وديع فلسطين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    وديع فلسطين: السهل الممتنع

    بقلم: صافي ناز كاظم



    اليوم أول أكتوبر 1997 يوافق ـ بحمد الله ـ عيد ميلاده الرابع والسبعين، ومع ذلك وعلى الرغم من مسيرته الطويلة في عالم الصحافة والأدب ـ 54 سنة تقريبا ـ ورغم كوني واحدة من الذين كانت حياتهم على مدار 42 سنة، في دائرة الصحافة، إلا إنني لم أعرفه ولم أقرأ له، بل ولم أسمع عنه، إلا منذ أربعة أعوام حين اشتـركت في جريدة "الحياة" اللندنية وبدأت أقرأه بانتظام، بل لعلي أكون أكثر دقة لو قلت إنني عندما كنت أتصفّح جريدة "الحياة" اللندنية وتلقف عيني زاويته "حديث مستطرد" أبتسم وأقول: "اليوم يستحق أن أنهض له". في البداية عندما كنـت أقرأ اسمه "وديع فلسطين"، وأجد في الهامش تعريفاً مستمرا له "كاتب مصري"، أتعجّب وأقول: من أين ظهر هذا الكاتب المصري؟ وعلى أي أرض يعيش؟
    ولا أكتم أنني في البداية كنت أقفز فوق زاويته ولا أقرأها خوفاً من أن يكون من كتاب الأحجار والإسمنت، وأقول لنفسي: "حديث مستطرد؟ إحنا ناقصين؟!" حتى جذبني عنوان مقالة عن الشاعر البائس محمود أبو الوفا" المنشور بالجريدة (الجمعة 10 فبراير 1995)، عندها تنمّرت ، وعدتُ أقول لنفسي: ماذا يمكن أن يكون مكتوباً عن شاعر أُحِبُّه، صاحب أجمل الأشعار للأطفال؟.
    بدأت أقرأ كعادتي بتوجس، متوقعة كتابة مملة بطيئة أو رثة مليئة بالشحوم والثرثرة، أو كتابة إسمنتية مليئة بالصياغات السابقة التجهيز التي تملأ الصفحات ولا تعرف من أين تقضمها من دون أن تكسر أسنانك، تشاؤمي هذا ـ الذي يُصاحبني قبل قراءة أي اسم غير مألوف لدي ـ سببه التجارب المريرة مع الكتابات التي صارت للأسف تغرق معظم أوراق الصحف والمجلات والأبحاث والكتب. ذلك التشاؤم والتثاؤب ينقشع حالا حين أجدني مسحوبة إلى داخل الأسطر من دون أي كدمات تذكر، فكيف يكون أمري حين أجدني أكتشف مراعي كتابة مذهلة الجمال والإحكام، ريانة كقلب الخَسّة، ومفيدة كغذاء ملكات النحل؟ أقول لكم إجابتي بحق: إنني أفرح فرحاً لا يساويه إلا فرحة تجسّدت أمامي مرة ـ حين كنت معتقلة سياسية بسجن القناطر ـ تجسدت في امرأة كان محكوما عليها بالإعدام، وجاءها خبر حكم محكمة الاستئناف بالبراءة. يا إلهي! كم هي حلوة الحياة!
    قرأت قطعة الأستاذ وديع فلسطين عن "أبو الوفا"، وتذكرت أغنية عبد الوهاب: "وبكيت على الأيام اللي فاتت من عمري، وقلت م الفرحة ياريتني …"، وغيّرت بقية كلمات الأغنية إلى "قريت من بدري".
    وقرأت له، وقرأت، ولم أنقطع، حتى أنني في لحظات الضيق أفتح ملفه الرابض على مكتبي وأُعيد قراءة بعض ما قرأت من قبل فأستعيد نشاطي وإقبالي على الأيام الرمادية.
    * * *
    في كتابته ذقت خفة الظل غير المُتكلّفة مع الوقار والجدية، وذقت حلاوة نادرة في صياغته المتينة وهو يرسم بقلمه في "حديث مستطرد" ملامح لشخصيات في الأدب والشعر والثقافة والصحافة والسياسة والفكر، شخصيات من كل الأقطار العربية ومن كل مهاجر الدنيا، عاصرها في شبابه منذ مطلع الأربعينيات وصاحب مسارها حتى توفاها الله. شخصيات قد لا يعرف المثقف العربي من جيلي إلا أسماءها ـ بالكاد ـ وإذا بوديع فلسطين يبعثها نابضة بالحياة والحيوية، مبرزاً أبعـادها في مرحلتها وأهميتها في تاريخنا وضرورتها لتعِيَها ذاكرةُ الأجيال وراء الأجيال.
    * * *
    يعقد وديع فلسطين بيننا وبين الشخصية التي يكتب عنها علاقة إنسانية حميمة تجعلنا حين نتحدث نحن عنها ـ بدورنا ـ نبدو وكأننا قد سكنّا وعشنا معها ردحاً كافياً من الزمن. ومهما كانت الشخصية محسوبة على نسق في التفكير أو موقـف في السياسة، نختلف معه أو نعاديه، نجد أننا نتقبّلها على الرغم من الخلاف أو العداء، فوديع فلسطين قادر في كل الأحوال أن يجذبنا إليه بحنين إنساني يُروِّض ـ بجلاله وأناقته ـ نفورنا الفكري أو السياسي فيكسر من حدّته.
    إذا قلت إن وديع فلسطين هو "ملك" فن كتابة رسم الملامح الشخصية الأدبية والثقافية، لا أكون مُغاليةً أو مُبالِغةً (وإن كنت على فكرة لا أتحرّج مما يبدو مبالغة ومغالاة مني في التعبير عن حبي وإعجابي بفن الكتابة الفريد والفذ عند وديع فلسطين). يا سبحان الله! من يلوم الظمآن يفرح طروباً حين يعثر على عين مياه عذبة في صحراء، مياه لم تُلوِّثها نفايات المصانع والمحاجر والمبيدات؟).
    نتبادل أنا والكاتبة الصديقة فوزية مهران مكالمات تليفونية عقب قراءة كل مقال له. أبدأ بقولي: "شوفتي؟"، فتقول: "كنت سأكلمك.." تعترف لي أنها تقصُّ زاويته "حديث مستطرد" وتجمعها وهذا إجراء لم تقم به مع كاتب آخر من قبل. هذا التقدير يأخذ صِيغاً مختلفة عند كل قارئ لهذا الكاتب "الجديد-القديم" فهو لم يكف أبداً عن الكتابة على طول مشوار حياته الأدبية والصحفية على الرغم من النوازل والمعوّقات والعقبات والسدود والحواجز والحصار الذي عانى منه منذ ديسمبر 1952، عندما أغلقت الدار الصحفية التي لمع على صفحات جريدتها المسائية اليومية "المقطم" ومجلتها الشهرية "المقتطف" ـ وهي الدار الثانية في أقدمية إنشـائها بعد دار جريدة "الأهرام". وهكذا كان على وديع فلسطين، وهو في أوج شهرته ونبوغه الصحفي ـ وعمره 29 سنة فقط ـ أن يواجه الاضطهادات والافتراءات ويحاول رغم كل الثلج وكور النار أن يسبح فوق الأمواج المُعادية والمُتلاطمة شراعه وقاربه ومجدافه ورايته: قلمه الأصيل الجميل، وإخلاصه الشديد للغة العربية.
    أقف أمام بعض مفرداته وأندهش لأنني لا أذكر أني قرأتها إلا في بعض آيات القرآن الكريم، ينتقيها بتذوق ويضعها ـ كالصّائغ الماهر ـ في مكانها المناسب تماماً، وحين تُفاجئك كلمة مثل "ولا يؤوده" في توظيفها الجديد تبتسم للشجاعة والبراعة وللتألق، وتزداد الدهشة حين نسترجع أن هذا القادر على التملك الباهر الجذّاب لناصية اللغة العربية، يشكلها بسلاسة وأُلفة وبشاشة ـ كان راسباً دائماً في مادة اللغة العربية في كل شهاداته الدراسية!
    * * *
    مع إعجابي المتزايد بمقالات وديع فلسطين ـ (الذي ظنه الكثير لبنانيا أو فلسطينيا وهو المولود في أخميم، البلدة الصعيدية على الشط الآخر من سوهاج، من أب وأم قبطيين من مدينة قنا) ـ كان لابد أن أبحث عن وسيلة ما للاتصال به على الأقـل، لأقول له: "أشكرك على كل هذا الجمال الذي تشيعه في كتابتك". لذلك حيـن ذكر في معرض إحدى مقالاته اسم الكاتب الصديق الكبير محمد عودة وجدته الخيط المفيد الذي مكنني من معرفة أن وديع فلسطين من سكان مصر الجديدة. كان في دليل الهاتف أكثر من مشترك تحت اسم "وديع فلسطين"، لكنني حينما حصرت الاختيار في ساكني مصر الجديدة التقطت رقمه.
    وصلني صوته عبر الهاتف طيبا، متعجبا لإطرائي، زاهداً فيه زهدا كاد يصل إلى حد الزجر! هذا الزهد وهذا التواضع عند وديع فلسطين فوق أنهما من سمات برجه الميزان ـ ربما يكون وراءهما حـزن نبيل لواحد من الذين يمكن أن ينطبق عليهم المثل القائل: "كل نبي مغبون في وطنه". لكنني أقول: هكذا هي سنتنا، مصر المحروسة دائماً في أحشائها الدر كامن، ولابد لنا أن نصبر صبر الصيادين، ونخترق الزبد لنصل إلى ما ينفع الناس، الماكث في الأرض. سبحان الله!
    نجحت في أن أجلب لنفسي صداقة عظيمة معه، كان عليَّ أن أكدح كدحاً لنيلها عبر محادثات هاتفية ثقافية ثرية وشائقة عمقت هذه الصداقة على الرغم من أن لقاءاتنا لم تتعدّ عدد أصابع اليد الواحدة. غمرني بكرم عطاياه بكل ما طلبت من كتبـه ومن مقالاته ودراساته، أجمعها في حيز وحدها بمكتبي من أهمها كتابه: "قضايا الفكر في الأدب المعاصـر"، الطبعة الثانية التي أخرجتها دار الجديد ببيروت تحية له بمناسبة بلوغه السبعين عن الطبعة الأولى التي أصدرها بالقاهرة سنة 1959م المكتب الفني للنشر، وعلى ظهر الغلاف نقرأ حكمته: "فليختلف الأدباء على المذاهب الأدبية المتباينة ، وليتناحروا على المعايير، وليتضاربوا ـ إذا شاءوا ـ على إمارة الشعر أو إمامة الأدب، ولكن حذارِ أن يضحوا بهذه القِنْيَة الغالية قِنية الحرية الفكرية وهم يتلاحوْن ويتنابذون". ثم كتابه "مختارات من الشعر العربي المعاصر، وكلام في الشعر" الذي أصدره مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1995م، وقلت له: "أحببت مقدمتك وتلذذت بقراءتها وإن اختلفتُ مع آرائها، أما المختارات فالسلام عليكم ورحمة الله". ضحك، واحترمنا "قنية الحرية الفكرية ولم نتلاح أو نتنابذ".
    كل ما يعجبني "عنايته" بفن "الكتابة"، تلك العناية ـ التي وإن كانت وسيلة لتوصيل قوله ـ فقد صارت بذاتها غاية فنية، ونزهة إمتاع للقارئ.
