وديع فلسطين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    وديع فلسطين

    وديع فلسطين
    --------

    وديع فلسطين حبشي
    1-ميلاده، ونشأته، وتعليمه:
    ولد وديع في بلدة "أخميم" التابعة لمديرية "جرجا" في أول أكتوبر(تشرين الأول) عام 1923 لأبوين مصريين صعيديين، وكان أبوه "فلسطين حبشي" موظفا في حكومة السودان، فسافر بعيد مولده في رفقة والديه إلى "عطبرة" بالسودان، ومكث هناك إلى عام 1930م عندما أحيل أبوه إلى المعاش، وسافر إلى مصر ليتقاعد هناك.
    يقول لي (في رسالته المؤرخة في 17/9/1978): "وبعد سنوات الطفولة التي قضيتها في السودان حيث كان يعمل والدي موظفاً في الحكومة وحيث دخلت رياض الأطفال الفرنسية، انتقلنا إلى القاهرة، وأقمت فيها إلى هذا اليوم. ولم تزد صلتي بالصعيد على الشهر الأول من عُمري. وعلى الرغم من هذه الصعيدية الأصيلة في نشأتي، فقد عشت كل عمري والناس يسألونني: متى هاجرت من فلسطين؟ قبل النكبة أو بعدها؟ وأنا لا أعرف فلسطين إلا من كتب الجغرافيا، فلا زرتها في أيام فلسطينيتها الأولى، ولا زرتُها بعد أن تغيَّرتْ أسماؤها إلى الضفة الغربية وغزة والقدس العربية والقـدس المحتلة وإسرائيل، ولا سبب لهذا الخلط إلا أن أبي كان اسمه فلسطين حبشي (وياله من خليط جغرافي كاريكاتوري)".
    وفي العام التالي أي سنة 1931م توفي أبوه، ولم تكن سنه إذ ذاك تزيد على ثماني سنين، فعاش في رعاية أمـه، وفي كنف أسرته حتى أتم دراسته وخرج إلى الحياة العملية.
    يقول عن تعليمه في الرسالة السابقة نفسِها: "أما تعليمي، فقد قضيت سني الدراسة الابتدائية في مدرسة الجيزة الابتدائية الأميرية ،وسني الدراسة الثانوية في المدرسة الإنجليزية للبنين في جزيرة الروضة، والدراسة الجامعية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث درست الأدب مع التخصص في الصحافة، ونلت درجة البكالوريوس في الأدب والصحافة سنة 1942م، وكان عمري أقل من 19عاماً".
    2-وظائفه:
    تخرج وديع فلسطين في قسم الصحافة من الجامعة الأمريكية عام 1942م، وفور تخرجه عمل بجريدة "الأهرام"، وفي الفترة ما بين (أول مارس 1945-ديسمبر 1952م) عمل محررا في "المقطم" و"المقتطف"، فرئيساً للقسم الخارجي بالمقطم ، فمحرره السياسي والدبلوماسي، وناقده الأدبي، ومعلقه الاقتصادي وممثله في المؤتمرات الصحفية حتى انتهى به الأمر إلى ممارسته لجميع اختصاصات رئيس التحرير دون أن يُكتب اسمه بهذه الصفة على "ترويسة" الجريدة (كما يقول في رسالته المؤرخة في 23/3/1975م).
    ولقد نشر في "المقتطف" عشرات المقالات والدراسات (تأليفاً وترجمةً) كما كتب فصولاً في العلوم، والنقد الأدبي، والقصة، وكان القارئ يجد له في العدد الواحد أكثر من مادة منشورة.
    ويقول (في رسالته السابقة):
    "في السنين الأربع الأخيرة من عمر دار المقطّم والمقتطف عُيِّن لها مجلس إدارة من أعضائها، فكنت عضواً في ذلك المجلس، وكانت لي بذلك هيمنة شبه كاملة على الدار، مع أني كنت أصغر الأعضاء سنا، وذلك بسبب ما دان لي من شُهرة، ثم بسبب تنوُّع ثقافاتي، و"سيولة" قلمي، حتى كنت أكتب بمفردي أكثر من ثلاث صفحات يوميا في "المقطم"، وهو جريدة بحجم الأهرام، وكنت إلى جانب ذلك أحرر في "المقتطف"، وأكتب في مجلات العالم العربي الأدبية، وأُدرِّس الصحافة في الجامعة الأمريكية، وأُحاضر في الجمعيات والندوات، وأُشرف على الشؤون الإدارية والتحريرية للدار!".
    يقول عن عمله بالصحافة (في رسالته المؤرخة في 17/9/1978):
    "كان طبيعيا أن أشتغل بالصحافة، وأنا من أوائل المصريين الذين يحملون درجة عالية في هذا الفن … ومن هنا أطللت على الحياة الأدبية والحياة العامة صحفيا في بادئ الأمر، ثم متأدبـاً، وكان مجتمع "المقتطف" هو أول احتكاك عملي لي بأدباء العالم العربي على أوسع نطاق، وهم قد كانوا يزوروننا في ندوة الجمعة، أو على مدار أيام الأسبوع، فانعقدت بيني وبين أعلامهم صلة وُثقى رَفَدَتْ حياتي الأدبية بما لا سبيل إلى حصر آثاره".
    وقد عمل وديع فلسطين بعد عام 1952م في وظائف تتعلق بالترجمة مما شغله عما كان يريد إنجازه في الأدب، يقول (في رسالته المؤرخة في 25/2/1975م):
    "… والحقيقة أنني وإن كنت "سيّال القلم" كما وصفني أمس نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، فإنني أعد نفسي مقلا بالنسبة لما كنت أكتبه وأنا في أول الشباب، ثم بالنسبة لما في ذهني من موضوعات أحب الكتابة فيها ورغبات أشتاق إلى تنفيذها. ولكنني مضطر إلى صرف نحو 18 ساعة يوميا في العمل المتصل برزقي، وعليَّ أن أتدرَّع من إنـكشاريات الحياة التي تُطاردني … وتُعكِّر صفاء ذهني، فلا يبقى لي بعد ذلك من الوقت أو الجهد أو صفاء البال ما تهون معه تأدية تبعات الأدب على الوجه الذي أُحب".
    ويقول (في رسالته المؤرخة في 2/4/1990م) عن عمله في مجال الترجمة الذي لا يُباريه فيه أحدٌ من الأحياء الآن:
    "كان صديقي خليل مطران يقول:
    أُخـْلي مكاني للّذي يسمو إليهِ بغيرِ حُزنِ
    لا تندبنّي للعظائم بعدهـــا، لا تندبنِّي
    وإني مثله قد أخليت مكاني وانسحبت من الميادين جميعاً وحسبي أنني أجري الآن في ميدان لا يُباريني فيه أحد [يقصد ميدان الترجمة]، ولو كانت له جائزة أوليمبية لظفرت بها ربما وحدي".
    3-ثقافته:
    سألت الأستاذ وديع فلسطين عن مصادر ثقافته، والكتب التي قرأها في مطلع حياته، فقال (في رسالته المؤرخة في 30/9/1975م): "إن مطالعاتي في أول عهدي بالحياة كانت مطـالعات باللغات الأجنبية، وكانت تتناول جميع فروع المعرفة، أدباً وعلماً وعلم نفس واقتصاداً وسياسةً وتراجم … وما إلى ذلك، أما قراءاتي العربية فكانت تسير على غير منهاج مقرر؛ فقد أُطالع كتاباً إنكليزيا في علم النفس، فيقودني حب الاستطلاع إلى معرفة المرادف العربي للمصطلحات الإنكليزية، فأعكف على قراءة كتاب عربي وهمي الأول المقارنة بين المصطلحات ومعرفة مدى توفيق الكاتب في ترجمتها".
    "وقد أكون في مجلس من مجالس الأدب، فيُشير واحد من الحاضرين إلى أديب لبناني اسمه أمين نخلة لم يسبق لي أن سمعت باسمه، فأحاول تلافياً لتقصيري وجهلي اقتناء جميع كتبه ودواوينه وقراءاتها. وكنت أعمل نفس الشيء بالنسبة للأدباء المختلفين، فأشتري جميع كتب المازني وأطالعها الواحد بعد الآخر. ثم أنتقل إلى طه حسين، وسلامة موسى، والمنفلوطي، وشوقي … وهلم جرا".
    "كما أن هناك كتباً كانت تأتيني من المؤلفين بحكم اشتغالي "بالمقطم"، وهذه كنت أقرأها مهما يكن موضوعها، متوخِّياً أن أُتابع المصطلحات والألفاظ العلمية وكيفية سكِّها على أيدي المؤلفين المختلفين".
    "و لعلك لا تصدِّق أني منذ تخرجت في الجامعة عام 1942م، وأنا لا أمشي في الشارع إلا ومعي كتاب، أقرأه في الترام أو في الأتوبيس أو في المقهى أو في الشارع أو في انتظار "ركوبتي". وعندما كانت لديّ سيارة وسائق، كنت أصرف الوقت من بيتي إلى مكتبي أو إلى مواعيدي في القراءة. ومعنى هذا أنني كنت وما زلت أشتري الكتب بالعشرات، عدا ما يأتيني هدية من القراء والمؤلفين. وكانت سنوات عمري الأولى تتسع للكتابة في الصحف تعريفاً بكل كتاب أطالعه، أما الآن فقد صار مُتعذِّراً عليّ أن أكتب عن كل كتاب فصلا مستقلا. ولعل لديّ مئات من المقالات في نقد الكتب والتعريف بها نشرتها في صحف كثيرة "كالمقتطف"، و"الأديب"، و"المقطم"، و"الآداب"، و"العلوم"، و"اليقظة العربية" السورية، و"منبر الشرق"، … إلخ".
    "كما أن مطالعاتي كانت تتغير وفقاً لاهتماماتي اليومية؛ فعندما كنت غارقاً في الصحافة كانت تستهويني كتب السياسة ولا سيما كتب المذكرات الخاصة للزعماء مثل: روزفلت، وترومان، ومنتغمري، وتشرشل، وآتلي، ومكملان، وفورستال … وسواهم. كما كانت تهمني ـ بوجه خاص ـ الكتب التي تتناول الشرق الأوسط. ولما انصرف اهتمامي إلى الاقتصاد كثرت مطالعاتي في كتب الاقتصاد ولا سيما التي تتناول البترول والقطن والمواد الخام ومشكلات النقد وكتب فلاسفة الاقتصاد الجدد".
    "ولئن غلب عليّ الآن المطالعات الأدبية، فما زلت أجد متسعاً من الوقت لقراءة الكتب العلمية (وأفضلها كتب فؤاد صرُّوف) وكتب الاقتصاد وعلم النفس والكتب التي تتنـاول الصحافة وعلومها وتاريخها وفنونها. وهكذا ترى يا أخي أنني سأموت وعلى صدري كتاب كالجاحظ قديماً وسلامة موسى حديثاً".
    ولقد دخل الأديب وديع فلسطين الأدب من باب الصحافة، فحينما عمل في مطلع حياته العملية بصحيفة " المقطم" ومجلة "المقتطف" مارس هواية الأدب ممارسةً جادة، يقول (في رسالته المؤرخة في 23/4/1975م): "يوم أن كنت أعمل بالصحافة لم تفتني مناسبة أدبية دون الكتابة فيها على الفور، فرثيت خليل مطران والمازني وأبا شادي ومَن عرفت من المستشرقين، وتـحدثت عن كل كتاب صدر وأُتيحت لي فرصة مطالعته، ولخصت كل محاضرة أدبية سمعتها، وسجلت كل ما ترامى إليَّ من أخبار الأدب، واحتفيت بكل أديب عربي زائر لمصر، وشاركت في كل معركة أدبية".
    وظل على ذلك حتى عام 1952م حتى احتجبت "المقطم" و"المقتطف"، وباحتجابهما احتجب الأديب المصري الكبير وديع فلسطين عن الحياة الأدبية فترة من الزمن، وقد سألته في إحدى رسائلي عن السبب، فأجـاب (في رسالته المؤرخة في 23/3/1975م): "أما سؤالك عن سبب احتجابي عن الحياة الأدبية في مصر، فلا أهتم بنشر كتاب، ولا أحرر في "الهلال" أو "الثقافة" أو "الجديد" … وردي على هذا أن الحياة قد توَّبتني عن طلب الشهرة في مصر، بعدما رأيت أن الهيئتين الوحيدتين اللتين تحاسبانني على هذه الشهرة همـا هيئة الضرائب بما تتوهّمه من عشرات الآلاف التي تعود عليَّ من الأدب كل عام، وهيئة مباحث أمن الدولـة العليا التي مازالت تسلِّط عليَّ مخبريها وتراقب تليفونـاتي وبريدي وكأنني أعتى مجرمي الدنيا. أما هيئات الثقافة بجميع أسمائها ومسمياتها، فهي وإن عرفتني بجميع أعضائها، فلا تعرفني بتشكيلها الرسمي وأجهزتها الحكومية. ولهذا آثرت أن أُهاجر بكل حرف أكتبه إلى الخارج، ولاسيما إلى مجلة "الأديب" التي ترحب بكل ما أُوافيها به منذ ثلاثين عاماً، وما دام الأدب مبتوت الصـلة برزقي، وما دمت أطل على الحياة الأدبية باعتبار ذلك مجرد هواية، فهذا حسبي".
    لقد أغلقت مجلة "المقتطف" وجريدة"المقطم" في عام 1952م، وقد أثر هذا الإغلاق على نفسية وديع فلسطين ، يقول (في رسالته المؤرخة في 3/4/1975م):
    "أرجو ألا تنسى أن الجيل الذي أنتمي إليه قد فُجع أشد فجيعة في جميع قيمه العليا حين رأى جميع كُوى الثقافة تُوصد في عنف وبلا رحمة في وجهه. لقد كانت لنا في أول الشباب مجلات مثل "المقتطف" و"مجلة علم النفس" و"الرسالة" و"الثقافة" و"الكاتب المصري" و"الكتاب" و"العالم العربي"، فلما جاء العسكر، مـاتت هذه المجلات جميعاً دون أن تنذرف عليها دمعة. وكانت لنا في مطالع العمر منابر يتحدث منها أعلام المفكرين في عصرنا: منبر في الجامعة الأمريكية، ومنبر في جمعية الشبان المسلمين، ومنبر في الجمعية الجغرافية، ومنبر في جمعية الاقتصـاد السياسي والتشريع، ومنبر في جمعية الشبان المسيحية، ومنبر في نادي دار العلوم، ومنبر في رابطة الأدباء، و[منبر في] رابطة الموظفين، فجاء العسكر وبطشوا بهذه المنابر جميعاً وبالمتحدثين منها. ثم كانت هناك ندوات أدبية، فصار روَّادها من المُخبرين أكثر من روادها من الأدباء، وسرعان ما زُج بجميع أعضائها في السجون نميمةً وغدراً. وكنا يا صاحبي نقرأ الكتب والمجلات الإفرنجية بُعيْد صدورها، نراها تملأ المكتبات، ونشترك فيها مقابل بدلات معتدلة، وباسم الرقابة، وباسم النقد النادر، وباسم الوقاية من السموم المبثوثة في هذه الكتب، مُنعت منعاً باتًّا من دخول مصر، فانعزلنا عن العالم تماما".
    " كل هذا حدث في جيلنا، ولا بدّ أن نصارح أنفسنا ونصارح الدنيا بحقيقته، فكان طبيعيا أن نهجر الثقافة، لاسيّما ونحن نرى الدولة بأجهزتها تعدُّ الثقافة جريمة شنعاء، ونحن نرى جميع المفكرين يُبطش بهم أشد بطش، فيقررون الهجرة فراراً من هذا الجحيم. وأنا شخصياً هاجرت كما هاجر مئات من أساتذة الجـامعات، ولولا تغيُّر الظروف لما عدت، ولما عاد منهم من عاد".
    ومما يدل على ثقافة وديع فلسطين العالية أنه أجرى عدداً من الحوارات مع أعلام بارزين في مجالات مختلفة أثناء عمله في "المقطم" و"المقتطف". يقول (في رسالته المؤرخة في22/10/1976م):
    "الذين أجريت أحاديث معهم وأنا في دار "المقطم" و"المقتطف" كثيرون، منهم نهرو، ولياقت علي خان، وكريشنا مينون، وألدوس هكسلي، وويل ديورانت (صـاحب كتاب "قصة الحضارة")، والأمير عبد الكريم الخطابي، والعالم عبد الفتاح جوهر، والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وأحمد حلمي باشا رئيس وزراء فلـسطين، وعشرات من زعماء العرب الذين كانوا يزورون مصر في تلك الفترة".
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    روبرتا

    بقلم: وديع فلسطين
    ................

