوتاً من أقوى الأصوات وأصفاها فى المشهد الروائى العربى اليوم .
    ماهر شفيق فريد

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      ـ 1 ـ

      تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط ، حين أضيئت اللوحة فى أعلى : " التدخين ممنوع .. أربط الحزام " . بدت ـ من نافذة الطائرة ـ أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول . أعددت نفسى للجو الخانق ، والرطوبة العالية ، والصهد اللافح . قال الشيخ حمود النبهانى : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع ، لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة . إذا علّم الضابط على حقيبتك بالطباشيرة ، فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة ..
      علا السلم الآلى فى اقترابه من الطائرة . ثم انفتح الباب ..
      ***
      كنت قد أنهيت إعداد حقيبتى ، لكننى ظللت داخل الحجرة ، أتردد فى الخروج إلى الصالة ، ومواجهة الحديث مع أمى ..
      أضافت أمى إلى ندائها وصخب أخوتى نقرات بإصبعها على الباب :
      ـ نمت ؟..
      ـ أبداً .. أعد الحقيبة !
      ـ سفرك لإعارة وليس للهجرة ..
      وسرت فى صوتها ارتعاشة واضحة :
      ـ خذ ما تحتاجه بالفعل !..
      انخرطت عفاف الصغيرة فى بكاء مفاجئ . بكت بانفعال كما لم أرها من قبل . قالت من بين شهيقها ودموعها :
      ـ لا تسافر !..
      اغتصبت ابتسامة صامتة ، ونظرت إليها ، فزاد بكاؤها . علا نشيجها ، وضربت الأرض بقدميها . كان أخوتى يرقبون المشهد فى هدوء منفعل ، انعكست تأثيراته فى ارتعاشات الأعين والشفاه . ظلت أمى على جمودها وصمتها . بدت بلا حيلة ، فهى تكتفى بنظرات موزعة لا تثبت على شئ . لم تنطق شفتاها بكلمات وداع ، ولا بكلمات واضحة أو مدغمة ، وإن لاحظت التماع الدمع فى عينيها ، وتشاغل أبى بالتطلع إلى ما لم أتبينه عبر النافذة ..
      ***
      نسيت ـ فى ارتباكى ـ ربط الحزام ، فنبهتنى المضيفة ذات السحنة الأوروبية . أذكر كل ما حدث ليلة السفر ، لكننى ظللت لا أصدق أنها مضت . لا أذكر كيف انتهت اللحظات القاسية . كدت أفقد سيطرتى على نفسى . لاحظ أبى ، فخشى ـ ربما ـ أن أعدل عن السفر ..
      قال :
      ـ للطائرة موعد .. ولن تنتظرك !
      كيف استطعت تحمّل ما حدث ؟!..
      توقفت العجلات ، وفتحت الأبواب . غرقت فى بحر من العرق اللزج . أوسعت خطواتى ، وأنا أمضى من سلم الطائرة إلى صالة الاستقبال ، على كتفى حقيبة جلدية سوداء صغيرة ، ويطل من جيب الجاكت العلوى جواز السفر وتذكرة الطائرة وبطاقة التطعيم الصفراء ..
      ***
      بعد أن وقفت فى طابور من لابسى الدشداشة ، نبهنى الواقف ورائى :
      ـ هذا الكاونتر للمواطنين ..
      وأشار إلى طابور آخر من لابسى البدلة والجلباب :
      ـ طابورك هناك ..
      عاودنى الإحساس بأنى لم أعد فى القاهرة ، وأنى ابتعدت عنها إلى مدينة أخرى ، بلد آخر ، يستقبلنى ضيفاً ، وافداً ، موظفاً عند كفيل ..
      ***
      لاحظت حيرتى :
      ـ ألم تحصل على حقائبك ؟
      وأنا أومئ برأسى :
      ـ حقيبة واحدة .. هاهى ..
      ـ لماذا تقف هكذا إذن ؟..
      ـ أنتظر سيارة العمل ..
      ـ هل تعرفها ؟..
      ـ يأتى بها صديق يعرفنى ..
      ـ أين تعمل ؟..
      بدا السؤال مفاجئاً ، ومربكاً :
      ـ شركة صحار للمقاولات ..
      استدركت وأنا أبحث عن بطاقة الشركة :
      ـ أنا صحفى .. سأصدر جريدة تموّلها الشركة ..
      ـ فى روى ؟..
      أخرجت البطاقة من جيب الجاكت . أعدت قراءتها :
      ـ نعم .. هى فى روى ..
      ـ عربة الشركة فى طريقها إلى هناك .. تعال معنا ..
      فاجأنى التصرف . فتاة تحدثنى ، وتدعونى إلى ركوب سيارة ، بمفردها أو مع آخرين . كنت قد قدمت بتصور مجتمع الرجال والخناجر والدشاديش والجبال والقلاع والعادات القديمة والتقاليد ..
      تأملت قامتها الضئيلة ، المتناسقة ، وملامحها المنمنمة ، والبسمة التى كأنها ألصقتها بشفتيها ..
      كانت ترتدى زى المضيفات ، ووضعت على صدرها شارة طيران الخليج :
      ـ مضيفة ؟..
      ـ عملى فى العلاقات العامة ..
      مضت ناحية السيارة ، ربما لتجاوز ترددى ..
      أسلمت عينى للمدينة التى أراها للمرة الأولى : الجبال ، والخلاء ، والمبانى القليلة المتناثرة ، وجو إبريل الأقرب للحرارة ، والسماء الخالية من السحب ..
      داخلنى إحساس أنى تركت تاريخى فى القاهرة . أبدأ فى هذا المكان تاريخاً جديداً . خلفت أبى وأمى وأخوتى وأصدقائى وزملاء العمل والذكريات الصغيرة ..
      كيف أجد طرف الخيط فى حياتى الجديدة ؟..

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        ـ 2 ـ


        فيما عدا الجريدة الحكومية ، فإن بقية الصحف كانت تعرف المحرر الواحد . يقيم فى مبنى الجريدة . يعد موادها ، يرسلها ، أو يحملها إلى بيروت أو الكويت لتطبع هناك . بدا المبنى ـ فى ضوء ذلك ـ لا بأس به ..
        قال الشيخ النبهانى :
        ـ لم يمض ثلاثة أيام على وصولك إلى مسقط .. من دلك على هذا البيت ..
        ـ مضيفة فى طيران الخليج .. أوصلتنى فى سيارة الشركة إلى روى ..
        لما وضع أصابعه خلف أذنه ، واستعاد كلماتى ، خمنت أنه لا يسمع جيداً . أعدت ما قلت بصوت مرتفع ..
        قال :
        ـ دون سابق معرفة ؟..
        ـ دون سابق معرفة ..
        ثم وأنا أتحسس الكلمات :
        ـ أشفقت على حيرتى .. فصحبتنى فى سيارة الشركة .. حين كلمتها عن عملى ، نصحت بالمبنى ، وأعطتنى رقم التليفون ..
        رمقنى بنظرة متسائلة :
        ـ قالت لك إنها عمانية ؟ مسقطية ؟
        وأردف لإيماءة رأسى :
        ـ لعلها زنجبارية .. عرف التحرر عن الزنجباريات ..
        هششت بظاهر كفى ذبابة ألح طنينها حول رأسى ، وقلت لأجاوز الارتباك :
        ـ هذا كل شئ ..
        قال وهو يمضى إلى خارج البيت :
        ـ إذا أردت سيارة لأى شئ .. اتصل بالتليفون أبعث لك السيارة مع السائق !
        السفر عالم يصعب تخمين ملامحه . عندما بدأت فى إعداد حقيبتى ، تصورت نفسى فى شقة مثل شقتى المطلة على ميدان المساحة . قال لى الشيخ النبهانى إن غالبية بيوت مسقط على النسق العمانى ، فتشوش تصورى . استدعى ما لم يهبه شكلاً محدداً ..
        خاب ظنى فى شركة صحار للمقاولات ، مثلما خاب ظنى فى الجريدة . فى الشركة ـ مثلما فى الجريدة ـ موظف واحد ، هو المقابل لى . شاب أردنى فى حوالى الثلاثين . قدم نفسه : المهندس عدنان الطراونة . تبادلنا كلمات مجاملة ، ثم اجتذبتنى دوامة العمل فى الجريدة ، فلا نلتقى ـ إلاّ مصادفة ـ فى سوق روى ، يبادلنى التحية بهزّة من رأسه ، ويمضى ..
        كان الشيخ النبهانى يقترب من الستين . يرتدى الدشداشة الفضفاضة ، والكمة المزركشة الضيقة ، يبدو من تحتها تداخل السواد بالبياض فى رأسه . وربما وضع البشت ذا الأطراف المذهبة فوق الدشداشة ، قماش أسود ، خفيف ، أقرب إلى الشاش ، تبين الدشداشة من تحته . يحرص ـ مثل كل العمانيين ـ على الخنجر الفضى فى حزام من خيوط الفضة حول الخصر ، و " الفريخة " المدلاة أعلى الدشداشة من جانب العنق ، يضمخها بالعطور والطيب ، ويتشممها بين فترة وأخرى . وفى يده ـ معظم الأوقات ـ مسواك يجرى به على أسنانه . إذا أسدل " البشت " على الدشداشة ، خمنت أنه فى طريقه إلى مقابلة مسئول ..
        كان على الفطرة فى كلماته وتصرفاته . تنطق شفتاه بما يبدو أنه أراد قوله بالفعل ، لا يضيف ولا يحذف ، ولا يلجأ إلى التزويق . يتذكر أياماً ، لم تكن مسقط تعرف فيها الكهرباء ، ولا الطائرات ، ولا الإذاعة أو التليفزيون . لا شئ ، إلا الصحو على أذان الفجر ، والعمل داخل أسوار المدينة وخارجها ، ثم العودة على دقات النوبة بقلعة الميرانى ..
        لم يكن لديه أفكار مسبقة ، وتزاوج فى مشاعره طيبة واضحة وطابع مادى ، يتبدى إذا تحدثت فى الأمور المادية ، فعيناه يغشاهما حول حقيقى ، تتنافر حدقتا العينين ، ويغلب البياض ، ويعروه ارتباك واضح ..
        عدت إلى الرواية التى كنت بدأت كتابتها فى القاهرة . الصفحات قليلة ، والشخصيات تعانى الشحوب ، والأحداث تختلط بلا انسجام ..

        ***

        مسقط حلم سخيف . سجن أسواره جبال ، جبال صخرية ، مصمتة . ليس ثمة ما تبدأ منه ، أو تنتهى إليه . تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الحياة ـ بكل صورها ـ فيرين همود هو أقرب إلى الموت . وتغيب الشمس ، فتنفث الجبال مخزونها الصهدى فى تواصل قاس ، مؤلم . قال لى الشيخ النبهانى : تسمية مسقط لأنها تسقط بين الجبال . أشعر أنى واحد من الذين سقطوا بين جبال مسقط ..
        المبنى مستلق فى حضن الجبل . على النظام العمانى . ساحة ترابية ، واسعة ، مكشوفة ، يحيط بها سور مرتفع من الحجر الأبيض . باب الواجهة يطل على شارع الحمرية ، دائماً مغلق . أسندت عليه ألواح من الخشب وصناديق وأجولة فارغة . يقابله اتصال حلقات الجبال ، يعلوها أكواخ من الصفيح ، ورجال اكتفوا بارتداء الوزار ، وماعز أتحير لوقفتها على أظلافها فوق الصخور ..
        الباب الجانبى يطل على بيت مماثل ، عرفت أن الفتاة تسكن فيه . البيتان فى حضن الجبل . جبل صخرى مرتفع ، تفصل بينهما طريق قصيرة ، تغطت أرضية صخورها بذرات متراكمة من الرمال . كأنه زقاق خلا إلا من السكان ، أسرتها ـ لاحظت طفلاً صغيراً دائم اللعب فى الساحة الداخلية لبيتها ، وأب فى حوالى الخامسة والستين ، أما الأم فقد التفت بعباءة ، غابت فيها ملامحها ..
        أعود من جولات سريعة فى وزارة الإعلام بالقرم ، أو الوزارات الباقية فى مسقط القديمة . أدخل من الباب الجانبى . أدس المفتاح . أدفع الباب . تطالعنى الوحدة فى البيت المستلقى فى حضن الجبل . الساحة الترابية . على الشمال الباب الرئيسى المغلق ، وعلى اليسار حجرتان منفصلتان ، يعلو بهما عن الساحة الرملية رصيف من البلاط المتداخل . جعلت الأولى مكتباً ، والثانية ـ الأقرب إلى المطبخ والحمام ـ للنوم . يعتقدون أن الجان تسكن دورات المياه ، فهى لابد أن تكون بعيدة عن حجرات النوم ..
        الشمس تنعكس حرارة قاسية فى الأرض والجدران والأشياء الساكنة والمتحركة ، وفى الرائحة الخانقة ، المتصاعدة فى الجو . رائحة غريبة ، تذكرك بالموت . وتطل النافذة على الساحة الترابية ، والأسوار التى تحيط بها ، كأنها سجن حقيقى ، معزول عن العالم الخارجى . دنيا بعيدة ، جزيرة معزولة ، لا صلة لها بآفاق المياه المترامية من حولها ..
        تبينت أن القاهرة قد ازدادت بعداً . إنها هناك ، حيث لا أستطيع أن أصل إليها إلاّ بالتخيل . الغربة من حولى قاسية . حتى الهواء ، بدا لى غير الهواء الذى كنت أتنفسه فى القاهرة . يختلف فى حرارته الساكنة ، عن الهواء الذى ألفته . كنت أضغط على زر المروحة فى مكتبى بالجريدة ، فتحرك الهواء لطيفاً ، لكن المروحة ـ فى خلاء الجبال ـ فاجأتنى بهواء ساخن ، ثقيل ، والتنفس أمارسه بصعوبة ..
        فى اليوم الأول ، دارت المروحة بالهواء الساخن ، الساكن ، تخللته رطوبة ثقيلة ، خانقة .. أوقفتها . أفتح النافذة فى القاهرة ، فتحمل نسائم تلطف سخونة الجو . المروحة الدائرة من فوقى تلطمنى بسخونة حارقة . بدا لى احتمال الحر الساكن أيسر من تلقى الهواء النارى بدوران المروحة . فتحت الباب ، فالتف جسمى بالعرق والرطوبة اللزجة ، وأحسست باختناق ..
        الشمس اللاهبة تفرض سطوتها على النهار ، تحيل كل شئ إلى وعاء خرافى يشوى من فيه بلسع النار . الحرارة لا ترتطم بسطح الأرض فقط . تتسلل إلى الباطن ، تقتحمه ، تدفع الكائنات التحتية للخروج إلى السطح ، ربما تبحث عن مكان لم تبلغه حرارة الشمس ..
        الشمس هى العطش والجفاف والتشقق ، وهى الملل ، والتكاسل ، والنوم ، وبطء الحركة . حتى الكلمات تخرج من الأفواه متثائبة . يشغلنى ـ إذا وقفت تحت الدش ـ أن ينزل الماء ساخناً لتسلط حرارة الشمس على " التنكر " ، أو أن ينفد الماء قبل أن أنهى الاستحمام ..
        هذه أول مرة أحيا فيها بمفردى . ليس أمامى ولا حولى ما أتطلع إليه . الأبواب ـ حتى أبواب الدكاكين ـ مغلقة ، أو مواربة ، والحياة يرين عليها بلادة . لا شئ إلا الصمت ، والشمس ، والصخور ، والبيوت ذات الطراز العمانى ، الساكنة ..
        اعتدت الانفراد والوحدة . أشعر بأنى منفصل عن كل ما حولى ، عن هذا المكان بجباله وحرارته اللافحة وحشراته التى بلا عدد ودشاديشه . لم يعد للناس ولا الشوارع والبيوت ملامح محددة . تداخلت الملامح ، وتشابكت . ثمة مسافة تفصل بينى وبين كل من ألتقى بهم . لا أرضية مشتركة نقف فوقها ، لا صلة لى حتى بالمصادر التى ألجأ إليها فى تغطية موضوعات الجريدة . تنتهى صلتى بها عندما أغادر الوزارة أو المؤسسة . لا أتذكر المسئول إلا إذا دفعنى العمل للعودة إليه .. تثقل على الوحدة ، فأتشاغل بالقراءة . أحاول التركيز بإعادة القراءة . أدير مؤشر الراديو إلى آخره . ربما يقضى فقدان التركيز على الصخب فى داخلى . ثم أدرك أن النوم هو أفضل الوسائل للتغلب على ما أعانيه ..
        صدمتنى البداية : الألقاب التى تسبق الأسماء : حضرة سمو السيد .. حضرة صاحب السمو .. معالى .. سعادة .. حتى الأسماء كنت أعانى تهجيتها . واستقر فى داخلى رقيب يدرك ما ينبغى ـ وما لا ينبغى ـ نشره ..
        قدوم الليل ألغى تصورى بأن الجو سيكون ألطف . الكتل الصخرية تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الأبدان والعقول ، فيرين على الحياة ـ بكل صورها ـ همود ، هو أقرب إلى الموت . تغيب الشمس ، فتنفث الجبال مخزونها الصهدى فى تواصل قاس ، مؤلم . المروحة الكهربائية ذات الطنين الرتيب تحرك هواء ساخناً . وثمة أسراب الحشرات الطائرة : البعوض وهوام الليل تحوم حول الدائرة المتوهجة للمبة الوحيدة المتدلية من السقف ، أصوات كاللسع ، أو بلا صوت ، حول ضوء اللمبة . تحولت الحجرة إلى سحابات صغيرة من الحشرات ، أنواع أعرفها ولا أعرفها ، سوداء وبيضاء وملونة ، تشاغل عينىّ ، وتطن حول أذنى ، وتعلو . ترتطم باللمبة ، وتسقط فى أى مكان ، تموت ، أو تتسلق الجدار لتحوم من جديد . وكنت أعانى قرص حشرات لا أراها ..
        السائق هندى . فى حوالى الثلاثين . يرتدى فانلة بيضاء ، وإن حال لونها بالاتساخ ، ووزار من المكعبات الملونة ، ويدس قدميه فى شبشب بلاستيك . يتكلم العربية بصعوبة . اكتفيت بأن أذكر له أسماء الأماكن ، وهو يهز رأسه بما يعنى أنه فهم ما أعنيه . كان دائم المضغ لما لم أتبينه . يحيط أسنانه وشفتيه باللون الأحمر ، ويبصق لعاباً أحمر . قال لى إن " البيتل " هو ما يمضغه . عادة هندية غابت عنه أسبابها ..
        مرة وحيدة ، غابت فيها السكينة عن ملامحه . كانت الساعة تومض فى يده بين فترة وأخرى . أبديت ملاحظتى ، فغمغم بما لم أتبينه ، وسكت ..
        أعدت الملاحظة ..
        قال :
        ـ إنها صورة الإله .. تظهر كل ساعة ..
        بدا هادئاً وجاداً . لم تجاوز العلاقة بينى وبينه أنى أركب السيارة ، وأنه يقودها ..
        ـ ماذا تقصد ؟!..
        ـ صورة الإله تتوسط الساعة ، وهى تظهر لأتذكر واجب العبادة ..
        ومال بأعلى كتفه :
        ـ الإله يحيا الآن فى الولايات المتحدة ، وإن انتشر المؤمنون به فى الهند وخارجها .. إنهم يتذكرونه برؤية صورته فلا يرتكبون الخطيئة ..
        ـ وهل تنسون الإله إذا لم تظهر صورة الساعة ؟ّ
        ـ سير !..
        اكتفى بالكلمة الإنجليزية ، غاضبة ، متوترة . اهتزت يده على المقود ، وبدا عليه انفعال ، وزاد من سرعة السيارة ..
        حاولت أن أصادق المدينة ..
        مشيت ـ بلا هدف ـ فى شوارع روى ومطرح . بعد أن تعلو شمس الغروب أسطح البنايات . الحياة تنعدم تماماً فى الفترة من الظهر إلى العصر . لا أحد يستطيع السير على قدميه ، تحت الشمس الحارقة . خليط من الأجناس واللغات والأزياء والسحن ، واللافتات المكتوبة بالعربية والإنجليزية والأردية . الدشداشة تختلف عن التى يرتديها أبناء الخليج . الياقة وفتحة الصدر والإطار المذهب الذى يحيط بالعنق ، بالأكمام والشراشيب البيضاء ، والملونة أحياناً . يشم صاحبها ما نثر عليها من عطر . المسرة غطاء الرأس لموظفى الحكومة ، الكمة للتجار ، وللحياة فى البيوت . تدس القدمان فى " نعّال " من الجلد أو البلاستيك . التمنطق بالخنجر ضرورة للمناسبات الرسمية ، يكتمل بالعصا الخيرزان ، تطوح بها اليد ، أو توضع تحت الكتف . أتعرف على القادمين من زنجبار بما يرتدونه : البنطلون والقميص بدلاً من الدشداشة ، والتحرر من غطاء الرأس ، والنساء يرتدين الملابس الفضفاضة ، أو المبهجة المزركشة . ثمة السارى الهندى والبطن العارية والنقطة الحمراء فوق الجبهة والقلنسوة الهندية ورائحة الزيت الملتصقة بأجساد الرجال ، وشعور السيخ الطويلة ، المضفرة حول الوجه وتحت العمائم الكبيرة ، والسودانيون بجلابيبهم البيضاء الفضفاضة والعمائم البيضاء ، ولابسو البنطلونات والقمصان ، وربما تحول المارة إلى خيالات ، فتغيب ملامحهم . أكلت أطعمة لم أكن تذوقتها من قبل ، أو بصقت اللقمة الأولى . أجدت التفرقة بين أنواع الخبز ما بين شامى وإيرانى وباكستانى . تختلف فى أحجامها وطعمها ، وحتى فى رائحتها . عانيت ـ فى البداية ـ فهم المفردات التى تتداخل فى أحاديث العمانيين ، مفردات آسيوية ، لعلها من الهند أو الباكستان أو بلاد أخرى : سيدا .. تيكا .. تيكا نيه .. متروس .. أتشا .. رفيق .. سولفة .. صدمتنى المفردات ، ثم فهمتها فى السياق ، ثم تفهمت معانيها ، واستخدمتها باعتبارها مفردات طريفة ، ثم لجـأت إليها كضرورة لتوضيح ما أقول ..
        مسقط !..
        سألت عن التسمية ..
        قال لى الشيخ النبهانى :
        ـ الجبال تحيط بالمدينة من الشمال والجنوب والغرب . ولأنها مدينة ساحلية ، فإن الجبال تمتد إلى داخل البحر أيضاً على شكل فكين صغيرين ، جدّد عليهما البرتغاليون قلعتى الميرانى والجلالى ..
        لست أذكر القائل بأن مسقط أشبه بجزيرة من الجبال ، لكن الجبال ـ بالفعل ـ مظهر رئيسى للجغرافية العمانية . ألتقى بها أينما سرت ، على اليمين ، وعلى اليسار ، وأمامى ، وورائى . كتبت فى رسالة لأبى : أخشى أن أنظر إلى فوق فتطالعنى الجبال !.. ربما ـ لكثرتها ـ أتت الأسطورة بأن سليمان الحكيم كان يحبس الجان فى الوديان الواقعة بين الجبال . نحت العمانيون صخور الجبال فى بعض الأماكن ، ليشقوا الطرق ، ويشيدوا المبانى . لم ينظروا إليها من الزاوية نفسها التى ينظر بها الغرباء ..
        سألت الولد القادم من صلالة ـ لم أكن زرتها بعد ـ :
        ـ هل لديكم جبال مثل جبال مسقط ؟
        هتف مستنكراً :
        ـ جبالنا أضخم بكثير !..
        يرى الجبال مبعثاً للقوة والاعتزاز .
        لم أكره المدينة ، ولم أحبها ، وإن ألفت هز الرأس ، وكلمة " ما قصّر " تقال فى المجاملة ، وكلمة " نو بربلم " فى المواقف السهلة والصعبة ، و " فى أمان الله " عند انصرافى من أى مكان .. والذقون الطويلة تحيط بالوجوه ، و" المُصَر " تغطى الرءوس . تمنيت لو أنى لم ألتق بناصف الغمرى ، ولم أقبل عرضه بالسفر إلى هنا ، ولم أسافر ..
        لم أكن ألبى الدعوات من أى نوع . العمل يمتص وقتى تماماً ، لا يبقى فى نهاية اليوم إلا أن أذهب ـ مرهقاً ـ إلى النوم . السرير المرتفع بملاءته الزرقاء المتسخة ، ووسادته التى حفر رأسى موضعاً فيها . أكتفى ـ لساعات ـ بالتمدد ، أباعد بين قدمىّ . أغمض عينىّ ، أو أحدّق فى سقف الحجرة ، أو فى سماع الراديو ، أو أخلو إلى القراءة . أغيب فى الصفحات . أنسى العالم كله . وإن ناوشنى حنين إلى شئ غامض ، لا أدرك طبيعته . تومض وجوه تحيا فى ذاكرتى ، أو تختفى . أضم الوحدة بين ذراعىّ ، وتغيب الأحلام ـ بالتعب ـ عن نومى العميق ..
        هل أظل فى رحلة السفر حتى أوفّر ثمن الشقة ، أو أمدّها ـ إن استطعت ـ حتى أدّخر لأعوام الزواج ؟..
        أزمعت أن أقلل من رسائلى إلى القاهرة ، ومن مكالمات التليفون ، فأعتاد الغربة .
        التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 06-01-2010, 07:18.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          ـ 3 ـ