    * * *
    من جملة من تحدث عنهم في "حديث مستطرد": "علي الغاياتي: المصري السويسري"، و"إبراهيم المصري: القصاص الذي ابتلعته الصحافة"، و"أبو علي جورج خير الله"، و"الشاعر المهجري: جورج صيدح"، و"أشياء من سيرة بشر فارس رائد الرمزية المجهول في الشعـر العربي الحديث"، و"عبد الله يوركي حلاق الحلبي"، و"علي أحمد باكثير: اليمني المتمصر"، و"خليل مطران وصديقه يوسف نحّاس". غير أن لوحته الرائعة عن وداد سـكاكيني التي لم تتعد 14 صفحة من مجلة "بناة الأجيال" الدمشقيـة، وتم نشرها في يناير 1995 تحت عنوان "وداد سكاكيني في حياتها وآثارها"، تُعد من الدراسات التي تعطيك بصفحاتها المحدودة متعة وثـراء كتاب ضخم. يستهل وديع فلسطين دراسته بقوله: "في الثالث من كانـون الثاني (يناير) 1991م فاضت روح الأديبة العربية الكبيرة وداد سكاكيني بعدما أجزلت عطاءها للغة الضاد، وأكّدت منزلتها الفريدة في أدبنا المعـاصر، ولئن كتمت أحزاني المُمضة على هذه الأديبة الماجدة، التي ارتبطتُ بها وبزوجها الراحل الدكتور زكي المحاسني بمودات وُثقى منذ أواسط الأربعينات، فعزائي في فقدها هو أن أُحاول إنصافها في هذه الصفحات..".
    وهكذا، فهو لا يكتب إلا عن شخصيات عرفها ولامَسَها سمعا وكلاما ومُصاحبة، فلا عجب أن تحس منه نبضها الحي فكأنك صرت ـ بدورك ـ صديقا لها؛ يكتب في مجلة "الأديب" البيروتية عدد يناير 1979م تحت عنوان "حديث مستطـرد عن إبراهيم ناجي ورابطة الأدباء" ما نراه غضبا من الذين يتصدون للكتابة عن المعاصرين "… لا حديث معرفة شخصية، بل حديث عنعنة، أي أنها اقتصرت على السمـاع وعلى النقل، أما الشاعر فلم تستقصها منه ـ وهو قريب العهد بنا ـ ولا من معاصريه ومُخالطيه، بل روتْها نقلا عن الذين وضعوا مؤلفات سابقة عن نـاجي … وأقول في غير تجن على أحد إن الكتب التي تناولت الشاعر ناجي إما أشارت إشارة سريعة إلى رابطة الأدباء التي كان له فيها دور ريـادي نحو ثماني سنين وإما أغفلت الإشارة إليها إغفالا تاما، ولما كنت من الضالعين في رابطة الأدباء منذ إنشائها وإلى أن هجرتُها ثم هجرها ناجي بُعيْدي فقد ارتأيتُ أن أُرسل الحديث عن هذه الرابطة وأن أتطرّق إلى ما أعرف من أخبار ناجي وأموره في هذا الحديث المستطرد …".
    هو فنان شهادة أدبية على عصر أدبي وثقافي يأبى إلا أن ينقل إلينا أنفاسه التي لا تزال لديه ساخنة كأنه لم يبرحْه. في موضوع ناجي سمعت منه عن الطعنة التي قتلت الشاعر الطبيب العملاق الرهيف ذلك عندما وجد اسمه ضمن قائمة "تطهير" من "الفساد" و"المنحرفين" بعد 23/7/1952م، وكيف رأى ناجي يبكي ويمرض ويموت في مارس 1953م، ويكتب هذه الواقعة في حديثه عن ناجي:
    "ولكن داهية أكبر كانت تنتظر ناجي، وقد تمثلت هذه الداهية في قرار ظالم اتُّخِذ بفصله من وظيفته كمدير للإدارة الطبية لوزارة الأوقاف متهما بعدم الإنتاج، وورد اسمه في صدر قائمة التطهير التي أُعلنت، وكان لهذا القرار وقع نفسي صاعق على الـدكتور ناجي الذي كان يُعالج الفقراء ويمنحهم من جيبه ثمن الدواء. والذي كان ـ كما أخبرني بذلك نقولا الحدَّاد العالم الشهير ـ متوافقا مع صيدلية الحداد أسفل عيادته في شبـرا بأن تقدم الدواء للفقراء من مرضى الدكتور ناجي وتقيِّـد ثمنه على حساب الدكتور المُعالج! فهذا الطبيب العالم الإنسان قد وجب تطهيره وفصله من وظيفته دون أن تُتاح له فرصة للدفاع عن نفسه، ودون أن يُجرى أي تحقيق في هذه القرية الظلوم التي زهّدت ناجي في الحياة، ولم تلبث أن صرعته صرعة الموت … ولما سمع ناجي أن الحكومة الأسبانية قلدتني وساما رفيعا، زارني في "المقطّم" ـ الجريدة ـ مهنئا، وكتب أبياتا في هذه المناسبـة، ثم انفجر باكيا لا على وظيفة ضاعت منه، بل على وصمه بأنه أهل للتطهير وإيراد اسمه في أول قائمـة المطّهَّرين، وظل يجهش بالبكاء وأنا أُواسيه إلى أن انصرف. وكنتُ بعد انصرافه أتوقع قراءة نعيه في الصحف كل يوم لأن حالته النفسية كانت في الحضيض، وقدرته على المقاومة قليلة بسبب هُـزاله المفرط، ولم يطل انتظاري، إذ قرأت نعيه في الخامس والعشرين من مارس 1953م، فبكيته وقلت للمعزِّين ونحن نتبادل العزاء: "لقد مات ناجي لا اليوم بل في التطهير".
    * * *
    في مقاله بجريدة "الحياة" 11/1/1995م كتب وديع فلسطين مقالا مهما تحت عنوان: "حديث حـول بدايات نجيب محفوظ عبد العزيز" اعتنى فيه بذكر حقيقة أنه كان الثاني ـ سابقاً على سيد قطب ـ في التنبيه والإشادة بعبقرية نجيب محفوظ، تلك الحقيـقة التي يُضايقه أن نجيب محفوظ لا يذكرها أبداً في أي معرض لحديثه عن الذين نبَّهوا إليه في بداية مشواره الروائي. يقول وديع فلسطين ـ في هذا ـ عند حديثه عن تأسيس "لجنة النشر للجامعيين": "وافتتحت السلسلة في شهر مايو 1943م (كان وديع فلسطين لم يبلغ بعد العشرين) برواية "أحمس" لعبد الحميد جودة السحار، وتلتها رواية "رادوبيس" لنجيب محفوظ عبد العزيز. ولعله اختار هـذا الاسم الثلاثي حتى لا يخلط الناس بينه وبين الطبيب المصري ذي الشهرة العالمية الدكتور نجيب محفوظ باشا، وتوالى نشر الكتب في مطلع كل شهر، مما شجع شبانا آخرين على مُؤازرة لجنة النشر للجامعيين، مثل: محمد عبد الحليم عبـد الله ـ وكان بدوره قد فاز بجائزة وزارة المعارف عن روايته "بعد الغـروب"، ومثل صلاح ذهني، وأمين يوسف غراب، والشيخ الأزهري كامل محمد عجلان، وكاتب هذه السطور. كما ارتفعت قامة اللجنة عندما قصدها أدباء كبـار لنشر آثارهم مثل إبراهيم عبد القادر المازني، ومحمود تيمور، وكامل كيلاني، وإبراهيم المصري، ومحمود محمود (شقيق الدكتور زكي نجيب محمـود)، والأديبة السورية وداد سكاكيني. ورحبت اللجنة بناقد الرسالة سيد قطب فنشرت له كتابه "طفل في القرية"، وبأشقائه فنشرت لمحمد قطب كتاب "سخريات صغيرة"، وللأخوة الأربعة سيد ومحمد وأمينة وحميدة قطب مجموعة أقاصيص "الأطياف الأربعة". استفادت اللجنة من انضمام هؤلاء الأدباء الكبار إليها، فكتب المـازني يُعرِّف ببعض آثارها، وعني سيد قطب بالكتابة عن عدد من مطبوعاتها في مجلة "الرسالة"، ثم جمع كتاباته بعد ذلك في مصنفه "كتب وشخصيات"، وذلك عندما كان سيـد متفرغا للأدب والنقد. وكنت بدوري من الذين سبقوا إلى التعريف بآثار معظم الكاتبين في هذه السلسلة، وأثبت الدكتور علي شلش في كتابه "نجيب محفوظ: الطريق والصدى" أنني كنت الثاني في التعريف بنجيب محفوظ فسبقت بذلك قائمة طويلة من النقاد جاءوا بعدي في الترتيب الزمني. بل إن علي شلش سجَّل ما يكاد يكون نبوءة لي بالمجد الذي ينتظر نجيب محفوظ، وذلك بقولي في ختام مقالي عن روايـة "رادوبيس" ما نصُّه: "وفي اعتقادي أن هذه الرواية تستطيع أن تُزاحم روايات الغرب إذا هي وجدت من يُعنى بتـرجمتها إلى لُغات الأعاجم …" ونشرت لي هذه اللجنة مسرحية "الأب" التي ترجمتها عن الأديب السويدي سترندبرج وظهرت في أغسطس 1945م. وعندما أعلن عن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل سأله الصحفيون الذين غَزَوْا داره عما إذا كان مطلعاً على الأدب السويدي، فقال: طبعاً، فقد قرأت آثار سترندبرج، واكتـفى بهذه العبارة دون أن يشير إلى ناقل هذه الآثار الذي كان أول من قدَّم سترندبرج إلى اللغة العربية".
    * * *
    يعيش وديع فلسطين وديعا في بيته العريق ـ من الباقي من بيوت شارع العروبة الجميلة بضاحية مصر الجديدة مع زوجته السيدة كاترين نجيب، له برنامجه المنتظم المنظم، ينزل يوم الثلاثاء إلى جريدة الأهرام بعد مروره على "البوستة العمومية" (على حد لهجته في قوله الهاتفي لي) يُرسل ويتلقى مراسلاته التي لا تزال تجوب أقطار الكرة الأرضية يلتقي بها مع أصدقائه وتلاميذه الموزعين في كل مكـان، ومن بينهم ابنه باسل فلسطين المهاجر منذ تسع سنوات حيث يعمل في محطة التليفزيون الكندي ويمارس هوايته الموسيقية عزفاً وتأليفاً. وتسافر زوجته لابنه أحيانا ويبقى هو تؤنسه ابنته هناء المتزوجة والمتخصصة في علـم النفس وأحفاده الأربعة: ولد واحد، وثلاث بنات. يذكر أحيانا عفو الخاطر كلمة عن أشقائه؛ فقد أنجب والده عشرة أبناء: نصفهم ذكور، والآخر إناث، لا أعرف ترتيبه بينهم، لكنني أذكر أسفا خفيفا يلمّح به أحيانا يخص به شقيقه المثَّال لويس فلسطين، الذي عاش مغتربا في أسبانيا حتى وفاته عام 1992م، ولعلنا نقرأ عنه في "حديث مستطرد" يبث فيه شجونه كلها، ولعله يخص به مجلتنا العريقة "الهلال" ذات يوم.
    ...............................