    اثنتا عشرة سنة خلت منذ عرفت الفاتنة الأميركية "روبرتا"، ولكن وجهها ما صافح وجهي، وعينيها ما حيّتا عينيَّ، ولسانها ما خاطب لساني، ويدها ما لامست يدي، ولكنها مع ذلك صديقة أثيرة تركت في النفس عميق الأثر، وفعلت بجميل صحبتها فعلاً لا تمحوه الأيام، وستكون "روبرتا" ما حييتُ قطعةً من نفسي وبعضاً من وجداني؛ لأنها استهلّت صداقتها والحرب في إبانها، وواصلت حبل مودتها والحرب في عنفوانها، وانتهت فورات القتال ولكن صداقتها ما عرفت منتهى لأنها وُلِدت وثيقة، ونَمَتْ رغم الصروف، واطَّرَدت على كرِّ الأيام، وغَدت اليوم أنشودة من أناشيد الفؤاد، يُردِّدها صامتاً إذا شاء، ويُسمع الآخرين صدى نغماتها إذا شاء، ويُعطَّر بأريج سيرتها تجاويف الحياة.
    رحم الله ذياك الصديق الذي أتاني يوماً يقول: أتُريد صديقةً بالمراسلة؟ قلت: أجل! فكل صداقة تُهذِّب النفس، وكلُّ معرفة تُغَذِّي العقل، وكُل فاتنة تُغري الأفئدة ولو من أبعاد مترامية.
    قال: هاك عنوان "روبرتا"، فهي لمّا تخرج إلى معترك الحياة، وهي تدرس التجارة والاقتصاد في إحدى كليات "ايوا" وهي طامعة في مكاتبة صديق مصري يُحسِن مكاتبتها بلغتها.
    قلت: وسأكتب لها اليوم.
    وكتبت، وجاءني الرد يتهادى. ثم كتبت، وتلقّيْتُ أجوبة، وظللنا نؤثل المودّة بالمراسلة، ونتبادل الآراء بالكتب؛ فتحدثني عن بيت من طراز فريد تعيش فيه مع أهلها، وعن عادات ألفتها وألفها أبناء جلدتها، وعن هوايات تأخذ بمجامعها، وعن رحلات تقطع فيها بلادها شرقاً وغرباً، وعن طبيعة قلب لا تعرف الاستقرار، وعن معاهد تُبيح مجالسة الفتية والفتيات، وعن آفاق فكرية عرضت لها، وعن فلسفات في الحياة اشتبهت أمامها، وعن طارق يدقُّ باب قلبها، وهو طارق الحب.
    حدَّثتني "روبرتا" أحاديث ما أعذبها، ولاتزال رسائلها تعمر خزائن كتبي. وناقشتني شؤوناً تباينت مناحيها، فتحدّثنا عن الحياة وأسرار الكون، وتحدَّثنا عن الحرب وكيف خاضها شقيقها في الميدان الباسفيكي، وتحدثنا عن الزواج وكيف يخلق بيوتاً سعيدة، وتحدَّثت هي عنْ عملها كثيراً؛ فآناً هي تعمل في واشنطن العاصمة موظفة في الحكومة، وآناً تأتيني رسائلها من هونولولو حيث عبرت المحيط لتعمل في مكتب من المكاتب الملحقة بالجيش، وآنا أتلقى بريدا من كاليفورنيا يحمل إليَّ نسمات الطبيعة السخية، فأين حلّت، كان أول ما تُفكِّر فيه هو أن تُرسل خطاباً إلى صديقها المصري ذي السحنة السمراء، وحيثما نزلت كان حديثها مع من تلقاهم عن ذلك الشاب الذي ارتبطت معه عبر محيطات وجبال وأودية وأنهر وهضاب.
    وتبادلنا الدعوات؛ فهي تقول: لقد أتاني هاتف بالليل يُبشِّرني أنني سألقاك في أرض الدنيا الجديدة، فهيّا أقبل لتتحقق الرؤى.
    وأرد على "روبرتا" قائلا: بل إن مصر مشوقة لفتاة مثلك لا تزال تعيش في دنيا رتيبة. ففي الشرق سحر لا تقوى الأقلام على وصفه، وفي النيل مرئيات لا مثيل لها، وفي الأهرام ـ غير بعيد من مسكننا ـ مجد مُخلَّد على الدهور، وفي السماء الصافية شبع وري، وفي الخضرة المرسلة بلا حد هيبة توحي بالتقديس، فأقبلي إلى أرض الفراعين، لتريْ شعباً يُجاهد، وتريْ نهضةً جمعت بين حضارة المشرق ومدنية المغرب. تعاليْ، فلن تكوني غريبةً في وادٍ للنيلِ خصيب.
    وكلما دارت عجلة العام، وحل عيد الميلاد ذهبت "روبرتا" إلى مكتبة مجاورة، واشترت بطاقة ذات معان لترسلها إلى الصاحب في نصف الكرة الشرقي. وإذ أُقلِّب اليوم بطاقاتها أرى وراء الصور والرسوم مجالاً للتعليل والتفسير، فهذه صورة "دارة"( ) على مرتفع لا يُحيط بها سوى بستان كثير الكرم والفاكهة، والجو في الفضاء رائق موات، ألا ما أجمل هذه البقعة يُمضي فيها اثنان أيام عمرهما فتستحيل الحياة جنة على الأرض.
    وهذه صورة مركبة أنيقة يجرُّها جوادان، ويركبها رفيقان. إنها تسير وتسير، والخيل تركض وتركض، وليس في الدنيا ما يُعكِّر على القلبين صفو ودادهما. ترى لمِ لا نكون نحن راكبيْن لهذه المركبة الهادرة؟
    وهذه صورة قمر يسطع في كبد السماء، يُطل على واد منبسط مُزهر، وهناك في ركن قصي جلس اثنان مشغوليْن بعطف الطبيعة، مأخوذيْن بنشوةِ الحب، تُرى أيفْضُلنا هذان الإنسانان؟
    وثمة صورة سفينة شراعية، فريدة على صفحة اليم الساجية، فلم لا يكون هذا القصر العائم فلكاً لقلبين تعارفا على البُعْد، وتصادقا عبر آلاف وآلاف من الفراسخ والعقد البحرية؟
    فما كانت "روبرتا" تختار صورها اختياراً سريعاً عارضاً، بل كانت تتخيَّرها بعد جهد لتؤدِّي معنىً واحداً وإن تعدَّدت زواياه. وبين أضابيري أستطيع أن أُحصي اليوم اثنتي عشرة بطاقة تلقيتها في اثني عشر عاماً من "روبرتا" عشيرة القلم، وصديقة المراسلة، التي لم ترها عينا الرأس يل رأتها عيْنا القلب.
    وإذا كانت للنفس أمنية ترجو أن تُحققها قبل أن تنطلق لرؤيا خالقها، فهي أن تحظى بلقاء "روبرتا"، لأنها عرفت كيف تسكب حياتها سكباً على صفحات الرسائل، وكيف تجعل النائين عنها يعرفون من أمرها ما قد يغيب عن أقرب المقربين إليها.
    واليوم أين تكون الفاتنة الأمريكية "روبرتا"؟
    إنها زوجة، وإنها أم.
    زوجة سعيدة، أرجو لها أن تهنأ بزوجها كما جعلت غيرها يهنأ بصداقتها بضعة عشر عاماً.
    وأم جليلة قد عرفت الحنان مع البعيد فكيف لا تعرفه مع القريب، بل فلذة الكبد وفلذة الروح؟
    ورب سائل يسأل: ما هي فلسفتك في الحب؟
    فأقول: أن يهنأ الذين أحبهم، سواء أكان لي أن أشاطرهم ذلك أم كان لغيري أن يحظى بتلك السعادة.
    ............
    *مجلة "الأديب"، أبريل 1950، ص16 ، 17.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      وديع فلسطين .. سفير الأدباء(1)

      بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود
      ...........................

      وديع فلسطين (ولد عام 1923) أديب كبير يُقدِّره الأدباء العرب حق قدره، وإن لم تلتفت إليه الأجهزة الثقافية في مصر فتُعطيه بعض حقه عليها، كما تفعل مع أشباه الكتاب والأدباء.
      ولعل السرَّ في ذلك أن الرجل يحترم نفسه، ويربأ بها أن تقف على باب مسؤول هنا أو هناك، ويدّخر جهده ووقته في العمل والإنتاج، فضلاً عن مساعدة الباحثين بالمادة العلمية والمراجع الأدبية في أي مكان كانوا، وأي زمان طلبوا.
      وكان من الوفاء الجميل أن يقوم صديقي الشاعر الأديب الدكتور حسين علي محمد بإخراج كتاب تذكاري عن الرجل تقديراً لدوره وتعريفاً بمكانته بعنوان "سفير الأدباء: وديع فلسطين"، وينشر هذا الكتاب على نفقته الخاصة ضمن سلسلة "أصوات مُعاصرة"، فيُقدِّم الرجل تقديماً جيداً من خلال كتاباته ومؤلفاته، ومن خلال ما كتبه عارفو فضله وأدبه في مصر والأقطار العربية والمهاجر الأجنبية.
      والسفارة الأدبية لدى وديع فلسطين هي تواصل حميم بين عشاق الكلمة الصادقة وأصدقاء الحرف النقي في مصر أو خارجها، وقد قضى وديع فلسطين أكثر من نصف قرن سفيراً للأدباء، يُكاتبهم ويكتبون له، ويقرأ لهم ويكتب عنهم، ويُعرِّف بهم. وكان من أوائل الذين كتبوا عن نجيب محفوظ، وأوائل الذين ترجموا المسرح السويدي، ومازال أقدر المترجمين في بلادنا على الترجمة الأدبية الراقية، التي تفي بالمضمون الأصلي للنص مع صياغته صياغة أدبية جميلة. كتب عنه شاعر أبولُّو الكبير الدكتور أحمد زكي أبو شادي، فقال: "هذا الأديب القبطي الإنساني النابه من مفاخر الجيل الحاضر في مصر، وهو جوهرة شريفة متألقة في تاج الأدب العربي الحديث ". (جريدة الهدى، نيويورك، العدد 144، في 18/9/1950).
      ويصفه الأستاذ محمد سعيد العامودي ـ الكاتب السعودي الكبير ـ "بالكاتب العربي الواسع الاطلاع، والأديب الباحث المفكر، ويرى أنه ليس غريباً أن يكون أبرز ما تتسم به بحوثه: الأصالة والموضوعية" (مجلة المنهل، جدة، أغسطس 1960م).
      لقد تخرّج وديع فلسطين في قسم الصحافة بالجامعة الأمريكية عام 1942م، وكان من أوائل الذين حملوا شهادة البكالوريوس في الصحافة من مصر، وعقب تخرجه عمل بجريدة "الأهرام"، ثم انتقل عام 1945م إلى جريدة "المقطم" في أواخر عهدها، حيث عمل محررا فرئيساً للقسم الخارجي، فمحرراً سياسياً ودبلوماسيا، وناقداً أدبيا، ومعلقا اقتصاديا، ورئيساً فعليا للتحرير دون أن يُكتب ذلك في "ترويسة" الصحيفة، بجانب مشاركته في تحرير "المُقتطف": المجلة العلمية الأدبية المعروفة، وظل بالمقطم حتى توقفت عام 1952م، فترك الصحافة وتفرّغ للكتابة الحرة وأعمال الترجمة.
      والرجل من مدرسة أدبية جادة تؤمن بالصدق والإتقان مهما أنفقت من جهد ووقت ومال، يُتابع ويقرأ، ويسعى إلى المزيد من الاطلاع حتى يومنا هذا، بعد أن تجاوز الخامسة والسبعين. كل ذلك إلى جانب عمله الأصلي الآن في مجال الترجمة، كما سبقت الإشارة. وقد قدّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الكتب المترجمة، منها "الأب" مسرحية لأوجست سترندبرج، و"فلسطين في ضوء الحق والعدل" لهنري كتن، و"جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة" لتوماس هامل (بالاشتراك)، و"أوليفر وندل هولمز القاضي الشاعر الأمريكي"، و"على درب الحرية" لمارتن لوثر كنج، و"استقاء الأخبار فن: صناعة الخبر"، و"العلاقات العامة فن"، و"تطور صناعة الزيت في الشرق الأوسط"، و"مقدمة إلى وسائل الاتصال".
      ولقد كتب وديع فلسطين كثيراً من الفصول حول القضايا الأدبية، وتناول في سلاسل متعددة كثيراً من القضايا الثقافية التي تعني الأدباء والقراء عامة، ومنها سلسلة أحاديثه المستطردة التي بدأ كتابتها في مجلة "الأديب" اللبنانية، ويكتبها الآن في جريدة "الحياة" التي تصدر من لندن، ويُعرِّف في هذه الأحاديث بأعلام الأدباء المعاصرين الذين التقى بهم أو حاورهم، أو عرفهم من قرب. ومادة هذه الأحاديث مرجع مهم في ميدان البحث الأدبي والعلمي والثقافي.
      ومن المفارقات أن مجلاتنا الأدبية العريقة في مصر والبلاد العربية اهتمت بالرجل فجأة عقب مقال كتبته صافي ناز كاطم، فراحت هذه المجلات تطلب منه أن يُوافيها بمقالاته لتنشرها، وتُلح في الطلب! ولا أدري هل تمتد هذه المفارقات إلى أن تعهد هذه المؤسسات إليه بترجمة عمل أدبي كبير سواء في المشروع القومي للترجمة، أو الألف كتاب الثانية أو غير ذلك؟
      أعلم أنه يتعفّف عن الطلب، أو إبداء الرغبة، لأنه ينصرف كلية إلى أعماله الخاصة التي تُغنيه عن البشر (المسؤولين وغير المسؤولين). ولكن وطناً يُقدِّر أبناءه لابد أن يلتفت إلى الرجل بطريقة أو أخرى.
      إن وديع فلسطين من جيل عرك الحياة، واحترم القيم الرفيعة، بل اعتنقها حتى صارت جزءاً من سلوكه وفكره، ومن واجبنا أن نُقدِّمه للأجيال الجديدة التي لا ترى أمامها إلا نماذج الفهلوة والتسلل والنفاق والمصالح المتبادلة، وغاب عنها ـ أو غُيِّبت عنها ـ نماذج العمل والكفاح والأخلاق الرفيعة والمُثُل العُليا!
      ــــــــــــــ
      (1) المساء، العدد (15082)، الصادرة في 15/8/1998م، ص10.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        «سفير الأدباء: وديـع فلســطين»

        بقلم: عنتر مخيمر
        ...............

        هذا الكتاب ربما كان الأول من نوعه، فقد اعتمد مؤلفه على مختارات من آراء وكتابات وديع فلسطين المنشورة في الأدب والنقد، بالإضافة إلى رسائله الأدبية وثلاثة حوارات أجراها المؤلف معه، كما رجع لقصائد كبار الشعراء ومقالات الكتاب الذين كتبوا عنه.
        وفي الحقيقة لقد أبدع المؤلف في رسم صورة صادقة لوديع فلسطين كأديب وناقد، ولنقلب صفحات الكتاب:
        *في الفصل الأول يتحدث وديع فلسطين عن نفسه من خلال رسائله للمؤلف، فيقول عن ثقافته:
        "إن مطالعاتي في أول عهدي بالحياة كانت مطـالعات باللغات الأجنبية، وكانت تتناول جميع فروع المعرفة، أدباً وعلماً وعلم نفس واقتصاداً وسياسةً وتراجم … وما إلى ذلك، أما قراءاتي العربية فكانت تسير على غير منهاج مقرر .. كما أن مطالعاتي كانت تتغير وفقاً لاهتماماتي اليومية ... ولئن غلب عليّ الآن المطالعات الأدبية، فما زلت أجد متسعاً من الوقت لقراءة الكتب العلمية وكتب الاقتصاد وعلم النفس والكتب التي تتنـاول الصحافة وعلومها وتاريخها وفنونها. وهكذا ترى يا أخي أنني سأموت وعلى صدري كتاب كالجاحظ قديماً وسلامة موسى حديثاً".
        وعن نشأته الأدبية يقول: "تتلمذت في الجامعة على الدكتور فؤاد صروف والسباعي بيومي والسيد شحاته وعبد الله حسين (أحد أركان جريدة "الأهرام" في الأربعينيات)، ثم عملت في الحياة مع الدكتور فارس باشا نمر، وخليل تابت باشا، وخليل مطران بك، وعلي الغاياتي، والدكتور نقولا الحداد، وإسماعيل مظهر، والدكتور بشر فارس … وغيرهم، فكان لامفر لي من الاشتغال بالأدب مهما حاولت أن أنصرف إلى الصحافة".
        "إن اشتغالي بالأدب كان من ناحية تورطا، وكان من ناحية أخرى هـرباً من ألوان الكتابات الأخرى السياسية والاقتصادية".
        وعن المدرسة التي ينتمي إليها في الأدب:
        "لا أعرف مدرسة أنتمي إليها، أو أوصف أنني من تلاميذها".
        ويرى وديع فلسطين أن الأدب الحقيقي يتوارى في صحافتنا الراهنة، حيث يقول: "العلاقة بين الصحافة والأدب علاقة قديمة وثيقـة. ولكن الحيِّز المخصص للأدب في الصحف أخذ يتقلّص حتى انعدم أو كاد. وفي الوقت الذي تُخصص فيه الصحف أركاناً يومية للرياضة ولفنون السينما والتليفزيون، لا تخص الأدب إلا بباب أسبوعي يُلغى إذا طغت الإعلانات أو زاد طوفان أخبار السياسة. وحتى هذه الأبواب الأدبية فإنها قلّ أن تستكتب أديباً مرموقاً".
        ومواصفات الأدب الجيد عنده تتمثل في "أسلوب وفكرة. فلا أدب لا ينهض على أسلـوب ناصع متميز متفرّد. ولا أدب إن لم يكن محوره فكرة أصيلة بارعة. فهذا هو الأدب المُشبِع".
        *وفي الفصل الثاني يقدم المؤلف من آراء وديع فلسطين ما يُشكِّل رؤية أدبية تستحق على حد قوله التقديم والنقاش:
        "فإن رأيتني كارهاً للشعر الجديد ، فلأنني وقد ألفت شعر القوافي لم أستطع "هضم" الشعر الجديد ـ حتى بعد قراءة السـيَّاب والبيَّاتي ونازك وفدوى والحيدري وتلميذي السابق معين بسيسو … وغيرهم، وإن رأيتني أمُجُّ أسلوب يوسف إدريس، فلأنني نشأت على قراءة أساليب الزيَّات وفؤاد صرُّوف وأحمد زكي ومحمود تيمور ووداد سكاكيني، وإن رأيتني عاجـزاً عن فهم لطفي الخولي، فلأنني عشت في صحافة الوضوح؛ صحافة أنطون الجميِّل وخليل تابت وعزيز مرزا وتوفيق دياب وعباس حافظ وسلامة موسى".
        تسألني عن واقع الأدب العربي ومستقبله، فأقول لك بالمختصر المفيد: لا واقع للأدب ولا مستقبل بغير الحرية الكاملة". "فلما صارت الصحافة ألعوبة في يد الحاكم، وصار الصحفيون موظفين مهمتهم كتابة العرائض وترديد كلام الحاكم كالببغاوات، تركت الصحافة إلى الاقتصاد أولا، ثم تركت الاقتصاد بعد أن زحفت عليه الخزعبلات إلى الأدب. وحتى الأدب كدت أتركه غير مرة بعدما رأيت أسباب العبث تغشى ميادينه وتحاول إفساده بدعوى "الالتزام" أو باسم "الأدب الهادف". والمراد بهذه الألفاظ جعل الأدب موظفاً في الدولة يلتزم بأوامرها ونواهيها ويستمد اتجاهاته منها.
        ويرفض وديع فلسطين الشللية المقيتة التي تستشري في حياتنا الأدبية ويقول:
        هناك نزعة احتكارية بادية معالمها في الجو الأدبي كلِّه. فخمسة أو ستة أو عشرة من الأدباء هم الذين آلت إليهم منابر الأدب جميعها؛ فهم في مجلس الفنون، وفي جمعية الأدباء، وفي نادي القصة، وفي اتحاد الكتاب، وفي مجلات الأدب، وفي أركان الإذاعة، وفي "استوديوهات التليفزيون"، وفي منتديات الأدب ومؤتمراته".
        "وهناك إحجام عن التعريف بالكتب الجيدة القليلة الصادرة، و"إسهال" في التعريف بالكتب التي تشول في ميزان النقد. وهناك جنوح إلى الأخذ بأساليب "الموضة" في الأدب. و"الموضة" معناها قيام مناسبة ما، فيتسابق على التأليف فيها الأدباء والشعراء".
        ومن آراء وديع فلسطين في الأدباء والشعراء:
        يقول عن أحمد زكي أبي شادي:
        "شعره تراث هائل ولو من حيث الكم، أما من حيث الكيف فالأمر متروك لأذواق الناس، وهم يختلفون، ولو قرأت قصيدته في رثاء ناجي لقلت إن هذا أعظم شعراء العربية".
        ويقول عن طه حسين وعباس محمود العقاد:
        "كرهت في طه حسين نفاقَه وحبَّه للوجاهات، على نقيض العقاد الذي كان جريئاً في قول الرأي بلا نفاق أو مُداجاة، كما كان يفتح بابه وصـدرَه لأمثالنا من البسطاء .. وكان طه حسين ظالماً في أحكامه الأدبية لأغراض خاصة في نفسه، ولا هكذا العقاد".
        ويقول عن علي أحمد باكثير:
        "والحقيقة أن باكثير ظُلِم في مصر كثيراً في حياته .. كما ظُلم بعد وفاته لأن ما نُشر عنه من دراسات، بل ما أُعيد نشره من كتب جرى خارج مصر، وعلى وجه التحديد في السعودية. وكانت لي في "الأهرام" مؤخراً كلمة عن "مظاليم الأدب"، ذكرت من جملتهم باكثير العظيم، رحمه الله".
        ويقول عن محمود محمد شاكر:
        "هذا العالم الفذ قد وقف كل عمره على الحفاظ على تراث الضاد ، وكأنه ديدبان شاكي السلاح يذب عن حياض الضاد كل متجهم أو متحرش أو متطاول".
        ويقول عن نجيب محفوظ:
        "اعتقادي ـ من واقع مطالعاتي الأولى لنجيب ـ أنه فنان عظيم، وأنه يستحق كل تكريم يناله، ولاسيما وأن له شخصية أصلب عوداً من توفيق الحكيم الزئبقي الرجراج. فنجيب محفوظ لم ينغمس في التأييد الأعمى للإجراميات والإنكشاريات والإرهابيات التي عشناها ربع قرن كما فعل "فاقد الوعي" توفيق الحكيم ، ومن ثم لم يعوزه الأمر إلى "صك غفران" يقدمه إلى الجمهور ليصفح عن خطيئته كما فعل توفيق الحكيم في "عودته إلى الوعي".
        ويقول عن "أصداء السيرة الذاتية":
        "الأصداء مزيج من الحكمة والهلوسة، وجرعة الهلوسة فيها أكبر. ولولا جائزة نوبل التي رفعت نجيب محفوظ إلى مرتبة آلهة الحكمة لما اهتم أحد بهذه الأصداء غير المترابطة".
        *وفي الفصل الثالث ويضم ثلاثة حوارات حول الحياة الأدبية يقول وديع فلسطين:
        -"أرى نفسي في أقصى مقعد خلفي من مقاعد المتفرجين على مواكب الحياة الأدبية، وهو مكان آثرته لنفسي بعدما "توظف" الأدب، وصار الأديب يُعرف لا بإنتاجه بل بدرجته الوظيفية أو عضويته للجان والمجالس المختلفة".
        -رأيت ظواهر أغلبها لا أرتاح إليه ، أذكر بعضها في تعميم لا تخصيص: فهناك نزعة احتكارية بادية معالمها في الجو الأدبي كلِّه. فخمسة أو ستة أو عشرة من الأدباء هم الذين آلت إليهم منابر الأدب جميعها؛ فهم في مجلس الفنون ، وفي جمعية الأدباء، وفي نادي القصة ، وفي اتحاد الكتاب ، وفي مجلات الأدب ، وفي مؤتمراته. وهناك إحجام عن التعريف بالكتب الجيدة القليلة الصادرة، و"إسهال" في التعريف بالكتب التي تشول في ميزان النقد.
        -وهكذا ترى أن مكاني ضائع بين الأجيال، وهي جميعاً تكاد تنكرني، ممَّا يجعلني أوثر الاستقلال على ادِّعاء الانتماء إلى هذا الجيل أو ذاك.
        -فالأدب قد صارت تسري عليه نواميس التجارة، بل إن هذه النواميس هي وحدها التي تتحكم في الأدب أيا كانت قيمته.
        -وصفوة القول: إن الأدب لن يزدهر إلا إذا تخلص من اعتبارات التجارة المفروضة عليه سواء من الناشرين أو من المجتمع نفسه .
        -أمنيتي هي أن تتميز الحياة الفكرية بالجد لا بالهزل، وبالأصالة لابالهوائية، وبالصدق لا بالرياء، وبالشرف لا بالبهلوانيات، وبالحرية لا بنقيضها. فليكن الأدب خالصاً للأدب، بريئاً من الترهات العقائدية الفارغة حرًّا، حُرًّا، حُرًّا.
        *وفي الفصل الرابع يُشير المؤلف إلى عشرات القصائد التي كتبها شعراء عصرنا مهداة إلى سفير الأدباء وديع فلسطين.
        يقول الشاعر المهجري الكبير الراحل جورج صيدح:
        زودتُ أقلامي بحبرٍ عسجدي وعزمتُ أكتبُ ما يليقُ بسيدي
        هـذا (الوديعُ) أعزَّني بمودَّةٍ هـي ثروةٌ شغلتْ عقولَ الحُسَّدِ
        هـذا (المقفَّعُ) عالمٌ مترفِّـعٌ إن تقرب الأضــواءُ منهُ يبعُدِ
        ويقول الشاعر المهجري زكي قنصل:
        ارفق بنفسِك يا أديبَ الضَّادِ كمْ ذا تُعاني في الهوى وتُعادي
        ما أنتَ إلا فرحَـةٌ في مأْتمٍ أو مأْتمٌ في فرحَـــةِ الميلادِ
        ويقول صاحب هذا الكتاب:
        يا وديعَ النفسِ في دُنيا الذئابْ أنت تحيــا في حـياةٍ قاتِلهْ
        فاسْـتعِرْ ظفراً ومنقاراً ونابْ ثمَّ دُسْ بالنَّعْـلِ هـذي القافلهْ
        *أما الفصل الخامس والأخير فيضم تسع مقالات كتبها كبار الكتاب عن وديع فلسطين وردت فيها الشهادات الآتية:
        -"وصفوة القول إن هذا الأديب القبطي الإنساني النابه من مفاخر الجيل الحاضر في مصر، وهو جوهرة شريفة متألقة في تاج الأدب العربي الحديث " (أحمد زكي أبو شادي).
        -"والواقع أن كتابه "قضايا الفكر" يعَدُّ ثورة طوَّحت بأضاليل الأسلوب العربي الرخيص ـ إذا جاز ما يُكتب بالعامية أو العربية المنحرفة أدباً ـ إلى ما وراء العدم، ليُثبت صحة الأدب العربي وسلامته وقوته". (جميلة العلايلي)
        -"وفي الحق ليس غريباً أن يكون أبرز ما تتسم به بحوث الأستاذ وديع فلسطين .. الكاتب العربي الواسع الاطلاع، والأديب الباحث المفكر .. ليس غريباً أن يكون أبرز ما تتسم به بحوثه: الأصالة والموضوعية!" (محمد سعيد العامودي)
        -"وعندما تذكر رابطة الأدباء، فإنه يُذكر من مؤسسيها الشاعر إبراهيم ناجي ووديع فلسطين". (د. حلمي محمد القاعود).
        -إذا قلت إن وديع فلسطين هو "ملك" فن كتابة رسم الملامح الشخصية الأدبية والثقافية، لا أكون مُغاليةً أو مُبالِغةً ... يا سبحان الله! من يلوم الظمآن يفرح طروباً حين يعثر على عين مياه عذبة في صحراء، مياه لم تُلوِّثها نفايات المصانع والمحاجر والمبيدات؟". (صافي ناز كاظم).
        -"والوديع كاتب عملاق، واسع الثقافة، رحب الاطلاع، قلّما يصدر كتاب ذو بال في اللغة العربية أو الإنجليزية إلا ولديه عنه علم، أو له به اطلاع، أو عليه فيه نقد أو تعريف". (عبد العزيز الرفاعي).