          اقتحم النافذة المفتوحة صرصار جبلى طائر . التصق بالجدار لثوان ، ثم تخبط فى طيرانه نحو السقف والأركان . غالبت الخوف وأنا أتبع حركة الصرصار السريعة ، المتقافزة . واصل الصرصار اندفاعه إلى خارج الحجرة ، فأغلقت النافذة ..
          اعتدت البقاء وراء النافذة المطلة على الجبال والبيوت والشوارع الساكنة . أحرص ، فتظل النافذة مغلقة ، حتى لا تدخل الحشرات وهوام الليل . أكره سلاسل الجبال الصخرية ، المتلاصقة ، الجرداء ، الصامتة ، وأخافها . يتوالى ارتفاعها وانخفاضها فى كل الاتجاهات إلى غير نهاية . تبدو جدراناً هائلة . أتخيل سقوطها المفاجئ . يحزننى المشهد الواحد للماعز الواقفة فى أعلى ، لا أعرف كيف أفلحت فى الصعود بأظلافها ، ولا من أين تأكل . أحدق فى ظلمة الليل ، أو سكون النهار ، وأتنقل بين جزر منفصلة . أحيا فى هذا البيت الواسع ، فى هذه المدينة الجبلية . لا صديق ، آخذ منه وأعطى له ، أحكى ما يفد إلى ذهنى . لا أخفى أى شئ . بدت أيامى فارغة ، وغير محتملة ، وأيامى القادمة بلا ملامح ، أو أن ملامحها شائهة . نزعت صورة لميدان الحسين ، كنت علقتها على الجدار . كنت أختنق ـ حين أنظر إليها ـ من الوحدة والعزلة . تضيق المسافة بين السقف والجدران ، ثم تستطيل . يهبط السقف ، وتضيق الجدران ، تقترب ، تلامسنى ، تنطبق علىّ ..
          لم يكن حلم الثراء هو دافعى للسفر . وربما لو أنى كنت قد عثرت على شقة ، وأفلحت فى تأثيثها ، ما أعطيت انتباهى لقول ناصف الغمرى :
          ـ ألم تفكر فى السفر ؟..
          ـ إلى أين ؟..
          ـ إلى الخارج طبعاً ..
          وفاجأنى بالقول :
          ـ تريد عقد عمل ؟..
          قلت :
          ـ أين ؟..
          ـ سلطنة عمان ..
          استعدت الاسم :
          ـ سلطنة عمان ؟..
          كانت الصورة غامضة أو ضبابية ..
          حدثنى عن الأعوام الأربعة التى أمضاها فى السلطنة : الجبال المتلاصقة ، تبدو البنايات والشوارع بينها بقعاً متناثرة فى نسيج جبلى ، ممتد ومتكامل . أحياء مسقط هى كل قطعة أرض أتيح للناس أن يشيّدوا فوقها المبانى والمنشآت . الجبال صامتة ، صخرية ، جرداء ، يغيب عنها ذلك " الكليشيه " المتداول : سلسلة من الجبال . تأتى من اللابداية ، تنتهى فى اللانهاية . تبث فى النفس شعوراً أقرب إلى الرهبة ، ذلك الشعور الذى يتملك المرء وهو يواجه المجهول ..
          استطرد وهو يعدل من وضع النظارة فوق أنفه :
          ـ نحت العمانيون الجبال ، اقتطعوا الأرض بالمعاول والبلدوزورات والجرافات ، أنشأوا مدينة من بضع قرى ، تناثرت فى السهول الصغيرة ، بين المئات من القمم الصخرية المتلاصقة ..
          وسرى فى صوته انفعال :
          ـ تقبل السياسة العمانية أو ترفضها ، لكن ظاهرة صنع الحياة فى الجبل ، تذكرنى باقتطاع هولندا للأرض من مساحة البحر ، وإن بدا ما صنعه الهولنديون اجتهاداً بالقياس إلى اقتطاع الأرض من الكتل الصخرية ..
          قلت :
          ـ أنا صحفى .. ما شأنى باقتطاع مساحة أرض من صخور الجبل ؟..
          قال :
          ـ ليست مسقط جبالاً وصخوراً فقط . هناك بشر طيبون وأسواق وشوارع ووسائل إعلام ودور سينما وبضائع من أحدث ما تنتجه أوروبا ..
          وأطلق ضحكة من أنفه :
          ـ وهناك راتب يعينك على مجاوزة أزمتك المادية ..
          كان الشاب ـ فى الرواية التى بدأت فى كتابتها ـ قد استجمع شجاعته ، وصارح فتاته بحبه لها . استعصت الكلمات بعد ذلك ، فدسست الأوراق فى درج المكتب ..
          هز إصبعه :
          ـ لا تقل لا .. أعرف ما تحاول إخفاءه من أحوالك ..
          بدا السفر هو الروشتة الوحيدة التى تكفل علاج مشكلاتى ، وإن تمنيت لو بقيت فى القاهرة . أقنع براتب الجريدة . أتزوج أو لا أتزوج . أحيا مع أبوى وخالد وباسم وعفاف الصغيرة فى البيت المطل على ميدان المساحة ، وعلى النيل والشيراتون وتقاطعات الشوارع المزدحمة . أتم الرواية التى بدأت فى كتابتها . أجدد اشتراك مكتبة معهد جوتة . أناقش أبى فى أخبار التليفزيون . أذاكر لباسم دروس الثانوية العامة . أعود إلى اختيارى الصباحى بالسير إلى مبنى الجريدة ..
          رفعت مها عيناً متسائلة :
          ـ لماذا تسافر ؟..
          ـ لكى نتزوج ..
          ـ هل السفر هو ما يجب أن يفعله كل المقدمين على الزواج ؟
          وداخلت صوتها ارتعاشة عصبية :
          ـ أنت تعمل فى وظيفة جيدة .. وأنا أعمل أيضاً ..
          وأنا أعانى إحساساً بالمحاصرة :
          ـ ما نتقاضاه ننفقه قبل أن يحل الشهر الجديد ..
          واصطنعت ابتسامة متوددة :
          ـ تأثيث البيت يحتاج إلى ميزانية لا نملكها !..
          حاولت أن أفعل شيئاً لأقترب من مها . أصبح الخطيب ـ فالزوج ـ الذى تريده . لكن نظراتها المتسللة إلى حيث تجلس أمها ، جعلت من الإحباط هو الثمرة الوحيدة ، المتاحة ..
          بدت الطريق مسدودة ، ولم يعد بوسعى التراجع ..
          أدركت أن الحياة بين هذه الجبال مما يصعب علىّ قبوله ولا أطيقه . بدت لى القاهرة بعيدة ، بعيدة ، أول الدنيا ، أو آخرها . كتبت رسالة إلى أمى . تحدثت عن شوقى إليها . قلت إنى لن أستطيع أن أحيا فى هذا المكان بمفردى . أعدت قراءة العبارة ، فشطبتها . كتبت كلمات أخرى لا تطرح أسئلة ولا تخوفات ..
          كان الجميع قد استقبلوا قرار السفر بالصمت . المناقشات ومحاولات الإقناع بلا معنى ، أمام الحائط المسدود . حتى المبلغ الذى كان يضيفه أبى إلى راتبى ، أول كل شهر . همس ـ بعد خروجه إلى المعاش ـ أنه يجب ألا أتوقع غير راتب الجريدة ، واغتصب ابتسامة :
          ـ معاشنا نحن الأربعة أقل من راتبك فى الجريدة !..
          يبدو السؤال بلا إجابة : كيف كانت الحياة هنا بلا مكيفات ؟ كيف كان الناس يعيشون داخل البيوت ، ويمارسون أعمالهم ، ويقصرون مواصلاتهم على الدواب ؟..
          حدست أن الشعور بالاطمئنان سيظل حلماً بعيداً ، أملاً وردياً ، إن ظللت وحدى فى هذه المدينة القاسية ..
          لن أستطيع الحياة بمفردى . فى بالى مها ، ومحررو الجريدة ، والدمعة الملتمعة فى عين أمى إن تذكرت ما يثير الشجن ، وبائع الصحف فى ناصية ميدان الدقى ، ونداء بائع الفول يتصاعد إلى النافذة كل صباح ، وصياح الأولاد لاعبى الكرة فى الشارع الخلفى ، وموقف الأوتوبيسات فى ميدان رمسيس .. مشاهد تبقى فى الذهن لحظات ، أو تومض لتتلاشى ..
          لو قدمت مها معى ، هل كانت حياتى تصبح أكثر يسراً ؟!..