    *مجلة «الهلال»، عدد أكتوبر 1997، ص ص 48-57.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      في تكريم وديع فلسطين

      بقلم: حسني سيد لبيب
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      عرفتُ الأستاذ وديع فلسطين في بدايات حياتي الأدبية، ضمن مَنْ عرفت من الأدباء. وكان الأستاذ وديع هو الأقرب إلى نفسي، لأسباب عديدة من أهمها صدق المقولة عنده، ونصاعة الفكرة، وحسّه اللغوي الذي لا يبارى. كما أن خلقه الرفيع وتواضعه الجم من العلامات البارزة في شخصيته، فزاد الإعجاب وارتفع رصيد حبي له.
      واليوم، يسعدني أن المشاركة في حفل تكريمه، للمكانة الرفيعة التي استحوذها في نفسي، والمنزلة العالية التي ارتقاها في فؤادي. ما يقربني إليه أكثر ثقافته الواسعة ودأبه على مواصلة القراءة، حتى تخيلته إذا ما استسلم لنوم فإن كتابا ما يبقى على صدره. ولا يكتب في شيء لا يعرفه، أو يتزيد في قول لا يحب الخوض فيه. لذا نجده قارئا شغوفا بالكتب، علاوة على اتصالاته الواسعة عبر البريد بالكثيرين من أدباء الوطن العربي.
      عرفتُ الأستاذ وديع أول ما عرفت من خلال مقالاته في مجلة "الأديب" اللبنانية. وأعجبتُ بأسلوبه الرصين وفكره المستنير، حتى صارت كتاباته أول ما أقرأه في هذه المجلة. وعرفتُ عنوانه من البريد الأدبي للمجلة، فراسلته، إعجابا وتقديرا، فإذا به يرد على رسالتي بسرعة غير معهودة. سطر فيها صفحات عن واقع الحياة الأدبية في مصر، فوقفت على جانب مهم من شخصيته. وكانت أحاديثه مستطردة مستفيضة، تخدم الفكرة وتعمقها.
      في كل يوم أكتشف في الكاتب الكبير سمة رائعة من سمات الأديب المتميز المتفرد، كلما تعرفت عليه أكثر، اقتربت منه أكثر، حتى صار قريبا من نفسي وقلبي.
      وقد كتبت عنه دراسة بعنوان "وديع فلسطين أديب الغربة الإيجابية"، نشرتها في مجلة "الإخاء" الإيرانية عام 1977(1) .
      يقول عنه الشاعر محمود أبو الوفا (2) :
      صفاتُـك لا يُحاكيهـا صفـاتُ ولكـن قد يحاكيها الربيـعُ
      بوصفك يُزهر الأدب المصفَّـى وباسمك أينع الخُلُقُ الرفيعُ
      فُتِن بالأدب وفنونه، ومن خلال عمله الصحفي بمجلة "المقتطف" وجريدة "المقطم" سوّد مئات المقالات الأدبية. لكن اشتغاله بالترجمة صرفه كثيرا عن الأدب، وإن ربطته به وشيجة وطيدة الصلة، فصار الأدب هوايته، والترجمة مهنته.
      ساعدته دراسته للأدب والصحافة بالجامعة الأمريكية في التواصل مع الصحافة الأدبية، فظل حتى الآن مواكبا للحركة الأدبية في مصر والعالم العربي، متابعا للمتغيرات فيها. وتعد هذه المواكبة والمتابعة امتدادا لعمله السابق في الصحافة.
      يعدُّ الأستاذ وديع مرجعا مهما لكل من يؤرخ للحركة الأدبية. له باع طويل في متابعة نشأة الروابط والجمعيات الأدبية، ومتابعة أنشطتها، وعلى الأخص رابطة الأدب الحديث. لذا فإن الرابطة بتاريخها الطويل في خدمة الأدب العربي، حين فكرت في تكريم روادها، رأت أن تبدأ اليوم بتكريم ابن من أبنائها البررة وعلم من أعلامها البارزين. تكريم الكاتب العظيم الأستاذ وديع فلسطين.
      من أهم كتبه، كتاب "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" (3) الصادر عام 1959م، وكتاب "مختارات من الشعر المعاصر وكلام في الشعر" ويقع في 400 صفحة. وله العديد من الكتب المترجمة من وإلى الإنجليزية، وكتب أخرى حققها أو راجعها.
      في حوار أجري معه، تحدث في مرارة عن "الموضة" في الأدب، فقال (4) : "هناك جنوح إلى الأخذ بأساليب "الموضة" في الأدب، و"الموضة" معناها قيام مناسبة ما، فيتسابق على التأليف فيها الأدباء والشعراء، حتى إذا جاءت مناسبة أخرى سايروا "موضتها"، وهكذا دواليك. وهناك استخفاف بأهم عنصرين من عناصر الكتابة الأدبية، وأعني بها الأسلوب والفكرة، وما أكثر ما نقرأه، فإذا هو مسلوب من الأسلوب ومحروم من الفكرة". يصفه أحمد زكي أبو شادي بالجوهرة المتألقة في تاج الأدب العربي الحديث (5) .
      تحية إجلال وإعظام للكاتب القدير وديع فلسطين. ولعل الرابطة في تكريمها له واحتفائها به اليوم تعطيه جزءا مما يستحق.

      حسني سيد لبيب
      hosni_labib@yahoo.com
      ـــــــــــــــــــــــ
      الهوامش :
      1. حسني سيد لبيب: مقال "وديع فلسطين أديب الغربة الإيجابية" ـ مجلة "الإخاء" 12 مارس 1977 ص ص 40، 41، ومجلة "البيان" الكويتية ـ يونيو 1977
      2. د. حسين علي محمد: سفير الأدباء وديع فلسطين ـ الشركة العربية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1998م ـ ص 17
      3. كتب حسني سيد لبيب مقالا عن الكتاب بمجلة "الفيصل" السعودية ـ أكتوبر 1985 "محرم 1406هـ "
      4. د. حسين علي محمد: سفير الأدباء وديع فلسطين ـ ص 45
      5. المصدر السابق ـ ص 65

      _________________
      *ألقيت في تكريم وديع فلسطين ـ رابطة الأدب الحديث ـ
      القاهرة ـ الثلاثاء 9/5/2005م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        أربع مقالات من بواكير نقد نجيب محفوظ:
        .................................................. ...


        نقدم هنا أربع مقالات للعلامة وديع فلسطين (وهو واحد من أبرز كتاب المقالة في عصرنا) كتبها عن بواكير نجيب محفوظ، ونشرها علي شلش في كتابه : نجيب محفوظ: الطريق والصدى).
        ***

        1-رادوبيس
        للأستاذ الكبير: وديع فلسطين(1)

        لستُ أدري أكان في تاريخ مصر الفرعونية غانية باسم «رادوبيس» أم أن خيال الأستاذ نجيب محفوظ ابتدعها في القصة الرائعة التي أخرجها أخيراً. وأيا كان الجواب، فإن القاص قد جعل لهذه الغانية كياناً ووجودا لا يُنكران. وما قرب الشقة بين الحياة والأسطورة أن حياة المرء تستحيل بعد موته إلى رواية تُروى شأنها شأن مئات القصص التي تُبدعها أذهان كتاب القصة الروائيين.
        كانت رادوبيس غانية تحوم حولها الغربان من بني آدم، وكان مستقرها في قصر شامخ أنشأته في جزيرة تتوسّط مجرى النيل. وبينما كانت تستحم ذات أصيل في بركة ماء قصرها حلق في الفضاء نسر كاسر، وهوى على حين بغتة فاختطف واحدة من نعلي الغادة رادوبيس وولّى هارباً، ولكن النعل سقطت منه في حضرة فرعون ساعة اجتماعه بكبار رجاله. ودار حديث فرعون وصحبه حول صاحبة هذه النعل، وعرف فرعون أن ما نزل عليه من فوق إنما هو خف يخص الغادة رادوبيس فاتنة أصحاب الجاه وغاوية ذوي الثراء.
        وأخذ فرعون يتسقّط أنباءها حتى فاجأها يوماً في قصرها، فكانت له منذ ذلك اليوم صلة بها لما تنقطع، يهرع إليها كل أصيل فيجد فيها مرتعاً لقلبه ومهرباً من تبعاته.
        وأوغل فرعون في هواه الجديد، فأولى «نيتو قريس» الملكة دبره، واسترد من الكهنة الأراضي التي كانت قد أُقطعت لهم كي يُنفقها على جارة قلبه، وشُغل بالحب عن أمور الرعية، وكاد له قائده الأول لأنه استلب منه رفيقته رادوبيس التي كانت تؤثره قبل أن تقع على فرعون.
        وكان لا مفر من أن تحدث فتنة، فرجال الدين ساخطون لتبديد أراضيهم، والوزراء متبرمون من مسلك فرعون غير الجدي، والملكة غاضبة لإغضاء فرعون عنها وولعه بغادة ليست بغير ماض. وفي غمار الثورة طاش سهم أطلقه مواطن من كنانته فاستقر في قلب فرعون، وأوصى فرعون بنقل جسمه المهيض إلى حيث تكون عشيقته ليلفظ آخر أنفاسه في محضرها.
        وقد كان، فمات فرعون، وشربت رادوبيس السم، وفجعت بموتها قلوب لا سبيل إلى تعزيتها وتأسيتها.
        ولقد أجهدت النفس وأنا أقرأ رواية رادوبيس لأقف على خطأ يُخرج الرواية من طابعها الفرعوني إلى طابع العصر الحديث، فخاب مسعاي، ذلك لأن الأستاذ نجيب محفوظ استطاع أن يمحو من ذهنه عقل القرن العشرين ليعيش بعقل آلاف السنين قبل مولد المسيح.
        ولكنه إن كان قد جانب خطأ السرد والصياغة فقد أفلتت من قياده بضعة أخطاء في النحو كتأنيث الرأس مع أنه مذكّر، وإضافة الياء إلى « ثوان » في حالة كسرها بكسرتين.
        ولكن القارئ رغم هذه الهفوات تأخذه روعة السياق، وجمال التعبير، وسلاسة التفكير، وقوة المنطق، وجودة الحبكة، فيُمسك بتلابيب الرواية حتى يأتي على خاتمتها.
        وفي اعتقادي أن هذه الرواية تستطيع أن تُزاحم روايات الغرب إذا هي وجدت من يُعنى بترجمتها إلى لغات الأعاجم. وهي شبيهة إلى حد كبير «بروميو وجولييت» للشاعر شكسبير مع تفاوت في كيفية العرض وتقاليد كل من المجتمعين.
        ـــــــــــــــــــــــ
        المصدر: نشرت في «الرسالة»، العدد (641)، في 15/10/1945م، وفي «منبر الشرق» في 19/10/1945م، والمقالة هنا منقولة عن «منبر الشرق»، وأُعيد نشرها في كتاب د. علي شلش: نجيب محفوظ: الطريق والصدى)، ص211 ، 212.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          2-خان الخليلي(2)

