القسم الاول لمن فاته عانس..ولكن
الآن الى القسم الثاني
-وكم تملك من المال يا ابن عمي؟
قالتها وبقي الإثنان كجثتين هامدتين على مقعديهما
ساد صمت بعمق السماء ،قاطع كحد السيف، بارد كالجليد ، تجمدت الأوصال، جفت الحلوق، حملقت العيون بثبات دون رَمش ، فُغرت الأفواه مشدوهة، وعجزت الألسنة عن التأتأة حتى..
حاول بلع ريقه عدة مرات عبثا ،لأنه غير موجود، إنطلق إلى عمقه يلوم نفسه على هذا الفعل ، هل أخطأ حينما أراد التعبير عن حبه ولو متأخرا؟ هل هو فعلا لا يستحقها؟ هل هي أعلى منه مرتبة ؟ الفارق المادي لا زال واضحا؛ فهي لم تصرف من أموالها شيئا ، بل وكانت العطايا تأتيها من كل مكان ، فلا بد أنها كونت ثروة جيدة، كان يجب ألا اخوض في هذه الحماقة، ولكنه نداء القلب..
وضع رأسه بين كفيه وغاص في مساءلة نفسه ولومها
هي، كمن رأى غريما قديما، أذاقها الذل والهوان لسنوات ، فلما تمكنت منه ، طعنته بلا وعي أو عدد بخنجرِ انتقام، فلما استيقظت وجدت نفسها تغرق في بحر من الدماء وأنها إنما كانت تطعن نفسها ، وكأنها كانت تنتقم من نفسها ؛ لتأخرها ...
أرادت أن تطعن التعنت الذي لازم أبيها طوال السنوات العجاف، حتى يأس الناس منها ؛ وأيقنوا أن أباها لن يزوجها للأمير لو أتى ..
أرادت أن تطعن التقاليد التي تجبرها على إفناء نفسها وزهرة شبابها ، طوعا لولي أمرها العاجز عن اتخاذ قرار صائب في الوقت المناسب لمصلحتها
أرادت أن تطعن المنافقين الذين لم يقولوا كلمة تردع والدها عن ظلمه ، بل وافقوه طوعا وكرها وطمعا..
وقد تكون أرادت أن تطعن كل عائلتها وتحملها مسئولية عدم قبوله عندما جاءت أمه لأول مرة تجس النبض من أجل إبنها فلم يكرموها بل أجابوها بفظاظة مذلة ، فظاظة من يملك المال وينظر للفقير على أنه أدنى من الحيوان مرتبة
ولكن ما ذنب هذا المسكين ؟ الذنب ذنبي؛ فمنذ الصبا وهو يتقرب مني ويضحك لي ويبش في وجهي ، ويتراكض لمساعدتي أينما كنت وكيفما كنت..
كم كان يأتي إلى منزلنا بمناسبة وبدون مناسبة ، ويحاول اختراع الحجج المكشوفة لمقابلتي والتحدث معي
كم كان يجلب الهدايا من مصروفه الضئيل ليحصل على ابتسامة مني!
كم كان يحضر لمساعدتي في دراستي فكان سببا في تفوقي، وجلس في أقصى الحفل يراقب احتفالي بنجاحي ، وعيناه لا تغادراني، بنظرات حانية دافئة ، يملؤها الخجل ، فاتهموه بالسذاجة!..
كم كان كلامه لطيفا يتفجر حكمة ، ويشع املا ، ويبعث على السرور والابتسام ، كأن هوايته كانت إدخال السرور على نفسي وقلبي...
قلبي..آه من قلبي الغافل ، الذي سحرته الحياة ببريقها ، ومالها ، وأصدقائها الذين تخلوا عني في أسوأ الظروف وأحلكها ، فحقد عليهم جميعا لسنوات حتى صار أقسى من الالماس وأشد فتكا من الرصاص...
خلال ثوان، مر شريط الحياة من أمامهما ..
أيقن أنه اخطأ ، لملم نفسه وأصدر قراره ، ورفع رأسه ببطء شديد ، كأنه لا يرغب النظر اليها ، أو لأنه تعود الجلوس مؤدبا في حضورها، لكن لا بد أن ينهي هذا الامر ، فقد اكتفى من سنين الحرمان والصدود والعذاب، أراد أن يخلع هذه الورقة من رزنامة حياته ويلقيها الى منفى بتاريخ قد يكتبه النسيان
رفع رأسه ليعتذر ، نظر إليها نظرة أخيرة حزينة، ملؤها الحب والعتاب وقبل أن ينطق ابتدرته
أنا آسفة يا ابن عمي ، ولنا لقاء آخر ، وحديث آخر
وانطلقت مسرعة..