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            ـ 4 ـ


            تنبهت على صرير الباب الخارجى . ترامى وقع الأقدام على الأرض الرملية المتداخلة بالحصوات الصغيرة ..
            بدا فى حوالى الخامسة والعشرين . له قبول احتوانى منذ اللحظة الأولى . قامة طويلة أميل إلى النحافة ، وبشرة سمراء أقرب إلى السواد ، ووجه طويل ، نحيل ، وحاجبان كثيفان ، وعينان واسعتان ، بريئتان ، كعينى طفل ، وأنف مستقيم ، وشفتان تنفرجان عن أسنان لامعة ، وشارب رفيع تهدّل طرفاه على جانبى فمه ، وذقن حليقة ، وإن أهمل فى نهايتها خصلة شعر صغيرة . يرتدى جاكت من التويد الرمادى فوق دشداشة رائقة البياض ، وفى يده عصا قصيرة ، سوداء ، ربط نهايتها بمعصمه بحزام جلدى ..
            ـ خميس المناعى .. ضابط من شرطة عمان السلطانية ..
            اللهجة ودود طيبة . لكثرة ما استمعت عن الرقابة والمراقبة والتنصت والملاحقة والاعتقال بالشبهات ، تحددت صورة رجال الشرطة فى إطار لا تجاوزه . أجسامهم الضئيلة ، وأصواتهم الهامسة ، وتأدبهم المتكلف ، ترجح عليها لغة الإشارات والملاحظات والتحذيرات ، وحكايات سجن الرسيل التى تفوق ما كانت عليه الحياة فى سجن الجلالى . قال لى مستشار السفارة المصرية بهجت حسان : أنت ترى السجن من بعيد فتحسبه قصراً فخماً ، لكنه ـ فى الداخل ـ ينتمى إلى أبشع سجون العصور الوسطى .. أقل أنواع التعذيب أن السجين لا يفتح فمه منذ يدخله حتى يتركه !..
            لم أرحب بالزائر ، وإن حرصت أن تعكس ملامحى ترحيباً لا أبطنه ..
            دفع لى بورقة مكتوب عليها بالآلة الكاتبة :
            ـ خبر نريد نشره ..
            تأملت الورقة :
            ـ هذا إعلان وليس خبراً ..
            ـ ما الفرق ؟..
            ـ الإعلان مدفوع الأجر ..
            هز رأسه دلالة الرفض :
            ـ لا سلطة لى بذلك ..
            ـ إذن سأنشره كخبر .. وإن كنت سأبدّل صياغته قليلاً ..
            ـ المهم ألاّ يتبدل المعنى ..
            وتوتر صوته بانفعال صادق :
            ـ العمال المتسللون بلا أوراق .. مشكلة .. نخشى أن تستفحل ..
            أشار السائق الهندى وهو يميل بالسيارة إلى طريق السلطان قابوس . ألفت استطالته ، وتفرعه إلى أحياء وشوارع جانبية ، وامتداده إلى المطار ، أو ـ من الناحية المقابلة ـ إلى مسقط القديمة ..
            ـ أنظر !..
            كانت سيارة الشرطة قد اتجهت بمؤخرتها ناحية باب الخروج فى سينما عمان بلازا . شكّل جنود الشرطة حاجزاً فى المسافة بين السيارة والباب ، وراحوا يدفعون الخارجين إلى داخل السيارة ..
            ***
            كنت أراها وأنا أمضى إلى البيت عبر الحارة الترابية القصيرة ، الضيقة ..
            ـ كيف حالك ؟..
            ـ الحمد لله ..
            ـ ما أحوال العمل ؟
            ـ الحمد لله ..
            تفتح الباب ، أو تستدعيها نداءات من داخل البيت . أدخل من الباب الجانبى ، إلى داخل البيت الذى يضم السكن والجريدة . وكنت أجاوز باب البيت إلى المكتب . يترامى صوت ضربات الأم بالمهباش ، وهى تطحن البن فى هون النحاس . تعددت رؤيتى للأم فى مسيرها داخل فناء البيت . ترتدى ملابس لا تكاد تبدلها . ما يشبه القميص ينسدل إلى ما فوق الركبتين ، ومن تحته سروال عريض ، ينتهى عند كاحلى القدمين ، وتلف رأسها بعصابة سوداء ، وتدس قدميها فى شبشب من البلاستيك . ربما ألمح زوينة تطعم العجوز وهو جالس على كرسى فى الساحة الترابية داخل البيت . تدس لقيمات الخبز فيما لا أتبينه من طبق ، فيلتقطه بفمه . ابتسم لوقفة الولد الصغير وراء الباب ، يمد عنقه ونظراته فى دخولى البيت وخروجى منه . أخمن من نظرته المتسائلة ، الباسمة ، أنه يستمع إلى كلام عنى من زوينة لأبويها ..
            لاحظت أن أنفها هو منطقة التشابه بينها وبين أبيها ، أنف دقيق ، منمنم ، وربما أخذت لون بشرته القمحى . شغلنى أن أتعرف إلى أسرتها . أزورها ، أرى البيت من الداخل ، وأجلس إلى والديها وأخيها الصغير ..
            الناس فى الناحية المقابلة ـ أعلى الجبل ـ منغلقون على أنفسهم ، لا يميلون إلى التواصل . يكتفون بالتطلع إلى حياتى داخل البيت ذى السور ، نظرات صامتة ، خالية من التعبير . إذا هبطوا من الجبل إلى الحمرية ساروا مطرقين ، لا يتلفتون إلى ما حولهم ، ولا يجتذبهم صوت . لا يعنون بالنظر داخل الباب المفتوح ، ولا بإلقاء السلام ، إن كنت واقفاً بالقرب من الباب . حتى السحن بدت لى ـ فى الأيام الأولى ـ متشابهة . ربما للذقن المرسلة ، المخضبة ، والدشداشة ، والمسرّة التى تلف الرأس وأعلى الجبهة ..
            كان الصمت ـ من حولى ـ يثير شعورى بالوحدة . تداخلنى وحشة . أميل إلى الانفراد ، لكننى لا أطيق العزلة . كل ما حولى كان يفرض العزلة . يضايقنى حصار الجدران الأربعة . لا أحد أكلمه ، ويكلمنى . آخذ منه وأعطى له . لا أحد يفهمنى . أتوق لأن أحادث إنساناً . لكن : متى ؟ وأين ؟ وكيف ؟.. صخور الجبال تعيد ـ فى الليل ـ ما اختزنته من الشمس طيلة النهار . ولا أحد فى الخلاء المحيط بى ..
            هذه الصخور المدببة ، القاسية ، الملتهبة ، تناصبنى العداء . بدت لى وجوه بشر ، أرسم ملامحهم من التكوينات الصخرية ، وأبادلهم نظرات العداء ..
            واتتنى رغبة ، فنفذتها . صحت باسمى . جاءنى صدى الصوت بعد اصطدامه بالجبال الصخرية والهدوء ..
            أحسست أن الدنيا تضيق بى ، تحاصرنى ، وأنى وحيد ..
            ***
            يضئ المستطيل الصغير فى المواجهة : اربطوا أحزمة المقاعد .. أطفئوا السجاير . أحيط الحزام حول جسدى ، وأطمئن إلى إغلاق القفل المعدنى . أتهيأ لتلقى الارتجافة العنيفة ، الأخيرة ، قبل أن تلامس عجلات الطائرة أرض المطار . يصفق الركاب ـ لوصولهم إلى الوطن ، أو فرحا بالحياة ؟! ـ ثم تتوقف الطائرة تماماً ، وتظل الأبواب مغلقة . أنصت إلى حركة اقتراب السلم من الباب . أحرص أن أكون فى مقدمة النازلين بمجرد فتح الباب المستطيل . أطل من النافذة المطلة على ميدان المساحة ، كأنى أتوقع تغيّراً فى صورة الحياة التى كنت أحياها . ليس إلى الأفضل ، أو إلى الأسوأ ، لكنه مجرد تغيّر . مشاهد اختفت . حلت ـ بدلاً منها ـ مشاهد أخرى . توجه أمى أسئلة ، لأنها تتكرر فى كل عودة لى إلى القاهرة ، فقد اعتدتها : كيف تقضى يومك ؟ من يطبخ طعامك ؟ هل تتغطى جيداً ؟ هل تطول إقامتك فى مسقط . أجيب بعبارات مقتضبة ، أو مدغمة ، أو أومئ بما يطمئنها . أتأمل ملامح أبى ونحن نتكلم . يجيب عن أسئلتى ، ولا يسأل . يلوذ بالصمت . لاحظت ـ مرة ـ أن مساحة الصلع زادت فى مقدمة رأسه . انفراجة شفتيه تبين عن فقد السنتين الأماميتين .
            فاجأتنى ملاحظة أبى :
            ـ أنت تأتى بحقائب ، وتسافر بدونها ..
            ثم وهو ينحى وجهه عن اتجاه نظراتى :
            ـ لماذا لا تأخذ الحقائب نفسها وتعود بها ، ولو فارغة ؟
            لم أعد أذكر عدد الحقائب التى اشتريتها من أسواق مطرح وروى والسيب . أخلو إليها ليلة السفر ، أرتب ما اقتنيته بعينى أمى وأبى وأخوتى ، ما أتصور أنهم يريدونه ، ولا يجدونه فى القاهرة ..
            ومها ، مها : هل تذكرنى ؟ ..
            قلت :
            ـ أخشى أن يسىء رجال الجمارك فى مطار السيب معنى الحقائب الفارغة ..
            اغتصب ضحكة :
            ـ أثق أنه لا يغيب عنهم مرض الشراء الذى يعانيه المصريون ..
            أفضّل العودة إلى القاهرة فى غير إجازة الصيف . تضايقنى المساحة فى المطار التى تخصص للمصريين . يضاعفون أوزان الأمتعة ، يفاصلون ، يساومون ، يوافق موظف شركة الطيران ـ فى النهاية ـ على زيادة لا يطلبها المغادرون من جنسيات أخرى ..
            الزمن يتضاعف حين وصولى إلى مسقط . خمس ساعات هى المسافة بين القاهرة ومسقط ، لكن الزمن يباعد بينى وبين القاهرة . تبدو بعيدة فى الزمان بعدها فى المكان . أضواء مسقط تبدو تحت جناح الطائرة الضخم . نقاط مجتمعة أو متفرقة ، متناثرة وسط ظلام حالك . أعرف أنه موضع الجبال التى تتخللها الطرق والأبنية . صوت فى ميكروفون الطائرة يكرر التنبيه إلى ربط الأحزمة وإطفاء السجاير . تسرى موسيقا راقصة ، هادئة . لم تعد مفردات المطار تستلفت نظرى ، ولم أعد أتأملها : الساحة الواسعة ، المختنقة ـ فى أغلب الأيام ـ بالحرارة اللاهبة ، والرطوبة . نوافذ برج المراقبة . صالة الوصول . الحجر الصحى . الجوازات . رجال الشرطة بزيهم الأزرق وأجسادهم الضئيلة ..
            أفتح الباب . أشم رائحة الهواء الراكد ، والغبار المتراكم على الأثاث القليل ، وعلى الأرض . أطيل النظر إلى ما بداخل الحجرة ، كأنى أراها للمرة الأولى ، أو أنى أعيد اكتشافها . تتسلل إلى أنفى رائحتها ، رائحة اعتدتها وميّزتها . تبدو القاهرة بعيدة بعيدة ، وأعانى شعوراً مؤلماً بالغربة . تختلط لحظات ما قبل السفر بالحياة ـ لساعات ـ فى الطائرة ، بالنزول إلى مطار السيب . تختلط حتى ملامح الوجوه واللغات واللهجات والأماكن . أجذب ـ بعفوية ـ ورقة شركة الطيران الصغيرة ، عليها كلمة Muscat . أمزقها إلى قطع صغيرة ، وأقذف بها فى السلة المجاورة للمكتب الصغير . أدير مسمار الساعة إلى الوراء دورتين ، فرق الوقت بين القاهرة ومسقط ..
            نقف بسياراتنا أمام مبنى المطار قبل وصول الطائرة بساعتين . نستقبل ، أو نودع ، أو نمارس الفعلين . نتناثر ـ مجموعات ـ وقوفاً ، أو نجلس على الرصيف المقابل . الطائرات تأتى بوافدين جدد ، بصداقات جديدة ، وتطير بأصدقاء إلى مدنهم وقراهم ، حيث لا يعودون . يعدون باستمرار الصداقة والرسائل والمكالمات التليفونية . يتبادلون العناوين . العائدون من القاهرة يحملون رسائل وأخباراً وصحفاً جديدة . أحرص فأنا أول من يقرأ الصحف . إذا انتظرت حتى يقرأها أصدقائى قبلى ، قرأتها ممزقة . أحن ـ وأنا أقلب الصفحات ـ إلى زملائى فى الجريدة . حتى هؤلاء الذين اقتصرت علاقتى بهم على إيماءة الرأس بالتحية ، أو الكلمات العابرة . ربما تتأخر الطائرة ، فتطول وقفتنا . نزجى الملل فى أحاديث بلا آفاق ، وتأكيد المعرفة ، والتذكر ، وإطلاق النكات ، ومناقشة أسعار الريال والدولار ، وأحوال الجو . يحل علينا التعب ، فنجلس على حافة الرصيف المقابل . لا نستطيع التصرف نفسه فى مصر . نهمل أوضاعنا الوظيفية والاجتماعية . الغربة تسوى بيننا . يضيف إليها انتظار الصديق المشترك . لا تكلّف ولا ألقاب ، وعفوية الكلمات لا يحدّها قيد . يعلو صوت الميكروفون : أرجو الانتباه . يتقاطر القادمون من الباب الذى يفتح ويغلق . تحاول نظراتنا أن تتطلع إلى ما وراء انفراجة الباب التى ما تلبث أن تغلق . تتوالى الأسئلة . ربما ضاق بها البعض أو دهشوا لسذاجتها . أريد أن أعرف كل شئ ، حتى أحوال الجو ونتائج مباريات الكرة وبرامج التليفزيون وما تنشره الصحف ..
            تباعدت رسائلى إلى القاهرة . لا جديد أراه أو أسمعه ، فأتحدث عنه ..
            الملل !..
            ملل بليد . تحدثت عن الوحدة والغربة والشمس والجبال والحشرات وانشغالى القاتل فى جريدة أحررها بمفردى ، ثم لم أعد أجد ما أكتبه . اكتفيت بالرد على الرسائل التى تصلنى من القاهرة ..
            ـ هل تريد شيئاً ؟..
            التفت ناحية الصوت . سلمت على خميس المناعى ..
            قلت لمجرد أن أتكلم :
            ـ ألاحظ وجود كلاب بوليسية فى المطار ..
            قال :
            ـ إنها للطائرات القادمة من الهند أو باكستان .. تأتى العمالة من هناك بالمخدرات
            صرنا صديقين . هو الوحيد من زائرى الجريدة الذى يدفع الباب ، وأتبين خطواته التى أخمن وقعها ..
            تعرفت مما يرويه إلى ما لم أكن أعرفه عن الحياة فى مسقط ومدن الداخل : التاريخ والمعتقدات والعادات والتقاليد . حتى طقوس الزواج والموت تعرفت إليها مما كان يرويه ..
            أعاد السؤال :
            ـ تودع أم تستقبل ؟
            ـ أنتظر صديقا ..
            وسألت فى لهجة مشاركة :
            ـ وأنت ؟..
            ـ أودّع هؤلاء الملاعين ..
            وأشار إلى ثلاثة رجال وثلاث سيدات . كانوا يجلسون فى الزاوية اليمنى بصالة الانتظار . يرفعون أعينا قلقة ، تابع ـ دون تنبه ـ حركة المطار ..
            وأطفأ السيجارة فى طفاية مجاورة بضغطة من طرف إصبعه :
            ـ تسفير الأجانب مهمتى الأولى هذه الأيام ..
            قلت :
            ـ زملاؤك فى الشرطة ..
            ـ كل موظفى الشرطة عمانيون ..
            وتحسس طرف شاربه ، وغمز بعينه :
            ـ ضُبط الأزواج يتبادلون الزوجات ، فتقرر تسفيرهم ..
            السحن تشى بأوروبية الجنسية . شطر الرجال شعر رءوسهم إلى نصفين مثل عرف الديك ، وزججوا الحواجب ، وكحلوا الأعين ، وتناثر فى السواعد وشم أخضر بصلبان وأسماك وقلوب . وترتدى امرأتان فستانين متباينى التصميم واللون ، وإن كشفا عن أعلى الصدر والظهر ، وانتهيا إلى ما فوق الركبتين ، بينما ارتدت الثالثة بلوزة حمراء ، التصقت بصدرها ، وبنطلون جينز ، التصق بفخذيها وساقيها . وثمة أقراط تتدلى من آذان الجميع وأنوفهم ، واصطبغت شعورهم باللون الأخضر ..
            حدست التوتر ينطق فى عيونهم ، وهم يترقبون النداء : أرجو الانتباه !..
            قال خميس المناعى :
            ـ مجتمعنا يتغير .. المقارنة صعبة بينه وبين أيام سعيد بن تيمور ..
            وفى لهجة مهونة :
            ـ فى أيام التحولات تنشأ هذه الظواهر الغريبة ..

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              ـ 5 ـ


              مسقط لا تعرف السهر ..
              أجرى بعد الغروب ما يفوتنى من لقاءات فى الصباح . أقف أمام البيت قبل الثامنة . تصطف السيارات بحذاء الرصيف . تقل الحركة بعد صلاة المغرب ، ثم تموت ـ أو تكاد ـ بعد صلاة العشاء . أمضى ناحية المطار القديم . أبطئ السير . اتجه إلى سينما عمان بلازا ، فالطريق الرئيسى إلى كورنيش مطرح . أقف أمام الرصيف الحجرى . أتطلع إلى امتداد الأفق . أتابع ـ بلا اهتمام ـ البواخر الراسية فى ميناء قابوس والبلانسات والفلايك والحاويات والصيادين والطيور المحومة فوق المياه والأسماك المتقافزة . أعود إلى الحمرية بعد الثامنة بدقائق . يبدو المكان أمام الرصيف خالياً من السيارات تماماً . أغلقت الدكاكين والمكاتب أبوابها ، وهدأت حركة السير ، وتوالى انطفاء الأنوار فى النوافذ المغلقة . يعمق الصمت هدير المكيفات ، وصفارات البواخر فى خليج عمان . يبدو لى المكان غريباً ، موحشاً ، لا أعرف فيه أحداً ..
              حتى المغرب ، تبدو الشوارع خالية من المارة . فيما عدا السيارات المغلقة ، المكيفة الهواء ، لا أثر للحياة . يعلو الإيقاع بالتدريج . تبلغ الحياة ذروتها إلى ما بعد العشاء . ثم تخلو الشوارع إلاّ من الوافدين . يحرص العمانيون أن يغلقوا أبواب البيوت أول الليل . نوبة قلعة الميرانى كانت تخلى الشوارع من البشر تماماً . لا يسير إلاّ من يحمل الفانوس ، ولا يسير إنسان بعد أن ينتصف الليل ..
              بدأت فى الأيام التالية لموافقتى على السفر . فى تصور المكان الذى ربما أقيم فيه . بدا لى شقة علوية تطل على المدى . الصحراء باتساعها وغموضها المثير . الناس قليلون ، يرتدون الدشداشة والعقال كما أرى أهل الخليج فى الصور ..
              انشغل شوقى كمال بتدليك موضع لدغة فى عنقه :
              ـ أنت إذا أردت أن تحتفظ بالطعام وضعته فى الثلاجة ، فإذا طالته الشمس ـ لفترة طويلة ـ لم يعد صالحاً ..
              ـ أرى أنك لا تريد أن تفارق الشمس ..
              قال فى استسلام :
              ـ حياتى هنا مثل الساقية .. لا نهاية لدورانها ..
              قلت :
              ـ لأنك تصرف كل فلوسك ..
              كنت أزوره فى الشقة التى يعمل ويقيم فيها . حارة خلفية بالوالجة . على المكتب الخشبى المستطيل أمامه كتب وصحف وأوراق وأقلام وطفاية سجاير وسخان كهربائى وكولمان وزجاجة خمر ، وأسراب الحشرات تتزايد أعلى الحجرة ، تشكّل ما يشبه الغمامات الصغيرة . وثمة صوت مولد كهربائى يترامى من مكان قريب ..
              لم تكن المجلة تشغل شوقى كمال . مجرد قص ولصق . لكنه ـ فى زياراتى المتباعدة ـ كان يطلب أن أتشاغل بقراءة كتاب من مكتبته ـ رف عليه مجموعة من الكتب ـ لينهى كتابة رسائل إلى القاهرة . يكتب على أوراق نوتة صغيرة . يعيد قراءة الرسالة . ربما حذف كلمة ، أو أضاف عبارة ، ثم يدسّها فى المظروف . على مكتبه دائماً رزمة من المظاريف ..
              ـ ما أخبارك ؟
              أشعر ـ حين يتجه بالسؤال ـ أنه قد أنهى كتابة رسائله ..
              يرتشف كمية من الزجاجة ، ويعيدها إلى مكانها . فى حوالى الخامسة والثلاثين . يبدو وجهه النحيل ، الأبنوسى البشرة ، ساكن الملامح ، وإن شاب بياض عينيه صفرة واضحة . يضغط على الحروف الأخيرة فى كلماته ليؤكد المعنى ، أو لعيب فى النطق ..
              أزعجنى التعبير حين قاله الطبيب فى مستشفى النهضة : التصاق فى البطن . كان شوقى يواصل الكلام واحتساء الخمر . تتباطأ نبرة صوته ، ويغلب عليها التعثر . أدرك أنه يدخل النفق المفضى إلى هناك ، وأنه ـ شيئاً فشيئاً ـ ليس هنا . أسكت ، وأتظاهر بالإنصات إلى ما لا أفهمه ، أو أمضى . انتترت للصرخة المفاجئة . أحاط بطنه بساعديه ، وعلت صرخاته كالعواء . غلبنى الإشفاق ، وربما الخوف . تصورت أنه يموت . حملته فى تاكسى إلى مستشفى النهضة . شخّص الطبيب الحالة من رائحة الخمر وساعديه المطوقين لبطنه وصرخاته ..
              التصاق فى البطن ؟!.. ألن يأكل ـ بعد ذلك ـ أو يشرب ؟ هل أصيبت البطن بالشلل أو ما أشبه ؟ هل يموت ؟..
              داخلنى اطمئنان بطلب الطبيب أن أخلى الحجرة ، ليعالجه . لو أنه يعانى ما اتجه ذهنى إليه ، لأدخله حجرة العمليات ..
              كتبت لأبى بما حدث ..
              قال أبى فى رسالة محذرة : لا تدعه ينقل إليك اكتئابه !
              قللت ـ فيما بعد ـ من زياراتى المتباعدة لشوقى كمال ..
              ـ يحزننى أن الأيام التى أقتل فيها نفسى لن يبقى منها ما يساوى ..
              غالبت التردد :
              ـ لماذا لا تعود إلى القاهرة ؟
              ـ أحتاج إلى الريالات العمانية ..
              أطلقت لجام جرأتى :
              ـ أنت تنفقها على الخمر ..
              ـ يتبقى ما أستطيع أن أحوله إلى القاهرة ..
              ثم وهو ينفث دخان السيجارة فى عصبية واضحة :
              ـ هل لابد ـ لكى أحيا فى ظروف مادية جيدة ـ أن أترك مصر ؟..
              فوّت الملاحظة :
              ـ وصحتك ؟
              ـ بمب !
              ـ ومستقبلك ؟
              ـ أنا صحفى فى القاهرة أو فى مسقط ..
              ضربت ما لم أتبينه بكفى :
              ـ تبسيط للمشكلة أثق أنك لا تقتنع به ..
              استطردت فى صوت منفعل :
              ـ هل تساوى صحف القاهرة بما نفعله هنا ؟..
              ثم هزمنى التأثر :
              ـ عشت فى الخليج ثمانية أشهر .. أصارحك بأن شعورى بالغربة لم يتغير !..
              حاولت أن أخلق لنفسى عالماً خاصاً من القراءات ، وسماع الراديو ، والانغماس فى العمل ، واستدعاء ما خلفته فى القاهرة ..