          للأستاذ الكبير: وديع فلسطين

          أوتي الأستاذ نجيب محفوظ خيالاً خصباً وعيناً ناقدةً وقلماً طيعاً ومادة وفيرة، فسخَّر هذه جميعاً في كتابة القصة وتصوير الحياة الواقعية.
          ومن أحدث ما جاد به قلمه كتابه «خان الخليلي» وهو مأساة أصاب فيها من التوفيق قدحاً مُعلّى.
          والقصة مقسمة إلى نيف وخمسين فصلاً، كل منها صورة أُجيد رسمها، فلم تغب في إحداها خفقة قلب، أو طرفة عين أو زفرة نفس، لأن الأستاذ لا يقنع بالقشور وإنما ينفذ كذلك إلى اللباب.
          ويخيل لقارئ «خان الخليلي» أن مؤلفه أمضى ـ أو يُمضي ـ جانباً كبيراً من وقته في هذا الحي؛ لأن وصفه لشخوصه ولدروبه يكشف عن معرفة الأستاذ محفوظ للحي وأهله معرفة عن قرب، وملازمته له لزوم الظل، واستطاع بقدرته الفنية أن يربط بين فصول القصة بإحكام، كي لا ينفلت أحدها عن القلادة المتعددة الحلقات التي وصلت بينها، وجعلت من جملتها صورة نابضة بالحياة تنطق سسافرة بأحوال حي من الأحياء القديمة لا يزال يحتفظ بطابعه الوطني الصرف.
          إنها قصة عائلة مصرية متوسطة فزعت من الغارات فانتقلت من السكاكيني إلى خان الخليلي، وأمضت فيه دورة كاملة من دورات الفلك شهد أفرادها فيها عجباً، فالابن الكبير الذي كان يركن إلى مكتبته يُقلب كتبها ويدرب نفسه عبثاً على درسها وهضمها، طابت لـه عشرة أهل الحي والسهر معهم في قهوة «الزهرة»، وخفق قلبه بالحب وهو كهل ولكن المقادير شاءت ألا ينعم به، والابن الأصغر شاب حديث العهد بالحياة، ينقاد وراء دوافع بدنه فيغترف من اللذاذات ما طاب له، حتى تهالكت صحته تحت ثقل الضغط الشديد. ولم يكتف بالحب الآثم بل سطا على الفتاة التي كادت تصبح من نصيب أخيه، وظل مع ذلك سادراً في غيه حتى أصيب بالسل وقضى نحبه، ولم يستطع أبواه أو أخوه كما لم يفلح الطب في دفع الموت الذي تسرب إليه، وسرعان ما غيّبه بين أطباق الثرى.
          وقصة الأستاذ محفوظ تمتاز بمزيتين عدا مزية الرواية نفسها. ففيها وصف رائع لليالي رمضان الزاهرة في حي خان الخليلي، وفيها وصف للغارات الجوية التي تعرّضت لها القاهرة من ثلاثة أعوام.
          والمؤلف قدير على جلاء المعاني، خبير بخوالج النفس، استطاع أن يجعل من كتابه تزاوجاً بين السخرية والجد، وجماعاً بين اللهو والعِبر. وهو في هذا وذاك لا يخلو من فكاهة مستملحة ودعابة طريفة.
          ـــــــــــــ
          (2) المصدر: نشرت في «الرسالة»، العدد (641)، في 15/10/1945م، وفي «منبر الشرق» في 19/10/1945م، والمقالة هنا منقولة عن «منبر الشرق»، وأُعيد نشرها في كتاب د. علي شلش: نجيب محفوظ: الطريق والصدى)، ص211 ، 212.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            3-القاهرة الجديدة(3)

            للأستاذ الكبير: وديع فلسطين

            صحاب أربعة متباينو المشارب متعددوها ضمهم فصل واحد في جامعة فؤاد. أولهم توّاق إلى الانصراف إلى الدين والدعوة له، والثاني يضرب بالدنيا بأسرها عرض الحائط فلا يُبالي بتقاليد مرعية أو عادات متواضع عليها، وتتلخص فلسفته في الاستهتار و"اللا أبالية"، والثالث هدفه ومقصده زواج فتاة ربط الحب قلبه بقلبها، والرابع يهوى الصحافة ويعشقها.
            يتحفّز هؤلاء الزملاء لمواجهة موجة الامتحان النهائي ويخوضونها غير هيّابين، ويخرجون منها معقودي الظفر مرموقي العيون. ولكن البهرة الأولى للفوز سرعان ما تتبدّد، ويصحو الشبان على مستقبلٍ مبهَمٍ، وغدٍ مجهول.
            وترمي الحياة كل شاب من هؤلاء في عمل، فيبدءون عراك الحياة، وهو عراك يتمخّض عن جرحى وعن قتلى، فيسعف الحظ أول الزملاء، ويوفد في بعثة إلى فرنسا، ويعين الثالث في وظيفة بمكتبة الجامعة، ويُقبل الرابع على الصحافة يُشبع نهمه منها. أما الثاني ـ وهو أعسرهم حالاً وأضيقهم عيشاً ـ فيتخيَّر لنفسه في الحياة طريقاً معوجاً، ويقبل أول وظيفة تُعرض عليه حتى لو كان ذلك على حساب الشرف والفضيلة. ذلك أنه رضي أن يكون سكرتيراً لكبير بشرط أن يُشاركه ذلك الكبير في زوجه، ويختلي معها في أحايين دورية.
            ولكن هذا الوضع الشاذ سرعان ما افتضح أمره وتلطّخت سيرة الكبير بالعار، ونقل سكرتيره إلى أسوان بعد ما جُرِّد من ترقياته الاستثنائية.
            ذا مجمل القصة البارعة التي ساقها الأستاذ نجيب محفوظ في كتابه «القاهرة الجديدة»، وهو إيجاز مبتور مشوه، وهيكل عظمي يفتقر إلى مظاهر الحياة ودلائلها، وهي قصة تنتهي بعبرة ما أحوجنا إلى استيعابها ووضعها نصب أعيننا في السبيل الذي نسلكه في حياتنا، فإن الغواية والإثم يبهران البصر ويخلبان الألباب ويستهويان الشباب والمتكهلين. ولكن الخاتمة المؤسية حتم لا مهرب منها.
            فهاك قصة شاب ابتسمت له الحياة في مطلع عهده به لأنه فابلها « باللا أبالية » والاستهتار، ولكنها سرعان ما تجهّمت له وأدارت له ظهرها بعد ما مرّغته في حمأة العار، وسامته الخسف والهوان.
            أما ربيبه ذلك الموظف الكبير، الذي كان يرتشي من شرف سكرتيره فقد سقط من عل، مهلهل السيرة، غير معذور من أحد.
            ولنا على هذه القصة مأخذان:
            أولهما أن الأستاذ نجيب محفوظ عني بواحد من شخوص روايته الأربعة وأدار القصة حوله ولم يعن عناية مماثلة بقرنائه وخلانه. وحبذا لو كان المؤلف أسهب في روايته قليلاً، وجلا لنا بعض نواحٍ من حياة بقية الصحاب.
            أما المأخذ الثاني فهو بعض السهوات النحوية التي لمحناها في القصة، ونرجو أن تكون المطبعة ـ لا المؤلف ـ مسئولة عنها.
            والقاص جدير ـ عدا ذلك ـ بالثناء، لأن أسلوبه شائق، وحواره ممتاز، وتسلسل حوادثه ممتع، وجرأته لا يعوزها دليل.
            ـــــــــ
            (3) نشرت في «منبر الشرق»، في 30/4/1948م، وأُعيد نشرها في كتاب د. علي شلش: نجيب محفوظ: الطريق والصدى)، ص ص264-267.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              4-زقاق المدق(4)

              للكاتب الكبير: وديع فلسطين

              لم أسمع بهذا الزقاق من فبل، ولا أُتيح لي أن أراه، لأني قليل التردد على معالم القاهرة القديمة.
              ولكني رأيتُ الزقاق وعشتُ فيه قرابة نصف شهر في صحبة الأستاذ نجيب محفوظ القاص الملهم، فأوقفني على ألوان شتى في مسالك المعيشة فيه، وأرشدني كدليل مجرب إلى مواضع الفتنة الفطرية في هذا الحي الوطني الصميم.
              زقاق المدق، زقاق ترى فيه ثري حربٍ أُتخم طعاماً ومالاً فما عرف قناعة ولا حَرِصَ على مال. تستهويه مباهج الدنيا وتغره أضواؤها فيسير صوبها كطفلٍ غريرٍ لا يسلمُ من العثرات.
              وأنت ترى في الزقاق حلاقاً محدود المورد، مسدود باب الرزق، يجد في «الأورنس» البريطاني جاذبية لا يسعه أن يُقاومها فيُسافر إلى التل الكبير ليعمل مع القوات، ويُدبِّر جنيهات تُعينه في افتتاح صالون أنيق وعلى الزواج بأثيرة الفؤاد.
              ومن صور الزقاق ذلك التمرجي الذي ادّعى التطبيب، وراح يُعالج المرضى بما حصّله من تجريب، فكان يسرق أسنان الموتى الذهبية وأطقمهم ليجد عند الأحياء سوقاً لها وهو مطمئن إلى الرسالة الإنسانية التي ينهض بها، سعيد بلقب «الدكتور» الذي أردف به اسمه للتشريف والتمييز.
              وتلك عجوز جاوزت الخمسين، ولكنها مع ذلك متطلعة إلى الزواج من شاب حديث السن. وكيف لا، وعندها من المال أكداس، وعندها من شباب القلب معينٌ لا ينضب، ولا بأس أن تدّعي أن الهموم كست شعرها بياضاً وأكدار الدنيا جعّدت غضون وجهها.
              أما هذه المرأة اللعوب فإنها «خاطبة»، تكتسب عيشها من «فتح البيوت وتعميرها» ومن «جمع الرؤوس في الحلال»، وأساليبها تتفاوت حسب تفاوت العملاء والزبائن، فإذا كان العميل شيخاً أوهمته أنه شاب ذو دلال وفتنة، وإن كان حديث السن زينت له أن حداثة العمر هي الأوان المُواتي للزواج، ولن يعيا منطقها، فقد اكتسبت من كثرة الممارسة دربةً واقتداراً.
              وهذا أسطى في فن ابتداع المتسولين وذوي العاهات، يأتيه المرء سليماً فيخرج من لدنه وقد تمتع «بنعمة» العمى أو العرج!، وكيف لا تكون تلك العاهة أو قرينتها نعمة مادامت تُدِرُّ على صاحبها أموال السذج من الخيرين والرحماء؟
              والفرانة وزوجها لا تعذب لهما الحياة إلا إذا كانت السياط وسيلة التفاهم، فهما منحرفان، والبيئة الفقيرة التي نشآ فيها جعلتهما ينحوان هذا المنحى المعوج.
              عشرات من هذه الشخصيات تترادف في رواية «زقاق المدق» التي كتبها الأستاذ نجيب محفوظ ليصور صورة حي من صميم المجتمع المصري، وليجلو عادات توارثها المصريون أو اقتحمت عليهم حياتهم بسبب ما ضُرِب عليهم من جهالة وأمية.
              وهذا النوع من الكتابة الروائية جديد في اللغة العربية، لأن القصة لا تدور أحداثها حول بطل أو بطلين، بل ينهض بدور البطولة فيها سكان زقاق المدق بأسرهم، لكل نصيب يؤديه، ولكل رسالة يُحققها، فتجتمع من أعماهم وأقوالهم صورة تتدفّق الحياة في جنباتها، وتسري فيها دلائل الحيوية الحقيقية.
              أما الطابع الغلاب على رواية «زقاق المدق» فهو طابع المرح المقترن بالسخرية، ففي كل بضعة أسطر ملحة أو فكاهة، ولكنك تدرك على الفور أن الأستاذ محفوظ لا يقصد بها إلا السخرية والازدراء. يذكر لك عادات تأصلت بين أفراد الطبقة الدنيا، ولكنه لا يكتم عدم رضاه عنها، ويحملك معه على أن ترثي لحالة أولئك السادرين في غي الجهالة!
              ويحسن الأستاذ محفوظ تصوير نوازع النفس البشرية، وما ذاك إلا لأنه ينتمي إلى المدرسة الواقعية التقريرية. فهو يرى أن من مهمة القاص أن يُصوِّر، وحسبه هذا العمل. أما أن يُلقي مواعظ ودروساً ويسوق عبارات الحكمة والقول المأثور فذا افتعال ينأى عن حياة الواقع، ويُبرز للقارئ ناحيةً تغلب عليها الكلفة والصنعة.
              وعلى الرغم من كثرة الرجال والنساء الذين زج بهم الأستاذ نجيب محفوظ في هذه الرواية، لم تخنه الملكة الفنية مرة واحدة، فلم يجعل أحداً منهم يتصرف تصرفاً يُناقض فيه نفسه، ولم يجعل هذه «الزحمة» تُفلت منه زمام الوحدة القصصية، فقد رُبِطت الرواية من أولها إلى نهايتها ربطاً محكماً، وسُلسلتْ حوادثُها تسلسلاً عاديا واقعيا. ومن ثم جاءت رواية مصرية بحت، عليها طابع قومي غير مقلد ولا مشوش.
              إن نجيب محفوظ يسير إلى الأمام، وروايته الجديدة تسبق سابقتها بخطوات واسعة.
              ـــــــــــــــ
              (4) المصدر: نشرت في «منبر الشرق»، في 30/4/1948م، وأُعيد نشرها في كتاب د. علي شلش: نجيب محفوظ: الطريق والصدى)، ص ص264-267.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                ليتني كنتُ لقيطاً