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          وديع فلسطين شاهد على عصره-1

          بقلم: أ.د. حسين علي محمد
          -------------------

          1-وتوالدت الدولارات في ضياعهم!:
          أ-"لعلي لم أخبرك بأن ابني الوحيد قد هاجر من عامين إلى كندا، وهو يُلحُّ عليَّ أن ألحق به، ولكنني أوثر البقاء هنا لكثرة أعمالي وتنوعها، في حين أنني قد أجد نفسي عاطلاً من كل عمل هناك مع إجادتي التامة للغة الإنجليزية. وإلمامي الجيد باللغة الإفرنسية، ولكنني قد أزوره في الصيف ـ إن سمحت بذلك ظروفي ـ وفي هذه الحالة أُعرِّج على شقيقي الأكبر في إسبانيا، وهو قد هاجر إليها من عام 1951م، وتجنس بجنسيتها، وتزوّج من إسبانية، ولم يبق إلا أن يُصارع الثيران الإسبانية!
          وفي أحيان كثيرة أحس بالندم لأنني عندما زرت الولايات المتحدة في عام 1955م عُرِضت عليَّ أعمال كثيرة دون سعي من ناحيتي، وكان الإغراء شديداً للبقاء هناك، ولكنني آثرت العودة متوهماً بأن رسالتي الأولى كصحفي هي نحو أمتي العربية، لا نحو الفرنجة. أما زملائي وطلابي الذين بقوا هناك، فقد ابتسمت لهم الدنيا، وتوالدت الدولارات في ضياعهم، كما تتوالد الأرانب في ضيعتك.
          (من رسالته المؤرخة في 2/4/1990م)
          ب-"عندما كنت في أمريكا عام 1955 نصحني الناصحون بالبقاء هناك، وعرضوا عليَّ أعمالاً مجزية في الجامعات وفي مكاتب المُحامين، بل في إذاعة "صوت أمريكا"، ولكنني رفضت ظنا مني بأن مستقبلي في ديار يعرب، لا في أمريكا. ولا أكتمك أنني نادم على اطِّراحي نصائحهم، فلو بقيت هناك لتخلَّصت على الأقل من النجاسات البوليسية والرذالات الضرائبية التي تُطاردني بشراستها"
          (من رسالته المؤرخة في 3/9/1978م)
          2-شديد الخجل من نفسي!:
          «أقول لك بكل صدق إنني شديد الخجل من نفسي، لأنني لم أكتب عن أصدقائي الذين رحلوا في السنوات السبع الأخيرة لأن ظروفي النفسية وأحوالي المعاشية التي كانت ترفعني إلى القمة ثم تقذف بي إلى الحضيض المرة بعد المرة، جعلتني أكثر تلهيا بأموري الشخصية مني بإنصاف الراحلين من الأحباء، كالأمير مصطفى الشهابي، والدكتور يوسف مراد، وأمين يوسف غراب، والشيخ محمود أبو رية، ومحمود الشرقاوي المؤرخ، وحليم متري، والدكتور مراد كامل، ومحيي الدين رضا، وعبد الحليم عبد الله، وعلي أحمد باكثير، ومحمد علي الطاهر، و[عبد الحميد جودة] السحار، والزيات، وساطع الحصري، ويوسف يعقوب مسكوني (العراقي) وغيرهم، وأضف إليهم [محمد] الجيار، ورشاد [رشدي]، وسمير وهبي ومَن إليهم.
          (من رسالته المؤرخة في 23/4/1975م)
          3-بين الصحافة والأدب:
          "أنا أولاً وأخيراً مجرد صحفي صناعته الأولى التعليقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن لما أصبحت هذه الأبواب مزالق عرّضنتي للكثير من الانكشاريات والمفازع في حياتي فقد وجدت في الأدب ملاذاً أو مهرباً دون أن أغرق فيه حتى شحمة الرأس وفروة الأذن، لأن الأدب لا يُطعم خبزاً. وقد استهلكتني الصحافة لأن معظم ما كتبته في سنوات عمري قد صار تاريخاً قديماً، بعد أن تغيّرت جغرافية العالم، وانقلبت الدنيا؛ فصار الأبطال خونة والخونة أبطالاً، وأصبح الأعلام مجهولين، والعارون من أي مؤهلات في صدارة الصدارة!"
          "وقد قيل في الاقتصاد ـ وهو ينطبق على كثير من الأمور ـ إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من الأسواق، فلا أغضب إن رأيت نفسي من جملة المطرودين!".
          (من رسالته المؤرخة في 21/4/1997م)
          4-دوري في الأدب:
          "دوري الوحيد في الأدب هو دور الشيخ الكبسي، ولعلّك سمعت به وأنت في بلاد القات السعيدة! فعندما أُنشئت الجامعة العربية استرابت جميع الدول العربية منها، خشية أن تكون وسيلة لابتلاعها. فلبنان مثلاً كان يخشى على شخصيته المسيحية من الذوبان في هذا المجتمع المسلم. والملك عبد العزيز آل سعود كان يخشى من أن تُعلن القاهرة الخلافة الإسلامية (وقد جرت فعلاً محاولات في عهد الملك فؤاد ثم في عهد الملك فاروق) فيهتز مقام ابن سعود باعتباره حامي حمى الحرمين. كما أن الإمام يحيى الذي عزل بلاده عن الدنيا كان يخاف من أن تكون الجامعة سبباً في هدم أسوار العزلة. وعندما انعقد أول اجتماع لمجلس الجامعة العربية، أوفدت الدول العربية مندوبين مُكلَّفين بعدم التعاون وبتأكيد شخصية كل دولة واستقلالها عن سواها، وعدم قبولها لأي قرارات تمس أوضاعها الداخلية. أما الشيخ الكبسي فكان موفداً من الإمام يحيى كمندوب مُراقب، يرى ويسمع ولا يتكلم! وأنا يا صاحبي هو هذا المُراقب الأدبي، الذي يُتابع ما يُنشر في معظم مجلات الأدب، وهذا قُصاراه!".
          (من رسالته المؤرخة في 11/5/1991م)
          5-.. انسحبتُ من الميادين جميعاً!:
          "الحمد لله أنني إذا كنت قد نُسيت أو أُنسيت في بلدي ومسقط رأسي، فقد ذكرني وكرّمني الأردن وسورية باختيارهما لي عضواً في مجمعيهما، وسبق لحكومة إسبانيا أن كرَّمتني بإهدائي "نشان الاستحقاق المدني من طبقة كوماندر"،
          كان صديقي خليل مطران بك يقول:
          أُخْـلي مكاني للّذي يسمو إليهِ بغيرِ حُزنِ
          لا تندبنّي للعظائم بعدهـــا، لا تندبنِّي
          وإني مثله قد أخليت مكاني وانسحبت من الميادين جميعاً وحسبي أنني أجري الآن في ميدان لا يُباريني فيه أحد [يقصد ميدان الترجمة]، ولو كانت له جائزة أوليمبية لظفرت بها ربما وحدي".
          (من رسالته المؤرخة في 2/4/1990م)
          6-هكذا كانت مجلات زمان!:
          ب-"صحافة أنطون الجميِّل وخليل تابت وعبد القادر حمزة و(محمد حسين) هيكل باشا وداود بركات وآخرهم عزيز ميرزا هي صحافة رأي، قوامه العلم والحجة والدراية الأدبية، أما صحافة اليوم فأغلبها صحافة خبر، وأقلها رأيٌ يُساقُ ترديداُ لرأي الحكومة بغض النظر عن قواعد العلم والحجة والدراية الأدبية. وبعبارة أخرى كانت الصحافة القديمة تقود وتُبصِّر، أما الصحافة المُعاصرة فتُقاد وتنقاد، فضعفت هيبة الصحافة، وصار محرروها "موظفين" في الدولة؛ يُنقلون من "دكان" الأهرام، إلى "ديوان" الأخبار، أو من "وكالة" روز اليوسف إلى "مصلحة" المصور".
          (من رسالته المؤرخة في 2/5/1977)

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            وديع فلسطين شاهد على عصره-2
            ----------------------

            7-وفاة شاعرة!:
            «توفيت مؤخراً الشاعرة جليلة رضا دون أن يُشير إلى وفاتها أحد من المشرفين على الصفحات الأدبية أو مجلات الأدب، وكأنها قطة ماتت فطيساً! وقد أخبرني أستاذنا الخفاجي أنه يعتزم إقامة حفل لتأبينها في رابطة الأدب الحديث ووعدتُه بالمشاركة في هذا الحفل. والغريب أن مجلة «الهلال» كانت تخزِّن قصيدة لها، ولما عرفت مني بوفاتها استخرجت القصيدة لنشرها في العدد المقبل مع إشارة لوفاتها».
            «وقد نسي محرر المجلة أن دار الهلال نشرت سيرة جليلة ضمن "كتاب الهلال" الشهري من نحو خمسة عشر عاماً. وهذا يفسر لي صعوبة معرفة تاريخ ميلاد ووفاة الأدباء، لأن أحداً لا يهتم بتسجيلها إلا إذا كان الأديب أو المتأدب شيوعيا، ففي هذه الحالة تحتشد جميع الأقلام للحديث عن مآثره ومفاخره!».
            (من رسالته المؤرخة في 22/4/2001م)
            8-إنهم يُغلقون منابر الأدب!:
            "احتجاب مجلة "الدوحة" في قطر صاحبه احتجاب مجلة "الفكر" التونسية التي عُطِّلت بعد انتظامها واحداً وثلاثين عاماً ضمن الحملة على صاحبها محمد مزالي، وهكذا تختفي المنابر الأدبية الواحد بعد الآخر، لأن دولنا تعتبر الأدب من الكماليات الشديدة الخطورة التي يتعيّن التخلُّص منها في أول فرصة، ولك أن تتوقّع احتجاب مجلات أخرى تذرُّعاُ بذريعة الأزمة الاقتصادية".
            (من رسالته المؤرخة في 23/11/1986م)
            9-المذاهب الجديدة .. لا أستسيغُها:
            "تسألني عن رواية "فاتنة الفيوم" للدكتور يعقوب صرُّوف، وهل قرأت كلمة محمد جبريل عنها في جريدة "المساء"، فأجيبك بأنني لم أقرأ هذه الكلمة. أما الرواية فالأرجح أنها ضمن كتبي، وهي أطنان من حيث الحجم، كما أنها فوضى من حيث الترتيب. وأيا كان الرأي الذي أتى به محمد جبريل في موضوع هذه الرواية، فهناك حقيقة مقررة وهي أنَّ من الظلم البيِّن تطبيق المقاييس النقدية الحالية على رواية صدرت من أكثر من ستين سنة. ومع هذا فإنني حين أقرأ الروايات العبثية التي تُنشَر اليوم، فإنني أجدني ميّالا إلى الارتداد إلى الماضي السحيق وقراءة "زينب" و"سارة" وروايات جرجي زيدان ويعقوب صرُّوف، ففيها من العُنصر القصصي ما يُرضي طبيعتي. أما المذاهب الجديدة في الأدب الروائي فلا أستسيغها، ولا قِبل لي بإتمام رواية منها".
            (من رسالته المؤرخة في 1/6/1975م)
            10-لماذا لا نقول الحقيقة؟:
            "قرأت اليوم لصديقنا الدكتور أحمد هيكل مقالاً في "الأهرام" عن أستاذنا الزيات، والمقال يمتدح الزيات بدون تحفظ، وهو طبعاً يستحق ذلك. ولكن فاته ـ عمداً أو سهواً ـ أن يُشير إلى سقطة فظيعة وقع فيها الزيات عندما كان يحرر مجلة "الأزهر" في عهد صديقه الشيخ محمود شلتوت، إذ كتب مقالا افتتاحيا قارن فيه بين النبي محمد والقائد صلاح الدين الأيوبي والزعيم المُلهم عبد الناصر!
            وطبعاً فضّل الأخير. فقامت قيامة الأزهريين ضده، وأرسلوا أطناناً من البرقيات إلى كل المسؤولين، وطالبوا بإخراج الزيات من مجلة "الأزهر" لأنه بات دخيلاً على الأزهر، والشيوخ الأجلاء أحق منه بهذه الوظيفة. وطبعاً لم يحفل أحد بهذه الاحتجاجات، لأننا كنا في عهد الزعيم المُلهم، فكيف يُعاقب من نصره على سواه من المتقدمين؟!"
            (من رسالته المؤرخة في 3/6/1996م)
            11-النقد الإلكتروني:
            آخر "صيحة" في حياتنا الأدبية هي الكمبيوتر الذي يُطلق عليه أحياناً اسم "الحاسوب"، وفي أحيان أخرى الحاسب الآلي، وكذلك شبكة "الإنترنت". ويقولون إن هذين المخترعين التكنولوجيين سيقومان بجميع الوظائف التي يؤديها العقل البشري. وحسب المرء أن يضغط على هذا الزر أو ذاك، فيحصل في التوِّ واللحظة على ضالته، وعندئذ يُحيل عقله إلى التقاعد، فلم تعُد له ضرورة أو وظيفة.
            ولست ممن يُنكرون على هذه الأجهزة "عبقريتها" الآلية، فهي تقوم فعلاً بأعمال حسابية أو "أرشيفية" مُفرطة الضخامة. ولكن هناك سؤاليْن لا بد من إثارتهما، أولا: منْ هو الذي اخترع هذه الآلات؟ أليس هو العقل البشري الذي سخّرها لخدمته بعدما أنطق الحديد الذي صُنِعت منه؟ وأما السؤال الثاني فهو: مَنْ هو الذي لقَّم أو لقَّن هذه الآلات كلَّ ما خزَّنتْه في جوْفها من بيانات ومعلومات صار في الوسع استحضارها بلمس زرار هنا أو زرار هناك؟ فالعقل البشري هو الذي وضع لهذه الأجهزة برامجها، وهو الذي أدخل فيها البيانات المطلوبة، وهو الذي حوّلها إلى مستودع منظّم لآلاف أو لملايين المفردات.
            وإذا كان الكمبيوتر قد أفلح فعلاً في استيعاب مواد المعجم، بحيث يُسعِف الباحث إذا أعوزه الوقوف على معنى كلمة بعينها، فهل يستطيع الكمبيوتر أن يُترجم نصا أدبيا أو عقدا قانونيا أو مادةً علمية؟ المؤكّد أن هناك استحالة حالية ـ ربما أمكن التغلب عليها في المستقبل ـ في قيام الكمبيوتر بهذا العمل. وهل يستطيع الكمبيوتر أن ينظم قصيدة من أي بحر من البحور؟ المؤكّد أنه غير مؤهل أصلاً للقيام بمثل هذا العمل. وهل في وُسع الكمبيوتر أن يُبدع رواية أو حتى أقصوصة؟ هذا أمر من رابع المستحيلات. فسيبقى الإبداع والخلْق حكراً على العقل البشري، ولو إلى حين.
            ومن زاول الترجمة ـ مثلي ـ يعرف أن الترجمة ليست مجرد رص كلمات عربية مقابل كلمات إنكليزية أو إفرنسية استخرجها من القاموس، ولو كان قاموساً كمبيوتريا، وإنما يحتاج المترجم إلى فهم المعاني التي تشي بها الألفاظ، ثم نقل هذه المعاني إلى اللغة التي يكتب بها مع مراعاة السلاسة اللغوية المطلوبة والصقل الأسلوبي الجميل، ولا قِبَل للكمبيوتر بالنهوض بهذا العمل، وقصاراه أن يُقدِّم للمترجم ألفاظا يرصُّ بعضها إلى جوار البعض الآخر بنفس الترتيب في اللغة الإفرنجية، فتخرج الترجمة ركيكة متداعية البناء، غير مفهومة، وربما جاءت مُضلِّلة.
            وشبكة الإنترنت هي بدورها محصِّلة جهود بشرية كثيفة لقنتها فنوناً ومعارف ومعلومات كثيرة يُمكن استرجاعها في لحظة. وما الجهود البشرية القائمة بالتلقين والتلقيم إلا من نتاج العقل البشري الذي يحتمل الخطأ والصواب. فالآلة تُعطيك ما سبق لك أو لغيرك أن أعطاها دون زيادة أو نقصان. وستبقى الآلة آلةً، ويبقى العقل البشري عقلاً مُبدعاً منجاباً يخترع مزيداً من هذه الآلات، ويُضيف إليها مزيداً من مخزون المعارف والمعلومات التي يُستطاع استدعاؤها على النطاق العالمي.
            ولا تظنني أُحاول الإقلال من القدرة الخارقة لأجهزة الكمبيوتر والإنترنت، وإنما أبتغي التأكيد على أن هذه المستحدثات، وما يُستجدُّ منها، هي ثمرة العقل البشري القادر على أن يتحكّم فيها بالعمليّات التي يسمُّونها بـ"الإدخال" إلى مستودعات هذه الآلات.
            ولكن: هل يستطيع الكمبيوتر أو الإنترنت أن يقوم بنفسه أو بمبرمجيه بنقد كتاب أدبي أو نظم قصيدة عاطفية أو صنع عمل روائي؟ لا أظن أن هذا مستطاع في المستقبل القريب، لأن هذه الأعمال جميعاً من نتاج العقل البشري المبدع وحده.
            وإذا استطاع الكمبيوتر أو الإنترنت الحلول محل العقل المبدع، فلتذهب جميع جوائز نوبل في المستقبل إلى هذه الأجهزة، مادامت قد استطاعت إلغاء العقول وإلغاء العواطف معها. ومازال يصدق في الإنسان قول الشاعر:
            وتحسَـبُ أنَّكَ جُــرْمٌ صغيرٌ وفيكَ انْطوى العالَمُ الأكْبَــرُ
            (من رسالته المؤرخة في 15/3/1998م)
            12-أمهات المسائل!:
            "أبدأ بمعانقتك مهنئاً بالدكتوراه التي ظفرت بها بعد طول تدلل و"مُلاوعة"، وعسى أن يُيسِّرها الله لما خُلِقت له، فتوطِئ لك مناصب الأستاذية في الجامعات، وبذلك تتوب توبةً نصوحاً عن "شغل الخوجات" في المدارس دون الجامعية. ومعذرة لتأخري عن … تهنئتك مع أنني وقفتُ على أخبار فوزك من بعض الصحف، ثم من الأخ العزيز [عبد الله السيد] شرف وحوارييه، كما أنني لاحظت اسمك مسبوقاً بحرف الدال في بعض المجلات فاطمأن قلبي. وما تقصيري إلا لانشغالي بأمهات المسائل ـ على وزن "أمهات المعارك"( ) ـ وما "أمهات المسائل" إلا الرطانات وأسباب الرزق".
            (من رسالته المؤرخة في 11/5/1991م)
            13-رسائل الأدباء:
            "أنت تسألني عن رسائل الأدباء، ولِمَ لا أنشرها خدمةً للأدب، ولا سيما إذا تناولت موضوعات عامة لا خاصة. وأحب أن أُوضِّح لك أن تاريخ الأدب لا يهمني، فلست مؤرِّخاً للأدب ولا مسؤولاً عن أموره. والذين كانوا يكتبون إليَّ، والذين مازالوا يكرمونني بثقتهم فيكتبون إليَّ، قد اطمأنوا إلى جانبي، وصاروا يفتحون لي قلوبهم، ويُسِرُّون إليّ بما لا يُحبون لغيري أن يعرفه. فكيف أخون هذه الثقة وأُبادر إلى نشر رسائلهم إنصافاً للتاريخ الأدبي المزعوم؟
            ثم إنني لا أحب أن "أُتاجر" في قلوب الأصدقاء، لأن نشر الرسائل باسمي، معناه البحث عن مغنميْن أحدهما أدبي والآخر "فلوساني" ـ وهو تعبير أردت أن يكون مُضحكا! ـ وما أنا بهذا التاجر. ناهيك بأن الرسائل الأدبية كثيراً ما تؤدّي إلى نتائج عكسية. فقد أراد أخونا الشيخ محمود أبو رية بنشره رسائل الرافعي أن يرفع هذا الرجل في أعين الناس. فجاءت الأخت نعمات أحمد فؤاد ثم الشاعر العوضي الوكيل واستخرجا من هذه الرسائل ما برهنا به على أن الرافعي كان مريضاً وبغير أخلاق! فهل خدم أبو رية الرافعي أو هل أساء إليه؟ أو تراه خدم التاريخ الأدبي؟
            أيا كان الرد على هذا السؤال، فإنني شخصيا أحب أن أخرج من هذه الدائرة. ومن حقي أن أعد رسالة جاءتني من صديق ضرباً من ضروب المناجيات التي يفرح بها قلبي وحده، وهذا حسبي!
            وإن كنتُ في قرارة نفسي أرجو أن يأتي وقت ـ ولو بعد ألف سنة ـ يقوم فيه نبّاش مُنقِّب بالبحث عن رسائلي، وهي آلاف في أيدي الناس، وينشرها على الملأ، ليعرف الناس أنني حين ضاقت أمامي أبواب المُجاهرة بالرأي في الصحف وفي الكتب، قد "فضفضت" عمّا في صدري في رسائلي، وقلت ما شئت في أنظمة الطواغيت وفي سفّاحي الفكر، وأنني أبيت أن أُنافق في مواكب البهلوانات مؤثراً كرامة الكبرياء مع الصمت، على ذلة الخنوع مع الجعجعة والنجاح".
            (من رسالته المؤرخة في 28/4/1975م)