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                ـ 6 ـ


                كان أول انطباع لى ـ حين رأيتها ـ أنى سألتقى بها ثانية ، وستكون لى بها صلة ، وإن لم أفكر كيف يتاح لى اللقاء . لم أعد أنتظر تحيتها ، فأرد عليها بإيماءة ، أو بكلمات مقتضبة ..
                فاجأتنى النقرات الخافتة ، المتلاحقة ، على الباب الخارجى :
                ـ هل عندك وعاء كبير ؟
                أطلت النظر إليها ، أتأكد من فهمى لما طلبت :
                ـ لماذا ؟..
                ـ نذر لشفاء أبى ..
                واتسعت ابتسامتها :
                ـ نحن زنجباريون .. هذه عادتنا ..
                ـ هذه عادة معظم المسلمين ..
                وضع القدر الهائل على كومات الحطب ، وقف وراءه هندى عارى الصدر ، ويغطّى أسفل جسمه بوزار . تعلو المغرفة ـ هائلة أيضاً ـ فى يده بقطع اللحم الغارقة فى الشوربة . يضعها فى الحلل المتلاصقة بتجاور الأيدى الممدودة ..
                ألفت نقرات إصبعها على الباب الخشبى . نقرات ضعيفة متوالية ، وإن تناهت إلى حجرتى الداخلية خلل السكون المحيط . نتناقش ، ونتفق ، ونختلف ، وإن ظلت وقفتنا أمام باب الجريدة الخارجى ..
                كنت مدفوعاً إليها بالوحدة التى أعانيها . بدا لى ـ أحياناً ـ أنها تبحث عن المغامرة ، علاقة فرضتها الجيرة ، وإن ظل ما يشدنى إليها صبيانية جميلة فى كلماتها وتصرفاتها ، فى ومضة الشقاوة فى عينيها اللوزتين ، الواسعتين ، وفى تهدل الشعر على الجبهة ، وتطايره إذا هبت نسمة هواء . العفوية تنطقها . لا تتعمد اختيار كلماتها ، ولا تلحظ إن أحدثت الكلمات ما تريده من المعنى أو التأثير . ذلك ما يهبه السياق ، تواصل الكلمات . حتى حقيبة يدها ، كانت تفتحها بطفولة واضحة ..
                أعرف أن المجتمع يصعب عليه أن يأذن لشاب وفتاة بإقامة علاقة على مرأى منه . النساء وراء الجدران المصمتة ، والرجال فى الشوارع والدكاكين والشركات والسيارات . الاستثناء يؤكد الظاهرة . هى تزورنى لأنى غريب . قد يروى المواطن ما يحدث دون أن يتدبر النتائج . أما الغريب فإنه يواجه ما لا يخطر على البال ..
                أزمعت أن تحيا العلاقة فى السر ..
                قلت :
                ـ لو لم نلتق ربما عدت إلى القاهرة ، أو اعتبرت نفسى ميتاً فى مسقط !
                دخلت بيتى للمرة الأولى ..
                لاحظت أنها تتعامل مع الجميع ـ فى ساحة المطار ـ بثقة ، وبلا حرج . أى نوع من الفتيات هى ؟..
                تصورت ـ فى لحظة كالومضة ـ أنها متحررة من سطوة أهلها . لا سلطة لأحد عليها ، فهى المسئولة عن نفسها . اجتذبتنى بساطتها منذ التقينا للمرة الأولى ، منذ رأيتها فى صالة مطار السيب ، مفاجأتها لى بالكلام ، دعوتها لأرافقها إلى وسط المدينة ، زياراتها المتكررة ..
                لم ألتق بها فى الزى العمانى : اللحاف ذو الألوان الصارخة ، فهى ترتدى يونيفورم مضيفات طيران الخليج ، تاييراً بنياً وبلوزة بيضاء . أو تبدّل الجونلات والبلوزات . وتحيط رأسها بإيشارب بنى من الحرير ، أو تعرّيه . أعرف ما ترتديه بتبدل الألوان . وكانت تكتفى تحت الإيشارب بعقص شعرها فى هيئة الكعكة وراء رأسها ..
                قلت :
                ـ لم أكن أعرف شيئاً ـ قبل أن ألتقى بك ـ عن المضيفات الأرضيات ..
                قالت :
                ـ معظم المضيفات يعملن على الأرض ..
                لاحظت اختلاف الزى واللهجة والتصرفات فى العمانيين القادمين من زنجبار . الميل إلى التحرر وعدم الكلفة . لم تحدثنى عن طبيعة الحياة فى زنجبار ، وإن خمنت أنها كانت تختلف عن الحياة فى مسقط . كانت ملامح الحياة العمانية تغيب تماماً حين تضمنا حجرة المكتب المفتوحة على الساحة الترابية الساكنة . تطعم تعبيراتها بكلمات إنجليزية ، خمّنت أنها تعوّض بها صعوبة النطق بالعربية . اللهجة ليست عمانية تماماً . تداخلها لكنة لم أفلح فى تحديدها . تصورت تأثرها بالحياة فى زنجبار ، ثم تبينت فى كلماتها مفردات تطالبنى بمساعدتها على استكمال سياق الكلمات ..
                ارتبكت لرؤيتها وهى تنظر إلى الجورب الممزق ، ثم وهى تجلس على الكرسى المقابل ، وتمد ساقها ، وتنزع الجورب ، وتجلس حافية ..
                أزمعت أن أغازلها بجرأة ..
                الباب موارب ، لماذا لا أفتحه ؟.. أجاوز لحظة التردد والخوف ؟..
                وهبتنى من التلميحات والإيماءات ما يشجعنى على ملامسة قطر الندى ..
                ملت عليها ، أحتضنها ، وأحاول أن أقبلها . لم أقرر ذلك ، ولا تدبّرت نتائجه . بدا الأمر عفوياً ، كأنه وليد ذاته ، وليد اللحظة ، غير موصول بما سبق ، ولا بما بعد ..
                دفعتنى فى صدرى بآخر ما عندها . أربكنى تغيرها : الوجه الطفولى الجميل حَوّره الغضب . تبدلت الملامح ، واحمر الأنف والأذنان ، وتسارعت الأنفاس ، والتمعت العينان بالدمع ..
                عدت إلى ما كنت كتبته فى روايتى التى لم أتمها ..
                لاحظت أن البطل شغلته اللحظة ، فأهمل توقعات المستقبل . أزمعت أن أضيف إلى الشخصية بما يبين عن باعث الأزمة والتصرفات ..
                ***
                لم تعد تسلم ، ولا أسلم ...
                العلاقة التى لم تبدأ ، انتهت . بدا لى أن شخصاً آخر هو الذى أقدم على ما فعلت ، هو الذى حاصرها فى حجرة المكتب ، واحتضنها ، وحاول تقبيلها ..
                أحسست أن نفسى قد تبعثرت ، وأن كل ما حولى يحاصرنى ، ويخنقنى : الشمس ، الجبال ، الصمت السادر ، الوجوه المتطلعة ، الساكنة . عاودنى الإحساس بالفراغ الموحش . عدت إلى عزلتى الموحشة . السكون الخامد فى بيت الجريدة ، والجبال ، والوجه المقابل المقلق ، وجولاتى السريعة ـ برفقة السائق الهندى ـ للبحث عن مواد الجريدة ، وزيارات الشيخ النبهانى وأصدقائى ، المتباعدة . انغمست فى العمل والوحدة . يبدو الناس ـ من حولى ـ أشباحاً ، والأصوات أصداء غير واضحة ..
                كنت أغمض عينىّ ، تستعيدان الملامح الطفولية ، والعينين الواسعتين ، والشعر المهوش حول الوجه . أعاود النظر من مكانى فى المكتب ـ عبر الباب الذى فتحته عن آخره ـ أتوقع دخولها البيت ، أو خروجها منه . هل تلتفت ناحية الباب المفتوح ؟ هل ينعكس اهتمامها فى تصرفات موحية ؟. أطيل الوقوف فى الحجرة . أحاول تذكر ما قد أكون نسيته ..
                مرة وحيدة التقت عيناى بعينيها . كنت أعالج المفتاح لما فتحت باب بيتها وتهيأت للخروج . كانت ترتدى فستاناً من الأورجاندا الزئبقية ، بكمين طويلين ، وشته الدانتيلا فى المعصمين وفتحة الصدر ..
                حولت عينى ـ فى اللحظة التالية ـ إلى الناحية المقابلة ، ربما لأنها أقدمت على التصرف نفسه ..
                لم أتصور أن تلك كانت نهاية العلاقة . هى غيمة شابت صفو السماء ، ومضت . أثق أنها ستكلمنى ، وسأكلمها . البيت أمام البيت ، والمصادفة تفرض اللقاء .. صباح الخير .. صباح الخير . لم ألح ، فقد اعترفت بخطئى ، ولعلها تستعيد ما حدث ، فتعذر ..
                ***
                طالعنى فى الباب المفتوح شابان يرتديان " يونيفورم " شركة الطيران . دللتهما على البيت . خرجت للقائهما وأنا واقف على الباب أنتظر انصرافهما ..
                قالت :
                ـ أشكرك ..
                سلّمت على بعد ذلك . وتحدثنا ..
                لم يبد فى وقفتها ارتباك ، ولا ما يشى بأنها امتنعت عن لقائى ومبادلتى الكلام ، وإن لاحظت أنها تبذل جهداً كى تظل العفوية فى وقفتها وملامحها وكلماتها وعينيها الواسعتين . لم تشر إلى ما حدث ، ولا عاد فى سلوكها معى أثر للغضب ولا للضيق ، لكن الحائط غير المرئى فصل بينى وبينها ، لا أفكر ـ ولا أستطيع ـ فى أن أخترقه . تصرف مجهول النتيجة ، وربما تخرج من حياتى ثانية فلا تعود ..
                ***
                عادت الطرقات الخافتة ..
                ضايقنى ـ فى الأيام الأولى ـ غياب ما اعتدته من عفوية فى الكلام والتصرفات . ثمة مسافة نشأت بينها وبينى . ضاقت ـ بتوالى زياراتها ـ حتى تلاشت ، وإن ظل الفاصل غير المرئى قائماً ..
                بدت هادئة وودودة ، كما لو أن كل شئ مثلما كان عليه فى الأيام السابقة ..
                كلما اقتربت منها ، تبدّت لى جوانب البراءة فيها . لم تغادر سجيتها : تروى ما تتذكره من أحداث يومها ، ما رأته ، واستمعت إليه ، وقرأته ، تتأمل فى ملامحى وقع أسئلتها المفاجئة . ربما تستدعى نكتة أو حكاية قديمة . تعكس الجدران أصداء ضحكتها المكتومة . إذا ضحكت تألقت عيناها بالمرح ، مرح طفولى صاخب ، تتداخل فيه الألوان والأصوات . يتسلل داخلى شعور بالاطمئنان والسلام ..
                كانت تفعل كل شئ : تستعيد النظام الغائب فى الأوراق والكتب . ربما أمسكت بمنفضة من خيوط بلاستيكية ، وأزالت ما علق على المكتب والكراسى من أتربة ، تبثها ـ مع الصهد ـ الجبال المحيطة بنا . تلم الملابس المتسخة من فوق الشماعة والمكتب ، ومن الأرض ، تطويها ، وتنصحنى بإرسالها إلى المغسلة فى روى . ترتب القمصان والبدل الثلاث فى الدولاب . تغسل الأطباق والأكواب والفناجين . تجففها . تصفها فى مواضعها على الأرفف . تأخذ كرسيا من المكتب إلى المطبخ . تصعد عليه . تشب على أطراف أصابعها . تأخذ الحلة من فوق الرف العلوى . أبتعد إلى الساحة الترابية حتى لا أتأمل وقفتها ، وحتى لا تلحظ نظراتى ، فتذهب ـ مثلما ذهبت من قبل ـ ولا تعود . لم تكن تترك لى فرصة مجاوزة الحدود التى وضعتها . هى التى حددت إطار علاقتنا ، وهى التى تملك مجاوزته . لم أعد أتطلع إلاّ لمجرد أن ألتقى بها . أخشى لو أنى أقدمت على ما لا تتوقعه أن أفقدها ثانية ، ونهائياً ..
                تربعت ـ حافية القدمين ـ على " الفوتيه " الجلدى المواجه للمكتب . لاحظت اعتزامى ترك ما بيدى من قصاصات ألصقها على أوراق الماكيت ..
                ـ لا تترك مكانك .. سأكلمك هكذا ..
                لم تحاول ، ولا حاولت أنا ، التلميح ، أن تنتقل من حجرة المكتب إلى الحجرة الثانية . لا أترك حجرة المكتب . إذا لم يكن تناولى وجبات الطعام فى مطعم بروى ، أكتفى بمعلبات من السوبر ماركت فى " الولجة " ..
                واصلت لصق القصاصات ، وإن اتجهت نظرتى إليها ..
                ـ هل عندكم ضيوف ؟
                ـ لا ..
                ـ رأيت سيدة تغطى جسدها كله ..
                ضحكت :
                ـ إنها أمى .. كانت ترتدى البوى بوى ..
                أعدت القول :
                ـ البوى بوى ؟!
                ـ منديل أسود خيط بملاءة سوداء تغطى الجسد كله .. ترتديه الزنجباريات ..
                وعلا صوتها بالتذكر :
                ـ أنت مسافر إلى الكويت غداً ..
                استدرت . واجهتها :
                ـ صحيح .. كيف عرفت ؟..
                ـ نسيت أنى مضيفة أرضية ؟..
                ـ صحيح .. يومان أطبع فيهما الجريدة وأعود ..
                تألقت الدهشة الطفولية فى عينيها :
                ـ تطبعون جريدتكم فى الكويت ؟..
                ـ لا يوجد فى مسقط حتى الآن إلاّ المطبعة الحكومية ..
                استطردت فى ابتسامة مشجعة :
                ـ هل تريدين شيئاً من هناك ؟..
                ـ إذا استطعت ..
                ثم وهى تهز إصبعها :
                ـ سأدفع لك ..
                ومسدت رأسها بعفوية :
                ـ حذاء من الجلد الإيطالى .. مفتوح ..
                شوحت بيدى فى تهوين :
                ـ بسيطة ..
                ونظرت ـ بتلقائية ـ نحو قدميها . كانت ترتدى حذاء بنياً متقاطع السيور ، له كعب قصير ، تطل منه أصابع صغيرة مطلية بالمانيكير ..
                ـ المقاس ؟..
                ـ ثمانية وثلاثون ..
                ـ سيكون أول ما أبحث عنه ..
                ثم وأنا أستحثها بهزة من رأسى :
                ـ هل تريدين شيئاً آخر ؟..
                مطت بوزها دلالة النفى ..
                لاحظت أنى ضربت حشرة بأوراق مطوية فى يدى . قالت :
                ـ هذه أرواح موتانا تتقمص الفراشات !..
                تأملتها : وجه خال من الأصباغ والألوان ، وشعرها الأسود القصير المهوش حول وجهها . لم تكن تستخدم أدوات التجميل ولا مزيلات الشعر . فلا كريمات ، ولا إزالة لشعر وجهها أو ذراعيها أو ساقيها . حتى الزغب الأصفر فوق فمها ، تهمله ..
                ناوشنى السؤال لحظات : هل تصدر تصرفاتها عن ثقة فى النفس ، أو أن توقع تصرفاتى لم يعد يقلقها ؟..
                لحظات ، ثم أهملت السؤال ، ونسيته ..
                ما أعرفه عنها قليل ، لكن حضورها السخى كان قد ملأ حياتى . أشرقت بوجودها داخل نفسى ، أودعتها ذاكرتى . أغمض عينى عليها حين أنام ، وأفتح عينى على استعادة ملامحها فى الصباح . يظل فى داخلى الإحساس بأنها معى ، تقف ، وتجلس ، وتتحرك ، وتتكلم ، وتعيد ترتيب الأشياء . أحيا ملامحها الطفولية وابتسامتها ، والضحكة المميزة . حتى طريقة ارتشافها الشاى من الكوب ، أستعيدها . لا أتصور أنى أستطيع أن أبتعد عنها ، أو أنساها . إذا تخلفت ـ أكثر من يومين ـ عن زيارتى ، يداخلنى شعور بالانقباض والوحشة . ثمة شىء ينقصنى . يغيب عن حياتى . وفى اللحظة التى يتناهى صرير الباب ، وهى تتجه إلى بيتها ، يعرونى شعور بأنى أصبحت أقل ارتياحاً مما كنت عليه ، وأنى أعود إلى وحدة صامتة ، قاسية ..
                انفتحت أمامى أبواب عالم جديد ، يتألق بالرؤى والظلال والأنغام العلوية ..

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  ـ 7 ـ


                  الظهر ..
                  كان ظل الصخور قد تلاشى . واختفت الظلال فى الساحة الواسعة ، الخالية من الأشجار والجدران . لم يعد إلاّ أشعة الشمس العفية ، الحارة ، القاسية . المروحة المتدلية من السقف ، عاجزة عن تحريك الهواء ، أو أنها تحرك هواء ساخناً . استعدت قول زوينة : أبى يتقى الحر بالنوم فوق السطح على مرتبة يغمرها بالماء ..
                  كنت منهمكاً فى مراجعة مسودات الجريدة ، وإن قيدت الحرارة اللاهبة ، الحرية التى أريد أن أتصرف بها . أحس بالاختناق ، وبالتوتر والبلادة . لم يعد فى داخلى إلا الشعور بالوحدة ..
                  قلت لنظرة الأستاذ عبد العال المشفقة ، فى وقفته على باب الجريدة :
                  ـ هذا الجو يدفعنى إلى الاعتراف بجريمة قتل لم أرتكبها !..
                  كان عبد العال يعانى عرجاً خفيفاً . لاحظت أن له قدماً متورمة . لم أسأله عن طبيعة مرضه . مع أنه كان يكبرنى بسنوات ، فإنه فاجأنى ـ ذات مساء ـ بالقول : أنا أستريح للفضفضة معك .. أعتبرك مثل أبى ..
                  ضايقنى التعبير . لم أكن أشعر بالارتياح معه ، ولا مع أى إنسان ..
                  جلس لصق باب الحجرة، مستروحاً ـ ربما ـ نسمة هواء ..
                  فاجأنى بالقول :
                  ـ ما رأيك فى الموت ؟
                  ترددت فى الإجابة ، ثم أعدت القول :
                  ـ الموت ؟!..
                  ورمقته بنظرة فاترة :
                  ـ لم أفكر فى هذا الموضوع ..
                  أبدى دهشته :
                  ـ لماذا ؟.. حتى نوح صاحب المئات من الأعوام لم يخلد ..
                  ثم وهو يوسط الفراغ بيده :
                  ـ لا أحد يخلد ..
                  قلت :
                  ـ أعرف أنى سأموت .. لكننى أترك هذا الموضوع لوقته ..
                  قال :
                  ـ ألا تلحظ أن الموت قد يكون الحل لمشكلات كثيرة ..
                  ـ لم أصادف حتى الآن مشكلة من هذا النوع ..
                  أردفت فى نبرة مهونة :
                  ـ أنا أفكر فى الموت من قبيل العبرة .. لكننى أرفض أن يسيطر على حياتى ..
                  ـ أعرف أصدقاء تمنوا الموت فراراً من ظروف قاسية !
                  وتهدج صوته بالانفعال :
                  ـ عموماً .. أنا أعتبر الحياة مجرد محطة ..
                  وأردف فى انفعاله :
                  ـ لو أن الإنسان أدرك النهاية ربما لا يفعل الخطأ !..
                  ومال بأعلى كتفه ناحيتى :
                  ـ أنت لا تهتم بالموت لأنك شاب .. أليس كذلك ؟..
                  ـ بالعكس .. أنا أعرف أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ ..
                  ـ هذا صحيح .. لكنك تظهر الضيق إذا تكلمت عن الموت ..
                  ـ ليس إلى درجة الضيق .. لكننا يجب أن نعيش أيضاً ..
                  ـ نحن نحيا ، ثم نموت ..
                  وأغمض عينيه ، وتنهد بعمق كمن يستعيد تنفسه :
                  ـ مادامت الرحلة بدأت دون إرادتنا، فمن الأوفق اختصارها ..
                  حدست أن الرجل يلامس ـ بزيارتى ـ تعزيز إحساسه بالحياة ، وتناسى فكرة الموت ، لكنه لا يتحدث إلا عن الموت . كأنه قد مات ، ويحيا ليتحدث عن الموت ..
                  ـ تنصح بالانتحار ؟!..
                  ـ لا أنصح بشىء .. أنا عجوز يخرّف ..
                  واجهته بالقول :
                  ـ يا أستاذ عبد العال .. ماذا يضايقك ؟..
                  وهو يتهيأ للقيام :
                  ـ هل يحتاج الكلام فى الموت إلى سبب ؟!..
                  بدا أنه يريد الفضفضة ، ينفس عن حصار يعانيه . يحدثنى عن الموت ، يتوقعه ، وإن تمنى أن يفاجئه . لا يدرى بمجيئه . ينام ، فلا يصحو . يأخذ شهيقاً ، فلا يلحقه بالزفير . جئنا إلى الحياة بإرادة الله ، ونخرج منها بإرادته . المهم ألاّ يواجه ما حفظه ـ لكثرة ترديده ـ من سكرات الموت . وكان يرفض ـ تنفيذاً لأوامر الطبيب ـ تناول أى طعام أو شراب بين الوجبات . بدا حذره الشديد من أخطار السمنة مناقضاً لتفكيره الدائم فى الموت ..
                  لاحظت تلفته فيما حوله ..
                  قلت :
                  ـ لم أنته من قراءة الصحف ..
                  كنت أقبل على صحف القاهرة ، أفيد من موادها لجريدتى . ألتهمها ، فلا أترك حرفاً . حتى صفحة الوفيات التى لم يكن يشغلنى ـ وأنا فى مصر ـ مجرد التطلع إليها ، كنت أتعرف إلى القرابات والنسب والعبارات التى يناجى بها الأحياء موتاهم ..
                  قلت بالتذكر :
                  ـ كنت أحلم بجريدة تستكتب أسماء مهمة .. وتباع فى كل المدن العربية ..
                  قال :
                  ـ هذا ما سيحدث بإذن الله ..
                  قلت :
                  ـ أنا أبدأ من الصفر ..
                  ونقرت بإصبعى على طرف المكتب :
                  ـ بالإضافة إلى مسئوليتى فى التخلص من السمعة السيئة للصحافة المحلية ..
                  وهززت رأسى :
                  ـ معظم الصحف تصدر فى أوقات متباعدة .. وتعتمد جميعها على القص واللصق ..
                  وتلون صوتى بحزن :
                  ـ كنت أفضل لو بدأت فى ظروف مختلفة .. لكن هذا ما حدث ..
                  وضغطت على الكلمات :
                  ـ قدمت للعمل فى جريدة تصدر عن مؤسسة مقاولات ..
                  وأشرت إلى ما حولى :
                  ـ هذه هى ..
                  قلت للشيخ النبهانى :
                  ـ ألاحظ أنك تعرف الكويت جيداً ..
                  قال الشيخ :
                  ـ عملت أعواماً فى بلدية الكويت ..
                  ووشى صوته بتأثره :
                  ـ الحنين إلى مسقط أكلنى ، فقررت العودة ..
                  روى لى عن عودة الآلاف من العمانيين . سافروا إلى مدن الخليج ومدن شرق إفريقيا . عادوا لمجرد إنهاء أعوام الغربة . ليس فى أذهانهم مهن ولا وظائف محددة . شغلتهم العودة فى ذاتها . مجرد أن يعودوا إلى حيث ولدوا وأمضوا أعواماً من حياتهم . حين سافروا بعيداً عن مسقط كانوا يدركون أن السفر بلا عودة . يستطيع المرء أن يسافر ، لكن عليه أن يبقى حيث رحل . من يريد الحياة فى السلطنة لا يتركها ، ولو للدراسة أو العلاج ..
                  قال عبد العال :
                  ـ لابد أن تتدرب هنا على ألفة كل شئ ..
                  ثم وهو ينتزع ضحكة :
                  ـ ربما توجد لافتة شركة مقاولات على دكان يبيع البقالة والأحذية وما لا يخطر على البال !..
                  وعض شفته السفلى ، وأفلتها :
                  ـ هذه مجرد تسميات !..
                  لاحظ الدشداشة المعلقة على مسمار فى الحائط . اشتريتها من سوق الظلام بمطرح . تعلمت من الشيخ النبهانى كيف أفك أزرارها ، وكيف أعطّر الشرشابة . تصورت أنى أنزل بها إلى الطريق . لكننى اعتبرتها منامة ، فلم ألبسها خارج حجرة النوم . توقعى للطرقات الخافتة ، كان يدفعنى إلى نزعها ، وارتداء البنطلون والقميص ..
                  قال :
                  ـ إن ارتداء هذا الشىء ينعكس على تفكير الإنسان ..
                  ـ هناك من يرتدون الزى الأوروبى وأفكارهم متخلفة ..
                  ـ ربما .. لكن المستحيل أن تظل ترتدى الدشداشة ، وتأمل فى أن تجاوز تفكير البيئة !
                  قلت :
                  ـ ألاحظ أن المجتمع العمانى كأنه يقتصر على الذكور ..
                  رفت على شفتيه ابتسامة غامضة :
                  ـ المرأة غير موجودة فى هذه المجتمعات ، أو أنها داخل البيوت !..
                  والتمعت عيناه بوميض التذكر :
                  ـ الشرطة أخذت زميلاً لنا من على باب عمان بلازا .. امتنعنا عن إلقاء الدروس حتى أفرجوا عنه ..
                  تكررت رؤيتى لسيارة الشرطة تضع مؤخرتها أمام باب السينما، تلقف كل المغادرين لسينما عمان بلازا. جميعهم من الوافدين، هنود وباكستانيون ولبنانيون وبنغاليون ومصريون وفلبينيون وجنسيات أخرى. يخضعون للتصنيف فى مركز الشرطة بالوطية. يظل فى مسقط من دخل عن طريق المطار ، ويعود إلى بلاده من قدم من مراكز الحدود. يثق فى قدرته على معرفة البلد الذى ينتسب إليه وافد يراه للمرة الأولى، ولا يتبادل معه حديثاً من أى نوع. لا يحدد بواعث التخمين. هى روح، أو صورة كلية ، بلا تفصيلات محددة ..
                  قلت :
                  ـ إنهم يعتبرون الإضرابات خطيئة مثل الكفر ..
                  ـ هل كنا نترك زميلنا فى الحبس ؟..
                  وأنا أدير كوب الشاى فى راحتى :
                  ـ الحمد لله أن الأمر انتهى على خير ..
                  (يتبع)