                بقلم: وديع فلسطين
                ...............

                «لويس فلسطين» مدرس مصري يعمل في وزارة المعارف المصرية، وقد اختارته هذه الوزارة نفسها للسفر على نفقتها الخاصة إلى أسبانيا في بعثة دراسية في معهد فاروق الأول. وهو مصري قبطي صعيدي، وأبوه مصري قبطي صعيدي،وجده مصري قبطي صعيدي، وأسرتُه كلها مصرية أباً عن جد، ونسباً بعد نسب، ولم يسبق له أو لأحد من أسرته أن غادر مصر، لا مُهاجراً ولا سائحاً ولا مُتنزهاً حتى يُمكن أن يُشك في اختلاط الدم أو النسب أو الأصل.
                وأرسلت وزارة المعارف المصرية خطاباً إلى وزارة الداخلية تطلب فيه منح جواز سفر مصري لهذا الشاب المصري ليُسافر في البعثة المصرية التي ستعود بالنفع ـ آخر الأمر ـ على مصر. فطلب موظفو إدارة جوازات السفر شهادة ميلاد الشاب، فقدمها لهم، ولكنها لم تكف لإثبات مصريته.
                فطلبوا منه شهادة القٌرعة فقدّمها لهم، ولكنها لم تكف.
                ثم طلبوا شهادة قرعة والده فقدّمها لهم، ولكنها لم تكف.
                ثم طلبوا شهادة من الكنيسة التي يتبعا فقدّمها لهم، ولكنها لم تكف.
                ثم طلبوا شهادة ميلاد أبيه، أبيه المولود من خمسة وسبعين عاما، والمتوفى منذ خمسة وعشرين عاماً، وذلك لأن حضرات الموظفين الأكفاء الأذكياء يريدون الاطمئنان إلى أن جد هذا الشاب كان مصريا.
                وأنا أتحدّى حضرة مدير عام إدارة جوازات السفر أن يُبرز لنا شهادة ميلاد والده لنعرف منها هل كان جده مصريا أو غير مصري!
                إن تصرفات إدارة جوازات السفر سخف لا مثيل لـه في العالم، سخف تضحك منه العقول البصيرة.
                ولو كان «لويس فلسطين» لقيطاً وُجِد على قارعة الطريق، لما وجد من يطعن في جنسيته من موظفي وزارة الداخلية لأن القانون يعتبر كل لقيط مصريا قحا، ولو كان أجنبيا ابن أجنبي، أما الأشراف أبناء الأشراف، والمصريون أبناء المصريين، والقبط الفراعنة أحفاد القبط الفراعنة فإن حضرات موظفي وزارة الداخلية يطعنون في جنسيتهم، ويدّعون من الذكاء والحذق ما يجعل جميع أعمالهم حماقة خرقاء.
                أما وقد أعيانا محادثة حضرات الموظفين في إدارة الجوازات كباراً وصغاراً، فليس أمامنا إلا أن نعرض شكوانا هذه على معالي فؤاد سراج الدين باشا ليتفضل فيأمر باستخراج جواز السفر، حتى يكون هذا الشاب في مدريد قبل بدء الدراسة بأيام.
                ــــــــــــــ
                المصدر: وديع فلسطين: إلى معالي وزير الداخلية: ليتني كنتُ لقيطاً، فجنسية اللقيط المصرية لا يُطعن فيها، ما رأي معالي فؤاد سراج الدين باشا؟، صحيفة «المقطم»، في 1/10/1951م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  سفير الأدباء: وديع فلسطين
                  في مقعده بين المتفرجين شاهد على أجيال الأدب


                  حاوره: أ. د. حسين علي محمد

                  تخرج وديع فلسطين في قسم الصحافة من الجامعة الأمريكية عام 1942م، وفور تخرجه عمل بجريدة "الأهرام"، وفي الفترة ما بين (أول مارس 1945-ديسمبر 1952م) عمل محررا في "المقطم" و"المقتطف"، فرئيساً للقسم الخارجي بالمقطم، فمحرره السياسي والدبلوماسي، وناقده الأدبي، ومعلقه الاقتصادي وممثله في المؤتمرات الصحفية حتى انتهى به الأمر إلى ممارسته لجميع اختصاصات رئيس التحرير دون أن يُكتب اسمه بهذه الصفة على "ترويسة" الجريدة.
                  ولقد نشر في "المقتطف" عشرات المقالات والدراسات (تأليفاً وترجمةً) كما كتب فصولاً في العلوم، والنقد الأدبي، والقصة، وكان القارئ يجد له في العدد الواحد أكثر من مادة منشورة.
                  ولقد أصدر حتى الآن تسعة عشر كتابا بين تأليف وترجمة، أشهرها كتابه "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" 1959م، كما كتب مئات الفصول في دراسة الأدب ونقده أهمها:
                  1-حلقاته عن "الأدباء المهجريين" ، ونشرها في مجلات مختلفة مثل: "المقتطف"، و"الرسالة"، و"الثقافة"، و"الكاتب المصري"، و"الكتاب"، و"العالم العربي"، و"الأديب"، و"الآداب"، و"العلوم" ... وغيرها .
                  2-حلقاته عن "الأدب والأحذية" التي كتبها في مجلة "الأديب" بعد عودته من مهجره في ليبيا إلى الوطن عام 1970 .
                  3-حلقاته "أحاديث مستطردة" عن صلاته بأدباء العصر مثل: العقاد، وزكي المحاسني، وزكي مبارك، ومصطفى الشهابي، وميخائيل نعيمة ... وغيرهم، وهي دراسات يكتبها في أسلوب فريد قل أن تجد لها نظيراً بين مُعاصريه الآن.
                  وقد كتبت عن وديع فلسطين عشرات الدراسات والقصائد، لعل من أهمها دراسة الدكتور أحمد زكي أبو شادي التي نشرها في مجلة "الهُدى" التي تصدر في "نيويورك" ، في سلسلة أحاديث كـان يزمع أبو شادي كتابتها عن "الأدباء الأقباط" (وقد كتب منها ثلاث حلقات فحسب عن وديع فلسطين ، ومكرم عبيد باشا ، وسلامة موسى ... ثم عاجله الموت).
                  ويعد المفكر العربي الكبير عجاج نويهض في مقال نشرته "الأديب" البيروتية (مارس 1974) كتاب وديع فلسطين "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" مع كتاب آخر لمحمد عبد الغني حسن من أهم الإنجازات الأدبية المُعاصرة في دراسة الأدب ونقدِه.
                  وهذه مواجهة أدبية معه:
                  *أين ترى نفسك في الحياة الأدبية ؟
                  ـ أرى نفسي في أقصى مقعد خلفي من مقاعد المتفرجين على مواكب الحياة الأدبية، وهو مكان آثرته لنفسي بعدما "توظف" الأدب، وصار الأديب يُعرف لا بإنتاجه بل بدرجته الوظيفية أو عضويته للجان والمجالس المختلفة. فإذا توافر الأديب على أداء رسالته في ترهُّب الناسكين كعلي أدهم، أو إذا أبت عليه كبرياؤه أن يُسخِّر شعره في الاسترضاء أو الاستعطاء كمحمود أبي الوفا، أو إذا ضاق بشموخ عقله القالبُ المصبوبُ كمحمود محمد شاكر، أو إذا ازورَّ عن القعود في "قهوة الفن" كمحمود البدوي، فبشرهم بالنسيان حاضراً، وإن كنت على يقين أن المستقبل لن ينساهم مهما استطالت أزمنة الجحود.
                  *وماذا رأيت من مقعدك بين المتفرجين؟
                  ـ رأيت ظواهر أغلبها لا أرتاح إليه، أذكر بعضها في تعميم لا تخصيص: فهناك نزعة احتكارية بادية معالمها في الجو الأدبي كلِّه. فخمسة أو ستة أو عشرة من الأدباء هم الذين آلت إليهم منابر الأدب جميعها؛ فهم في مجلس الفنون، وفي جمعية الأدباء، وفي نادي القصة، وفي اتحاد الكتاب، وفي مجلات الأدب، وفي أركان الإذاعة، وفي "استوديوهات التليفزيون"، وفي منتديات الأدب ومؤتمراته. وهناك إحجام عن التعريف بالكتب الجيدة القليلة الصادرة، و"إسهال" في التعريف بالكتب التي تشول في ميزان النقد. وهناك جنوح إلى الأخذ بأساليب "الموضة" في الأدب. و"الموضة" معناها قيام مناسبة ما، فيتسابق على التأليف فيها الأدباء والشعراء، حتى إذا جاءت مناسبة أخرى سايروا "موضتها"، وهكذا دواليك. وهناك استخفاف بأهم عنصرين من عناصر الكتابة الأدبية، وأعني بهما الأسلوب والفكرة. وما أكثر ما نقرأه، فإذا هو مسلوب من الأسلوب ومحروم من الفكرة.
                  ومن الظواهر التي لا تعجبني في الحياة الأدبية انعدام النقاش الحيوي بين الأدباء، سواء لتقصير من جانبهم، أو لتعسف من دوريات الأدب. فما أكثر ما نُطالعه مما يستحق الرد والنقاش، ولكن باب النقاش لا يكاد ينفتح، ويبقى الرأي منحصراً في جانب واحد لا غير.
                  ولكن أشد ما يفزعني وأنا لصيق مقعدي بين المتفرجين، هو أن أفذاذنا من المفكرين والأدباء إذ يُخلون مكـانهم لا يجدون من توافرت لهم الأهلية لاستخلافهم. فطه حسين والعقاد وسلامة موسى ومصطفى عبد الرازق وهيكل والمازني ومن إليهم قد مضوا عن دنيانا دون أن نستطيع بإنصافٍ أن نشير إلى خليفة لأي منهم. فمع انتشار أسباب العلم والثقافة كان ينبغي أن يكون هناك عشرات من أمثال العقاد وطه حسين يملأون علينا حياتنا الفكرية، ولكن الواقع الصارم يُؤكد لنا أن حياتنا الأدبية خلوٌ من "الخلفاء الأكفاء" لجيل العباقرة.
                  *إلى أي جيل تنتمي من حيث تكوينك الأدبي ؟
                  ـ ليس هينا عليَّ أن أُحدِّد الجيل الذي أنتمي إليه سواء بمطامح شبابي أو بواقع حاضري. ففي شبابي الأول فُتنت "بمدرسة المقتطف" التي خالطتُ أعلامها، وكنت على مودَّات أثيرة بأغلبهم؛ فالدكتور فؤاد صروف وخليل تابت والدكتور فارس نمر وخليل مطران ونقولا الحداد وإسماعيل مظهر وسلامة موسى والأمير مصطفى الشهابي كانوا جميعاً يبذلون لي صداقاتهم الملهمة وأستاذيتهم النيرة، فنشأت ولي من المطامح ما يشدني إلى هذا الجيل الرائد أملاً في أن أكون في غد شعاعاً من أشعتهم، وكنت إلى هذا الجيل مُنجذباً وإلى مناهجه وقيمه واتجاهاته مستجيبا. ولكن احتجاب "المقتطف" كواحدة من أتعس فواجع الأدب، ثم انتهاء جيل الرواد الكبار ، وتعاقب موت المجلات الأدبية والعلمية "كالرسالة" والثقافة" و"مجلة علم النفس" و"الكتاب" و"الكاتب المصري" و"الفصول"، كل هذا أشعرني بأنه ليس في حياتنا الفكرية موضع للأدب الجاد، فقد فشت السوقية، واستهتر الأدباء بالأساليب الرصينة، وجاءت بدعة الشعر الجديد بألفاظه المنكرة "كالغثيان"، و"السأم"، و"القرف"، وسيطر على الحياة الفكرية قوم إلى الجهالة أقرب، فماتتْ فيَّ مطامحي القديمة وإن بقيت على ولائي ووفائي "لمدرسة المقتطف"، أعُدُّ نفسي منها دون أن أكون لها امتداداً.
                  أما الجيل الذي أنتمي إليه بحكم عمري، فلعلي لا أجد بيني وبين أحد منهم مشابهة. وربما كنت أقرب عاطفيا ووجدانيا ومن حيث تذوق الأدب إلى جيل محمد عبد الغني حسن، ومحمد عبد المنعم خفاجي، وعلي أدهم، وحسن كامل الصيرفي، ومصطفى عبد اللطيف السحرتي، ومحمود أبو الوفا مني إلى منْ قُرناء لي من حيث السن، هذا مع مراعاة الفارق الكبير في المنزلة الأدبية بين أساتذتي أولاء وبيني.
                  وهكذا ترى أن مكاني ضائع بين الأجيال، وهي جميعاً تكاد تنكرني، ممَّا يجعلني أوثر الاستقلال على ادِّعاء الانتماء إلى هذا الجيل أو ذاك.
                  (يتبع)