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              وديع فلسطين شاهد على عصره-3
              ...................................

              14-وافق شن طبقة!:
              «نشرت الصحف أن الزعيم المهيب صدّام حسين سيؤلف رواية أسوةً بزميله في المهابة معمر القذّافي، ووافق شن طبقة! ولا أستبعد طبعاً أن يتقاسما جوائز الأدب لأنهما أحق بها من الأدباء المتاعيس! الدنيا تجدُّ وعالمنا العربي يهزل، أمّا الشعوب فقد «ماتتْ لعمري مماتاً لم يُقَسْ بمماتِ»! كما قال حافظ إبراهيم».
              (من رسالته المؤرخة في 12/2/2000م)
              15-أتابع .. كمتفرج!:
              "ليست لي "خلطة" بالحياة الأدبية عندنا، ولذا أُتابع أخبارها من الخارج كمتفرج".
              (من رسالته المؤرخة في 25/10/1997م)
              16-قصة «روبرتا»:
              «قصة «روبرتا» تتعلق بفتاة أمريكية نقلتُ عنوانها من لوحة إعلانات جامعتنا وشرعتُ في مراسلتها بناء على رغبتها ـ وكان ذلك في أثناء الحرب العالمية الثانية ـ وكان بعض الرسائل يصل بالبحر طبعاً، لأن الجو كان مخصصاً للأغراض العسكرية وحدها ـ والبعض الآخر يفقدُ في الطريق بسبب نسف السفن بالطوربيدات النازية. وكان طبيعيا أن يتم تجنيدها في القوات الأمريكية مما جعلها تنتقل من مكان إلى مكان، وكانت رسائلها بالتالي ترد بعنوانات مختلفة. والغريب أنها عملت في قاعدة الظهران، فلما زرت الظهران كانت قد غادرتها إلى قاعدة هويلس في طرابلس الغرب. ولما ذهبتُ إلى طرابلس كانت قد نُقلت إلى مكان آحر، ثم انقطعت رسائلها نهائيا، وارتدّت إليَّ آخر رسالة بعثتُ بها إليها. ولكنها لم تبخل عليَّ بصورها الفوتوغرافية، وكانت جميلة حقا».
              (من رسالته المؤرخة في 1/10/2000م)
              17-ما جدوى الكتابة؟!:
              «ظللتُ عاميْن كامليْن أكتبُ فصولاً منتظمةً في جريدة «البيان» اليومية في دبي بتكليف من محررها ـ وهو صديق قديم لي ـ وكان يهتم بإبراز المقالات بعنوانات ضخمة، ويطرزها بالصور، وينشر صورة الكاتب مع كل مقال. وكنتُ أحسب أنني قد أصبتُ شهرةً واسعة في الإمارات. فلما جمعتني مُصادفات ببعض القادمين من الإمارات، وقام صديق بتقديمي إليهم لم يُبْدوا ما يدل على أنهم سمعوا باسمي من قبل!. وحرصتُ من ناحيتي على ألا أُشير إلى كتاباتي الأدبية في صحفهم لئلا يكون في ذلك اتهام «بالأمية!». والمعنى الذي استخلصته من ذلك هو أننا نؤذِّن في مالطة، وأننا نكتب لقوم لا يقرأون أو أن كتاباتنا لا تستحق عناء القراءة».
              (من رسالته المؤرخة في 28/11/1986م)
              18-أنا المرحوم فلان!:
              «في أثناء غيابي في دمشق ، نشرت جريدة «الأهرام» نعياً لشخص يتطابق اسمه مع اسمي، مما جعل كثيرين يتوهّمون بأنني صرتُ في الراحلين، وبعد عودتي بيومين دق الهاتف، وقال المتحدث: هل هذا منزل المرحوم فلان؟، فقلتُ له: بل أنا هو المرحوم! وأطلق صيحة فرح قائلاً إنه سأل جميع من يعرف من الأدباء، فأكّدوا له أن النعي خاص بي، ووعَدَ بأن يصحح لهم معلوماتهم.
              (من رسالته المؤرخة في 10/12/1995م)
              19-شارع وديع فلسطين:
              «اعترضتُ على اقتراح صحفي تونسي بإطلاق اسمي على أحد شوارع تونس حتى لا يُبتذل كما ابتذل اسم العقاد في الشارع الذي يحمل اسمه، فقال لي [الدكتور محمد رجب] البيومي: وما الذي يضيرك لو حدث هذا؟ انظر إلى الشارع الذي يحمل اسم مؤسس مصر الحديثة (شارع محمد علي، وهو شارع العوالم)، أو الشارع الذي يحمل اسم أول مؤسس لمدرسة طبية في مصر (شارع كلوت بك ـ وكان شارع البغاء قبل إلغائه!). وعلى كل حال، لا أرغب أن أكون من «أولاد الشوارع»!!.
              (من رسالته المؤرخة في 18/10/1998م)
              20-هكذا استولى «المهابيط» على حياتنا الأدبية!:
              "عندي حكايات كثيرة تؤكِّد لي أن أمثالنا مطرودون من الحياة الأدبية نهائيا، بعدما سيطر عليها من أسميهم بـ"المهابيط" ـ أي الذين هبطوا عليها من حالق دون أن تكون لهم بالأدب أو بالفكر أو بالكتابة صلة سابقة ـ و"المهابيط" تعبير طريف سكَّه صديقنا الأديب المهجري نظير زيتون للدلالة على الهابطين بمظلات "الباراشوت!"، وأُعفيك من سرد هذه الحكايات المُضحكة المُبكية".
              (من رسالته المؤرخة في17/1/1998م)
              20-سبحان مقسم الحظوظ!:
              «تلقيتُ من أمريكا نسخة من ترجمة جديدة لكتاب «النبي» لجبران خليل جبران، أعدّها فلسطيني مهاجر اسمه نويل عبد الأحد، ولستُ أعرفه، ولكنني أعرف شقيقه يوسف عبد الأحد المقيم في دمشق، والذي يحتفظ بأرشيف ضخم في بيته للأدباء المُعاصرين. وكتاب «النبي» ترجم للعربية عدة مرات، وهو يمثل فلسفة جبران. وكنتُ من سنوات اطلعتُ على تقارير أعدتها منظمة اليونسكو الدولية عن ترجمة كتب المؤلفين العرب، فاحتل جبران رأس القائمة دون مُنازع، وترجم هذا الكتاب إلى جميع لفات العالم، وبيعت منه ملايين النسخ. وسبحان مقسم الحظوظ، فقد مات جبران فقيراً مسلولاً».
              (من رسالته المؤرخة في 7/2/1999م)
              21-رسائلي والأصنام!:
              «استأذنتني الأخت العزيزة سلمى الحفار الكزبري في نشر رسائلي إليها في كتاب يضم ما تلقّته من رسائل الأدباء ورجال السياسة في نصف قرن، وسينشره رياض الريس في لندن. ولم أُمانع في ذلك طبْعاً، وإن كنتُ نبَّهتُها إلى أن في رسائلي نقداً لاذعاً للأوضاع السائدة في عالمنا العربي الكسيح بسبب زعاماته الباطشة مثل الشيشكلي وعبد الناصر والقذافي وصدام والبشير وما ملكت أيمانكم! وما أصدق الشاعر عمر أبو ريشة القائل:
              أمتي كمْ صَـنَمٍ مجَّدتِهِ لم يكنْ يحملُ طهْرَ الصَّنَـمِ
              (من رسالته المؤرخة في 20/11/1998م)
              22-وضع أدبي هو المأساة!:
              «من فترة قرية زارني طالب يعد أطروحة ماجستير عن الشاعر حسن كامل الصيرفي (1908-1984م)، وشكا لي من أنه بحث في مكتبات الجامعة وفي دار الكتب الوطنية عن شعره المنشور في دواوين، فلم يُصب أي توفيق، فقلتُ له: إذا كانت دواوين الصيرفي الذي عاش بيننا إلى وقت قريب ونشرها في مصر غائبة عن المكتبات، فماذا نقول عن دواوين لشعراء رحلوا من سنوات سحيقة وطبعوا آثارهم خارج مصر؟ إن هذا الوضع الأدبي هو والمأساة سواء، إذ كيف تستقيم دراسة جامعية أو أدبية ومراجعها غير متوافرة في أيدي الباحثين؟ ولهذا أعذر الناشرين اللبنانيين «الشطار» الذين يستحيون الكتب النافدة بإعادة طباعتها دون استئذان أحد: وبهذا يوفرونها للباحثين الذين لا تهمهم أن تكون الطبعة أصلية أو مزوّرة، وكل ما يعنيهم هو أن يكون الكتاب بين أيديهم».
              (من رسالته المؤرخة في 12/2/2002م)
              23-مؤتمرات القمة والحضيض:
              «يُقام حاليا في شهر يوليو القائظ مؤتمر للمثقفين العرب، دُعِي إليه عشرات من المدعوّين من البلاد العربية وأوربا وأمريكا. وستُلقى في المؤتمر عشرات ـ بل مئات ـ من الكلمات التي لا تلبث أن تتبخَّر في الهواء، دون أن تترك أثراً. فلا الحكومات تهتم بكلام المثقفين، ولا الصحف تهتم بنقل ما يدور في هذه المؤتمرات. وهل أسفرت مؤتمرات القمة والحضيض عن أي نتيجة تنتشل العرب من الهوة السحيقة التي سقطوا فيها؟ ... ».
              (من رسالته المؤرخة في 2/7/2003م)
              24-صافي ناز كاظم وسيد قطب:
              «عندما علمت صافي ناز كاظم أن لديَّ عدداً من رسائل سيد قطب كان يبعث بها إليَّ من أمريكا عندما كان يدرس هناك، طلبت مني أن أوافيها بصورة منها. فقلتُ لها: إن هذه الرسائل لا قيمة لها من الناحية الأدبية، فأصرّت مع ذلك على الحصول عليها، وقمتُ فعلاً بتصويرها وإرسالها إليها، ثم أخبرتني بأنها جعلت منها موضوع مقال لمجلة «الهلال»، والمفروض أن يظهر الشهر المقبل».
              (من رسالته المؤرخة في 13/11/2001م):

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                دور المرأة في حياتي
                ----------------

                الأديب الكبير وديع فلسطين: هذا هو دور المرأة في حياتي

                أجرى الحوار: علي محمد الغريب
                ............................