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    ـ 8 ـ

                    سرت فى شارع روى إلى نهايته . ملت إلى ناحيته المقابلة بالقرب من جامع السلطان قابوس . المبنى من طابقين . صعدت السلمات العشر إلى بوابته الخشبية . فتح لى الحارس العمانى . طالعتنى ردهة واسعة ، تحيط بها حجرات مفتوحة ، ومغلقة . وثمة سلم إلى اليسار ، يصعد إلى الطابق الثانى ، وطرقة مستطيلة ، على جانبيها حجرات ، وفى نهايتها نوافذ زجاجية عالية ، تطل على الشارع الجانبى ..
                    قال لى خميس المناعى :
                    ـ إذا لجأت إلى مركز الشئون الاجتماعية ، فستجد الكثير من الموضوعات لجريدتك ..
                    بدا لى ما قرأته كأنه دنيا السحر . دراسات أعدها باحثون من مصر والعراق والسلطنة . الموروث الذى لم يبدل ثباته توالى الأعوام : المعتقدات والعادات والتقاليد والحكايات التى يصعب تصديقها . أذهلتنى حكاية الزوجات تطول بأزواجهن أعوام الغربة فى بلاد الخليج . يأتى الطيف فى هدأة الليل ، يضاجع المرأة ، فتلد بعد تسعة أشهر . يتكرر الحمل والولادة ، ويبعث لها الزوج ـ فى كل مرة ـ اسم المولود ونفقته السنوية . نقل جامع ببهلا إلى نزوى ، عقاباً من الملائكة على ممارسة محرمة داخل الجامع . أعمال السحر التى تسخط الإنسان ، وتحيله حجراً أو صخرة أو شكلاً شائهاً ، أو تمسخه إلى سمك . وثيقة عقد الزواج بين ذكرين . حجرة الغلام المتفردة ، المطلة على الشارع ، فى البيوت القديمة ..
                    قلت لخميس المناعى :
                    ـ ألاحظ أن المرأة العمانية ترقص أمام الرجال .. ظاهرة خليجية نادرة ..
                    قال :
                    ـ بالعكس .. هذا ما يحدث فى الإمارات والبحرين والكويت ..
                    ثم تساءل كالمتذكر :
                    ـ هل شاهدت عرساً عمانياً ؟
                    ـ شاهدت التليفزيون !
                    ***
                    ما كدت أدخل حجرة المكتب ، حتى تناهى صوت طرقات خفيفة على الباب الخارجى ..
                    أصخت السمع ، فعادت الطرقات واضحة ..
                    كنت قد اعتدت سماع نقرات أصابعها على الباب الخارجى . تعلو بها إن لم أفطن إليها فى مرات تالية . إذا دخلت حجرة المكتب طوحت حذاءها فوق الموكيت الأزرق . أستعد لزيارتها بتعمد الفوضى فى حجرة المكتب . أتوقع أنها ستعيد ترتيب الكتب والأوراق والأقلام . حتى الملابس التى تعمدت إلقاءها فى غير موضع ، وأترك الأشياء مهملة . أدرك أنها ستضعها فى أماكنها على الشماعة ، أو داخل الدولاب ، تجرى فيها بالترتيب أو النظافة . تملأنى النشوة لمجرد أنها تلامس أشيائى : ثيابى ، كتبى ، أوراقى ، كوب الشاى . أتأمل أصابعها وهى تلامس ما يخصنى . أتمنى ـ بينى وبين نفسى ـ لو أنها أذنت لى بتقبيل الأصابع المخروطة ، الجميلة . أرجو ابتسامتها المشفقة لتأثيرات الوحدة التى أعانيها ، وإن كنت أحرص على كى البنطلون والقميص ، ونظافة الحذاء . حتى النظارة الطبية أجرى عليها بقطعة قماش صغيرة ..
                    أثق أنها ستأتى . تصل إلى بيتها . تظل إلى المساء ، ثم تأتى . كنت أنشغل بانتقاء الكلمات التى سأقولها ، وترتيبها . تختلط الكلمات ـ عند مجيئها ـ وتتشابك ، أو أنسى ما أعددته تماماً . أغمغم بكلمات لا أتدبرها جيداً ، وإن حاولت التعبير عن الترحيب . ثم حرصت ألا أعد الكلمات التى سأقولها . أترك للكلمات عفويتها ، لا أتعمد اختيارها . أسأل وتجيب . تسأل وأجيب . نتناقش فيما يفرض نفسه ، أقرب إلى الدردشة أو الثرثرة . نمضى إلى طرق لا نختارها ..
                    شحبت صورة مها ، ذوت ، تلاشت . لم يعد إلا صورة زوينة تلازمنى . الملامح الطفولية تفرض نفسها ، الإيماءات والتصرفات والبسمة التى كأنما ألصقتها على شفتيها . أتصور كلاماً بينى وبينها ، أسئلة وأجوبة ، وأخذ ورد ، ورواية ما صادفه كل منا فى يومه ..
                    سألت بعفوية :
                    ـ لماذا صحبتنى من المطار ؟
                    قالت بسرعة كأنها تتوقع السؤال :
                    ـ بدوت مسكيناً وبلا حيلة ..
                    قفزت إلى ذهنى ـ لا أدرى لماذا ـ صورة بطل روايتى التى لم أتمها . بدا وحيداً ، ومحاصراً . أزمعت أن أوفر وقتاً ـ وسط انشغالى ـ أستكمل فيه روايتى الناقصة ..
                    لم أعد أقوم من مكانى وراء المكتب ، عندما تدفع ضلفة الباب الخارجى ، وأتبين وقع قدميها فوق الساحة الترابية . تقول : سلام ـ من باب الحجرة ـ وهى تتبين ـ بنظرة متأملة ـ ما أفعله . تميل إلى المطبخ ، فتأخذ بعض ما تحتاجه من الأرفف . أدرك أنها تمضى إلى الناحية المقابلة من تناهى صوتها : سلام ، وصرير مواربتها لضلفة الباب ..
                    كنت أعزّى نفسى ـ أمام شوقى كمال ـ بأنه رفيق غربة ، رفيق سفر . تصل علاقتنا إلى نهايتها عندما تهبط الطائرة فى المطار ..
                    قالت :
                    ـ لاحظت أن الباب ظل مغلقاً إلى ما بعد المغرب ..
                    وأنا أتظاهر بترتيب الأوراق فوق المكتب :
                    ـ أمضيت اليوم كله فى مركز الشئون الاجتماعية ..
                    وتنبهت لذبابة على أنفى . ذببتها بيدى ، وأردفت :
                    ـ كنز من المعلومات سأختار منه ما ترضى عنه الرقابة ..
                    وداخلنى إحساس بالمحاصرة :
                    ـ أخفقت ـ حتى الآن ـ فى كتابة تحقيق صحفى ..
                    ومططت شفتى فى ضيق :
                    ـ أصطدم بالفشل دائماً ..
                    ـ لماذا ؟
                    تحدثت عن جائزة التفوق التى صدر بها مرسوم سلطانى . يحصل عليها من يحقق تفوقاً فى مجالات الدراسة والبطولات الرياضية .. أزمعت أن يكون المرسوم السلطانى محوراً لأول تحقيق تقدمه الجريدة . صحبنى خميس المناعى إلى النادى الأهلى خارج مسقط القديمة . ساعدنى المناعى فى محاولة إقناعهم بأن يتحدثوا عن رأيهم فى المرسوم . لابد أن يكون ـ بالضرورة ـ رأياً إيجابياً . لكننى اصطدمت بحائط الاعتذار : هذه سياسة ، ولا شأن لنا بها !
                    قال خميس المناعى :
                    ـ لم ينس العمانيون نوبة الميرانى ، وأوامر السلطان سعيد التى حرمتهم حتى من ارتداء الأحذية ..
                    قلت :
                    ـ وكيف أصنع صحافة ؟
                    ـ اتبع سياسة الخطوة خطوة ..
                    ـ أخشى أن أظل محلك سر !
                    قالت زوينة :
                    ـ أنت رأيت أزقة مسقط القديمة ؟..
                    ـ طبعاً ..
                    ـ هذه هى زنجبار .. البيوت القديمة المتلاصقة والشوارع القديمة والدشداشة والكمّة والقلاع .. حتى الأبواب تذكرك بأبواب مسقط ..
                    مدّت يدها بلفة صغيرة من الورق :
                    ـ خذ هذه ..
                    دهمنى ارتباك حين فاجأت نظرتى المتسللة . كنت أتأمل شرودها فيما لا أتبينه ..
                    ـ ماذا ؟..
                    ـ عشاء خفيف ..
                    وأنا أربت صدرى :
                    ـ تعشيت ..
                    ـ أخى سيف .. سمع عم حمود صاحب السوبر ماركيت وهو يعتذر بعدم وجود ما طلبته ..
                    غمرنى إحساس بالنشوة أن أجد من يعنى بأمرى . فطنت أنى ـ ربما للمرة الأولى ـ أرنو إلى منبت النهدين . داهمنى ارتباك ، فأدرت وجهى إلى الناحية المقابلة ..
                    أضافت كالمتذكرة :
                    ـ كنت الابنة الوحيدة ثلاثة عشر عاماً .. ثم جاء سيف .. ولدته أمى بعد عامين من قدومنا إلى مسقط ..
                    واتسعت ابتسامتها :
                    ـ قال أبى إنها غلطة .. وأعتبرها غلطة جميلة ، فأنا أحبه !..
                    ثم وهى تغمز بعينها :
                    ـ لعلهما أرادا تأكيد انتمائهما إلى الوطن الجديد ..
                    قلت :
                    ـ بدا السوبر ماركيت ـ هذه الليلة ـ شبه خال ..
                    وهى تضحك :
                    ـ رجال الفرق الوطنية نزلوا على المحال .. قالوا : نحن خدم السلطان .. وأخذوا ما وصلت إليه أيديهم ومضوا ..
                    اعتدت رؤية الفرق الوطنية فى شوارع روى ومطرح . عشرات من الرجال ، عراة الصدور . يرتدون الوزارات المزركشة الألوان من الخصر إلى ما تحت الركبة . يحملون البنادق والسيوف الصغيرة والخناجر والعصى . ينشدون أغنيات ، فسّرت غموض كلماتها بأنها من الشعر النبطى . قال لى الشيخ النبهانى إنهم من الخارجين عن جبهة تحرير ظفار . أعلنوا استسلامهم ، وتحولوا ـ بعفو السلطان وهباته ـ إلى أهم المساندين للحكم فى ظفار ، أو المنطقة الجنوبية ..
                    كنت أتأمل جرأتها : الطرقات الخافتة ، ودخولها البيت ، ونزع حذائها ، وتنقلها بين حجرة المكتب والمطبخ والحمام . تبدو تصرفاتها غريبة فى مجتمع الرجال الذى تنتمى إليه ، وإن لم يعد فى وسعى أن أتصور عناقها . الحائط غير المرئى الذى تقف خلفه ، يفصل بيننا ، والبساطة التى تتحرك ـ وتتكلم ـ بها ، تلغى ما قد يثور فى داخلى من تصورات . يداخلنى اليأس حين أطيل النظر فى عينيها ، فتأتى الاستجابة كما فى عين السمكة ..
                    تعثّرت فى وقفتها على السلم ، وهى تجرى بالمنفضة على الكتب . احتضنت ساقيها بتلقائية . مالت على كتفى حتى نزلت إلى الأرض . غالبت الارتباك ، وأنا ألمح الحمرة فى خدّها ، وهى تميل بوجهها إلى الناحية المقابلة ..
                    لم يكن بوسعى أن أخمن ماذا تخفى ابتسامتها الطفلة وعيناها الملتمعتان . لا أعرف ماذا يمور فى داخلها . كانت رؤيتى لها تتعدد فى اللحظة الواحدة . تهبنى شعوراً بالسهولة ، فأتصورها ثمرة تلامس أطراف أصابعى . تحدثنى فى ود طيب ، فأبتسم لصور من قعداتى مع أمى وأخوتى ، وتومض عيناها بما يصعب علىّ فهمه أو تفسيره . أدرك أنى أجلس إلى فتاة من مجتمع يمارس حياة غير التى ألفتها . كنت أعود فى اختلاط اللحظات ، وتشابكها ، إلى الحدة التى واجهت بها خطأ فهمى . يهمّنى ألاّ تغيب ثانية ، وربما ذهبت فلا تعود . تعيد ترتيب ما أتعمد إفساده . تفاجئنى بالسؤال عن أشياء تخصّنى ، ولا أتصور أنها لاحظتها : الكلمات الناقصة فى ورقة فوق المكتب ، الكتاب الذى طويت آخر صفحة قرأتها فيه ، إيصال مغسلة الثياب ، تأخر المطبعة فى طباعة الجريدة . تفاجئنى بأسئلة عما أتصوره بلا قيمة وتافهاً . يبدو عليها التأثر وهى تنصت إلى ملاحظاتى . تخلع حذاءها . تتربع على الكنبة قبالة المكتب . تضع ذقنها فى يدها ، أو تداعب بيدها أصابع قدميها ، وتتكلم . تشرق وتغرب . تسأل ، أو تنصت . تقاطع أجوبتى . تعبر بملامح وجهها وحركات يديها . ربما وقفت على رأسى وأنا أكتب ، أو أخطط ، صفحات الجريدة ، أو ألصق الأعمدة والصور . يلامس ذراعها يدى . صارحتنى باستيائها من النظرة المتعالية التى يواجهها بها العمانيون من مواليد الوطن الأم ، كأنها الاستهانة أو الاحتقار . نحن أتينا من زنجبار ، فنحن زنوج ، والزنوج ـ لا أدرى سر هذه النظرة ـ جنس أدنى !
                    فاجأنى تغيّر سحنتها لما أشرت إلى ظاهرة الخدم الآسيويين :
                    ـ أنت تلمّح إلى ما يعيب ..
                    ـ أتكلم عن ظاهرة سلبية ..
                    ـ الخدم موجودون فى كل الدنيا .. لماذا يتحولون هنا إلى ظاهرة سلبية ؟!..
                    رحت أتأمل الوجه الملائكى ، والملامح الطفولية ، والعينين الواسعتين ، البريئتين . تمنيت لو أنى احتضنتها ، ودسست رأسها فى صدرى . أهمس ، وأصرخ ، بأنها الواحة التى ظللتنى فى هجير شمس مسقط ..
                    أزمعت أن يكون ذلك كذلك . لا أقرأ ما بين السطور ، ولا أحاول فتح الحجرة الواحدة والأربعين ، ولا أجهد نفسى فى التطلع إلى ما وراء الأفق ..
                    توالت الأسئلة : هل أحبها بالفعل ؟ أو أن ما أحسه نحوها مجرد رغبة تريد البوح ؟ هل الشعور بالوحدة هو الذى أملى الإحساس بأنها تحبنى ، وأنى أحبها ؟ هل تشغل فى حياتى موضع مها ؟ وهل تنتهى علاقتى بها بعودة علاقتى بمها إلى ما كانت عليه ؟
                    لم أصل إلى أجوبة محددة ، وإن أيقنت أن هذه الفتاة السمراء ، الطفلة الملامح والتصرفات ، هى فتاتى التى أحبها . أتأهب للنوم . أغمض عينى على صورتها . تطالعنى فى رؤى متغيرة حتى أصحو . هى أول من أفتح عينى عليه ..
                    أفكر فى أن أشغل نفسى بأمى وأبى وأخوتى ومها ، وما خلفته من عمل فى القاهرة . ما تلبث الصور التى استدعيتها أن تذوى ، تتلاشى . تحل ـ بدلاً منها ـ صورة زوينة ، تتحرك ، تتكلم ، تضحك ، تسأل ، تملأ مساحة الذهن فلا يملأها سواها ..
                    كانت المناقشات تستغرقنا ، لا تترك فرصة كى يبوح أحدنا بمشاعره نحو الآخر . ألمح نظرات عينيها . أخمن ما تحملانه ، وكنت أفر بعينى منهما . صرت على ثقة أن الطريق مسدودة . شئ فى ملامحها البريئة يصدنى عن التقدم فى خطوة غير محسوبة . تشوّش إحساسى بالوحدة . لم يعد بمثل القسوة التى آلمتنى كثيراً ، لكننى ظللت وحيداً ..
                    لحظات الوحدة كثيرة ، ومتواصلة ، لكننى لا أشعر بالعزلة . لا أشعر بالوحدة التى أحياها . ترافقنى صورة زوينة وتعبيراتها وإيماءاتها وتصرفاتها العفوية . ربما أكتشف البسمة تطفر على شفتى بالموقف الذى أستعيده ..
                    هذه هى واحتى الظليلة . لا صلة لها بما أحياه فى القاهرة أو مسقط . لا صلة لها بشخصيات أعرفها ، أو ألتقى بها ..
                    أنا لا أتصور الحياة بدونها ..