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    *ماذا تقصد "بالأحاديث المستطردة" التي تكتبها عن أعلام المفكرين الذين عرفتهم ؟
                    ـ ليس بخافٍ عليك أن التكتلات أو "الشلل" التي تهيّأت لها أسباب النشوء والترعرع في حياتنا قد نجحت في إخمال ذكر كثيرين من الأدباء الذين لا ينتمون إليها، وإنكار كل فضل لهم في الحياة الأدبية. وهذه الحقيقة نببهتني إلى ضرورة "إثبات وجودي"، أو بتعبير أرباب المعاشات، تقديم "شهادة وجود على قيد الحياة"، فاستصوبت أن أسوق أحاديث مستطردة عن كبار الأدباء مُتوخيا ـ في غير ما تفاخر أو ادعاء ـ أن أسرد طرفا مما كان لي معهم من مودات وُثقى، مؤكدا دائما ما تخلق به هؤلاء الكبار من أريحية أستاذية طوَّعت لهم أن يُفيضوا بعلمهم وأدبهم وتجاربهم على من هم بمقام التلاميذ مثلي. ولئن حسب البعض أنني استهدفت غرضاً أنانيا من سوق هذه الأحاديث، ولئن توهم بعض الفضلاء ـ كالصديق الأستاذ إميل توفيق ـ أنني ابتغـيت الإعراب عن وفاء التلميذ لأساتذته، فقد كان من أهم مقاصدي أن أُبيِّن للجيل الطالع كيف كان أعلام عصر مضى يحدبون على الناشئة ويشجعونهم ويتعهدونهم بالتوجيه والتزكية، وهذا هو ما اصطلحتُ على تسميته "بالأريحية الأستاذية".
                    فالعالم العظيم هو الذي يبذل أسباب العلم لمن يحملونه بعده. أما العالم الذي يقول: لا قبلي ولا بعدي، ويحتكر في صدره وفي ذاته ما استقام له من حظوظ العلم، فهو بتصرفه هذا يُنكر بديهة علمية هي أن العـلم تراث إنساني مبذول للناس جميعاً، ومن الخير الجزيل أن يصرف العالم الكبير بعض جهده في تربية تلاميذ يحملون من بعده المشاعل.
                    "فالأحاديث المُستطردة" ، وإن نسبتني بحق التلمذة إلى أعلام عصري ، فقد أتاحت لي أيضاً أن أُذكِّر التكتلات الأدبية ـ أو الشلل ـ بأن الحياة الأدبية أوسع من أن نحصرها في فئة قليلة لها وحدها حيثيات الأدب ووجـاهاته ، وليس لسواها إلا خمول الذكر.
                    وقد وهِم البعض أنني في هذه الأحاديث المستطردة أؤرِّخ للأدب المُعاصر، ومضوا يُؤاخذونني على إهمال تواريخ الميلاد وتواريخ الوفاة، وإغفالي الحقائق المتعلقة بالنشأة والدراسة، وعدم احتفالي بسرد قوائم مؤلفات أولئك الأعلام، وما إلى ذلك مما يدخل في باب السيرة. ولكنني في حقيقة أمري لم أنشد كتابة تاريخ للأدب، فهي مهمة واقعٌ عِبْؤها على عاتق رجال التاريخ الأدبي. وإنما كان مُبتغاي أن أروي ما ارتسم في ذهنـي وانطبع في قلبي من مُعاصَرة أولئك الأعلام لفرط قربي منهم واتصالي بهم. وطبيعي أن مسؤولية القلم التي أنا بها مؤمن، واعتبارات الأخلاق التي بـها أدين قد ألزمتني ألا أنشر إلا ما هو جائز في عُرف الحق والخُلق، وأما مالا ينفع الناس فلستُ موكَّلا بتسجيله ولا أتاني خبرُه.
                    * عملت في بداية حياتك العملية في "المقتطف" التي مازلت تحمل لها الوفاء والتقدير، فهل ترى أن "المُقتطف" كانتْ تُمثِّلُ مدرسة فكرية مُتميزة؟
                    -إن "المقتطف" يمثل جامعة لا مدرسة ، بمعنى أنه كان دائرة معارف حية يتناول كتابها موضوعات الاقتصاد والزراعة والطب والأدب والشعر ومشكلات الاجتماع والمؤتمرات العلمية، هذا عدا أبواب الكتب الجديدة وسير الأعلام، ومساجلات القراء، وأخبار الحركة الفكرية في البلدان العربية والعالم. ولعلك تدهش إذ تعلم أن "المقتطف" كان في يومهِ رائجاً في الريف بين المشتغلين بالزراعة، لأنه كان يقدم إلى القراء آخر التطورات في مُستحدثات الآلات الزراعية، ومكافحة الآفات، وتربية النحل والبهائم، وما إلى ذلك من الموضوعات. وطبَعِيٌّ إذن أن تتسع هذه الجامعة لكل شيء حتى للآثار وتاريخها، بل حتى لموضوعات تحضير الأرواح، والتراسل الذهني، ولمغامرات الرحالة وصيادي الوحوش في الأدغال.
                    ولما كان معظم كتاب "المقتطف" من أهل العلم والمتطوعين وكلهم لا يشتغلون وظائف تحريرية مأجورة في المجلة، فقد تفاوتت أساليبهم ومناهجهم واتجاهاتهم، ولكنها جميعاً تشترك في خصائص معينة هي الوضوح الكامل مهما كان الموضوع فيها شديد التعقيد، والحرص على اللغة العربية كأداة للتعبير حتى عن المصطلحات الأجنبية العلمية، ثم الحرية المطلقة في التعبير عن الآراء، باستثناء موضوعين كانت المجلة تتحاشاهما، هما الدين والسياسة.
                    وأعتقد أن هذه المجلة مازالت تحتفظ بجدية موضوعاتها إلى اليوم، وهي مرجع لا غنى عنه لأي دارس للحركة في البلاد العربية في القرن الأخير، وقد عمَّرتْ 77 عاماً.
                    *ما دور هذه المجلة في الحركة الفكرية في العالم العربي؟
                    ـ أنشئت مجلة " المقتطف" في بيروت عام 1876م، وانتقلت إلى مصر في عام 1884م، وظلت تصدر بصورة شهرية منتظمة إلى آخر عام 1952م، أي أنها عاشت سبعة وسبعين عاما، وكانت وقتها أطول المجلات العربية عمراً، وإن كانت "الهلال" واصلت السير حتى كادت أن تتم عامها المئة.
                    وكانت "المقتطف" طوال عمرها الممتد منبراً رصيناً للعلوم والمعارف جميعاً، كما شارك في تحريرها كبار العقول العربية في أكثر من ثلاثة أرباع قرن، عدا ما كانت تنشره من ترجمات عن المجلات العلمية المتخصصة لمسايرة التطورات في الميادين العلمية والصناعية والعمرانية.
                    أًحصِ وجوه الأمة العربية فلن تجد منهم أحداً تخلف عن المساهمة في تحرير "المقتطف"، مثل: أحمد شوقي، والشيخ محمد عبده، والشيخ جمال الدين الأفغاني، وخليل مطران، وشبلي شميل، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، والشيخ عبد القادر المغربي، والأمير مصطفى الشهابي، والفريق أمين باشا المعلوف، وعيسى اسكندر المعلوف، وأحمد زكي أبو شادي، والدكـتور فيليب حتي، ومصطفى صادق الرافعي، وشيخ العروبة أحمد زكي باشـا، وميخائيل نعيمة، وجميل صدقي الزهاوي، والأب أنستاس ماري الكرملي، وإيليا أبو ماضي، وعلي محمود طه، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وسلامة موسى، ومي زيادة، والأمير شكيب أرسلان، والدكتور أمير بقطر، ولطفي السيد باشا … إلخ.
                    وقد أنشأ هذه المجلة أستاذان شابان يُدرِّسان العلوم في جامعة بيروت الأمريكية لينشرا فيها خُلاصة لما يطِّلعان عليه من بحوث علمية في المجلات الغربية المتخصصة. وحمل عددُها الأول الصادر في مايو 1876م عبارة "جريدة علمية صناعية" لمنشئيْها: يعقوب صرُّوف معلم الفلسفة الطبيعية والرياضيات وفارس نمر المعيد في المرصد ومعلم علم الهيئة واللاتيني في المدرسة الكلية السورية (وهو الاسم القديم لجامعة بيروت الأمريكية). ولكن المجلة لم تلبث أن اتسعت لبحوث أوسع نطاقا من مجرد "العلوم" و"الصناعة" ، ممَّا أزعج السلطات العثمانية الحاكمة ، فنقلا المجلة إلى القاهرة حيث وجدت ترحيباً من شريف باشا رئيس الوزراء، وأصدرا إلى جانب هذه المجلة الشهرية جريدة يومية اسمها "المقطم" في عام 1888م.
                    وقد اختص الدكتور يعقوب صروف بتحرير مجلة " المقتطف"، في حين توافر زميله الدكتور فارس نمر باشا على تحرير"المقطم". وتعاقب على تحرير "المقتطف" يعقوب صرُّوف، ثم ابن أخيه فؤاد صرُّوف، ثم الدكتور بشر فارس، وإسماعيل مظهر، ونقولا الحداد، وأخيرا سبيرو جسري الذي صحّح اسمه إلى سامي الجسري.
                    ولو قلب القارئ مجموعة "المقتطف" الصادرة في (77) عاماً، أو حتى فهرسها المنشور في ثلاثة مجلدات ضخام، لتبيّن أن هذه المجلة الباذخة تناولت جميع قضايا العصر من اقتصادية وأدبية وعلمية ومن نظريات سياسية وفلسفية ومذهبية، وأنها كانت سجلا عظيما لكل ما عمر به هذا العصر من مظاهر الإبداع الفكري والحضاري، وإليها يرجع الفضل في نشر أول معجم للفلك، وأول معجم للحيوان، ومعجم للنبات، وهي التي ترجمت نظرية أينشتين، ووصلت أدباء المهجر بأدباء الوطن المقيم. وكانت المجلة في كل تاريخها مجلةً علميةً رصينةً، تجتنب المهاترات وترحِّب بالمناقشات الجادة، وإن كانت آلت على نفسها ألاَّ تخـوض في المسائل الدينية والمسائل السياسية (باستثناء النظريات السياسية) لتنأى بنفسها عن ميادين الجدل العقيم .
                    وقد عاصرت السنوات العشر الأخيرة من عمر "المقتطف"، وكنتُ من محرريها ومديريها المسؤولين، وكانت لنا في مقرها ندوة أسبوعية عمرتْ بوجوه كريمة من رجال الأدب والعلوم والفلسفة. وفي اعتقادي أن احتجاب "المقتطف" خسـارة لا تُعوَّض، وأن الدور الذي أدَّتْه في الحياة الثقافية العربية يحتاج إلى دراسة جادة.
                    ومن أسف أن ندوة المجلات العربية التي أقامتها مجلة "العربي" بمناسبة احتفالها بانقضاء ربع قرن على إصدارها قد شهِدتْ أحكاماً متسرِّعة جائرة على مجلة "المقتطف"، ولم ينْبَرِ أحد للرد عليها إنصافاً للتاريخ الفكري لأمتنا العربية.
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      *ترجمت في أول حياتك الأدبية مسرحية "الأب" للأديب السويدي سترندبرج ، فلماذا لم تترجم مسرحيات أخرى وأنت صاحب أسلوب عذب ؟