                وديع فلسطين (1923م) أديب كبير يقدره الأدباء العرب حق قدره، وإن لم تلفت إليه الأجهزة الثقافية فتعطيه بعض حقه، كما تفعل مع أشباه الكتاب والأدباء!
                ووديع فلسطين ـ كما يصفه صديقه الدكتور حلمي القاعود ـ من جيل عركته الحياة، واحترم القيم الرفيعة، بل اعتنقها حتى صارت جزءاً من سلوكه وفكره.
                حول المرأة:الأم، والأخت والزوجة والابنة، وأخيراً الأدب النسائي كان هذا اللقاء مع الأديب الكبير:
                المرأة رفيقة الدرب
                *بعد هذه الرحلة الطويلة مع الحياة والناس والأدب.. بماذا تحتفظ في ذاكرتك للمرأة؟
                المرأة هي الأم والأخت والزوجة والابنة، وكذلك المدرِّسة والزميلة والأم الروحية والطالبة. ومن توفيق الله أنه لم يضنّ عليَّ بهذه النعمة الكبرى، حيث كانت المرأة رفيقة الدرب في جميع مراحل العمر.
                فالأم هي التي تعهدتني بالتربية والتقويم منذ السابعة من عمري عندما توفى والدي، فاضطلعت منذ ذلك الوقت بالدور المشترك للأب والأم، فضيَّقت على نفسها واحتملت مشاق الحياة وساعدتني بالتضحيات الجسام على تحقيق طموحي في الحياة، وعاملتني كشقيق عندما استويت على قدمي، وكانت تحرص كل يوم على قراءة مقالات الصدر التي كنت أكتبها في جريدة "المقطم" على الرغم من عدم اهتمامها بمجريات الحوادث وأخبار السياسة، وشجعتني على السفر للخارج على الرغم من أنَّها ـ بحكم صعيديتها ـ كانت تخشى عليَّ من الغوايات التي يتعرَّض لها الشباب عندما ينطلقون في عالم منفلت من القيود والتقاليد التي تزداد تزمتاً في الصعيد الجوَّاني. ومع أنَّ زوجها توفى وهي ما زالت في شرخ الشباب؛ فقد عاشت في زهد الترمّل لكي تربي أبناءها وبناتها، ولم تخلع السواد إلى أن وافاها الأجل، وفاءً منها لزوجها الذي أخلصت لذكراه راضية بحظوظها من الدنيا حتى ولو عانت شظف العيش.
                أمَّا الأخت، فقد أنعم الله عليَّ لا بأخت واحدة، بل بأخوات، كنَّ لي جميعاً أبرَّ الأخوات، ولا أذكر أبداً أنه شجر بيني وبين إحداهن أيّ سوء فهم أو خلاف، وما زلت أنعم بمودات الشقيقات وصحبتهن، فأرى فيهن جزءاً من روحي موزعة بينهن.
                وأما الزوجة، فقد احتملت بصبر وتسليم ما تعرضت له من انكشاريات الحياة في رحلة العمر؛ لأنني اخترت لنفسي مهنة الصحافة، وهي لم تعد مهنة البحث عن المتاعب، بل صارت مهنة تثير حولها الشكوك والريب من أجهزة الأمن والاستخبار ومن العسكر والثوار. فعندما خطبت زوجتي كنت "خالي شغل" بعد ما أغلقت الجريدة التي كنت أعمل بها، وتعرَّضت بعد ذلك للبطالة غير مرة، سواء بإغلاق المؤسسات التي عملت فيها بعد ما سُدَّت في وجهي جميع أسباب العمل في الصحافة، أو بعد ما طردني نظام القذافي من ليبيا في أربع وعشرين ساعة دون تعليل، أو عندما فصلني نظام الخميني من عملي في سفارة إيران بالقاهرة، وهو العمل الذي لم أهتد إلى سواه في ظل تأميم الصحافة المصرية وغزوها بجحافل العسكريين الذين قيل لهم كونوا صحفيين فكانوا، بل قيل لواحد منهم كن نقيباً للصحفيين فكانه! ولا غرو أنَّ أمنى بهذه الانكشاريات؛ فقد كان أول عهدي بها عندما اعتقلني نظام عبد الناصر في عام 1952 بعد ثلاثة أشهر من قيام ثورته دون أي تعليل.
                وأمَّا الابنة؛ فهي من أعظم النعم التي أفاء الله بها عليَّ، وهي ما زالت ـ برغم التزاماتها في العمل وفي الأسرة ـ ترعى شيخوختي وتواليني بعنايتها، وكانت لي الملاك الرؤوم الذي رافقني في رحلة المرض وغشيان المستشفيات، وما زال هاتفها اليومي يملأ بالسكينة نفسي ويمنحني الطمأنينة؛ لأنَّ عينها ساهرة على أبيها.
                وأمَّا المدرِّسة، فقد صادفتها في المرحلة الثانوية عندما كنت أدرس في مدرسة إنكليزية، وكانت إدارة المدرسة تستعين بمدرسات قادمات من إنكلترا لمساعدة الطلاب على إتقان اللغة الأجنبية الأولى. وقد عاصرت اثنتين من هؤلاء المدرسات اللائي كن في حقيقتهن مربيات فضليات، يعاملن طلابهن في الفصل بصرامة النظام مع نسمة من الحنان الدافق. وآية ذلك أنَّ هاتين المدرستين كانا تدعواننا بعد انتهاء اليوم الدراسي لتناول الشاي والكعك من صنع اليدين في المنزل المخصص لكل منهما أعلى المدرسة. فإذا أصبحنا ضيوفاً على المدرِّسة، عاملتنا وكأننا أصفياء معزَّزون تقوم على خدمتهم المدرِّسة بكل رقة وحنان، فتؤكد لنا أنَّ التعليم إن لم يقترن بتربية ورعاية، فهو يعدُّ رسالة منقوصة. وبعد نحو نصف قرن من مغادرتي للمدرسة الثانوية، جاءت واحدة من المدرستين لزيارة القاهرة، وكم أسعدني أن تتصل بي وأن تزورني في بيتي وأن تقول لي أنَّ أبناءها الطلبة لم يغادروا ذاكرتها على مدى عمرها الطويل، وظلَّت بعد ذلك تراسلني إلى أن لقيت وجه ربها.
                وأما الزميلة، فقد عرفتها في المرحلة الجامعية، حيث كان النظام في الجامعة الأمريكية يلغي الفوارق بين الجنسين إعلاء لقيم الزمالة التي كنا نستمتع بها في الفصل وفي قاعة الطعام وفي الملاعب الرياضية، وفي الأندية الجامعية المختلفة، وفي أنشطة التمثيل والمسابقات والحفلات والرحلات، ولا بأس أن أذكر أنَّ من زميلاتي النابهات عزيزة حسين، ذات النشاط المرموق في الأمم المتحدة، كما أنها قامت بدور زوجة السفير المصري في واشنطن. كما أذكر الأديبة الفرنسية الذائعة الصيت "أندريه شديد" التي فازت بعدة جوائز عالمية عن أعمالها الروائية والشعرية.
                وأما الأم الروحية، فقد سعدنا بأمومتها الباذلة عندما كانت تستضيف الطلاب في بيتها أعلى الجامعة في فترتين صباحية ومسائية، فيتناولون عندها الشاي والكعك من صنع يديها، ويجلسون حول مائدتها المستديرة الصغيرة يسمعون منها توجيهاتها بعد ما تكون قد وقفت على مشكلات كل طالب، وهذه الأم الروحية هي زوجة المستشرق الدكتور "تشارلس أدامز" مؤلف كتاب "الإسلام والتجديد" الذي ترجمه إلى العربية عباس محمود ـ ويخطئ كثيرون فينسبون هذه الترجمة إلى عباس محمود العقاد، وبقينا نتردد على هذه الأم الروحية حتى بعد تخرجنا؛ لاهتمامها بمتابعة أخبارنا وعقد الصلات بين جيلنا والأجيال الشابة التي جاءت بعدنا.
                *عرفنا أنك قمت بتدريس الصحافة بالجامعة الأمريكية لمدة طويلة.. فكيف كانت علاقاتك بطلابك وطالباتك؟
                تهيأ لي أن أتواصل مع الطلاب عندما عملت بتدريس علوم الصحافة في الجامعة الأمريكية على مدى عشر سنوات. وفي حين كنت أطبق الأنظمة الجامعية من حيث المستويات الأكاديمية المطلوبة، إلا أنني كنت أقدِّر أنَّ هناك صعوبات يواجهها الطلاب والطالبات، فكان مذهبي أن أساعد الضعيف حتى يقوى، وأعين من يواجه قصوراً على التغلب على قصوره. وكان هذا ينطبق على الطالبات والطلاب دون تفرقة، متوخياً في الحالين أن أكون مجرَّد أستاذ لا يتجاوز مهامه الأستاذية إلى إنشاء علاقات شخصية تنعكس على التحصيل الدراسي. صحيح أنني كنت أصغى بتعاطف إلى أي طالبة تقصدني في شأن من شؤونها الخاصة.
                ولكنني كنت في جميع الحالات أؤكد للطالبة أنَّ ما أبديه من رأي هو مجرَّد رأي استشاري، لها أن تأخذ به أو تطرحه، فالمشكلة مشكلتها الخاصة، وهي أدرى بجميع أبعادها، وما أنا إلا متفرج على هذه المشكلة من بعيد. فإن عادت إليَّ الطالبة، أدركت أنَّ مشكلتها لم تجد حلاً، أما إن لم تعد، فأستنتج من ذلك أنَّ المناقشة معها قد ساعدتها على أن تلتمس لمشكلتها حلاً بنفسها.
                المرأة في الحياة العملية
                حدثنا عن مزاملتك للمرأة.. كيف كانت وما الفرق بين مزاملة الرجل للمرأة الأمس واليوم؟
                بعد المرحلة الجامعية التي تزاملت فيها مع المرأة زمالة موحية عملت في إدارة جريدة "الأهرام" وكانت إذ ذاك مستعمرة للرجال، فلم تكن فيها أنثى واحدة، لا في أقسام الإدارة ولا في أقسام التحرير. وحتى الدكتورة بنت الشاطئ التي كانت تنشر مقالاتها في الجريدة، لم يكن لها مكتب في الدار، وإنما كانت تبعث بمقالاتها بالبريد من بيتها في دمياط. وعندما فوجئت ذات يوم بزميلة جامعية تزورني في مكتبي في "الأهرام" شخصت جميع الأبصار نحوي وصرت أشهر شخص في الإدارة؛ لأنَّ الزيارات النسوية كانت بالغة الندرة، وعندما أزور جريدة "الأهرام" اليوم وأرى المئات من السيدات يعملن فيها في كل أقسامها، بل يسافرن للعمل في مكاتبها في الخارج، أزداد ثقة بأنَّ عهود "مستعمرة الرجال" قد ولَّت إلى غير رجعة.. فالمرأة قد حطَّمت جميع الحواجز، وقفزت فوق الموانع وتحدَّت الأصوات الداعية إلى البقاء في البيت، وخرجت تزاحم الرجال في جميع مرافق الحياة.. وبفضل هذا الاختلاط، أصبح من المألوف أن نقرأ عن صحفي شاب تزوج من زميلة له في العمل، أو عن موظف في بنك تزوج من زميلة لـه في نفس البنك، أن عن طبيب تزوج من طبيبة كانت زميلته في الكلية أو المستشفى، وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدل على أنَّ علاقة الزمالة ـ سواء في الجامعة أو في العمل ـ هي عامل حاسم في ائتلاف القلوب وبناء الأسرة؛ لأنها علاقة تقوم على التفاهم المشترك الذي يجري بصورة طبيعية ودون تكلف، ممَّا يبشِّر بتحقيق السعادة الكاملة بينهما.
                ولا بأس أن أذكر واقعة تتعلق بالمرأة العاملة، ساهمت في رفع الضيم عنها، فقد اعترضت سبيلي وأنا أسير بجوار البنك المركزي شابة لا أعرفها، واستوقفتني قائلة إنها تعرف بأنني صحفي لأنها تراني كل يوم في الترام أحمل أكداساً من الصحف أستغرق في قراءتها. وقالت إنها تعمل موظفة في هذا البنك مع زميلات أخريات لها، ولكن إدارة البنك طالبتهن عند التعاقد للعمل فيه على التوقيع على إقرار بعدم الزواج، وإن خالفته جرى فصلها. وقالت إنَّ هذا ظلم بيِّن لها ولزميلاتها، فهل كتب عليهن أن يعشن عوانس لمجرَّد قبولهن العمل في البنك المركزي؟ ولماذا تنفرد موظفات البنك المركزي بهذا الإجراء الشاذ في حين أنَّ جميع المرافق في البلاد تسمح للعاملة بالزواج؟ فوعدتها بأن أتبنى قضيتها العادلة.
                ولأنني لم أكن أملك منبراً صحفياً في ذلك الوقت بعد إغلاق جريدتي؛ فقد قررت أن أكون مستعيناً بغيري، فلجأت إلى الصحفي محمد التابعي الذي كان يحرر في مجلة "آخر ساعة" باباً لرسائل القراء، ينشرها ثم يعلق عليها تعليقاً بصيراً. فانتحلت صفة هذه الموظفة ووجهت رسالة إلى التابعي شرحت فيها شكواها من الحكم عليها وعلى زميلاتها بالعنوسة وحرمانهن من حق الزواج. وقلت للتابعي إنني لا أستطيع أن أكشف عن شخصيتي لئلا أعاقب بالفصل، ولهذا حجبت اسمي. فنشر التابعي هذه الرسالة، وعلق عليها تعليقاً حاسماً، داعياً البنك إلى إلغاء هذا النظام الظالم. ولم يكد محافظ البنك يطلع على هذا الموضوع، حتى أمر بإلغاء هذا النظام فوراً والسماح لجميع العاملات بالزواج، وتبيَّن وقتها أنَّ عدداً من العاملات كن متزوجات سراً.
                المرأة كحافزٍ على النجاح
                *هل ثمة دور للمرأة في حفزك على الكتابة؟
                لست أنكر أنني في محاولة للتغلب على بساطة نشأتي بالمقارنة بزميلاتي الجامعيات القادمات من أسر ميسورة الحال، أدركت أنَّ الاجتهاد في التحصيل هو سبيلي إلى تأكيد ذاتي أمام هؤلاء الزميلات، فلئن تفوقن عليَّ بمظاهر الثراء فقد نجحت في التفوق عليهن باجتهادي العلمي ـ حتى صار اسمي يحتل قائمة الشرف التي كان عميد الكلية يصدرها بعد انتهاء كل فصل جامعي. فقد كانت المرأة، سواء أدركت ذلك أو لم تدركه ـ حافزاً لي على التفوق، وهو حافز ظلَّ يلازمني في رحلة الحياة على الرغم من المثبطات الكثيرة التي اعترضت سبيلي.
                صحيح أنَّ الكاتب يغتبط إذا عرف أنَّ له قراء يعجبون بكتاباته، إلا أنَّ فرحه يتعاظم إذا عرف أنَّ هناك معجبات يتابعن آثاره القلمية، ولا يكتمن مشاعر التقدير، سواء عبرن عن ذلك في كلام منشور أو في رسائل شخصية، أو في مكالمات هاتفية.
                وإذا كان الشعراء يزعمون أنَّ للشعر شياطين يلهمونهم معانيهم، فكل الشعراء يستمدون الإلهام الحقيقي من المرأة، وأجمل الشعر هو الذي يُستوحى من الملهمات.
                (يتبع)

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  بقية حوار علي الغريب مع وديع فلسطين
                  -----------------------

                  المرأة الناجحة
                  من هي المرأة الناجحة في نظر وديع فلسطين؟
                  المرأة الناجحة هي التي تستطيع إقامة توازن سليم بين مطالب أنوثتها، بأن يكون لها بيت وزوج وأولاد، وبين مطالب حياتها العملية إن اختارت أن تخرج للعمل، ولا يصح في اعتقادي التضحية بأي من هذه المطالب لتعظيم المطالب الأخرى، فإذا عملت المرأة، وجب ألا يكون ذلك على حساب بيتها وأسرتها وأولادها، لئلا تصبح ناجحة في العمل، فاشلة في البيت!
                  وإن اختارت المرأة أن تتبنى قضايا المجتمع، كأن تعمل في النشاط السياسي أو الاجتماعي؛ فإنَّ المرأة الناجحة في هذين المجالين هي التي تستطيع إثبات نفسها لا باكتساب شهرة تلمِّع بها شخصيتها، بل بالتفاني في أداء الدور الذي نذرت نفسها له، وبما يتحقق على يديها من نتائج ملموسة تستشعرها الجماعة. فليس مهما أن تطاردها الأضواء، ولا سيما إن كانت طاغية الأنوثة، ولكن المهم أن تترك أثراً باقياً مذكوراً لها في سجل الشرف.
                  الأدب النسائي
                  مار رأيك فيما يسمى بالأدب النسائي؟
                  لست ممن يرتضون تصنيف الأدب إلى أدب قديم وأدب حديث، أو إلى أدب رجالي وأدب نسائي، فالأدب الجيّد هو الذي لا يختفي كما تختفي "الموضات" في الثياب، وإنما يبقى فلا تبلى جدته على ترادف الأيام. فما زلنا نتذوق شعر المتنبي وكأنه معاصر لنا، وما برحنا نستشهد بشعر شوقي وكأنه باق بيننا.
                  وما ينطبق على تصنيف الأدب إلى قديم وجديد؛ ينطبق على تصنيفه بأنه أدب رجالي ونسائي، فالمهم عند القارئ ـ والناقد أيضاً ـ أن يجد في ما يطالعه متعة روحية وإشباعاً فنياً، فالذي يطالع آثار الدكتورة بنت الشاطئ مثلاً، لا يقع على فروق ذات بال بين ما تكتبه وما يكتبه الرجال، بل لقد اتهمت ظلماً بأنَّ وراء آثارها زوجها الشيخ أمين الخولي. وهذا يصدق أيضاً على آثار الدكتورة سهير القلماوي، وكثيرات غيرها، فإطلاق تعبير "الأدب النسائي" على ما كتبه المرأة لا يخلو من كثير من الخلل؛ لأنَّ التعميم لا يصلح في قضايا الأدب.
                  ولكن إذا انتقلنا إلى ميدان الشعر والرواية، وهما ميدانان تتجلَّى فيهما شخصية الشاعر أو الروائي، فقد يختلف الأمر نوعاً ما؛ لأنَّ المرأة الشاعرة أو الروائية معرَّضة لأن تسكب من مشاعر أنوثتها ما لا يستطاع نسبته إلا إليها، فهي أعرف بنوازعها وأكثر إحساساً بمشاعرها من الرجل، فتجيء آثارها بناء على ذلك مفعمة بروح الأنوثة التي ليس منها فكاك، حتى وإن أدارت الخطاب على لسان رجل. فإذا تناولت شاعرة أو روائية موضوعات مثل الأمومة أو الحمل أو الولادة أو ما تتعرَّض له المرأة من قهر أو إكراه، فالأرجح أن يجيء تصويرها لهذه المواقف تصويراً نسائياً مجرَّداً قد لا يستطيع الرجل مجاراتها فيه. أمَّا في قضايا الحب والهجر والخصام والأشواق وما إليها، فقد ينجح الشاعر أو الروائي في تصوير هذه المواقف تصويراً حياً ربما عزَّ على المرأة مجاراته فيها. وآية ذلك، أنَّ الشاعر نزار قباني والروائي إحسان عبد القدوس قد استطاعا أن يتغلغلا في دخائل المرأة، وأن يصوِّرا مشاعرها في الإقبال والصد والإدبار، ربما تفوقا فيه على المرأة نفسها!
                  *ما رأيك في هذه الموجة الطاغية من كاتبات يكتبن للجسد وعن الجسد؟
                  لعلَّ الاتجاه الطاغي حالياً في كتابات النساء إلى إبراز قضايا "الجسد" بأساليب كاشفة ودون التستر وراء عبارات رمزية، هو من المحاولات النسائية لإظهار قدرة المرأة على التعبير "البيولوجي" عن رغائبها ونزواتها، وكذلك شطحاتها، والأديبة الراحلة أليفة رفعت قد انطلقت في هذا الميدان حتى كتبت أقاصيص عن السحاق وعن اتخاذ الحبيبة بديلاً عن الزوج في أداء وظائفه، وعن فضول المراهقات والمراهقين لاكتشاف وظائف الأعضاء لدى كل منهما، وغير ذلك من الموضوعات التي لم ينازعها فيها أحدٌ من الرجال.
                  وصفوة القول إنَّ تعبير الأدب النسائي قد ينطبق أكبر انطباق على أديبات الجسد، ولكن المؤكد أنه لا ينطبق على جميع الباحثات الجادات، وما أكثرهن.
                  قضايا المرأة
                  *ما المطلوب من المرأة لتنهض بمسؤولياتها تجاه نفسها ومجتمعها؟
                  ما زالت قضايا المرأة في مجتمعنا العربي تحتاج إلى مزيد من الجهد للتغلب على كلّ ما يقعد المرأة عن النهوض بتبعاتها على خير وجه، سواء في البيت أو في المجتمع، فالمرأة ما زالت تعاني من الأمية بنسبة تزيد في بعض البلدان العربية على 60 في المائة، وما زالت حقوق المرأة مهدرة فتعامل في بعض المجتمعات وكأنها قاصر لا يعتد برأيها حتى في اختيار زوجها. وما زالت تشكو من اهتضام حقوقها فلا تستطيع استنجازها إلا باللجوء إلى القضاء للحصول على نفقتها الشرعية ونفقة أولادها، أو للاعتراض على بيت الطاعة الذي لا يليق بإنسانيتها، أو للحصول على الطلاق إذا استحالت العشرة، أو للحصول على حقوقها المقررة في الميراث وانتزاعها من أيدي من يجورون عليها، أو في الاعتراض على المتاجرة بأنوثتها بتزويجها إلى عابري سبيل من بلدان أخرى لا يلبثون أن يهجروها هي وأطفالها دون أن تستطيع إثبات بنوة أطفالها أو تأمين مستقبلهم. وإن تزوجت المرأة من مواطن من بلدٍ آخر، عاملتها القوانين السارية بظلم مفحش، وحالت بين أبنائها وبين الالتحاق بالمدارس أو الجامعات أو العمل، باعتبارهم أجانب، اللهم إلا إن سددت الرسوم المقررة بالعملة الصعبة، بل إنَّ أولادها مهددون دائماً بالترحيل من البلاد؛ لأنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة، وهي قضية تتعلق بعشرات آلاف من الأمهات المصريات.
                  كل هذه القضايا تحتاج إلى من يتبناها دفاعاً عن حقوق المرأة كإنسانة تمثل نصف المجتمع وتربي الأجيال التي ستؤول إليها ذات يوم مقاليد البلاد. صحيح أنَّ هناك جهوداً مبذولة من جانب جمعيات للنهوض بالمرأة تهدف إلى الأخذ بيد المرأة وإخراجها من الأزمات التي تحيق بها، ولكن هذه المحاولات ترتطم في كثير من الأحيان بالقوانين السارية من ناحية، وبالتقاليد الراسخة من ناحية أخرى، وبمعارضات من جهات ما زالت تعتبر أنَّ المرأة دون الرجل في الحقوق والحريات وفرص العمل، وتنكر عليها حقها في المشاركة مع الرجل في تصريف أمور الأسرة وفي الوصول بكدّها واجتهادها إلى المستوى الذي تستاهله في أماكن العمل.
                  وما مشكلة الأطفال المشردين في الشوارع إلا نتيجة للتفسخ الأسري، الذي تروح المرأة ضحية لـه مع هؤلاء الأطفال الذين يمثلون أبرز مظاهر التفسخ. وأياً كانت المحاولات التي تبذل في سبيل النهوض بالمرأة تعليمياً وصحياً واجتماعياً وعلمياً؛ فالطريق ما زال طويلاً بسبب ما تعرَّضت له المرأة من إهمال متطاول على مدى سنوات وسنوات، وإن زيارة إلى المجتمع الجديد الذي نشأ في مقابر القاهرة، ورؤية المرأة وأبنائها يسكنون وسط الموتى؛ إنما تؤكد أنَّ الطريق ما زال طويلاً طويلاً، وإنْ اختلف طوله من بلدٍ إلى آخر، فالمرأة هي أمنا جميعاً، والنهوض بها هو نهوض بالأمة بأسرها، والمهم هو أن تواصل المتصدّرات لرعاية المرأة جهادهن مهما تغالظت العقبات في طريقهن.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    حين يأتي التكريم من خارج الحدود(1)

                    بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                    .........................