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      ـ 9 ـ

                      ـ الأستاذ بهجت حسان ..
                      تعرف الحارس إلى ملامحي . فتح الباب الموارب . قبل أن يعبر السائق دوار الخوير ، طلبت أن يميل إلى مبنى السفارة المصرية . تأملت الأوراق والصور التى سلمها لى عبد الحميد سعيد وكيل وزارة الإعلام : رجال يرتدون الدشداشة والمسرة ، لا يفترقون عمن ألتقى بهم فى أسواق روى ومطرح وشوارع المدينة . حتى النظرات تشى بطيبة واضحة . وضعت الأوراق فى تابلوه السيارة ، ونزلت ..
                      ـ انشر هذه الصور فى الصفحة الأولى من جريدتك ..
                      أضاف عبد الحميد للتساؤل فى عينى :
                      ـ أكتب بما يعنى أنهم متمردون فى ظفار سلموا أنفسهم لقوات السلطان ..
                      ـ ألا توجد معلومات ؟
                      ـ أى معلومات تعد أسراراً عسكرية ..
                      ونفض دخان سيجارته على طقطوقة أمامه ، وقال :
                      ـ يكفى أن تشير إلى أنهم متمردون سلّموا أنفسهم !
                      كنت فى حاجة إلى أصدقاء . إلى من ينصت إلىّ ، وأستمع إليه . كان أغلب وقته فى مبنى السفارة . وكان سكنه فى داخل أسوار المبنى . أتردد عليه فى مبنى السفارة ، فأجد فيه من أناقشه . يضايقنى ـ بعد أن أشاهد فيلماً فى سينما ستار ، أو عمان بلازا ، أو أقرأ كتاباً ، أو أتابع برنامجاً فى التليفزيون ، أنى لم أكن أجد من أحدثه فيما شاهدته أو قرأته . من يبادلنى الملاحظات والتعليقات ، ويبدى الإعجاب أو الرفض . الفراغ بلا آفاق . أدركت كم أنا وحيد . لا أتصور أن أحداً يعانى الوحدة مثلما أعانى . وكنت أعطيه أذنى ، فيتكلم ويتكلم . أكتفى بالإنصات . ربما تظاهرت أنى أنصت . أهرب من الحنين والوحدة والملل فى حكاياته التى لا تنتهى ..
                      كان يقلب الملفات فوق مكتبه . أسماء وعناوين وبيانات وأرقام . يرافق التقليب نبرة ساخطة ، تعيب اتسام سفر المصريين للعمل فى الخليج بالعشوائية . تشوشت الظاهرة ، فغابت صورة المستقبل . يسافر الباحث عن فرصة العمل لأربع سنوات . تطيب له الإقامة ، فتتواصل السنوات ..
                      ـ إنهم يضيفون إلى أنفسهم فرص الآخرين ، يستولون عليها !..
                      ويشى صوته بضيق :
                      ـ تضخمت مشكلات المصريين فى مسقط ، فكاد عملى يقتصر على المهام الاجتماعية !..
                      ثم وهو يتطلع ـ من النافذة ـ إلى الصحراء الممتدة :
                      ـ السفارة الآن صالة ترانزيت !
                      حكى لى عن وكيل الوزارة المصرى المعار للسلطنة . مهمته جمع التراث الشعبى من الموسيقا والأغنيات . لكن الراتب الضخم دفعه إلى محاولة البقاء فى السلطنة ، فهو يعزف على العود فى أثناء تناول وزير الإعلام عشاءه مع ضيوفه ، وقاطع مذيع التليفزيون حين رحب به فى عمان وطنه الثانى قائلاً : أرجوك .. إنها وطنى الأول !..
                      قال بهجت حسان :
                      ـ الظروف الاقتصادية لا شأن لها بمأساة الرجل .. إنها مأساة النفوس الضعيفة ..
                      ونفث تنهيدة :
                      ـ أمس .. طلبت من رئيس بعثة المدرسين المصريين أن يغادر مكتبى .. وصف وظيفته بأنها الإشراف على ثلاثة آلاف كلب .. يقصد ثلاثة آلاف مدرس !..
                      وكز على أسنانه :
                      ـ يريد الحصول على إعجاب العمانيين بشتم أبناء بلده ..
                      وأعاد تصفح الجريدة :
                      ـ أنت لا تتحدث فى السياسة ، لكنك تكتب فيها ..
                      قلت :
                      ـ أكتب فى السياسة الخارجية والعربية ، ولا شأن لى بالسياسة المحلية ..
                      واجهنى بنظرة دهشة :
                      ـ هذه جريدة عمانية ..
                      ثم وهو يعقد ساعديه على صدره :
                      ـ فكرت فى أن أزودك ببعض التحليلات السياسية .. لكننى أشفقت على قراء جريدتك ..
                      ووشت لهجته بملل :
                      ـ أثق أنهم لا يريدون سوى الأخبار الصغيرة والطريفة ، وإن أمكن فالصور الملونة ..
                      لاحظت أنه يداوم النظر إلى مرآة معلقة على الجدار بجانب المكتب . يتأمل ملامحه ، ويتأكد من استواء شاربه . أميل إلى البدانة . تطل الطيبة من عينيه الساجيتين ، فيبدو ـ أحياناً ـ كالنائم ، وحاجباه الكثيفان متصلان من أعلى الأنف . وتصرفاته ، وعباراته ، أميل إلى البطء ..
                      قلت :
                      ـ الألوان مطلب مستحيل فى ضوء الظروف الحالية ..
                      ـ جريدتك ينقصها الصورة ..
                      أضاف لنظرتى المتسائلة :
                      ـ الصورة ـ كما تعلم ـ عنصر مهم فى المادة الصحفية ..
                      وهز سبابته :
                      ـ المثقفون هنا لن يقرءوا جريدتك .. عندهم الصحف العربية والأجنبية ..
                      قلت :
                      ـ أعترف أنه تعوزنى الإمكانيات ..
                      قال بلهجة محرضة :
                      ـ قص والصق .. افعل مثل الآخرين ..
                      ـ هذا ما أفعله أحياناً ..
                      استطردت متذكراً :
                      ـ قص الصور وليس الموضوعات ..
                      ظهرت الخيبة فى وجهه :
                      ـ ألا يوجد لديك أرشيف صور ..
                      قلت :
                      ـ ولا أرشيف معلومات ..
                      وجاهدت كى أكتم ما يمور فى نفسى من ضيق :
                      ـ لا يوجد أى شئ لصنع جريدة .. إلا جهاز راديو قديم ..
                      ـ وكيف تتصرف ؟..
                      ضاحكاً :
                      ـ بالبركة ..
                      واستطردت موضحاً:
                      ـ أستعين بكتابات أصدقاء من القاهرة .. وأنقل من الراديو .. وأخترع !..
                      مصمص شفتيه :
                      ـ مشكلة أن تصدر إعلام القرن العشرين فى مجتمعات القرون الوسطى ..
                      تحدث الشيخ حمود النبهانى عن مشروعات للتوسع فى شركة صحار للمقاولات . صدر القرار بإزالة بيته المطل على مقابر المثاعيب ، والمفضى إلى قصر العلم . أظهر الفرحة للتعويض المادى الذى سيحصل عليه : يتيح لى بيتاً جديداً فى القرم ، وفائضاً أنفقه على توسعة الشركة ..
                      كنت قد زرت بيته : درجات من الأسمنت ، تفضى إلى فناء بلا سقف ، إلى اليمين ـ بجوار الباب ـ حجرة يستقبل فيها زواره ، ثمة كنبتان ملتصقتان فى زاويتى الحجرة ، يقابلهما جهاز تليفزيون ، وعلى الأرض سجاد وشلت ، وهسيس المروحة الكهربائية أعلى السقف . فى نهاية الفناء المبلط بناية صغيرة من طابقين أغلق بابها الخارجى ، ولا تبين نوافذها العلوية المفتوحة عما بالداخل ، حدّست أنها لإقامة أسرة الشيخ وإلى اليمين دورة مياه . فاجأنى ـ لما استأذنت فى استخدامها ـ باقترابها من دورات المياه فى بيوت القرية المصرية ..
                      ـ هل يمكن دعم الجريدة وتوزيعها خارج السلطنة ؟
                      فى استغراب :
                      ـ نحن نوزع خارج البلاد فعلاً ..
                      ـ ما أعرفه أنها لا تباع فى القاهرة ولا بيروت ولا بغداد .. ولا العواصم العربية الأخرى ..
                      ـ إنها تصل إلى حيث شركات الإعلان فى دبى ..
                      ثم فى حسم :
                      ـ هذا يكفى !
                      فاجأنى بهجت حسان بالقول :
                      ـ أعانى مشكلة سخيفة ..
                      وحدجنى بنظرة طويلة كأنه يتأمل وقع كلامه :
                      ـ المدام ترفض ما أحله الله ..
                      أضاف للدهشة فى عينى :
                      ـ ترى أننا قد أنجبنا الأولاد ، فلا حاجة بنا إلى الجنس ..
                      اكتفيت بالمتابعة والصمت : يكلمها عن الجنس . هو مثل الطعام والنوم ، وما يحتاجه الإنسان من ضروريات . تهز رأسها ، وتقلّب شفتها السفلى ، وتسكت ، لا تعلق بملاحظة ولا تبدى استجابة ..
                      قلت لمجرد أن أقول شيئاً :
                      ـ تذكرنى بدراسة فى مركز الشئون الاجتماعية ، أشارت إلى طلب عمانى فى بركاء من خبراء المركز أن يقنعوا زوجته بتلبية طلباته ..
                      انتزع ضحكة :
                      ـ لعل الرجل يطلب ما يؤذى مشاعر زوجته .. أما أنا .. الحمد لله !..
                      وسكت .
                      ***
                      فضضت الرسالة بيد مرتعشة . أعرف صاحبة الخط . هل أملاها الذهن ، أو أنها نقلت ما أملته أمها ؟..
                      ذكرتنى الكلمات بما تعمدت إهماله . تناسيته ، فنسيته ..
                      قالت الأم :
                      ـ مها لن تترك مصر ..
                      ـ لن نقضى سوى عامين .. نرتب حياتنا ونعود ..
                      دون أن تجاوز هدوءها :
                      ـ مها تنتظرك ..
                      ـ ما قيمة الزواج إذن ؟..
                      هل وجدت فىّ مجرد زوج ، أو أنها تحبنى ؟.. إذا كانت تحبنى بالفعل ، فلماذا هذا الموقف الساكن الذى يصعب أن أفسره ؟ لماذا لا ترفض ، تتمرد ، تصرخ ، تملى إرادتها ؟. لو أنها كانت تحبنى حقاً لأصرت على حبها ، على اختيارها !.
                      هل ما يقوله عبد العال صحيح ؟.. هل كل الرسائل تفتح فى الأيام الأولى لإقامة الوافد ؟.. وكيف تفطن الرقابة إلى أن الرسالة لوافد قديم أو حديث عهد بالإقامة ؟.. لكن الرجل ألح فى التحذير ، وأن كل ما يرسله الوافد ، أو يتلقاه ، لابد أن تتأمله عين مدققة ..
                      ـ أنا لا أتحدث إلاّ عن أحوالى الشخصية .. وهو ما تنقله الرسائل القادمة من القاهرة ..
                      ـ فليكن هذا حرصك .. ولو لبضعة أشهر قادمة ..
                      هززت رأسى بالموافقة ، وإن ظللت غير مصدّق لملاحظاته . وتيقنت من عدم تصديقى ـ فيما بعد ـ حين اتسعت مصادرى وعلاقاتى بحكم العمل ، فالرقيب لا يفض إلاّ الرسالة التى يشك فيها . وإذا فضّها ، فإنه يلصق عليها ورقة تفيد بما فعله ..
                      ـ هل الأوضاع مقيّدة إلى هذا الحد ؟..
                      ـ وأكثر ..
                      ورفع عينيه فى تثاقل :
                      ـ إنهم يا دوب تخلصوا من الثورة فى ظفار ، ويضعون حساباً لكل الاحتمالات ..

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        ـ 10 ـ

                        لم يعد لى مواعيد نوم محددة ، إنما هى أوقات متقطعة ، أسلم فيها عينى للنوم . أستعيد ـ فى انشغالى بإعداد الجريدة ـ ملامحها ، نبرات صوتها ، تصرفاتها وإيماءاتها . أتخيل مواقف وحوارات بينى وبينها . بمجرد أن يلمس رأسى المخدة ، يسلمنى الإرهاق إلى نوم ثقيل ..
                        أفرش على السرير ملاءة وحيدة ، فلا غطاء لجسدى . إذا أقبل الشتاء ربما تغطيت بملاءة ثانية . لا بطاطين ، ولا ألحفة ، إنما هى ملاءة رقيقة من القطن ..
                        أصحو فأقوم إلى العمل ، لا أتدبّر ما إذا كنت أحتاج إلى استكمال نومى . ربما تبينت ـ وأنا أبدّل ملابسى فى الصباح ـ أن السرير على حاله ، لم أقربه لأنى قضيت الليل فى إعداد مواد عدد قادم . همى أن أدخل الحجرة الملاصقة . أتأمل الفراغ الذى جسّده تكرار النوم فى الموضع نفسه على السرير . ألقى بجسمى المتعب فوق السرير . يحل على تعب يوم كامل من القراءة والكتابة ونقل نشرات الإذاعة والتنقل بين الوزارات بحثاً عن الأخبار . أتصور أنى سأروح فى النوم يوماً كاملاً ، أو يومين . أشرد فى تمددى حتى يغيبنى النوم . لا أتحرك حتى أصحو . أتكاسل عن تغيير الملاءة . أرتدى الملابس الصيفية وحدها . البنطلون دائماً . يعلوه قميص ، أو فانلة قطنية ، وربما فانلة " مونتجوت " يقبل على شرائها معظم الوافدين ..
                        قال شوقى كمال :
                        ـ لا تحبكها ..
                        واتجه ناحيتى بملامح مستغربة :
                        ـ نحن لم نأت إلى هنا للسياحة . حتى السياحة ممنوعة ..
                        ثم وهو يطرقع بإصبعيه :
                        ـ جئنا فقط لصداقة الريال العمانى !
                        شوقى كمال سبقنى فى الوصول إلى مسقط . عاصر البدايات . ملأ استمارة الدخول إلى مسقط ، فى مطار تحده البراميل الفارغة ، الشوارع الترابية والبنايات ذات النسق العمانى ، الحمار وسيلة مواصلات شبه وحيدة ، انعدام وسائل الإعلام ، لا صحف ولا إذاعة ولا تليفزيون . تابع ما حدث خطوة خطوة . حتى القصة القصيرة كتبها صحفى مصرى ، وإن أطلق على الأماكن والشخصيات تسميات عربية ..
                        عرفت من شوقى أن إصدار الجريدة نشاط تجارى يمارسه الشيخ النبهانى ، إلى جانب الاستيراد والمقاولات . ينفق على الجريدة من دعم وزارة الإعلام واشتراكات الوزارات . توزع على الموظفين دون مقابل . تكاليف الجريدة أقل من قيمة الدعم ، فهى ـ فى حساب الشيخ النبهانى ـ صفقة رابحة .
                        قلت :
                        ـ سأزيد من توزيع الجريدة بإضافة موارد الإعلانات إلى دعم الدولة ..
                        قال شوقى كمال فى نبرة حاسمة :
                        ـ وهم أن تتطلع إلى إصدار جريدة حقيقية ..
                        ولجأ إلى عينيه ويديه فى التعبير عما يريد أن يقوله :
                        ـ لا تنس رغبة الرجل فى المكانة الاجتماعية والوجاهة ..
                        وغمز بعينه :
                        ـ هذا هو ما تحققه له ملكية الجريدة ..
                        قلت :
                        ـ لكنه لا يتدخل فى تحريرها ..
                        استطردت موضحاً :
                        ـ يعنى يضع خبراً أو يحذف خبراً ..
                        رفع كتفيه فى استخفاف :
                        ـ كفيلك لا شأن له إلا بما يحصل عليه من المكاسب المادية والاجتماعية ..
                        قبل أن تبدأ طباعة الجريدة فى مسقط ، كان عملى يقتصر على إعداد المواد ، وإرسالها ـ بالبريد السريع ـ إلى المطبعة فى الكويت ، ثم أنتظر ـ بعد أسبوع ـ وصول النسخ المطبوعة . امتد العمل ساعات اليوم كله . لا إمكانات حقيقية ، والعمال يخطئون تسع مرات قبل أن ينفذوا تصورى فى المرة العاشرة . هنود وباكستانيون عينوا لرواتبهم القليلة .. مصريون تعاملوا مع " التيبو " و " الروتوغرافور " فبدأوا تعلم الأوفست بافتراض الصواب والخطأ . كان يومى يمتد ـ أحياناً ـ من السابعة صباح الأحد ـ اليوم السابق لصدور الجريدة ـ إلى منتصف نهار يوم الإصدار . أجر قدمى إلى السيارة وأنا أرجو غياب ما نبهت إليه من أخطاء ..
                        كان الإحباط يمضنى ..
                        قال شوقى كمال :
                        ـ نحن لم نأت لأداء رسالة ، وإنما للحصول على نقود ..
                        ثم وهو يطرقع إصبعيه :
                        ـ المهم أن نحصل على النقود .. لا يهم الوسيلة ، ولا معنى لأن تتعب نفسك فيما لا يستحق !..
                        قلت :
                        ـ جئنا لإصدار صحف ..
                        أشاح بيده :
                        ـ لن نصدر " الأوبزرفر " .. ولكن نشرات نسميها صحفاً ..
                        وأنا أضغط على الكلمات :
                        ـ أصر أن أصدر صحيفة .. جريدة !..
                        ـ من حقك أن تحلم .. ومن حقى أن أكون واقعياً ..
                        وصرخ :
                        ـ هل تتصور أنك ستصدر جريدة حقيقية بمفردك ؟!..
                        يقتحمنى ـ فى لحظات العمل الأخيرة ـ نوع من الهمود ، يتسلل إلى جسمى فيسيطر على تصرفاتى . الحركات بطيئة ، والكلمات متثاقلة ، متعثرة ، والعينان ساجيتان تغالبان النوم . ألجأ إلى القوة الثانية . قرأت عنها ، فلجأت إليها . أغمض عينى ، وأسلم جسمى لاسترخاء ، دقيقتين أو ثلاثاً . تأتى القوة الثانية . أنهى بها إعداد المواد ، وأرتمى على السرير لأعوض نفاد القوتين !..
                        المعاناة الحقيقية فى انقطاع التيار الكهربى . تصمت المكيفات ، وتحل سخونة لزجة ، قاسية ، يصعب معها التنفس ..
                        تيقنت من أن شوقى كمال يعانى عدم الوفاق ، حين حرك جريدة مطوية أمام وجهه ، وقال فى أسى واضح :
                        ـ لو أن المقيمين فى مصر يعلمون بما نعانى !
                        كان يظهر كراهيته لسلاسل الجبال المتلاصقة ، ورائحة الكارى المنبعثة من أجساد الهنود ، وتناول الأرز ، وتقطيع الدجاج واللحم ، بالأيدى ، يسيل منها السمن أو الدهن ، ترفع الأكمام حتى لا تتسخ ، وتمتلئ الأشداق ، ويتواصل الكلام ، وليد اللحظة والتذكر . وكان دائم الحديث عن شوقه إلى قعدة المصطبة ، والملوخية ، والمحشى ، والرز المعمر ، والتمشى على شاطئ الريّاح ، أو على الزراعية ، والتردد على أماكن اللقاءات ، والسهر فى المدن البعيدة . يتخلل كلماته ما يستعصى على الفهم . هذا الحزن الذى يبلغ حد اليأس .