                      - إنني بعد تخرجي من الجامعة عام 1942م لاحظت انعدام المكتبة المسرحية انعداماً كاملا في الأدب العربي، كما لاحظت أن كبار المثقفين يجهلون روائع المسرح الغربي، فقررت أن أسد هذه الثغرة بادئاً بمسرحية "الأب" التي ترجمتها في ثلاثة أيام عام 1942م، ولم يتسن نشرها إلا عام 1945م عندما اتصلت بلجنة النشر للجامعيين وأعضائها العاملين: عبد الحميد جودة السحار، ونجيب محفوظ، وعادل كامل، وعلي أحمد باكثير.
                      وثنيت بترجمة مسرحية "دعوى قذف" لإدورد وول، وحاولت نشرها في نفس السلسلة (سلسلة الجامعيين)، ولكن السحار ثبَّط همتي، وأفهمني أن المسرحيات للتمثيل لا للمُطالعة، وطويتها ضمن أوراقي إلى هذا اليوم، ولم أحاول بعثها في ثلاثين سنة كاملة، وكنت قطعت شوطاً في ترجمة مسرحية ثالثة عنوانها "الطريق المقفر" للمسرحي النمسوي آرثر شنتزلر، ولكنني نفضت منها اليدين زهداً في بضاعة لا سوق لها.
                      ومع أنه ظهرت بعد ذلك سلاسل جديدة للمسرحيات: واحدة أصدرتها وزارة الثقافة، وواحدة أصدرها عبد الحليم البشلاوي، وثالثة مازالت تصدر في الكويت، فلم أُحاولْ طرْقَ أي من هذه الأبواب.
                      *أنت صادقت معظم أدباء العالم العربي وراسلت الكثير منهم، فلماذا لا تنشر رسائل الراحلين منهم حتى تفيد تاريخ الأدب بنظراتهم وآرائهم، ولعلك اطلعت على ما نشره صديقكم "نقولا يوسف" من رسائل عبد الرحمن شكري في مجلة "الأدب"، فقد أفاد منها كثير من الباحثين.
                      -أخبرك أن لديَّ أطنانا من رسائل الأدباء تلقيتها منذ أكثر من ثلاثين سنة ولم يضع منها شيء. وصحيح أن نقولا يوسف نشر رسائل عبد الرحمن شكري في مجلة "الأدب"، كما أن الدكتور فؤاد صروف نشر رسائل شكري في مجلة "الأبحاث" البيروتية، ونشر أحمد محمد عيش رسائل الزهاوي، ونُشِرت كذلك رسائل الرافعي إلى الشيخ محمود أبي ريَّة، ورسائل مي وجبران، ومي ولطفي السيد، ورسائل أمين الريحاني، ورسائل الأمير شكيب أرسلان، ورسائل الحبيب بورقيبة إلى محمد علي الطاهر، ورسائل الأب الكرملي وأحمد تيمور باشا، ورسائل الشيخ محمد رشيد رضا ... وقد اطلعت على هذه الرسائل جميعاً، وأغلبها تحت يدي، ولكن لي رأيا أعلنته غير مرة، وهو أن رسائل الأدباء من الخصوصيات التي تُعرِّض أصحابها لأشد الحرج في حالة نشـرها كما أنها تسيء إساءات بالغة إلى كاتبيها، إذا كانو فيها صُرحاء، ولم يكتموا ما في صدورهم، ولذا أرفض رفضاً باتًّا نشر ما عندي من رسائل وقد جاءتني من أعلام معاصرين، ومن أعلام مفكري الأمة العربية، ومن جميع الطبقات، هذا مع العلم بأنني لو نشرت هذه الرسائل لدخلت تاريخ الأدب من أوسع أبوابه، لأن فيها من عبارات الثناء الموجهة إليَّ ما يجعلني كبيراً في نظر الناس. وحسبك أن تعرف أن من هذه الرسائل التي عندي ما جاءني من الأمير مصطفى الشهابي، وسلامة موسى، والعقاد، والشاعر القروي، وإسماعيل مظهر، وسيد قطـب، وأحمد أمين، وفارس نمر باشا، وخليل تابت باشا، ومحمد علي علوبة باشا، ومفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني، ورئيس حكومة عموم فلسطين أحمد حلمي باشا، وصالح حرب باشا، والدكتور حافظ عفيفي باشا، وعادل زعيتر، وأكرم زعيتر، وقدري حافظ طوقان، وعلي أدهم، وأبو رية، ومحمود أبو الوفا، والشيخ علي عبد الرازق باشا، وعبد الرحمن الرافعي بك، وعبد القوي أحمـد باشا، وحسين فهمي بك، والدكتور فؤاد صروف، والدكتور قسطنطين زريق، ومحمد علي الطاهر، وبولس سلامة، ونزار قباني، وأمين نخلة، ومحمد جميل بيهم، ونظير زيتون، وإلياس فرحات، وجورج صيدح، وإلياس وزكي قنصل، وأبو شادي، والدكتور فيليب حتى، والمستشرق جرمانوس، والدكتور أمير بقطر، وطاهر الطناحي، وعادل الغضبان، وإبراهيم المصري، وما شئت من أسماء الأحياء من الأدباء في مصر، والبلاد العربية، والمهاجر، وديار الاستشراق.
                      *هل يعني ذلك أن معظم النقد المكتوب اليوم لا يقوم بدوره في الحياة الأدبية بخاصة والثقافية عموماُ؟ وفي توجيه القارئ إلى الكتب الجيدة؟
                      -لكي تكتمل رسالة النقد لا بد أن يجتمع لها ثالوث يتمثل في المؤلف أو صاحب الكتاب المنقود، والناقد الذي يضطلع بتقييم الأثر المنقود، ثم القارئ الذي خوطب عن طريق الصحيفة أو المجلة بكلام الناقد. وكنت على مدى العمر أنتقي ما يهمني من الكتب الجيدة استناداً إلى آراء النقاد المنشورة، ولا سيما النقاد الذين أورثوني ثقةً في كتاباتهم، وبت أرتضي شهادتهم قبل أن أدفع ثمن الكتاب، ولكنني كففت عن الاحتكام إلى آراء نقّاد هذا الجيل في الكتب الجديدة الصادرة، بعد ما خابت ظنوني في موازينهم النقدية.
                      ففي ما يتعلّق بمدارس الشعر الجديدة التي خرجت على قواعد الخليل وثارت عليه، والتي وجدت نُقّاداً يتحمسون لها من الدكاترة وغير الدكاترة، فقد حفزتني الرغبة في متابعة هذه المدارس الجديدة ـ أو قل هو الفضول الذي دفعني إلى ذلك ـ في قراءة كم ضخم من الآثار التي جاء بها المحدثون، سواء في مجلة "شعر" اللبنانية التي طالعت كل ما نُشِر في عمرها، أو في الدواوين الصادرة، وألفيتني ـ بتحكيم ذوقي الخاص ـ أستشعر التعرض لعملية خداع ضخمة من جانب النقاد الدكاترة وغير الدكاترة، الذين حاولوا تزيين القبيح وتجميل "الكلام الفارغ" من أمثال: "وشربتُ شاياً في الطريق، ورتقتُ نعلي"! و"أُضاجع سريري كل يوم، أضاجعه فلا يحبل"! إلى آخر هذا "الكلام الفارغ" الذي احتفى به ـ وما انفك يحتفي به ـ دكاترة النقد وصبيانهم!
                      والناقد الذي يحترم رأي القارئ وذوقه يستحيل عليه أن يُطري مثل هذا "الكلام الفارغ" سواء باسم الإبداع، أو بأي اسم آخر يخترعونه من معاجم مصطلحاتهم الغامضة.
                      *قدّمت لنا مثالاً للشعر الذي تعدُّه "كلاماً فارغاً" ومع ذلك احتفى به النقاد، فهل تُقدِّم لنا مثالاً من النقد المعاصر الذي لا يُعجبك حتى يكون القارئ على بينة؟
                      -من قبيل التمثيل أورد فقرة من مقال نقدي نُشر في مجلة "فصول" المصرية (عدد يناير 1992)، وقد جاء فيه: "وشواغل اللغة يجب أن تكون في منطقة وسطى بين التجريد والتجسيد، بمعنى أن تبتعد قدر إمكانها عن مفردات الوقائع الجزئية، وأن تتحاشى ـ إلى حدٍّ ما ـ الهموم اليومية النمطية، وإن كان هذا لا ينفي إمكان تسرُّب بعض هذه المُفردات إلى الشخوص أو الأحداث في أوقات بعينها تقتضيها الطبيعة الدرامية (وهذا يعني وجود الوعي بها حتى مع غيابها) بل من المسموح به أن تتحول اللغة ـ في مواجهة مثل ذلك ـ إلى كائن صامت يرمز للغائب، ويستحضره بالصمت، أكثر مما يستحضره بالكلام"!
                      وأقر ـ بادئ ذي بدء ـ بجهلي الفاضح في فهم هذا الكلام المنقول بنصِّه. فما معنى أن شواغل اللغة يجب ـ أي من الحتم ـ أن تكون في منطقة وسطى بين التجريد والتجسيد؟ وما معنى أن من المسموح به (ومن سمح بذلك؟) أن تتحوّل اللغة إلى كائن صامت يرمز إلى الغائب ويستحضره بالصمت أكثر مما يستحضره بالكلام؟ (فهل هناك لغة صامتة ولغة متكلمة؟ لعلها توجد في عالم الخُرس، وليست في عالم الأدب الذي وسيلته الأولى هي اللغة مكتوبة ومنطوقة).
                      * أخيراً .. لماذا أنت مقل في الكتابة هذه الأيام ؟
                      ـ إنني وإن كنت سيَّال القلم ـ كما وصفني رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق ـ فإنني أعد نفسي مُقلا بالنسبة لما في ذهني من موضوعات أُحـب الكتابة فيها، ورغبـات أشتاق إلى تنفيذها، ولكني مضطر إلى صرف نحو 18 ساعة يوميا في العمل المتصل برزقي، فلا يبقى لي بعد ذلك من الجهد أو الوقت أو صفاء البال ما تهون معه تأدية تبعات الأدب على الوحه الذي أحب.
                      *ما مشروعاتك الأدبية الحالية ؟
                      ـ المشروع الذي أتوافر عليه هو إخراج أربعة دواوين مخطوطة مات عنها المرحـوم الدكتور أحمد زكي أبو شادي في أمريكا ولم تر النور منذ وفاته في[12 من أبريل ] عام 1955م، ويُخشى عليها من الضياع. وقد تكرمت الأديبة صفية أبو شادي ابنة رائد جماعة أبولو، فوضعت تحت تصرفي النسخ الأصلية المخطـوطة لهذه الدواوين، وقمت من ناحيتي، وفاءً لهذا الصديق العظيم، بإعدادها للنشر مع هوامش رأيت ضرورة إثباتها من قبيل الإيضاح. وقد وُفِّقتُ فعلا إلى إصدار أول هذه الدواوين وعنوانه " الإنسان الجديد"، وبقية الدواوين الأربعة تنتظر دورها لدخول المطبعة.
                      وفي المهاجر الشمالية والجنوبية في أمريكا عشرات من المخطوطات من دواوين الشعراء ومؤلفاتهم، وقد مات عنها أصحابها، وآلت إلى أبناء يجهلون العربية. فليت هيئاتنا الثقافية تنبري للاتصال بهؤلاء ومحاولة إنقاذ هذه الآثار قبل أن تتبدَّد إلى الأبد. وإذا كانت هيئاتنا الثقافية تُعنى بتصوير المخطوطات المحفوظة في المكتبات العالمية، فأحرى بها أن تُعنى بهذه المخطوطات التي آلت إلى من لا يعرفون قيمتها أو لغتها، والتي مصيرها المؤكد الضياع، إن لم تكن ضاعت فعلا.
                      .................... .......
                      *نشر في مجلة "الفيصل"، العدد (262) أغسطس 1998م، ص75-79.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        من تجربتي في الصحافة (1)