                    نشرت الصحف منذ أيام أن مجمع اللغة العربية في دمشق انتخب الأديب وديع فلسطين عضوا مراسلا للمجمع، تقديراً لمكانته العلمية والأدبية .
                    وقد أحسست بمزيج من المشاعر عند قراءة الخبر، وسعدت لأن أديباً كبيراً حقا كرمته هيئة علمية كبيرة في دولة شقيقة، وأسفت لأن هيئة علمية كبيرة أو صغيرة في مصر لم تلتفت إلى الرجل، أو تذكره بخير أو شر!.
                    ويبدو أن قدر بعض الأدباء أن يعيشوا حياتهم: يعملون في صمت ومثابرة وجد، ويخدمون الوطن بعيداً عن مهرجانات الإعلام والدعاية، ثم يذهبون في صمت أيضا دون أن ينالوا في حياتهم كلمة تقدير، أو لفتة تكريم، وأحسب أن الصحافة الأدبية في بلادنا مسؤولة عن ذلك إلى حد كبير، فبعض الصفحات الأدبية لا تهتم إلا بمن يجري وراء محرريها، وبعضها لا يعنيه ما يحدث على الساحة الأدبية ويترك المسألة للظروف، وفي هذا الوضع تختل الموازين، وتُهدر القُوى، ونرى كبارا يؤولون إلى الظل، وصغاراً يلمعون تحت الأضواء.
                    ولو أننا سألنا بعض القائمين على الصفحات الأدبية: ماذا تعرفون عن وديع فلسطين ؟ لما أجاب بشيء، والأمر ينطبق تماما حين نسألهم مثلاً عن محمد رجب البيومي، أو جميلة العلايلي، أو حسين مجيب المصري، أو نجيب العقيقي، أو محمد عبد الله عنان، أو أنور الجندي، أو محمد عبد الحليم عبد الله، أو أمين يوسف غراب، أو علي أحمد باكثير، أو محمد غنيمي هلال، أو محمد عوض محمد، أو أحمد زكي .. أو .. أو ..
                    والقضية تحتاج في رأيي إلى تدعيم روح السماحة في الحياة الأدبية، وهو معنى أقرب إلى الديمقراطية، بحيث تتاح الفرصة لكل التيارات أن تظهر أمام الناس، وتبذل جهدها ونشاطها بصورة متكافئة في القنوات الإعلامية المختلفة. ولا أعتقد أن الدولة وحدها تستطيع أن تحل هذه المشكلة، والذي يستطيع أن يُسهم بدور فعال هم الأدباء أنفسهم الذين يملكون القنوات الإعلامية في الصحافة والإذاعة والتليفزيون، وعليهم أن يخففوا قليلا من منطق المصالح المتبادلة حتى يستطيع شعبنا أن يتعرف على أدبائه وعلمائه، ويحكم عليهم، ويُقارن بينهم، وحكمه دائماً هو الصحيح.
                    أعتقد أن هناك سؤالا يقول: من هو وديع فلسطين الذي تحدثنا عنه، وأقول إنه أديب مصري، وُلِد في عام 1923 بمركز "أخميم" محافظة سوهاج، وتخرج في الجامعة الأمريكية عام 1942 كتب عنه مؤلف "من الأدب المقارن" أنه يشتهر بدماثة الخلق، وموضوعية البحث، ودقة الترجمة المتنوعة في المجالات الثقافية والقانونية والاقتصادية والسياسية، وفي كتاباته دافع عن العروبة واشترك في تحرير عدد من الصحف السيارة من بينها: المقطم، والأهرام، وأخبار اليوم، والإنذار، والمجلة المصرية، والصباح، وصوت الشعب، ومنبر الشرق.
                    وقد كتب وديع فلسطين في عدد من المجلات المتخصصة، مثل: المقتطف، والأديب، والعلوم، والرسالة، وقافلة الزيت، والاقتصاد والمحاسبة، والعرفان ، والضاد ... كما راسل معهد الشؤون العربية الأمريكية في نيويورك، وكان هذا المعهد يهدف إلى تعريف الأمريكيين بالقضايا العربية، واختير أيضا عضو شرف في معهد آسيا بواشنطن.
                    وعندما تذكر رابطة الأدباء، فإنه يُذكر من مؤسسيها الشاعر إبراهيم ناجي ووديع فلسطين.
                    وللأستاذ وديع عدد من المؤلفات، أشهرها مسرحية "الأب" لسترندبرج، و"قضايا الفكر في الأدب المعاصر" ،و"استقاء الأنباء فن: صناعة الخبر"، و"فلسطين في ضوء الحق والعدل"، ونشر مجموعة شعرية لأحمد زكي أبو شادي.
                    إن التكريم حين يأتي من خارج الحدود ينبغي أن ينبهنا إلى ضرورة البحث عن أعلامنا ومن ينتظر أن يكونوا أعلاماً في المجالات الجادة والمثمرة، وينبغي أل ننتظرهم في مكاتبنا يبحثون عنا لنكتب عنهم أو نشير إليهم. وتقدير الأعلام لا ينقص من كرامة المُقدِّر، بل يرفعها إلى عليين، لأنه أنصف من يستحق الإنصاف، وأكرِمْ بخلة الإنصاف من خلة في عالم السلوك والأخلاق والآداب ".
                    .......................................
                    (1) نشرت هذه المقالة في جريدة "الجمهورية" (القاهرة) _ 6/4/1986. وأعيد نشرها في مجلة "الضاد"(حلب)، عدد أيار 1986 ، ص ص26-28.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      نجيب محفوظ في مرآة وديع فلسطين

                      بقلم: أ. د. حسين علي محمد

                      كان الناقد وديع فلسطين ـ كما قدّمنا ـ من أوائل من كتبوا عن نجيب محفوظ، وإن كان نجيب محفوظ لا يتذكّر ذلك الآن بعد أن فاز بجائزة نوبل!!
                      يشير إلى ذلك في رسالته لي (المؤرخة في 22/4/2001م)، فيقول:
                      «نشر نبيل فرج مقالاً زعم فيه نقلاً عن النوبلي [نجيب محفوظ] أن [أنور] المعداوي هو أول من كتب عن نجيب محفوظ في بداية حياته. وهذه فرية حسمها علي شلش بكتابه الموسوم «نجيب محفوظ: الصوت والصدى» حيث استقصى جميع الصحف والمجلات في فترة بداية نجيب محفوظ، وخرج بقائمة من 14 اسماً تتضمّن أول من اهتم بنجيب محفوظ، كما أثبت نصوص المقالات مع تواريخ نشرها، وقد تبيّن من القائمة أنني الثاني من المعرفين بالنوبلي في حين أن المعدّاوي هو الحاديَ عشر!! وقد اضطررتُ إلى كتابة تعليق على مقال نبيل فرج وتركته في جريدة «وطني» التي لم تنشرها في عدد أمس، ولعلها تنشره يوم الأحد المقبل، ولم أحاول في هذه الكلمة تأكيد دوري بالتعريف بالمحفوظ، حيث كتبتُ عنه خمسة مقالات، وقع شلش على أربعة منها، وفاته المقال الخامس المندرج في «الرسالة»، كما لم أذكر أنني قلتُ في خاتمة واحد من المقالات «إن هذه الرواية لو قدر لها أن تُترجم إلى اللغات الأجنبية لوقفت في مصاف الروايات العالمية»، وهذه نبوءة مبكرة بفوز النوبلي بالجائزة المرموقة!» ( )
                      ويعقب:
                      «وعسى أن يكف النوبلي بعد هذا عن ترديد هذه الفرية المعداوية!».
                      ويأسى وديع فلسطين لهذا التجاهل فيقول (في رسالته المؤرخة في 16/1/2003م):
                      «نشر صديق كلمة في باب «بريد الأهرام»، أكّد فيها أنني كنتُ أول من تنبّأ لنجيب محفوظ بالعالمية، وذلك في الأربعينيّات من القرن الماضي، وتوقّعتُ بعد نشر هذه الكلمة أن يُطاردني الصحفيون للوقوف على حقيقة الأمر، ولكن هذا لم يحدث. ثم قرأتُ مقالاً لزيد من الناس قال فيه إن سيد قطب هو الذي كان أول المبشرين بنجيب محفوظ، ولأنني زاهد في «الحرفشة» فسأواصل الصمت تجاه هذه القضية».
                      ويقول وديع فلسطين (في رسالته المؤرخة في 30/11/1988م)، بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل:
                      "نجيب محفوظ أعرفه، وكتبت عنه وعن أدبه قبل أن يولد معظم مكرِّميه، ومنهم السيد وزير الثقافة الفنان المبدع! ومع ذلك لم يدعني أحد إلى الاحتفال الرسمي بتكريمه، في حين دُعيت جميع الممثلات والفنانات ومن إليهن. وقد فكّرت في كتابة كلمة عن بدايات نجيب محفوظ التي كنت شاهداً عليها بنفسي ويجهلها كل مجتمعنا الأدبي الحالي، ولكنني نهيت نفسي عن ذلك، أولا لكثرة مشاغلي التي يرتبط بها رزقي، وثانيا لئلا يتوهم متوهم بأنني أريد أن أجد لنفسي مكانا أو دوراً في تاريخ نجيب محفوظ الأدبي ولا سيما بعدما فاز بالنوبلية الدولية عن جدارة واستحقاق".
                      "وعهدي بآثار نجيب محفوظ ـ التي كان يُهديني إياها قبل أربعين سنة بوصفي "أديباً كبيراً" ـ يقف عند "القاهرة الجديدة"، ولم أقرأ له شيئاً بعد ذلك لأنني اعتبرت الروايات مادة للتسلية لا للثقافة، فانصرفت عنها بكل أسمائها ومسمياتها".
                      "ولو سئلت اليوم عن رأيي في أدب نجيب محفوظ لآثرت السكينة لبُعد عهدي بقراءة آثاره القديمة مثل "رادوبيس"، و"زقاق المدق"، و"خان الخليلي". ويدهشني أن كل ما كُتِب عنه أخيراً أغفل دور "لجنة النشر للجامعيين" في إبراز نجيب محفوظ، وهي اللجنة التي أنشأها عبد الحميد جودة السحار في الحرب العالمية الثانية وضمت علي أحمد باكثير وعادل كامل ونجيب محفوظ، وانتسب إليها شبان ذلك العصر مثل محمد عبد الحليم عبد الله وأمين يوسف غراب وأحمد زكي مخلوف وسيد قطب وإخوته وأنا".
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 13/1/1989م):
                      "نجيب محفوظ أعرفه منذ بداياته الأولى، وقد زاملته في لجنة النشر للجامعيين، وكنت من أوائل الذين كتبوا عنه وعرّفوا بأدبه. وعندي رواياته الأولى في طبعاتها الأولى مهداة إلى مَنْ كان يسمّيه "بالأديب الكبير" أو "الموهوب". وكنت أزوره ولو مرة في الشهر في مكتبه بوزارة الأوقاف لأقدِّم إليه العدد الجديد من "الأديب". ولم يعرف نجيب محفوظ أديب السويد الكبير أوجست سترندبرج، الذي أشار إليه غير مرة في أحاديثه، إلا من خلال ترجمتي المُبكِّرة لمسرحية "الأب" التي أهديتُها لنجيب عند صدورها عام 1945م، وعلى كثرة الأحاديث التي أفضى بهـا نجيب محفوظ في كل عمره، لم يُشِر إليّ بحرف، وليس في نيَّتي اليوم أن أُذكِّر الناس بما نسيه صاحبه، ولا سيما وصلتي بالأدب تدخل في دائرة المحاق".
                      وكان قد قال لي (في رسالته المؤرخة في 25/5/1976م):
                      "نجيب محفوظ أعرفه من عام 1944 أو 1945م وكنا في ذلك الزمان الخالي ـ زمان الطهارة الأدبية ـ نجتمع كثيراً في مكتبه في وزارة الأوقاف أو في نـدوته في كازينو أوبرا أو في مكتبة مصر (السحار إخوان) في الفجّالة. ولكن لما استشرى داء المخبرين السريين والمُتجوسسين على ندوات الأدب، وصار الناس يشكُّون حتى في أقرب المقربين إليهم أقلعنا عن هذه اللقاءات الدورية في الأماكن العامة، وصرنا نلتقي بمواعيد مضروبة أو وفقاً لتساهيل المصادفات السعيدة، وآخر هذه المصادفات من نحو أسبوعين.
                      وأعترف بأنني وقفت في مطالعاتي لنجيب محفوظ عند مرحلة "زقاق المدق" و"القاهرة الجديدة"، أما ما تلا ذلك من روايات "كالثلاثية" و"أولاد حارتنا" و"الكرنك" ... إلخ فلم أُطالعه، واعتقادي ـ من واقع مطالعاتي الأولى لنجيب ـ أنه فنان عظيم، وأنه يستحق كل تكريم يناله، ولاسيما وأن له شخصية أصلب عوداً من توفيق الحكيم الزئبقي الرجراج. فنجيب محفوظ لم ينغمس في التأييد الأعمى للإجراميات والإنكشاريات والإرهابيات التي عشناها ربع قرن كما فعل "فاقد الوعي" توفيق الحكيم ، ومن ثم لم يعوزه الأمر إلى "صك غفران" يقدمه إلى الجمهور ليصفح عن خطيئته كما فعل توفيق الحكيم في "عودته إلى الوعي".
                      "صحيح أن التكريم الذي ناله نجيب محفوظ هو حصة الأسد، وأن بعض أقرانه أو السابقين عليه يستحقون تكريماً مماثلا كإبراهيم المصري، ومحمود البدوي، والمرحوم عبد الحليم عبد الله، والمرحوم أمين يوسف غراب، وعلي أحمد باكثير. ولكن الحياة غير ذات مقاييس سليمة. ومن مقتضاها الإسراف هنا والتقتير هناك".
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 14/8/1982م) عن عدم متابعته الجديد من الإنتاج الروائي:
                      «مازال وقتي يضيق بقراءة الأدب الروائي، وإن كنتُ حريصاً على قراءة ما يكتبه الأصدقاء كمحمود البدوي وأمين ريّان ويوسف جوهر ـ إن أهداني كتبه لأني لا أقرأ الأقاصيص أو المسلسلات المنشورة في الصحف والمجلات، كما أقرأ ما يكتبه صديقي الدكتور عبد السلام العجيلي، وأعتقد أنه من أعظم الروائيين العرب. أما نجيب محفوظ فقد كف منذ جاءته الشهرة عن إهدائي كتبه، فكففتُ منْ ناحيتي عن قراءتها».
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 9/12/1994م):
                      "لا أدري هل تناولت الصحف السعودية قضية "أولاد حارتنا" أوْ لا؟؛ فقد نشرت عندنا في الفترة الأخيرة عشرات من المقالات التي تدافع عن هذه الرواية باعتبارها إبداعاً فنيا أدبيا وليس موضوعاً دينيا، ولكن هذه الموضوعات لم تُقنع ذوي الاختصاص بالإفراج عن الرواية على الرغم من أن جريدة "الأهالي" نشرتها مؤخراً، فضلا عن أن الطبعة البيروتية تُهرَّب إلى مصر، وتُباع بخمسة وثلاثين جنيهاً للنسخة الواحدة. وقد قام الشيخ (محمد) الغزالي ـ وهو صاحب التقرير الأصلي الذي حكم على هذه الرواية بالإعدام ـ بزيارة مؤلفها، وحاول حواريو المؤلف تفسير هذه الزيارة بأنها "توبة" من جانب الشيخ، ولكن الوضع لم يتغيَّر. والقضية على كل حال قضية خاسرة مهما ترافع فيها بُلغاء المحامين ـ ولستُ منهم ـ ...".
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 15/9/1991م):
                      "لم أُتابع "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، وتوقفت قراءاتي للأدب الروائي ـ بما في ذلك أدب صديقنا نجيب محفوظ ـ عند "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"رادوبيس" و"القاهرة الجديدة"، وقد كتبت عنها جميعاً في الفترة 1944، 1945، 1946، 1947م وهو ما ذكره علي شلش في كتابه عن محفوظ، ولكن الذي عرض الكتاب في عدد هذا الشهر من "الهلال" تعمّد إسقاط اسمي!".
                      ويقول في الرسالة نفسها ـ بعد الفقرة السابقة ـ متحدثاً عن انتقاد الشيخ محمد الغزالي لرواية «أولاد حارتنا»:
                      «إذا كان الشيخ الغزالي يُهاجم نجيب محفوظ بسبب هذه الرواية، فلِم لا يُهاجم صهره إحسان عبد القدوس على مذهبه الروائي الذي وصفه العقاد بقوله إنه «أدب فراش»!.. ».
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في31/1/1996م):
                      "حتى هذه اللحظة لم أقرأ كتاب محمد جبريل عن "آباء الستينيات"، وفي اعتقادي أنه كان يستفيد كثيراً من شهادات الذين عاصروا قيام لجنة النشر للجامعيين والباقين على قيد الحياة حتى اليوم مثل عادل كامل ونجيب محفوظ وأنا، ولكنه لم يفعل. وعلى كل حال لا أريد من ناحيتي أن "أتمسّح" في هذه اللجنة أو في محفوظها، وأوثر أن أبقى مثل "النبت الشيطاني" الذي يخرج إلى الدنيا من تلقاء نفسه ولا يعتمد إلا على نفسه، ولا ينتسب إلا إلى نفسه".
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 10/12/1995م) عن "أصداء السيرة الذاتية"، وهي آخر ما كتب نجيب محفوظ:
                      "لم أقرأ "أصداء السيرة الذاتية"، ورأيي الصريح فيها أنها مزيج من الحكمة والهلوسات، وإن كان نصيب الهلوسات أكبر. ولعل نجيب محفوظ ندم على كتابة هذا السُّخف، بدليل رفضه نشرها في كتاب".
                      ويقول مرة أخرى عن "أصداء السيرة الذاتية" (في رسالته المؤرخة قي4/1/1997م):
                      "قرأت ما نشرته "الأهرام" من فقرات "أصداء السيرة الذاتية"، ثم قرأت نصها الكامل في جريدة "أخبار الأدب"، ولعلي صارحتك برأيي فيها من قبل، وهو أن الأصداء مزيج من الحكمة والهلوسة، وجرعة الهلوسة فيها أكبر. ولولا جائزة نوبل التي رفعت نجيب محفوظ إلى مرتبة آلهة الحكمة (كذا) لما اهتم أحد بهذه الأصداء غير المترابطة".
                      وفي الرسالة نفسها يُشير إلى عدم وفاء نجيب محفوظ تجاه رفقاء رحلته ودربه، يقول:
                      "وستلاحظ في حديثي عن باكثير أنني عاتبت نجيب محفوظ لأنه يهتم اليوم بحرافيش جدد ولا يقول كلمة إنصاف في زملاء أول الطريق: السحار، وعادل كامل ، وباكثير. وقد حذف المحرر فقرة قاسية العبارة، ومع ذلك فإن استشهادي ببيت الشعر الوارد في الحديث كافٍ في حدِّ ذاته لقول ما كنت أريد قوله".
                      وبعد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب صدر كتاب "نجيب محفوظ" لرجاء النقاش، وهو يضم مقابلات مسجلة مع نجيب محفوظ، أثارت لغطاً شديداً في الحياة الثقافية المصرية، لدرجة أن مجلة "الأهرام العربي" خصصت أحد أعدادها (في يوليو 1998م) لمناقشة الآراء الواردة في الكتاب. وقد أشار الأستاذ وديع فلسطين إلى هذا الكتاب في أكثر من رسالة.
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 6/10/1998م): "الخطب التي أُلقِيتْ في عيد 6 أكتوبر تعمّدت الرد بصورة غير مباشرة على نجيب محفوظ الذي وصف حرب الاستنزاف بأنها كلام فارغ و"شلفط" عبد الناصر وكل تاريخه الإجرامي. ومازال المشاغبون يحملون على نجيب محفوظ بسبب ما اعتبروه "تخريفات" الشيخوخة الرذيلة، وحاول عبد العظيم أنيس استدراج نجيب محفوظ للاعتراف بأنه في عربدات شبابه كان "يُعاقر" اليهوديات في حي العباسية كما كان هو يفعل! أليس هذه "كلينتونيات"!!؟"( ).
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 18/10/1998م): "توقّفت نسبيا الحملات التي شُنَّت على نجيب محفوظ بسبب آرائه السياسية الواردة في مذكراته، وهو نفسه قد تراجع عن بعض هذه الآراء زاعماً بأنه لم يقرأ أصول الكتاب قبل نشره، مع أنه أملاه بصوته على المسجل، ومن ناحية أخرى تضمّنت الخطب الرسمية التي أُلقيت في أعياد 23 يوليو و6 أكتوبر ردا غير مباشر عليه، وكان ابن شقيقة نجيب محفوظ قد رفع دعوى عليه وعلى ناشر الكتاب مطالباً بمصادرته، لأنه تضمّن كلاماً يُسيء إلى أسرته".
                      ويقول (في رسالته المؤرخة في 13/11/2001م):
                      «يحتفل نجيب محفوظ بعيد ميلاده التسعين في شهر ديسمبر المقبل، وبهذه المناسبة تُفكر مجلة «نصف الدنيا» أن في تخصيص ملف له، يشتمل على مقالات النقاد التي كُتِبت عن النوبلي في بداية حياته، وقد رجتني المحررة أن أصور لها من مجلة «الرسالة» وغيرها المقالات الأولى التي كتبت عن نجيب محفوظ سواء بقلمي أو يقلم سيد قطب، فأنجزت لها المهمة بفضل مجموعاتي من المجلات. ومن ناحية أخرى أصدرت مجلة «أدب ونقد» عدداً خاصا عن نجيب محفوظ في الشهر الحالي تضمن مقالات لرجاء النقاش وأحمد عباس صالح ... وغيرهما».
                      و(في رسالته المؤرخة في 30/8/1976م) يُشير إلى عادل كامل أحد أصدقاء نجيب محفوظ:
                      «عادل كامل كان يُبشِّر بمجد للرواية يُحاكي أمجاد نجيب محفوظ، ولكنه ـ كما أخبرني عند تركه للأدب ـ انصرف إلى المحاماة التي تُطعم خبزاً بينما الأدب لا يُطعم الخبز إلا بعد رحلة مُعاناة طويلة. وهو وإن كان انصرف عن التأليف، فقد استعان به نجيب محفوظ غير مرة في كتابة «سيناريوهات» لرواياته وروايات سواه، ومازال يقوم بهذا العمل إلى جانب المحاماة، وإلى جانب مصنع النسيج الذي يملكه».