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          ـ 11 ـ
                          هذه الفتاة ، استأثرت باهتمامى كله . أبعدتنى عن الشوق إلى القاهرة ، وتعب العمل فى مسقط . شحبت ـ فى وجودها ـ كل الملامح التى كنت أراها فى الآفاق من حولى ..
                          كنت أغالب شعوراً بأنى أنجذب إليها بما لا أستطيع مغالبته . قوة غريبة ، غامضة ، لا أدركها ، ولا أفهم بواعثها . ألخص لها آخر كتاب قرأته . أناقشها فى الأفكار التى يتناولها ، أو أروى ما تستدعيه الذاكرة ..
                          لم يكن يشغلنى إلا لقاؤها ، والجلوس إليها ، وتبادل الكلام . أحدثها عن نفسى ، وتحدثنى عن نفسها . أحدثها عن الجريدة وزحام القاهرة والبيت المطل على شارع المساحة ، وتحدثنى عن الحياة التى لم تتغير بالانتقال من زنجبار إلى مسقط . الشوارع الضيقة ، والنوافذ التى تكفى القفزة للانتقال بينها ، والمصاطب أمام الدكاكين ، وضوء الشمس الغائب ، والأرض الترابية ، وأذان الصلوات الخمس ..
                          بدت لى زنجبار ـ من كلامها ـ أجمل بلاد الدنيا . يتلون صوتها وهى تحدثنى عن الغابات والسهول والجبال والبحر وأشجار القرنفل والنارجيل والمانجو ، وغيرها من الأشجار الاستوائية . تتابع الطائر فى تحليقه فوق الساحل : " هذا الطائر نفسه .. كنت أراه على شاطئ البحر فى زنجبار " . تستعيد فى رؤيتها للأحياء والخلاء والقلاع والطوابى أسماء : ممباسة ، سيوى ، باتى ، مالندى ، كيبوندا ، كيجيتشى ، متولينى ، أوشوكونى ، ريو نيون ، كيزيمبانى ، الجزيرة الخضراء ، دونجا ، لاموه ، وأسماء مدن وقرى تنقلت بينها . حتى صوت ارتطام الأمواج بصخور الشاطئ فى الوادى الكبير ، أو فى مطرح ، أو خلف فندق مسقط إنتر كونتيننتال ، تستعيد به الصوت الذى اعتادت سماعه فى اقترابها من شاطئ زنجبار . تقلب جوزة الهند فى يدها : فى زنجبار أكبر وأحلى .. تغمض عينيها : أحب رائحة القرنفل لأنه يذكرنى بزنجبار .. تعايشنا مع الأفارقة فى زنجبار ، ويتعايش معنا الآسيويون فى عمان .. وقانا الله شر المستقبل ..
                          ـ ألم يكن فى زنجبار آسيويون ؟ ألم يرافقكم الهنود ..
                          وهى تنتزع ضحكة :
                          ـ حتى أوائل الهنود الذين استوطنوا زنجبار كانوا من الطوائف نفسها التى تعيش فى مسقط والمدن العمانية : البهرة من الشيعة أو السنة الشافعية ، والخوجة من الإسماعيلية الشيعة أو السنة الشافعية ، والهندوس ..
                          وسوت الإيشارب حول رأسها :
                          ـ هذه هى الطوائف المهمة فى زنجبار ، وفى عمان ..
                          حدست أنها تتوقع منى كلاماً عن مها . سرت فى حقل الألغام ، بما لا يقوض زاوية فى المثلث . وكنت إذا خلوت إلى نفسى ، أستعيد الكلمات والإيماءات والتصرفات . أشرد ، وأبتسم ، وأتأمل ، وأبدل ، وأتصور ما يجب أن أقوله فى لقائنا التالى ..
                          تصورت أنى أفهم ما يعتمل فى نفسها من عاطفة نحوى . تمنيت لو أنها أدركت ما يعتمل فى نفسى من عاطفة أنا أيضاً . أشعر أنها قريبة منى . وأنها تبادلنى الشعور نفسه . بدا كأننا نرضخ لقوة مسيطرة ، لا قبل لأى منا على دفعها ، أو الفرار منها . أرى حبها فى تلك الومضة التى كنت ألمحها ـ أحياناً ـ فى عينيها . تظهر فى لحظة ، وتختفى فى اللحظة نفسها . أقرر أن أصارحها : أنا أحبك ، وأعرف أنك تحبيننى ، فلماذا لا يصارح كل منا الآخر بحبّه ؟.. أهمل رد الفعل . هل تستجيب ، أو أنها تبتعد ، فلا تعود ثانية ..
                          هل أحبها لأنى ألوذ بها من الغربة ؟ هل لأن الأم فى بيت الفجالة قيدتنى بما دفعنى إلى طلب الخلاص ؟ هل لأن البراءة والعفوية والنصيحة اجتذبتنى إليها ، فأحببتها ؟
                          هذه الفتاة هى الوحيدة التى أحببتها ، وهى الوحيدة التى أحبتنى . أرى الحب فى عينيها ، ولابد أنها رأت حبى لها فى عينى . لم تقل لى : أحبك . لم أقل لها : أحبك . لو أنها اعترفت لى بحبها . لو أنى صارحتها كم أحبك . أدركت أنه إما أن أصارحها ، وأتوقع مصارحتها : أنا أحبك .. وأنا أحبك ، وإما أن ألوذ بالبيت ذى الأسوار ، فلا نلتقى . أرتب الكلمات . أتصور رد الفعل . ما أكاد أخلو إليها ، وأحاول وضع الكلمات على فمى ، حتى تذوى الكلمات ، وتضيع . أستعيد الموقف القديم . غاب تدبر اللحظة التالية . أنظر إليها ، وتنظر إلى . نكتفى بسكون اللحظة . لا يشغلنى ما هو أبعد من ذلك ..
                          لست أذكر مناسبة قولها :
                          ـ نحن نحيا فى مجتمع له تقاليده ..
                          ومضت الفرصة :
                          ـ أنت تختلطين بالرجال فى العمل ..
                          وهى تضغط على الحروف :
                          ـ فى العمل !..
                          وكست وجهها قناعاً من الجدية :
                          ـ أثق أنه يمكن أن تقوم صداقة بين فتاة وشاب ..
                          وتعمدت أن يكون صوتها باتراً ، ربما لتنهى النقاش :
                          ـ شريطة أن يعرف كل منهما حدوده ..
                          كانت الصالة الطويلة بفندق الخليج قد خلت إلاّ من شاب وفتاة ملامحهما أوروبية . أطلت الكلام فيما وفد إلى خاطرى . مجرد أن أكلمها ، وأظل بالقرب منها . أتأملها فى صمت ، أملأ عينى من ملامحها . يملؤنى إحساس بأن العالم قد خلا من البشر ، وأنه أصبح لنا وحدنا . أنا أحبها ، وهى تحبنى . أثق فى ذلك جيداً . تنقصنا المكاشفة وحدها . البوح والاعتراف والفضفضة . أنا أحبك . وأنا كذلك !..
                          قلت ، لأبدل الكلام :
                          ـ كل شئ هادئ هنا .. فلماذا المهدئات ؟..
                          تبينت ـ فى اللحظة التالية ـ أنى لم أحسن التعبير ..
                          لم يبد أنها تلحظ الحشرات الطائرة المتحلقة حول اللمبة الوحيدة . أسلمت نفسها لشرود ولحظات تذكر ، عزلتها عن كل ما حولها . لم يعد أمامى إلا أن أظل فى جلستى ، أنفض الحشرات إذا التصقت بوجهى ، وأصيخ السمع ..
                          ***
                          كانت الليلة الشتوية فى بدايتها يوم السبت 11 يناير 1964 حين حدث ما حدث . انطلقت دفقات الرصاص من موضع قريب . دسست نفسى فى صدر أمى . أصاخت السمع وربتت رأسى :
                          ـ لعلهم يقتلون الكلاب !..
                          تعالت أصوات إطلاق الرصاص ، وتلاحقت ، وترامت أصوات اصطفاق أبواب تتحطم ، واستغاثات وصراخ . انتفضت على طرقات هائلة ، يشغلها تحطيم الباب لا مجرد الطرق عليه . أحنت أمى جسدها بعفوية ، ووضعت رأسها بين يديها . ثم قفزت إلى ركن الحجرة وجريت وراءها . التقطت أمى شالاً من على الشماعة إلى جانب باب الحجرة لفت به عنقها . تعالت صرخة . ومدت يدها إلى مزلاج الباب ..
                          تدافع العشرات من الجنود السود . بيدهم بنادق ومسدسات وخناجر وعصى ، وعيونهم تلتمع ببريق اقتحمنى بالخوف . أدركت ـ فيما بعد ـ أن ارتفاع أصواتهم إلى حد الصراخ ، كان لبث الفزع ، ودفعنا إلى الفرار ..
                          انشغلوا بنهب كل ما فى البيت ، فأتاحوا لنا الفرار . تعلقت برقبة أمى . خرجنا بملابس النوم ، وحفاة ، والخوف يجرى بأقدامنا ناحية البحر . ألقى الجميع ما حملوه من داخل البيوت وهم يتركونها ..
                          لم أكن أفهم ما يحدث ، وإن أدركت أن شيئاً فظيعاً يجرى حولنا ، وأن الفزع فى عينى أمى وهى تجرى بآخر ما فى قوتها ، لم أره من قبل . قبل أن تذوب أمى فى الموجات البشرية . آلاف من الناس أعرف بعضهم ، ولا أعرف معظمهم ، يجرون ـ بالفزع ـ ناحية الشاطئ . كان اتجاه الجميع نحو البحر . يخترقون الظلام إلا من ضوء شاحب يريقه القمر الذى لم يكتمل . لم يشغلهم الضرب بكعوب البنادق ، ولا الجروح التى أحدثتها طعنات السكاكين ، ولا الركلات واللطمات والقبضات . يضربون فى كل اتجاه . الرصاص والفؤوس والسكاكين والعصى الغليظة . اختفت السيارات والدراجات . أخذها من فطنوا إلى ما يحدث فى لحظاته الأولى . قذف شاب يرتدى الوزار بالسمكة التى علقت فى يده بدوبارة . وقف فى طريق الموجات يسأل ، أو يحاول المقاومة . اخترقت الرصاصة رأسه ، فسقط من طوله . وضع الجندى فوهة البندقية فى رأس المرأة . تظاهر بأنه سيطلق الرصاص ، ثم شاط كتف المرأة بآخر ما عنده . سقطت على ظهرها ، ثم حاولت القيام ، مدفوعة بالصخب . تعالى الصياح والدعاء وصرخات الاسترحام واختلاط اللهجات والتمتمة بآيات القرآن والاستغاثات اليائسة . زحفت على ركبتيها ، وقامت . سقطت ، وقامت . سقطت ، وقامت . ارتمت على كتف رجل تستند عليه فى اتجاهه نحو البحر . تتعالى أصوات الصرخات وإطلاق الرصاص والقنابل اليدوية وطقطقة الأخشاب المحترقة وسقوط أعواد الشجر . تقترب الأصوات فى ابتعادنا عن المكان . حدست أنهم لا يندفعون وراءنا فقط ، لكنهم يخرجون من وراء التلال والهضاب والبنايات والغابات والأشجار القريبة . أحكموا الحصار ، فما نستطيع تعلمه هو النزول فى البحر ، أو التهيؤ لطلقات الرصاص . لم يكن أمام الجميع سوى البحر ، أو الموت ..
                          أثارت الأقدام الحافية ، الملهوفة ، الرمال فى الوجوه ، تعثرت فى الكلاب والقطط ، تساير الفارين فى اتجاههم نحو البحر . أسلموا أنفسهم للجرى . يطلقون الصيحات ، ويسقطون . من يقع يتحامل على نفسه ، يسارع بالوقوف والجرى ، فلا تدوسه الأقدام . يلحقهم القادمون من وراء ، ويواصلون الجرى . رعود الرصاص والانفجارات تتوالى ، عالية ، متشابكة ، لا يبين مصدرها . اختلطت الأجسام والصرخات والصيحات والنداءات والنيران والتدافع والاضطراب والغبار المتكاثف . لم تعد الأصوات تصدر من جهة واحدة ، لكنها قدمت من ناحية البيوت ، ومن الشوارع المتفرعة عن الميدان الرئيسى . البنادق والمدافع الرشاشة تومض بالطلقات ، فتسقط الأجساد أمامى . لا فرصة للمقاومة ، ولا للدفاع عن النفس . انقضوا كطيور جارحة . الهجوم موجات متلاحقة ، لا تترك فرصة للدفاع ، أو حتى لمجرد التقاط الأنفاس . توقفت عجوز بالإعياء . رفعها رجل على كتفه ، وواصل الجرى . حتى الإرادة غابت ، صاروا مجرد محاولة للفرار من الجحيم . الفرار بأقصى سرعة ، وإلى أى مكان . ترامى صوت أبى فى الظلمة . علا صوته باقترابنا :
                          ـ هذا المجنون يرفض القيام من مكانه ..
                          هتفت بالخوف :
                          ـ ديزى ..
                          نفس النظرة الغامضة تابعتها وهى تجرى ، تسابق العفاريت بآخر ما عندها :
                          ـ ألم أقل لك ؟..

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            لم تكن الأقدام الملهوفة تقصد مكاناً ما ، وإن انتهت إلى البحر . مجموعات من الفارين تتزاحم حول قوارب صغيرة . ثمة من فكوا حبال القوارب ، ودفعوا بها إلى قلب المياه . لحقهم من امتلأت بهم القوارب ، ومضت إلى الساحل المقابل . اندفع العشرات من الشبان إلى المياه ، ألقوا بأنفسهم فى الأمواج ، يحاولون السباحة إلى الشاطئ المقابل ، البعيد . وثمة من ضلوا الطريق بالقوارب الصغيرة ، فابتلعهم البحر ..
                            سبقنا خلفان الوهيبى إلى قارب . فك الحبل من الوتد ، وقفز إلى داخل القارب . استحثنا ، فلا تصيبنا القذائف ، أو يلحق بنا الجنود . اندفعنا وراءه . تلاصقنا ، وامتلأ بنا القارب ..
                            كان الرجل قد بدأ يحرك مجدافى القارب ، عندما تلقفنى ركابه من أمى ، وقفزت ورائى . ترامت استغاثة من الشاطئ ..
                            قالت أمى :
                            ـ هذا صوت جارنا سعود ..
                            واصل الوهيبى التجديف . أشباح آدمية تحركت من بعد . اختفت داخل البيوت التى هجرناها . بدت زنجبار ـ فى ابتعاد القارب ـ مجرد أضواء متناثرة . ظلت تشحب وتغيب ، حتى ابتلعنا الصمت والظلمة ، ما عدا تحرك المجدافين ، وارتطام الموج بالقارب ..
                            وقف رجال ونساء على الشاطئ ، يتلقفوننا . لمحت من بينهم أبى . كان قد سبقنا ..
                            آخر رؤيتى لزنجبار ، عندما التفت ورائى ، أحاول ـ خلال الظلام ـ تبين البيوت التى غيبها الدخان وامتدادات النيران المنسحبة فى ابتعادنا عن المدينة ..
                            رست القوارب فى أقرب الشواطئ الإفريقية . مجرد الرسو على البر . تعددت أماكن الاستقبال فى الساحل الإفريقى الشرقى . يضم جاليات عربية كبيرة : مقديشو وباراوا ولامو ومالندى وممباسة وبامباوز وموزمبيق . تشكلت فيها تجمعات الفارين ، ثم نقلوا بالطائرات ، وبالبواخر ، إلى السلطنة ..
                            قالت أمى :
                            ـ هل انتهت زنجبار من حياتنا ؟
                            كأنها ضغطت على زر ، فجر البكاء والنحيب والنشيج والتعليقات الحزينة . الحقيقة التى تنساها ـ أو تتناساها ـ عندما تطالعك ـ فجأة ـ ملامحها القاسية ..
                            بعد أن احتوانا الأمان ، بدأت أسرار الليلة الدامية تتكشف فى كتابات الصحف ، وروايات القادمين ، ورسائل الذين عجزوا عن الفرار ، وأبقى الزنوج على حياتهم . عرفنا أن من حاولوا الدفاع عن أنفسهم ، وتحصّنوا بالبيوت ، فاجأهم توالى الوميض والرصاص ، والكتل المشتعلة ، وتعالى ألسنة النيران من الأسطح والحدائق وداخل الغرف . تحولت البيوت الصغيرة ، المتلاصقة ، إلى جحيم .
                            لم يكن ما حدث وليد ذاته ولا مصادفة ، ولم يكن القتل لذاته . سبقه حركات الزنوج والسواحليين ، همها التخلص من العنصر العربى . القتل والضرب وإطلاق الرصاص والصرخات وإشعال النيران ، لدفعنا إلى الخروج من البيت ، والاتجاه نحو البحر ، لإخلاء زنجبار من الجنس العربى ، وإحلال الجنس الإفريقى بدلاً منه . وعرفنا أن الجنود المسلحين اجتاحوا أقسام الشرطة ، واستولوا عليها ، وحاصروا قصر السلطان خمشيد ، لكن السلطان كان خارج القصر ، وأفلح فى ركوب البحر مع خدمه ..
                            تعددت مقدمات الأحداث ، وإن لم يلحظها أحد ..
                            ظلت الدكاكين تفتح أبوابها ، والبضائع تنقل من الميناء وإليه ، والأسواق مزدحمة ، والدواوين الحكومية تضم العرب والزنوج ، والناس يجلسون على المصاطب ، وتحت أشجار النارجيل ، وأمام شاطئ البحر ، ويقيمون حفلات الزفاف والختان والمآتم ، ويتنقلون ما بين زنجبار والمدن الإفريقية الأخرى ، وصوت الأذان يترامى فى مواعيد الصلوات الخمس ، ونحن ـ الأولاد والبنات ـ نذهب إلى الكتاتيب والمدارس ، ونلعب فى الساحات وعلى الشاطئ ..
                            استرجعت أمى تفصيلات ما حدث ، تذكرت زيارات ديزى لها . جارتنا فى نهاية بيت صغير يطل على الحقول خلف البيت . بدأت صداقتهما فى السوق . بيع وشراء وفصال وأخذ ورد ومناقشات . لبت دعوتها للزيارة . فى المرة الثالثة ، أذنت ديزى لنفسها بالحركة فى البيت . حتى السلالم ارتقتها إلى الطابق العلوى ..
                            قالت للنظرة المتسائلة فى عينى أمى :
                            ـ كنت أطمئن إلى ما سأحصل عليه بعد أن نستولى على بيوت العرب ..
                            اتبعت كلماتها ابتسامة ود . لم تسألها أمى إن كان ما قالته دعابة ، أم أنها تعنيه بالفعل . ثم أهملت الأمر ـ بتوالى الأيام ـ تماماً . لم يكن ثمة نذر تشى بعاصفة ، ولا واجهتها ديزى بعداء ، ولا حدث صدام بين الأفارقة والعرب . تذهب إلى عملها فى المدرسة الثانوية . تعود فى الأوتوبيس . تعبر أحياء الأفارقة . تبادل من تعرفهم التحية . ربما دخلت فى مناقشات ، أو قبلت الدعوة للزيارة ، أو وجهت هى الدعوة ..
                            إذا كنت قد أمضيت طفولتى فى زنجبار ، فإن أمى أمضت فيها معظم عمرها . أهم ما تعتز باقتنائه ـ حتى الآن ـ مكحلة من الفضة ، كانت فى ثيابها لما بدأت المذبحة . يخالط صوتها نبرة حزن ، عندما تلح الذاكرة بتلك الأيام . أفطن إلى ما تعانيه ، فأنقل الكلام إلى موضوعات أخرى .
                            توالت ـ فى الأسابيع التالية ـ أنباء قاسية . امتد الهجوم إلى القرى المحيطة بزنجبار . سطوا على البيوت . أخرجوا ما بها من أثاث ومتعلقات شخصية ، حملتها جماعات إلى بعيد ، ثم قذفوا بكرات اللهب على البيوت . تعالت النيران . أضاءت ليل المدينة ..
                            كانت مذبحة دموية قتل فيها ما بين عشرين إلى خمسين ألفاً ..
                            سألت أمى :
                            ـ من الذى رفض التحرك فى مكانه ؟..
                            قال أبى :
                            ـ الشيخ حسن خليفة أصر أن يموت ويدفن فى أرض زنجبار .. لم نعد نعرف عنه شيئاً ، وإن استعاد أبى عنه قوله : لو أن الكل فرّوا .. من يبقى فى زنجبار ؟!..
                            وتلكأت الكلمات على شفتيها :
                            ـ انتهى كل شئ صباح الأحد 12 يناير . لم تعد زنجبار عربية ..
                            وداخل صوتها تغيّر :
                            ـ بعد أربعة أشهر .. أعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنجبار .. أصبح اسم الدولة تنزانيا ..
                            رنوت إليها ، أبحث ـ بتلقائية ـ عن آثار المعاناة القديمة ..
                            الشعر المهوش يحيط وجهها بهالة من السواد ، والعينان الواسعتان ، البريئتان ، تطل منهما ابتسامة صافية ، وإن ومض فيهما حزن . وكانت قد استبدلت باليونيفورم بلوزة قطنية ، وبنطلوناً من الجينز ، وحذاء رياضياً ..
                            ـ أفلحنا فى الهرب .. ماعدا أخوى سعيد وصالح .. لحقهما ـ فيما يبدو ـ رصاص الجنود ..
                            ثم تنهدت :
                            ـ كان أول ما حرص عليه أبى أن أواصل دراستى فى مسقط ..
                            وانتزعت ابتسامة :
                            ـ لو أن ذلك لم يحدث ما كنا التقينا فى مطار السيب ..
                            غالبت التردد :
                            ـ قرأت أن الثورة كانت ضد السلطان ..
                            وهى تغمض عينيها فى تأثر :
                            ـ السلطان جمشيد فر فى قاربه إلى كينيا ، بينما المواطنون العرب هم الذين قتلوا وشردوا ..
                            وتسلم نفسها إلى شرود :
                            ـ ماذا يفعل العرب الذين بقوا فى زنجبار ؟
                            أردفت كالمتذكرة :
                            ـ حمل لنا من ظل فى زنجبار من أهلنا ، فى زياراتهم إلى مسقط ، ما نشرته صحف تنجانيقا عن المذبحة . كانت تنجانيقا وزنجبار قد أصبحتا ـ منذ تلك الأيام ـ بلداً واحداًُ . كتبت الصحف عن القضاء على الاستعمار العربى فى زنجبار الإفريقية . كان أبى يعلق على العبارات القاسية بالقول : نحن لم نكن كذلك !. ونحن لم نكن كذلك بالفعل . ولدت فى زنجبار ، وعشت فيها دون أن يخطر ببالى فارق من أى نوع بين عربى وإفريقى . أحببتها لأنها بلدى ، وليس لأى معنى آخر .
                            قلت :
                            ـ لكل منا وجهة نظره التى قد تختلف مع وجهات نظر الآخرين ..
                            ـ أنا لا أعبر عن وجهة نظر .. وإنما عن حياة عشتها .. طفولة وذكريات وصداقات ..
                            ووشى صوتها بالتأثر :
                            ـ لم نكن يهوداً طردنا أصحاب البلاد لنستوطن بدلاً منهم ..
                            وأطرقت لحظة ، ثم رفعت رأسها :
                            ـ ضمت زنجبار الجميع باعتبارهم أبناؤها ..
                            ـ وجهة نظرهم أنها بلد إفريقى ، ويجب أن يظل كذلك ..
                            ـ ما أذهلنى أن بعض الصحف تحدثت عن انتصار المسيحيين على المسلمين ..
                            ورحلت نظراتها إلى بعيد :
                            ـ ما حدث لم يكن حرباً ..
                            ومررت جانب يدها على رقبتها دلالة الموت :
                            ـ كانت مذبحة ضد كل ما هو عربى !..
                            ***
                            قالت زوينة :
                            ـ وأنا أسير فى شوارع مسقط أشعر كأنى أسير فى شوارع زنجبار .. حتى القعدات خارج البيوت تذكرنى بالجزيرة . وقالت : حتى أبواب البيوت المتلاصقة والنوافذ والمحال الصغيرة النوم بعد العشاء ، وخلو الشوارع من السيارات والمارة .. كلها تذكرنى بالحياة فى زنجبار . وقالت : حتى اختلاف الأديان والجنسيات الذى نراه هنا .. أهل مسقط وأبناء الداخل والظفاريين واللواتيا والبلوش والهنود والباكستانيين والعرب .. ذلك كله ظل مظهر الحياة فى زنجبار . وتنهدت : حتى حدث ما حدث ..
                            تحدثت عن زنجبار : الأسواق والمساجد وصخور المرجان والشواطئ الطويلة والرمال البيضاء وأشجار جوز الهند والثوم والنسق العربى فى العمارة والميناء المطل على المحيط يستقبل كل أنواع السفن . وتحدثت عن رائحة القرنفل والفوانيس الصغيرة فى رمضان وأشجار جوز الهند وشجر المانجو والأناناس والموز والبرتقال ..
                            قالت :
                            ـ يختلف جو زنجبار عن جو مسقط فى أنه معتدل معظم السنة ..
                            ولانت ملامح وجهها :
                            ـ يرطب مناخها الهواء القادم من المحيط ..
                            أخمن من كلامها أنها تنقل عن آخرين ، ربما أبوها أو أمها ، وإن تحدثت عن ذلك كأنها هى التى شاهدت ..
                            قالت :
                            ـ قد لا تعرف أن سعيد بن أحمد ، سلطان مسقط ، قرر فى 1832 أن يجعل زنجبار عاصمة للبلاد بدلاً من مسقط .. أصبحت عاصمة لمملكة عمان وإفريقية الشرقية ، وانتقل إليها المئات من أبناء عمان ..
                            ثم وهى تعد على أصابعها :
                            ـ موقعها ومواردها الطبيعية وميناؤها الممتاز .. ذلك كله رشحها لأن تكون العاصمة ..
                            ـ لكن زنجبار تظل بلداً إفريقيا ..
                            قالت فى نبرة تصديق :
                            ـ لا أحد ينكر !
                            قلت :
                            ـ مأساة الهنود الحمر والأوروبيين ..
                            وهى تهز إصبعها :
                            ـ تشبيه خاطئ . لم يواجه الأفارقة فى زنجبار شبهة إبادة ، وعاشوا مع العمانيين فى سلام ..
                            ـ لكن زنجبار تظل وطنهم ..
                            ـ وهى وطنى أيضاً !..
                            واكتسب صوتها نبرة شجن واضحة :
                            ـ تؤلمنى الوسيلة القاسية التى خرجنا بها . لم يكن قد سبق ذلك اعتراض ولا تمرد ولا ثورة ( وأشارت إلى ما حولها ) مع أن العمانيين ـ كما ترى ـ بلا حول ولا قوة ..
                            قلت وأنا أرنو إليها بنظرة تتأمل رد الفعل :
                            ـ قبلت صراحتى .. ما حدث كان ينبغى أن يتوقعه العمانيون ، وإن جاء الأسلوب قاسياً ..
                            أردفت فى ابتسامة متكلفة :
                            ـ الاستعمار يغلق دكاكينه فى العالم كله . بديهى أن يغلق دكان زنجبار أبوابه ..
                            ـ دخل العمانيون زنجبار بالإسلام والنرجيل . لم يدخلوا بالسلاح ..
                            ـ تختلف التسميات .. لكن الاستعمار يظل استعماراً ..
                            أخليت وجهى للدهشة :
                            ـ هل تنكرين على الأفارقة حقهم فى الاستقلال ؟
                            ـ هذا موضوع يصعب أن أناقشه بالعقل ..
                            استغرقها التفكير ، أو الشرود . بدا صوتها كالهمس ، كأنها تخاطب نفسها ، أو لا يعنيها إن كنت أستمع إليها :
                            ـ ولدت فى زنجبار ، وعشت فيها طفولتى . كنت أعرفها ، ولا أعرف عمان حتى طردونا إليها . لم أكن أعددت نفسى للرحيل غرباً .. لترك زنجبار ، ولا تصورت نفسى بعيدة عنها ..
                            ثم وهى تحكم الإيشارب على رأسها :
                            ـ أصارحك أنى احتجت إلى وقت لأقنع نفسى بأن عمان هى وطنى أيضاً . تقاسمنى ـ لفترة طويلة ـ شعوران : الحنين إلى زنجبار ، والدهشة لصور حياتنا الجديدة فى مسقط . أسأل وأقارن وأتذكر . ظل الشعوران يتقاسماننى ، ثم حل شعور الألفة للمكان فى البيت والعمل والصداقات ..
                            قلت وأنا أحتضنها بنظرة مشفقة :
                            ـ المثل يقول : وطنك حيث قلبك . أرى أن قلبك ـ حتى الآن ـ فى زنجبار ..
                            ـ من المستحيل أن أنسى زنجبار . وبعيداً عن السياسة فهى وطنى الذى أحبه ..
                            ـ وعمان ؟
                            ـ زنجبار هى الوطن .. أما عمان فإن الوطن الأم هى التسمية التى أفضلها ..
                            أردفت كأنها توضح :
                            ـ عمان هى وطنى أيضاً .. ليست بلدا ًمختلفاً ، وأعرف أن جذورى فيها ..
                            فاجأتها بالسؤال :
                            ـ هل انقطعت صلتكم بزنجبار ؟..
                            ـ لنا أقارب هناك .. يأتون للزيارة ..
                            ـ جنسيتهم عمانية ؟!
                            ـ لم يفيدوا من المهلة التى حددتها الدولة للمجىء إلى الوطن والحصول على الجنسية ..
                            أردفت لتساؤل ملامحى :
                            ـ حددت الدولة موعداً بعد 1970 ليستعيد أبناء زنجبار ذوو الأصل العمانى جنسيتهم .. أهملوا الأمر حتى فاتت الفرصة !..
                            قلت :
                            ـ أتمنى لو تستضيفيننى فى بيتك ..
                            قالت :
                            ـ أنا ضد الكثير من التقاليد .. لكن أهلى مع كل التقاليد !