مصطفى الصالح
10\01\2010
الآن الى القسم الثاني
-وكم تملك من المال يا ابن عمي؟
قالتها وبقي الإثنان كجثتين هامدتين على مقعديهما
ساد صمت بعمق السماء ،قاطع كحد السيف، بارد كالجليد ، تجمدت الأوصال، جفت الحلوق، حملقت العيون بثبات دون رَمش ، فُغرت الأفواه مشدوهة، وعجزت الألسنة عن التأتأة حتى..
حاول بلع ريقه عدة مرات عبثا ،لأنه غير موجود، إنطلق إلى عمقه يلوم نفسه على هذا الفعل ، هل أخطأ حينما أراد التعبير عن حبه ولو متأخرا؟ هل هو فعلا لا يستحقها؟ هل هي أعلى منه مرتبة ؟ الفارق المادي لا زال واضحا؛ فهي لم تصرف من أموالها شيئا ، بل وكانت العطايا تأتيها من كل مكان ، فلا بد أنها كونت ثروة جيدة، كان يجب ألا اخوض في هذه الحماقة، ولكنه نداء القلب..
وضع رأسه بين كفيه وغاص في مساءلة نفسه ولومها
هي، كمن رأى غريما قديما، أذاقها الذل والهوان لسنوات ، فلما تمكنت منه ، طعنته بلا وعي أو عدد بخنجرِ انتقام، فلما استيقظت وجدت نفسها تغرق في بحر من الدماء وأنها إنما كانت تطعن نفسها ، وكأنها كانت تنتقم من نفسها ؛ لتأخرها ...
أرادت أن تطعن التعنت الذي لازم أبيها طوال السنوات العجاف، حتى يأس الناس منها ؛ وأيقنوا أن أباها لن يزوجها للأمير لو أتى ..
أرادت أن تطعن التقاليد التي تجبرها على إفناء نفسها وزهرة شبابها ، طوعا لولي أمرها العاجز عن اتخاذ قرار صائب في الوقت المناسب لمصلحتها
أرادت أن تطعن المنافقين الذين لم يقولوا كلمة تردع والدها عن ظلمه ، بل وافقوه طوعا وكرها وطمعا..
وقد تكون أرادت أن تطعن كل عائلتها وتحملها مسئولية عدم قبوله عندما جاءت أمه لأول مرة تجس النبض من أجل إبنها فلم يكرموها بل أجابوها بفظاظة مذلة ، فظاظة من يملك المال وينظر للفقير على أنه أدنى من الحيوان مرتبة
ولكن ما ذنب هذا المسكين ؟ الذنب ذنبي؛ فمنذ الصبا وهو يتقرب مني ويضحك لي ويبش في وجهي ، ويتراكض لمساعدتي أينما كنت وكيفما كنت..
كم كان يأتي إلى منزلنا بمناسبة وبدون مناسبة ، ويحاول اختراع الحجج المكشوفة لمقابلتي والتحدث معي
كم كان يجلب الهدايا من مصروفه الضئيل ليحصل على ابتسامة مني!
كم كان يحضر لمساعدتي في دراستي فكان سببا في تفوقي، وجلس في أقصى الحفل يراقب احتفالي بنجاحي ، وعيناه لا تغادراني، بنظرات حانية دافئة ، يملؤها الخجل ، فاتهموه بالسذاجة!..
كم كان كلامه لطيفا يتفجر حكمة ، ويشع املا ، ويبعث على السرور والابتسام ، كأن هوايته كانت إدخال السرور على نفسي وقلبي...
قلبي..آه من قلبي الغافل ، الذي سحرته الحياة ببريقها ، ومالها ، وأصدقائها الذين تخلوا عني في أسوأ الظروف وأحلكها ، فحقد عليهم جميعا لسنوات حتى صار أقسى من الالماس وأشد فتكا من الرصاص...
خلال ثوان، مر شريط الحياة من أمامهما ..
أيقن أنه اخطأ ، لملم نفسه وأصدر قراره ، ورفع رأسه ببطء شديد ، كأنه لا يرغب النظر اليها ، أو لأنه تعود الجلوس مؤدبا في حضورها، لكن لا بد أن ينهي هذا الامر ، فقد اكتفى من سنين الحرمان والصدود والعذاب، أراد أن يخلع هذه الورقة من رزنامة حياته ويلقيها الى منفى بتاريخ قد يكتبه النسيان
رفع رأسه ليعتذر ، نظر إليها نظرة أخيرة حزينة، ملؤها الحب والعتاب وقبل أن ينطق ابتدرته
أنا آسفة يا ابن عمي ، ولنا لقاء آخر ، وحديث آخر
وانطلقت مسرعة..
مصطفى الصالح
10\01\2010
تعليق