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        مقالة مجهولة لشاعر أبوللو أحمد زكي أبو شادي عن وديع فلسطين
                        ---------------------------------------------

                        شهد القرن الحاضر نهضة أدبية عظيمة في مصر قوامها الثقافة الغربية، وعلى الأخص الأمريكية منها، وقد تناولت جميع مرافق الأمة. ولست في هذا المقام متناولا إلا الجانب الأدبي وحده ،كما أني سأكتفي بشخصية واحدة من الشخصيات القبطية اللامعة. لقد اشتهر الأقباط بالتفوق في التجارة والحساب، وكان العرب يركنون إليهم إثر الفتح الإسلامي لضبط حساب الدواوين كما ذكر المؤرخون. ولكن اهتمامهم بالأدب لم يظهر إلا في العهد الأخير، إذ بديهي أنهم كانوا ينفرون في بداية الفتح الإسلامي من الفاتحين ولغتهم، إلى أن أسلم العديدون منهم فتألفت منهم ومن الفاتحين مصر المسلمة.
                        وفي مستهل هذا القرن ظهر العلامة القبطي وهبي بك الذي تعلم العربية، وتبحَّرَ فيها حقبة بالأزهر الشريف فكان المنارة الأولى للأدباء الأقباط في مصر، وكان الرائد لإصلاح التعليم في مدارس الأقباط. ثم ظهر أدباء وكتاب وشعراء وصحفيون ومحامون وأطباء وعلماء ضليعون واجبٌ علينا أن نعنى بكل منهم لـو أنا في مقام التأريخ ، ومن ذا الذي ينسى كتاب جريدتي «الوطن»، و«مصر» و«الصحـافي العجوز»:توفيق حبيب، ووهيب دوس، وتوفيق دوس، ومكرم عبيد، ومرقص سميكة مثلا بين الشخصيات القبطية الأدبية ؟
                        وقد كان لسعد زغلول أثر حميد بجهاده القومي الخالص في إظهار الأدباء الأقباط تحت راية الهلال والصليب التي غفل المصريون عن الاحتفاظ بها لقوميتهم الجديدة في ظل الاستقلال فصدفوا عنها مأمورين إلى علم لا يوحي مثل معناها الجليل.
                        والآن يتميز الأقباط بالاقتدار في نواح أدبية متعددة، وبينهم فئة متفوقة من الرائدين الذين يشار إليهم بالبنان، لا لألمعيتهم فحسب بل لنزاهتهم المطلقة أيضا. ونحن في الشرق أشد ما نكون احتياجاً إلى ذوي الخلق المتين الذين يمكن أن ينهضوا بالجموع، لا إلى المنشئين المتفننين بالصناعة فحسب، فربما كان ضرر هـؤلاء أكثر من نفعهم. ومن الإجرام في حق الشبيبة أن يُنوه بهؤلاء المنشئين المذبذبين الذين أساءوا ويسيئون وطنيا وخلقيا للأمة ويغفل أبناؤها البررة المجيدون، وبين الأخيرين صفوة من الأعلام الأقباط الأحرار.
                        وفي طليعة هؤلاء في التفكير الحر وفي الإصلاح الاجتماعي سلامة موسى، وفي الخطابة الوطنية والقانونية مكرم عبيد، وفي النقـد الأدبي والنفساني والشعر رمزي مفتاح، وفي فقه اللغة العـربية وعلومها حبيب عوض الفيومي، وفي فن الصحافة والإنشاء الأدبي وديع فلسطين، وفي الإخراج الصحفي المبدع صادق سلامة.
                        وسأقصر كلمتي الأولى على وديع فلسطين، أستاذ فن صياغة الأنباء بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ولعله أصغر أسـاتذتها سنًّا، وإن كان من أنضجهم رجولةً وخُلُقاً ومعرفة.. فهذا المصري القح الذي أنجبته مدينة أخميم بصعيد مصر، وتهافتت عليه صحف ومجلات عربية شتى، في طليعتها "الأهرام بزنس" إلا أن قسم الأنباء الخارجية بجريدة "المقطم" (اجتذبه)، ويتحفها يوميا بتعليقاته المشهورة عن "السياسة الدولية"، وبمقاله المعنون "عجلة الحوادث"، وهما يستوعبان منها صفحة كاملة يوميا. وهذان المقالان كان يحررهما خليل تابت بك حتى تخلى منذ عامين عن التحرير في "المقطم"، وقد فاز الأستاذ وديع في العام الماضي بجائزة فاروق الأول للصحافة الشرقية لأحسن مقالات نُشرت في عام 1949 في الصحف الشرقية عن السياسة الخارجية، ولا عجب فقد نُشرت ترجمات كثيرة لمقالاته في صحف عالمية، كما تنقل وكالات الأنباء خلاصات منها، وكذلك يترجمها مكتب الأمم للاستعلامات في مصـر ودُورُ السلك الدبلوماسي الأجنبي، وقد فاز مرتين بجوائز أدبية من "محطة الشرق الأدنى" للإذاعة العربية.
                        ومعظم ما يكتبه الأستاذ وديع يدور حول ما يلي: إما ترجمة لفصول باللغة الإنكليزية (وأحياناً بالفرنسية)، وإما تحليل لشخصيات عرفها، وإما نقد لكتب ممتازة، وإما تعليقات سياسية حصيفة، وإما بحوث قيمة على هامش علم النفس، وإما أقاصيص راقية أصيلة.
                        ومن أمثلة حسن اختياره في الاقتباس الأدبي مقال "الجيل المجرم"، وهو ذلك المقال الذي دبجته يراعة الأستاذ سلوم مكرزل، فقد اهتم به الأستاذ وديع فلسطين اهتماما خاصا، وأعاد نشره في جريدة "المقطم" ممهدا له بكلمة وجيهة من قلمه حتى يتنبَّه الرأي العام إلى مغزاه.
                        وأهم ما يعنيني من كتاباته مقالاته الوطنية الصريحة العظيمة التي تظهر بجريدة "الإنذار" بالمنيا ـ كُبرى الصحف في صعيد مصر ـ ومقالاته الأدبية الشائقة التي تظهر في مجلتي "المقتطف" بالقاهرة، و"الأديب" في بيروت، ففيها تتجلّى روائع قلمه الرشيق، وفكره الحر، ونفسه السمحة، وروحه الأبية، ونفسيته العالية.
                        ولأديبنا النابغة من المترجمات والمؤلفات :
                        (1)مسرحية "الأب"، للكاتب السويدي سترندبرج.
                        (2)مسرحية "دعوى قذف"، مسرحية مترجمة عن الكاتب الإنجليزي وول.
                        (3)كتابه المسمى "قطوف من الشرق والغرب"، وهو مجموعة أقاصيص ممتازة ما بين مترجم ومـؤلف.
                        (4)كتابه المسمى "فصول"، وهو مجموعة بحوث قيمة نشرها في مجلتي "المقتطف" و"الأديب" في السنين السبع الماضية في السياسة والأدب والاجتماع والاقتصاد والفلسفة.
                        (5)كتاب "الصحافة الحديثة" وهو يتحدث عن الصحافة في كل ناحية من نواحيها مستنداً إلى مراجع عامة معظمها أمريكي وإنجليزي.
                        (6) كتاب "سوانح"، وفيه نحو ثلثمائة مقال توجيهي مطبوع بطابع التحرر، وقد نُشرت قبلا بجريدة "الإنذار" المصـرية. وربما كانت هناك مؤلفات أخرى لهذا الأديب الموهوب لا علم لي بهـا، ولا أعرف إن كان يقرض الشعر، ولكنه على بصر عظيم به.
                        وصفوة القول إن هذا الأديب القبطي الإنساني النابه من مفاخر الجيل الحاضر في مصر، وهو جوهرة شريفة متألقة في تاج الأدب العربي الحديث ".
                        نيويورك في 10 أيلول 1950م
                        .............................
                        * نُشرت في جريدة "الهُدى" (نيويورك)، السنة (53)، العدد (144)، في 18/9/1950. في سلسلة أحاديث كـان يزمع أبو شادي كتابتها عن "الأدباء الأقباط" (وقد كتب منها ثلاث حلقات فحسب عن وديع فلسطين، ومكرم عبيد باشا، وسلامة موسى ... ثم عاجله الموت). وهذه هي الحلقة الأولى، ونشرت في الجريدة تحت عنوان " الأدباء الأقباط: 1- وديع فلسطين"، وأعاد نشرَها د. حسين علي محمد في كتابه: «سفير الأدباء: وديع فلسطين».

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          حديث مستطرد عن عباس محمود العقاد

                          بقلم: وديــع فلسطين
                          .................

                          في شهر يونيو الفائت عدت إلى بيت عصامي الأدب والفكر، وجبار الحياة الأدبية، عباس محمود العقاد لأحتفل مع خلصائه بعيد ميلاده الخامس والثمانين. ولم يكن صاحب العيد حاضراً بجسمه، بل كان حاضراً بروحه التي لا ينساها عارف، وبصوته الذي سمعناه مسجلاً على الشريط، وبصوره المنتشرة في المكان، وبتمثاله الشامخ المنتصب في القاعة، وبكتبه الذخائر المتراصة على الأرفف، وبإخوانه وحوارييه الذين عرفتهم ندوة العقاد يوم الجمعة وبقوا على شهودها مُثابرين، ولعميدها مُبجلين مكرِّمين.
                          وتحدّث علي أدهم وهو من أعاظم مفكرينا المعاصرين الذين أخلصوا لرسالة الفكر وآمنوا بقيمة العقل إيمان فطرة، وخدموا الضاد خدمات صامتة نصف قرن، ولم يكن حظه بعد هذه الرحلة الطويلة إلا حفاء القدمين، يُجرِّبه كلما أراد أن يطبع كتاباً أو ينشر فصلاً سكب فيه عصارة العقل ..
                          تحدث علي أدهم عن صديقه العقاد، فقال إنه كان آصل خلقاً من زميليه المازني وشكري، وكان يكتب ما يشاء من آراء مندفعة الجرأة بإمضاء صريح، فلا يستأجر ولا يؤجر ولا يُحرض غيره على خصومة، بينما كان شكري يتعامل مع صحافة "الصاعقة" وما إليها، حيث كان الإقذاع تجارة مكتوبة الرواج.
                          وتحدث عامر العقاد ابن شقيق العباس العظيم، وأبو العباس الطفل، فقال إنه حمل البريد اليومي ذات صباح إلى عمه، ففحصه بنظرة سريعة، ثم استوقفت نظره رسالة ميَّز خطها، فأمسكها بيُمناه وقد اربدَّ وجهُهُ، وقال لعامر: لا بد أن صديقنا شكري قد أُصيب بفالج. ولما فض الرسالة كان، كان كاتبها هو عبد الرحمن شكري فعلا، وكان يعتذر للعقاد عن رداءة خطه، لأنه يعد الفالج الذي نزل به لم يستطع أن يكتبها إلا بيسراه. وظل العقاد طوال يومه حزيناً منقبض النفس لا شهية له إلى طعام أو شراب، ونسي تلك الخصومة القديمة بينه وبين شكري من أيام كتاب "الديوان"، ولما مات شكري رثاه العقاد أوْقع رثاء.
                          وتحدّث أحمد هاشم الشريف، وبينه وبين العقاد مؤاكلة ومُساكنة ومخالطة لأنه من ذوي قرباه، فروى للحاضرين قصة ندوة العقاد، وكيف أنها بدأت في حدائق الحيوان، واتخذت مجالسها الأولى بالقرب من جبلاية القردة، حيث كان أصفياء العقاد يناقشونه في شؤون الأدب وشؤون الحياة، ثم أخذت تلك الندوة الأسبوعية تتسع بكثرة المنضمين إليها من عشاق الأدب، ولكل منهم صديق يعرفه العقاد هو مزكيه عنده. فلما صار المترددون من الطفيليين أكثر من رواد الندوة الأصليين، ولما لاحظ العقاد أن بين أولئك المترددين قوماً لا هم من فصيلة القرود ولاهم من زمرة الأدباء، قرَر الانتقال بالمنتدى إلى داره حفاظاً على خصوصيات المناقشات من الابتذال وسوء التأويل.
                          وأشجانا الحساني حسن عبد الله بقصيدة من موزونه المقفّى، أسمعها للعقاد في حياته، ثم أطربنا بترديدها في ذكرى مولد صاحبها.
                          وحدثنا الدكتور كامل السوافيري عن نادرة طريفة، فقد كان يزور "دار المعارف" حيث يُطبع للعقاد كتاب، وتنطّع واحد من المصححين فحذف من تجارب كتاب العقاد لفظة "لذاذات" بدعوى أنه لم يسمع بها من قبل، ولمّا نبّهه رئيسه إلى أن العقاد دارٍ للغته، وأنه قاموس للأدب موثق، وأن تبديل لفظة من ألفاظه من شأنه أن يُفقِد المصحح وظيفته في الدار، آثر المصحح السلامة، واستبقى "اللذاذات" وفي صدره آهات!
                          وألقى الشاعر المجيد حسين خريس قصيدة عن دار العقاد قوبلت بالإعجاب في كثير من مقاطعها، وقال في مطلعها:
                          هاهنا كانتْ لهُ الدَّارُ القرارْ .:. فأتيْنــاها حجيجاً للمـزارْ
                          سمْتُهُ مازالَ فــينا والرُّؤى .:. لمْ تَزَلْ خضْراءَ، واللوْن نُضارْ
                          منْ هنا كانتْ لهُ في وَكْـرِهِ .:. خطواتُ المجْدِ منْ غيْرِ عِثـارْ
                          ظلَّ يحْبـــوهُ فما مَلَّ ولا .:. كلَّ عَـزْمٌ، لا، ولمْ يَفْتُرْ أُوارْ
                          وألقيْتُ كلمةَ عما علّمناه العقادُ، قلتُ فيها:
                          العقاد معلمة حية باقية، يرجع إليها الباحثون والمنقِّبون فيجدون فيها غايتهم، فأدبه علم، وعلمُهُ أدب، وفلسفته منطق، ومنطقه فلسفة، وفقهه أصول، وأصولُهُ فقه، وفنه ذوق، وذوقُه فن، ودينه عقل، وعقله دين، ومبادؤه عقيدة، وعقيدته مبادئ، وأحكامه عدل واجتهاد، وقسطاسه يسهر عليه ضميره.
                          وهو قبل ذلك وبعده إنسان عظيم يكاد، لولا الضعف البشري، يكون "سوبرمان" قليل المثال في تاريخ الفكر العربي، ورجلٌ هذه أطراف معالم شخصيته، لا يتكرر ولا يجود الزمان بمثله في كل ألف جيل.
                          ولقد علّمنا العقّاد العصامية الآمرة، والعقيدة الثابتة، والكبرياء الشامخة، واستقلال الرأي، ولو انفرد به دون الدنيا جميعاً.
                          علّمنا أن نطلب العلم من أوسع أبوابه، وفي أرحب دياراته، وأن نقف الحياة جميعاً على نشدان العلم والحقيقة فهما القيمة الواحدة الباقية بين القيم جميعا.
                          علّمنا أن نقول الرأي أو لا نقوله بشجاعة القلب وشهامة العقل. علّمنا أن الأدب كرامة وحرية ورسالة، فتجاهل كلّ من تحرّش بكرامته، أو آذاه في حريته، أو جافى رسالته من أدعياء الأدب وطفيلييه المتسلقين. وقد قال لي مرة: عيال الأدب لا تعامل لي معهم، وكان يقصد العيال "القوسقزحيين" الذين تجرّأوا على مهاجمته بدعوى أنه كاتب رجعي!
                          علّمنا العقاد أن نثبت في الميدان بكبرياء العقل، وإيمان القلب، وصلابة العقيدة. ومن يقرأ "خلاصة اليومية" ـ أول آثار العقاد ـ ويقرأ آخر يومية حررها قبل وفاته، ير العقاد سائراً في خط واحد ليس عنه يحيد. وهذا هو الثبات الفكري الذي يزداد مع الأيام غنى، وتترسّخ له في الحياة آيات باقيات.
                          مع العباقرة عاش، فلتكبر أمة العرب عبقريا فذا بين أعاظم عباقرها في كل تاريخها، ما كان منه وما سيكون".
                          وكان من الحاضرين في ميلاد ذكرى العقاد العوضي الوكيل تلميذ العقاد الوفي، وصاحب الكتاب الممتع الفذ "قضية السفود بين العقاد وخصومه"، ولكن العوضي لم يتكلّم في المناسبة بلسانه ـ بسبب وطأة الداء عليه ـ ولكنه شارك بكل جوارحه في هذه الجلسة المُضمّخة بعطر الوفاء.
                          وتخلّف عن الجلسة طاهر الجبلاوي ـ شفاه الله وعافاه هو والعوضي ـ، وغاب عنها محمد خليفة التونسي المغترب في الكويت، وهو من أعز أصحاب العقاد، وتخلّف عنها الصديقان الراحلان عبد الرحمن صدقي الشاعر الباحث الفنان الرهيف الذوق، والدكتور عبد الحي دياب أشد الناس تعصُّباُ للعقاد وحفظاً لكل كلمة من كلماته.
                          وأعترف بأنني لست عقاديا حين يُراد بهذا الوصف تكريم العقاد وحده دون غيره من المعاصرين والمتقدّمين عليه، ولكني أعرف للعقاد منزلته، وأعرف منازل سواه من وجوه الحياة الأدبية، فلا أجحد فضلاً ظاهر النسبة إلى صاحبه.
                          وقد أحببتُ العقاد بعد نفور طبيعي منه، سببه أن الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه من أقوال الصحف وأحاديث القوم أن العقاد "كاتب جبّار"، وأنا كاره لكل جبار، وأنه عقّاد في أسلوبه، وأنا ممن يضيقون بالتعقيد ويحبون الوضوح والبيان. ولهذا لم أُحاول في مطالع حياتي الأدبية أن أسعى إلى العقاد، لئلا يُصيبني منه بطش جبروتي، أو تنالني من أسلوبه المُعَقَّد عدوى. ناهيك بأنني كنت أرى قُصّاد العقاد يتحزبون له، أو يتشيّعون لخصومه، وليس من شيمتي التحزب أو التشيع، لأنني كنت ومازلت مستقل الكيان والتفكير.
                          وعندما كنت أُحرر جريدة "المقطم" دفع إليّ رئيس التحرير خليل تابت باشا بكتاب جديد من كتب "المطالعات" أصدره العقاد ـ وكان زميله في مجلس الشيوخ ـ ورجاني أن أقرأ الكتاب ثم أُعرِّف به في باب المكتبة. وانتهزت الفرصة لأتحرّش بالعقاد بأسلوب الذم الذي يُراد به المدح، أو المدح الذي يُراد به الذم، كيفما كان تأويل عباراته، فكتبت كلمة قلت فيها إن في آداب الفرنجة تعبيراً اصطلاحيا يُطلق على النهمين في القراءة فيوصفون بأنهم "دودة كتب"، أي أنهم يلتهمون الكتب ويقرضونها كما تقرضها ديدان العث، وقلت إن هذا الوصف شديد الانطباق على العقاد، فهو دودة قرّاضة، وقد استطاعت هذه الدودة العقادية من قرءاتها أن تُخرج لنا كتاب "المطالعات" هذا!.
                          وظهر المقال في الجريدة، وتوقّعت أن يضيق العقاد بكلامي فيشكوني إلى زميله في مجلس الشيوخ خليل تابت باشا، وهذا بدوره ينهرني على وصفي العقّاد "بالدودة"، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فأيقنت أن العقاد تقبّل كلامي في غير غضب، ولم يقرأ من بين سطوره خبثاً أو حقداً، وكان أكثر ما يُثيره الخبث والحقد.
                          ولكنني لما رأيت رجليَّ الأدبيتين تحملاني إلى جميع أعلام الأدب في عصري، سعيْت في حذر إلى ندوة العقاد الأسبوعية، وكان مقصدي الأول أن أُحدِّد معالم هذه الشخصية التي أتعامل معها في الكتب والصحف، وتطالعني في المذياع وقاعات المحاضرات، دون أن تتهيّأ لي مشافهة مباشرة معها. وتوجّهت إلى ندوة العقاد في صحبة أخي الحميم العلامة الراحل الشيخ محمود أبي رية، "لأتفرّج" على العقاد. فماذا رأيت؟
                          رأيت الكاتب "الجبّار" يُناقش حتى طلاب المعاهد بصدر رحب وأبوّة حانية محتملاً جهلهم وضعف أعوادهم. فإذا همّ واحد منهم بالانصراف، ودّعه العقاد بنفسه على باب داره في بشاشة صادقة، ورأيت هذا الأديب "الباطش" شديد التهذيب في أسلوبه وعباراته، فإن استُفِزَّ في نقاش قال كلاماً موجعاً دون أن يُغادر باب الأدب والمنطق والفكر السليم. وهو يلجأ إلى السخرية في كثير من مناقشاته كما حدث مرّة في نقاش له مع العلاّمة الكبير الدكتور عمر فرّوخ على صفحات "الرسالة"، وهو عالم فاضل لا نعرف عنه ترخصاً في القيم، ولا تخليا عن الرسالة الأكاديمية المُثلى، فقد رغب العقاد في ممازحته بأسلوبه الساخر، فقال عنه: "تستطيع أن تقدم من أحرف اسمه أو تؤخِّر كما تشاء"!
                          ولكن العقاد في عموميات كتاباته يُناقش مناقشة علمية، ويحاور محاورة منطقية، إلا إذا استفزّه رجل كالشيخ أمين الخولي مثلاً، أو أديبة كالدكتورة بنت الشاطئ، فعندئذ يخرج قلمه من نطاق الهدوء إلى نطاق الغضب فيصف الشيخ أمين الخولي، الذي كان إماماً لمسجد في ألمانيا، بأنه "لم يُحسن في حياته صناعة كصناعة غسل الموتى"!.
                          وفي ندوة العقاد ولم أكن أكثر التردد عليها، لمست فيه ترفعاً لا عجرفةً وكبرياء، وتواضُعاً يُغريك بأن تحسب نفسك من أنداده، وهو الذي قل في عصره الند.
                          وقد ذكر العوضي الوكيل في كتاب "قضية السفود" أن العقاد الذي استهدف لحملات مصطفى صادق الرافعي وسفافيده، قد مرّ بها جميعاً مرور الكرام، لم يُحاول أن يرد عليها لأنه رأى في تجاهلها أبلغ رد على الرافعي، مع أن الرافعي وصف العقاد بأنه "جلف حقود مغرور سفيه أحمق، وليس ثمة من هو أكفأ منه وقاحة وجه وبذاءة لسان، وموت ضمير"! وكان في وسع العقاد أن "يبطش" بالرافعي، كما كان في وسعه أن يُقاضيه أمام دور القضاء، ولكنه راض نفسه على احتمال هذا الأذى، ومذهبه المردد:
                          عداتي وصحبي لا اختلاف عليهمو .:. سيـعهْدني كلٌّ كما كان يعْهَـدُ
                          وقد قال هذا البيت بعد خروجه من السجن، ليقول للناس: "إنني لم أتغير، وإن السجن لم يُبدِّل مبادئي، فأنا أنا العقاد الذي عرفتموه، والذي ستعرفونه"!.
                          وأقول بين عُضادتين، إنني استشهدتُ بهذا البيت كثيراً في مواقف شتى من حياتي لأنني لم أجد أبلغ منه في تصوير حالي.
                          ومما يُلقي ضوءاً على شخصية العقاد أنني سألته مرة: هل تعتقد أن الأسد الذي يولد في القفص يُدرك معاني الحياة الحرة المنطلقة في الغاب؟ فجاوبني دون تفكير: طبعاً يا أستاذ. فالأسد أسد ولو وُلد في التياترو (يقصد السيرك)، والفأر فأر ولو وُلِد في قصر بكنهام! ثم أضاف: إن الحيوان الواقع في الأسر كثيراً ما يمتنع عن الإنسال إشفاقاً على نسله من ذلة الأقفاص والأسوار!
                          (يتبع)