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              ـ 12 ـ
                              الخط كوفى جميل . مكتب الإعلام ..
                              مضى على عملى فى مسقط أكثر من عامين .. لماذا تذكرتنى هذه الدعوة ؟
                              المكتب فى داخل البنايات ذات الطابقين الملحقة بالقصر . بدا القصر فى نهاية الساحة الرخامية الواسعة ، بألوانه الزاهية ، وأعمدته الرخامية ، والنافورات ، والحدائق ، والنوافذ الزجاجية العالية ..
                              أعددت نفسى لأسئلة ومراجعة أوراق وتفتيش ، لكن الطريق امتد خالياً . الأرضية من البلاط السيراميك ، والأبواب مغلقة ، أو منفرجة ، والصمت يعمقه هدير المكيفات ..
                              سألت الحارس أمام الباب الخشبى المزين بنقوش إسلامية :
                              ـ أين مكتب الإعلام ؟..
                              ***
                              المكتب أشبه بقاعة مستطيلة . على الجدار ، قبالة الباب ، صورة للسلطان بزيه العسكرى يركب جواداً . ولصق جدرانها مكتبات خشبية ، غطيت واجهاتها ـ من الداخل ـ بستائر بيضاء . واسم سليم الغافرى على حافة المكتب الضخم الخالى من أية أوراق ..
                              وقف الرجل فى مودة ظاهرة . سلم بيد ، وأشار إلى الكرسى باليد الأخرى ..
                              تشاغلت ـ لمغالبة الحرج ـ بإعادة تأمل المكان . لاحظت أنه استغنى عن المكيف بفتح النافذة المطلة على الخليج ..
                              ـ أهلاً وسهلاً .. نورت مسقط ..
                              هل هى مجرد كلمات للمجاملة ، أو أنه عرف ـ متأخراً ـ بوجودى فى السلطنة ؟
                              كان فى حوالى السبعين . نحافته المسرفة تدارى ضآلة تكوينه الجسدى . تعانى بشرته أثر جدرى قديم . يرتدى نظارة شمسية ، خمنت أنها تدارى مرضاً فى العينين ، بدت الصبغة واضحة فى رأسه وحاجبيه وشاربه الأقرب إلى خط بعرض السنتيمتر ..
                              ـ أتابع نشاطك فى الجريدة .. جميل ..
                              يعرف إذن بإقامتى الطويلة ..
                              ـ العمل فى الجريدة يأخذ كل وقتى ..
                              واتجهت إليه بنظرة ود :
                              ـ لكننى سعدت بالدعوة الكريمة ..
                              قال :
                              ـ أنا أدين للثقافة المصرية بالكثير مما تعلمته .. لا أنسى ترقبى لوصول السفن إلى صلالة حتى أحصل على الأعداد المتأخرة من الرسالة والثقافة ..
                              ثم وهو يمسح شاربه بإصبعه :
                              ـ هاتان المجلتان هما الزاد الحقيقى لمثقفى أيامنا ..
                              بدت آراؤه مقنعة فى عمومها : أنت تلتقى بالتاريخ والتراث فى مسقط وسمائل ونزوى وبهلا وكل المدن العمانية ، إلى نزوى أو إلى صحار . حتى الجبال الصخرية تبين عن روح التاريخ ، عن تواصل الزمان والمكان . من السهل تبين أن المجتمع العمانى كان ـ منذ القديم ـ ذا طبيعة عسكرية واضحة . القلاع والحصون التى تطالعك أينما سرت . الخنجر الذى يعد جزءاً من الزى العمانى . المعارك المتواصلة بين العمانيين والغزاة ، وأتباع المذهب الإباضى وأتباع المذاهب الأخرى ، والقبائل العمانية وقبائل منطقة الخليج ، والقبائل العمانية بعضها ضد البعض .. وأخيراً قوات السلطان المسلحة ومتمردى ظفار ..
                              سألت :
                              ـ انتهت ؟..
                              ـ طبعاً .. كان فى ضيافتى ليلة أمس ثلاثة من قادة " الجبهة " .. استسلم الجميع ، ولم يعد فى ظفار قلاقل أو توترات ولا معارك كبيرة أو صغيرة ..
                              قلت :
                              ـ قال السلطان فى حديث مع الصحفى عبد العظيم مناف إن عمان كانت هى الخليج ، وستعود كما كانت ..
                              واتجهت إليه بنظرة متسائلة :
                              ـ هل تنوى السلطنة استعادة ما ترى أنه جزء من أراضيها ؟..
                              وتعمدت التلكؤ فى النطق :
                              ـ هل نتوقع حرباً ذات يوم بين عمان وجاراتها ؟
                              ارتبك للسؤال . بدا أنه يبحث عن إجابة لا تدينه . قال بعد تردد :
                              ـ لماذا العمل السياسى إذن إن جعلنا القوة هى السبيل الوحيد لاسترداد حقنا ؟
                              تأمل الإجابة . بدا أنها أعجبته .
                              سألت :
                              ـ هل تعد السلطنة لضم إمارات الساحل ؟
                              أعجزه الارتباك عن الإجابة تماماً . قال :
                              ـ لم تكن إمارات الخليج وحدها جزءاً من عمان .. هناك زنجبار ..
                              هل الملاحظة عفوية ، أو أنه يعرف ـ فى مجتمع الأعين المراقبة والآذان المتنصتة ـ بحكايتى مع زوينة ؟
                              نقلت ملاحظته ارتباكه إلىّ . قلت :
                              ـ كانت عمان إمبراطورية ..
                              أمن بهزة من رأسه :
                              ـ هذا صحيح .
                              وقال : لعلك لا تعرف أن زنجبار كلمة عربية محرفة أصلها بر الزنج . وقال : كانت زنجبار مجرد جزيرة فقيرة .. ثم عمّرها العمانيون . وقال : ظلت زنجبار على ازدهارها ، حتى دخلها الاستعمار الألمانى فالإنجليزى ، فتبدّلت الأحوال ..
                              طال حديثه ، فشرد ذهنى . اختلطت الصور وتشابكت بين القاهرة ومسقط وزنجبار التى لم أشاهدها . اكتشاف العمانيين لأواسط إفريقية . وصولهم إلى حوض نهر الكونغو والبحيرات والجبال المغطاة بالثلوج والغابات الممتلئة بالوحوش الضارية والتماسيح والحشرات . لم تصبح هى الجزيرة الخصبة ، الجميلة ، إلاّ بعد أن نزح عنها البرتغاليون فى القرن الثامن عشر ، وقدم العرب بالقرنفل والزنجبيل والبنايات الحديثة . لم يكن العرب طارئين على إفريقية . توالت هجراتهم إلى بلاد القارة منذ آلاف السنين . نقلوا الإسلام ، واندمجوا فى أهلها . وجاء يوم كان إذا ضرب فيه السلطان طبوله فى زنجبار رقصت على إيقاعها كل غابات إفريقية . ظل العلم العربى يخفق ـ بمفرده ـ فوق بنايات زنجبار ، ثم ارتفع العلم الإنجليزى ـ إلى جانبه ـ للمرة الأولى فى 1843 . تداخلت البذلة والدشداشة والوزار وأحاديث زوينة عن تشابه الملامح ، وهزة رأس السائق الهندى كالبندول وهمسه المؤدب : سير ، ومرافقة خميس المناعى للإنجليز المسافرين إلى بلادهم ..
                              قال : عمّر العرب زنجبار بالقرنفل والنارجيل . وقال : لم تكن الجزيرة تعرفهما قبل دخول العرب . وقال : لولا زراعة العرب للقرنفل والنارجيل ما كانت زنجبار التى أطمعت فيها الآخرين . وقال : المكانة التى احتلتها زنجبار بواسطة العمانيين هى التى نبّهت المطامع الأوروبية إليها . وقال : لم يكن البر الإفريقى بالنسبة للأوروبيين سوى أرض مجهولة حتى دخلها العمانيون . وقال : كانت ستظل جزيرة فقيرة . وقال : حتى الأكواخ التى كانت تشكّل المظهر المدنى للجزيرة استبدل بها العرب البيوت والقصور . وقال : لم يكن فى الجزيرة بنايات حقيقية ، فملأها العمانيون بالقصور . وقال : حتى المطبعة خلت منها السلطنة إلى أيام قابوس ، بينما كان فى زنجبار مطبعة حديثة ..
                              استعدت قراءات دفعتنى إليها العلاقة الجديدة :
                              ـ لم يكن الزنجبيل والقرنفل وحدهما سبب الرخاء الذى حققه العرب فى زنجبار . هناك بيع الرقيق ..
                              ـ تحرير الرقيق دعوة حق أريد بها باطل .
                              وقال : لم تكن حملات تحرير الرقيق إلا وسيلة لفرض الاستعمار الأوروبى . وقال : إلغاء الرقيق كان يعنى القضاء على القوى العاملة فى الزراعة ، والقضاء على الثروة الزراعية بالتالى . كان إلغاء الرقيق إلغاء للرخاء فى زنجبار . وقال : حررت القوانين العبيد من السخرة ، وأطلقت لهم حرية السرقة والنهب . وقال : أنهيت مشكلة ، وظهرت مشكلة أخرى ..
                              واتجه إلى بالسؤال :
                              ـ هل يحرم الإسلام الرقيق ؟
                              قلت للتخلص من ارتباكى :
                              ـ لا أعرف !
                              ـ الإسلام لم يحرم الرقيق . وكان الرقيق لصالح الاقتصاد فى زنجبار .. فلصالح من إلغاؤه ؟
                              ـ لصالح الرقيق أنفسهم ..
                              ـ كان الخير يعم الجميع ..
                              واتتنى جرأة :
                              ـ لا شئ يبرر العبودية .. انتهى الرقيق فى العالم كله ..
                              ـ ليس بالطفرة . حرروا الرقيق قبل أن يستبدلوا به الآلة التى تغنى عنه ..
                              وعلا صوته :
                              ـ لو أن العمانيين أتيحت لهم الآلة ما أبقوا على الرقيق ..
                              ـ ربما لذلك جاء تأييد عبد الناصر لتولى الأفارقة السلطة ..
                              كأنى ضغطت على زر . اعتدل فى جلسته ، ثم لم يعد هو . كأنه يكلم نفسه ، أو لا يعنيه إن كنت أستمع إليه . تكلم بلا توقف . بدا أن الأفكار تتزاحم فى ذهنه ، والكلمات تتقاطع . سرى التوتر بالحمرة فى وجهه ، ونفر شريان فى عنقه ..
                              ـ أن يطردنا الأفارقة ، فذلك تصرف ينطوى على وجهة نظر ، نقبلها أو نرفضها . أما أن يوافق جمال عبد الناصر على المذبحة ، فذلك ما يصعب تصديقه . هل نسى فى انشغاله بتحرر إفريقيا ما واجهه عرب زنجبار من مذابح مؤلمة ؟ الزعامة مسئولية . مصيبة الزعيم عندما ينسى مسئوليته . ينشغل بالواجهة ، ويسقط التفاصيل . ماذا تعنى الخيانة ؟. عبد الناصر رفع شعار وحدة الأرض العربية ، وهو الذى مزق الأرض العربية . تحدث عن الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج ، فحدث التمزق من المحيط إلى الخليج : فلسطين وسيناء وجنوب لبنان والجولان وزنجبار . كانت زنجبار أرضاً عربية ، أو يحكمها العرب . هل أذكرك بحرصه على أن يكون رئيساً لمصر وحدها ، بدلاً من محمد نجيب الذى قبل السودانيون رئاسته لمصر والسودان ؟. جعل أبواقه هزيمة 1956 انتصاراً فى وسائل الإعلام . تجاهلوا آلاف القتلى من الجنود المصريين ، والإذن لسفن إسرائيل بعبور مضيق تيران . تكررت الهزيمة ـ بصورة أقسى ـ فى 1967 . دعا الأمريكان إلى الارتواء من البحر الأحمر ، فاضطر جنوده ـ فى انسحابهم المتخبط ـ إلى شرب البول . هل أذكرك بالوحدة الأمل بين سوريا ومصر ؟.. ترك مسئولية سوريا إلى صديقه الذى لا يعرف إلا النساء والحشيش وكرة القدم ، فعجل بالانفصال !..
                              وقال :
                              ـ خرج الإنجليز من زنجبار فى ديسمبر 1963 ، ثم حدثت المذبحة . ألا يذكرك ذلك بخروج الإنجليز من فلسطين بعد انتهاء الانتداب ؟
                              هززت رأسى بغير معنى محدد ..
                              قال الرجل :
                              ـ رحلوا لحساب اليهود ..
                              وتبدّلت نبرة صوته :
                              ـ ذلك ما فعله الإنجليز فى زنجبار . انسحبوا من الجزيرة فى ديسمبر ، ثم قام الزنوج بالمذبحة بعد خمسة أسابيع !
                              وهز قبضة يده :
                              ـ زنجبار أندلس صغرى .. مسلمو زنجبار ظلوا على دينهم . أما مسلمو الأندلس فقد تلاشوا بمحاكم التفتيش !
                              هل يمكن أن نضيف زنجبار ـ كما قال الشيخ ـ إلى الأندلس وفلسطين ؟ هل يمكن أن نضيفها إلى سبتة ومليلة والإسكندرونة ؟ هل نضيفها إلى الأجزاء العربية التى تساقطت فى تآكل الجسد ؟

                              تعليق

                              يعمل...
                              X