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            وسألت العقاد مرّة: إن من يقرأ رأيك في شوقي الشاعر منشوراً في كتاب "الديوان"، ثم مُدرجاً في العدد الخاص من مجلة "الكتاب" عن الشاعرين حافظ وشوقي ـ وهي المجلة التي كان يُحررها عادل الغضبان ـ يستقر في رأيه أنك لم تجد في شعر شوقي فضيلة واحدة. فهل أنت مازلت على رأيك فيه وهو أنه عارٍ عن الشاعرية لا يعرف التجديد ولا يُحسن اللغة ولا يتبصّر رسالة الشعر؟ لقد ندم المازني على ما كتبه في "الديوان"، وكان ذلك في فصول أذاعها، ثم نشرتها مجلة "الإذاعة المصرية" قبيل وفاته، فهل اعتراك شيء من مثل هذا الندم؟
                            فقال العقاد بصوته الجهوري: "لقد كرهت شوقي لأنه رجل بلا خلق! كنت أتصدّى له في العلن، ولكنه كان يُحاربني بما يوزعه على المجلات الصفراء من مال وبما يستأجره من الأقلام والكتاب لمهاجمتي، فهو رجل دسّاس، تعلّم التآمر والغدر من وظائفه بباب إسماعيل، وأمثال هؤلاء لا أرحمهم. وقد أصبح شوقي تاريخاً، ولكنه بالنسبة لي لم ينطو بعد. ورأيي فيه هو الذي أملى عليَّ رأيي في شعره. فمن كانت هذه أخلاقه فلا بد أن يكون رأيي في شعره سيئاً"!.
                            وقد كانت لي لقاءات خاصة مع العقاد تحدثنا فيها في كل ما كان يعرض لنا من قضايا، وأقول للتاريخ إنني لم أسمعه مرة يذم أحداً، فإن ورد الذم على لسانه، ساق الدليل المسبب على ما يقول، وهو مثلاً قد اختلف مع سيد قطب بعد صداقة طويلة، ولكنه كان شريفاً معه في خلاف الرأي، فلا ناوأه، ولا شمت فيه، بل كان يذكره بالإطراء والحمْد.
                            وقد سألته في أخريات أيامه: لماذا كففت عن الكتابة في الأمور العامة؟ فقال: إن امتناعي عن الكتابة فيه الجواب على استفسارك.
                            وكان العقاد يعرف قيمة الوقت، ويحترم الذين يحفظون المواعيد. فإن تواعد مع أحد وأخلف الميعاد ولو بدقيقة واحدة، رفض العقاد مقابلته أيا كان. وحدث مرة أن دعي أعضاء المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون إلى الاجتماع، فانتظم الأعضاء جميعاً في الموعد المحدد، ومنهم طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد وإبراهيم بيومي مدكور وغيرهم. وكانت هذه المجالس تنعقد برياسة الوزير، وهي رياسة شكلية تقليدية لا تؤثِّر في عمل المجلس. ودقّت الساعة مُعلنة السادسة والوزير لم يحضر. فقال العقاد لطه حسين: تولّ أنت الجلسة! فأجفل طه حسين من هذا الاقتراح، وقال: لننتظره ربع ساعة. فقال العقاد: "إذن أرأس أنا اللجنة. فُتِحت الجلسة"، ومضى يُصرِّف أمور المجلس دون انتظار أحد، ولما جاء الوزير، خاطبه العقاد قائلا: لدينا أعمال عاجلة لا تحتمل الانتظار، فانصرفنا إلى إنجازها. ثم أخلى مكانه للوزير!.
                            ومما آسف له أنني على صلتي الوثقى بكل من العقاد والدكتور أحمد زكي أبي شادي، لم أتنبّه إلى خصومة قديمة بينهما أشار إليها العقاد في كتاباته بعد وفاة أبي شادي، وسرد أطرافاً منها العوضي الوكيل في كتاب "قضية السفود". فقد كان العقاد على يقين ثابت بأن أبا شادي هاجمه في مجلة "أبوللو" ومجلة "الإمام" لأنه كان مأجوراً من جهات يهمها هدم العقاد. وأعتقد أن العقاد كان في هذا الظن شديد الخطأ، لأن الذي أعرفه من أخلاق أبي شادي ومن اطلاعي الكامل على ظروف حياته أنه لم يكن ذلك المأجور. فأبو شادي قد بدّد ثروة أبيه الطائلة في مشروعاته الأدبية والعلمية، كمجلة "أبوللو"، ومجلة "تربية النحل" التي مازالت تصدر في إنجلترا حاملة اسم مؤسسها أبي شادي، ومجلة "التعاون"، وفي نشر دواوين الناشئة من الشعراء، وفي طبع كتب النقد والأدب والطب، وفي الإنفاق على الجمعيات الأدبية التي كان ينشؤها ويتعهّدها بالسهر والرعاية والموالاة في نشاط عجيب، وأبرزها جماعة أبوللو التي كان أول رئيس لها الشاعر أحمد شوقي، وخلفه في الرياسة الشاعر خليل مطران. وعندما هاجر أبو شادي إلى أمريكا، كانت هجرته في حد ذاتها دليلا على أنه رجل حر يبحث عن الحرية في مكان آخر، ولو كان مأجوراً لما فكّر في هجرة كل رأس ماله فيها معاشه التقاعدي لا غير. ولئن كان له في العقاد رأي، فهو رأي عبَّر عنه بدافع من ذوقه النقدي دون أن يتلقّى توجيهاً من أحد أو ينال بسببه مكافأة ما. ففي هذه الواقعة ظلم العقاد أبا شادي ظلماً شديداً، وإن كنتُ أُبرِّئه من روح التحامل.
                            وكم كنت أتمنّى جلاء هذا الموقف للعقاد في حياته، ولكن إن فاتني ذلك والعقاد حي ـ فإن الإنصاف التاريخي يدعوني إلى جلائه للجمهرة من القارئين.
                            ويعرف صحبُ العقاد وملازموه، ولا سيما عامر العقاد أنه كانت لي على العقاد العظيم دالة، وأنه كان يزورني في مكتبي ليُقدِّم إليّ كتبه، وكنت بحكم هذه الدالة أقترح على العقاد موضوعات للكتابة، فيستجيب لي دون اعتراض. وقد اقترحت عليه عشرات من الموضوعات، يتصل أغلبها بحياته الشخصية، وعاداته، وصداقاته، ومناهجه في التأليف، وأساليبه في المطالعة، وآرائه في الشعر والنثر، ومبادئه التي يدين بها وهلم جرا، فكان من حصيلة هذه الفصول ثلاثة كتب صدر بعضها في حياته، وصدر العض الآخر بعد وفاته هي "حياة قلم"، و"أنا"، و"رجال عرفتهم"، كما اندرج بعض هذه الفصول في كتب عقادية أخرى مثل "أشتات مجتمعات".
                            وكنت أعرف في العقاد روح الإنصاف في النقد، فضلا عن غزارة علمه واتساع أبواب معارفه، ونهمه الدائم للقراءة المتصلة. فأشرت عليه أن يُنصف يقلمه الخالد مؤلفين أجلاء من أصدقائي، فلم يرد لي طلباً. فكتب مقالاً بصيراً عن "معجم الألفاظ الجراحية" لصديقي الأمير العظيم مصطفى الشهابي، كما تناول بالثناء المُفرِط مؤلفات طائفة كريمة أخرى من الأدباء الجادين، كالدكتور محمد صبري السربوني صاحب "الشوقيات المجهولة"، وأحمد حسين صاحب "الطاقة الإنسانية"، والدكتور بدوي طبانة، والشاعر العظيم محمود أبي الوفا، وهلال ناجي، والعلامة الدكتور زكي المحاسني، كما أنصف شعراء المهجر عن دراية وفهم وحسن ذوق، في حين لم يُنصفهم طه حسين ولا عزيز أباظة، وإن كان محمد مندور لم يُقصِّر في هذا الإنصاف.
                            وبعد وفاة العقاد، نهض ابن أخيه عامر بمهمة رعاية تراث العقاد، فنشر ما كان مطويا من فصوله، أو متناثراً من مقالاته، وأعاد نشر كتبه في مصر وفي بيروت، مستعيناً بالحساني حسن عبد الله في مراجعتها والسهر عليها من الأغاليط المطبعية، وجعل كتب العقاد جميعا في السوق، فليس منها نافد أو مفقود.
                            ولكن صورة العقاد في أذهان القراء ـ وهي صورة حاول تشويهها الكتاب "القزحيون" من ناحية، والكتاب الوصوليون من جهة أخرى (وقد ردّ على بعضهم العوضي الوكيل ردا مُفحِماً في كتاب "قضية السفود" ـ تحتاج إلى مزيد من جلاء بجمع ونشر مقالاته السياسية التي تُمثل آراءه الوطنية ومذاهبه الديمقراطية واتجاهاته الفكرية، فقد كان العقاد يُحارب في ميدانين: ميدان الأدب، وهذا حُفِظت لنا آثاره، وميدان السياسة وهو ما يكاد يُفقد لبعد العهد به. ولا بد لعامر العقاد من أن يتوافر على حصر هذه الفصول وجمعها ونشرها كما فعل إسماعيل مظهر حين نشر ثلاثة كتب تضمنت مقالات أخي زوجته لطفي السيد باشا، وكما فعل الشيخ علي عبد الرازق حين جمع مقالات شقيقه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا، وكما فعل محمد توفيق دياب في كتاب "اللمحات" الذي تضمّن فصولاً من كتاباته، وكما فعل فؤاد صروف في كتابه "موعد مع التاريخ".
                            والذين يُحاولون تشويه صورة العقاد العامة والخاصة لن يبلغوا مآربهم إذا كانت آثاره كلها منشورة، ومواقفه ضد كل ما هو غير إنساني أو أخلاقي حية في الأذهان.
                            ..........................
                            *وديع فلسطين: حديث مستطرد عن العقاد، الأديب، عدد فبراير 1975م، ص24-27.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              صالح جودت في مرآة وديع فلسطين
                              بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                              لم يكتب الأستاذ وديع فلسطين فصلاً مستقلا أو مقالة مستقلة ـ في حدود علمي ـ عن الشاعر صالح جودت (1912-1976م)، لكنه أشار إليه ـ ردوداً على أسئلتي ـ في أكثر من رسالة، منها ما قاله (في رسالته المؤرخة في 15/9/1991م):
                              «عرفت صالح جودت ربما في عام 1942م، وتزاملنا في جريدة «الأهرام»، إذ كان يعمل في قسم الإعلانات قبل أن ينتقل إلى «الإذاعة»، وكنتُ أعملُ في قسم التوزيع قبل أن أنتقل إلى دار المقطم والمقتطف. وكنتُ أنا وهو ومعنا ثالث من المحاسبين الثلاثة في إدارة الأهرام ممن يحملون درجة جامعية. أما الباقون فكانوا من خريجي مدرسة الخرنفش، وهي مدرسة كانت تعلم اللغة الفرنسية والحساب فتؤهل خريجيها للعمل في البنوك والشركات والمحال التجارية. واستمرت صداقتي مع صالح جودت إلى وفاته، وإن كنتُ لاحظتُ أنه ليس على شاكلتي في أمور كثيرة فاحتفظت بمسافة في علاقاتنا.
                              وهو قطعاً شاعر عظيم، ولا شيء سوى ذلك، أما كتاباته السياسية والروائية والنقدية وغيرها فهي لا تشرفه. وعندما قامت حركة الجيش اللعينة أجرت حركة تطهير في موظفي الدولة، فكانت تتصدّر قائمة «الفاسدين» أسماء إبراهيم ناجي وصالح جودت ومحمد فتحي (مدير الإذاعة)، وقد فُصلوا جميعاً من وظائفهم!
                              أما إبراهيم ناجي فلم يحتمل الصدمة ومات بعد أشهر قليلة (في مارس 1953م)، وأما صالح جودت فقد عمل خفية في دار الهلال، وكانت مازالت مملوكة لآل زيدان ونجح في تملق رجال الثورة فصفحوا عنه، وأما محمد فتحي فقد اشتغل فترة بالترجمة، ثم استطاع بفضل بعض أقربائه العودة إلى وزارة المعارف التي عيّنته مستشاراً ثقافيا في لندن. وقد عرفتُ ثلاثتهم وكان ناجي أقربهم إليَّ وأحبهم عندي».
                              ويقول (في رسالته المؤرخة في 4/4/1977م):
                              «مجلة «الهلال» تولاّها «عيال الأدب» بعد صالح جودت، فحوّلوها إلى مجلة سياسية. وكنا في عهد صالح جودت نجد مقالاً أدبيا يُقرأ أو قصيدة تُطرب، أما الآن فقد صارت تنشر فضائح فاروق وتُدافع عن عبد الناصر «صديق الأدباء!!»، وتبث السموم الشيوعية في الأذهان والعقول. وقد سمعتُ أن دار الهلال تعاقدت مع الدكتور حسين مؤنس ليرأس تحرير دار الهلال، وقد شرع فعلاً يُزاول عمله في الدار، ولكن أثره لم يظهر بعد».
                              «والغريب أن أخانا الدكتور مختار الوكيل أعدَّ كتاباً عن صديق عمره صالح جودت، وزار أمينة السعيد ليُفاتحها في نشر هذا الكتاب في سلسلة «كتاب الهلال»، ولكن السيدة أمينة اعتذرت عن نشر الكتاب، وفالت كلاماً معناه أن صالح جودت جلب الخراب على دار الهلال!».
                              ويقول عن ازدهار مجلة «الهلال» في عهد صالح جودت (في رسالته المؤرخة في 13/1/1989م):
                              «منذ تأميم الصحافة لم تزدهر "الهلال" أدبيا إلا في عهد رجاء النقاش وعهد صالح جودت. أما عهود اليساريين فكانت وبالاً عليها».

                              تعليق

                              يعمل...
                              X