                        بقلم: وديع فلسطين
                        ...............

                        إن أي حديث عن تجربتي لن يبرأ من التفاخر "بأنا" والتحدث عن "الذات"، فأستعيذ بالله من كلام يدور حول شخصي، وأعتذر للقارئين إن هم ضاقوا بكلام مُرسَل يمتاح من معين الذاكرة، ويُصوِّر جوانب من عمر تقضَّى في العمل الصحفي في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من هذا القرن.
                        البداية كيف كانت؟
                        دخلت عالم الصحافة على تهيُّب شديد، من الباب الأكاديمي، فدرست علوم الصحافة نظراً وعملاً في معهد الصحافة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكنت من أوائل الخريجين المؤهلين من معهد هو أول معهد على شاكلته في الشرق الأوسط، فقد سبق جميع معاهد الصحافة الأخرى. وكانت الأجيال التي سبقتني إلى العمل في الصحافة إما تحمل شهادات من كليات الحقوق أو الآداب، وإما اقتحمت الميدان بالاجتهاد الذاتي وبغير مؤهلات جامعية، واكتسبت بمضي الوقت الخبرة والشهرة والحيثية الاجتماعية!
                        وقد تهيَّبت هذا الميدان لاعتبارين أساسيْن:
                        أولهما: أن استعدادي الفطري كان استعداداً علميا، وكنت أُهيِّئ نفسي للالتحاق بكلية من كليات الدراسات العلمية (الطب أو الصيدلة أو العلوم)، لكنني اضطررت إلى تغيير اتجاهي بسبب ما كانت هذه الكليات تتقاضاه من مصروفات باهظة تؤرِّق أسرتي.
                        وثانيها: لأنني كنتُ ـ بحكم صعيديتي التي جُبلْتُ عليها ـ كثير الانطواء على النفس وكثير الخجل، في حين أن الصحافة تتطلَّب قدراً كبيراً من الانبساط والجرأة والثقة بالنفس، لأنها تحتم على المشتغل بها أن يتعامل مع دهاقنة الساسة من محليين وأجانب.
                        كما كان من أسباب تهيبي أن الباشوات كانوا يحتلون مراكز الصدارة سواء في ملكية الصحف أو تحريرها، مثل جبرائيل تقلا باشا، وأنطون الجميِّل باشا في "الأهرام"، والدكتور فارس نمر باشا وخليل تابت باشا وكريم ثابت باشا في "المقطم"، وفكري أباظة باشا في "المصور"، وعبد القادر حمزة باشا في "البلاغ"، وإدجار جلاّد باشا في "الزمان" و"الجورنال ديجبت"، والدكتور محمد حسين هيكل باشا في "السياسة".
                        وقد عرفت معظمهم وألفتهم أكثر تواضعاً ممن لا يحملون هذه الرتبة الرفيعة! وكنت في ذلك الحين أقول لنفسي: كيف يتأتّى لك وأنت ناشئ بسيط الحال لم يسبق لك تعامل مع الباشوات ولا حتى مع البكوات أن تعمل معهم، ناهيك عن أن تًنافسهم؟
                        لكن تسلُّحي بشهادة في الصحافة ـ التي سوّغت لي أن أُوَقِّع كتاباتي الأولى ممهورة بعبارة "بكالوريوس في الصحافة" وضعتني في بداية كريمة من سلّم العمل الصحفي، ولم ألبث بالاجتهاد الشخصي والتوسُّع في المُطالعات واستشراف المُثُل العُليا وعقد الصلات أن "حفرت" لنفسي زاوية في الصرح الصحفي في تلك الأيام، برغم أنني كنت في العشرينيات من عمري.
                        ولقد كان من حظي الموفق أن عملت في دار "المقتطف والمقطم"، بعد فترة قصيرة قضيتها في إدارة جريدة "الأهرام"، وهي دار كانت تُصدر مجلة علمية ثقافية عريقة هي "المقتطف"، وجريدة مسائية عتيقة هي "المُقَطَّم"، فوزّعت عملي بين هذه وتلك. وما زلت أحس بدين عميق في عنقي للرجلين العظيمين اللذين عملت تحت إشرافهما المباشر في هذه الدار، وهما خليل تابت باشا في "المقطم"، والدكتور فؤاد صروف في "المقتطف"، فقد حرصا على تعهُّدي لا بالتوجيه والتشجيع فحسب، بل بإعطائي فرصة كاملة للتدريب على جميع فنون الصحافة بالتنقل بين أقسام الجريدة المختلفة حتى تتأصَّل فيّ الاستعدادات لمعالجة الترجمة وكتابة التعليقات السياسية والاقتصادية وكتابة المقالات العلمية وإجراء الأحاديث مع كبار المسؤولين والزائرين، وتلخيص الكتب الأجنبية وعرض الكتب العربية ومتابعة المحاضرات العامة التي كانت منابر القاهرة الكثيرة تحتفي بها، وإجراء التحقيقات الصحفية، وهلم جرا.
                        وكان "المقطم" يتميّز عن غيره من الصحف بمقالات الصدر (الافتتاحيات) التي كان يكتبها خليل تابت باشا، فلما آثر التقاعد أسند إليَّ مهمة كتابتها (على الرغم من أن نصف قرن كاملاً كان يفصل بين عُمرينا)، فصرت أعقد مقالا رئيسيا حول قضية داخلية أو خارجية يُنشر في الصفحة الأولى بعنوان ثابت هو "في السياسة الدولية"، ومقالا تكميليا يتضمّن تعليقات سريعة على الأحداث المحلية والدولية يُنشر في الصفحة الأخيرة بعنوان ثابت هو "عجلة الحوادث"، وظللتُ أُتابع كتابة هذه الفصول يوميا إلى أن أُغلِقت جريدة "المقطم" في أواسط نوفمبر 1952م، أما "المقتطف" وهي مجلة شهرية مشهورة ـ فقد واليتُ اختصاصها بمقالات أدبية وعلمية إلى أن احتجبت في ديسمبر 1952م، بعد سبعة وسبعين عاما كاملة.
                        الحرب العالمية ومطالعاتي العلمية
                        كانت الحرب العالمية الثانية مُشتعلة الأوار في فترة اشتغالي اليومي بالصحافة الهادرة، عندما بوغتنا في يوم من أيام أغسطس 1945م بطوفان من برقيات وكالات الأنباء تروي أنباء إلقاء قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما، وأخرى على مدينة نجازاكي في اليابان، فأحدثتا تدميراً ماحقاً في المدينتين عجَّل بنهاية الحرب. وكانت وكالات الأنباء تفيض في شرح النظرية العلمية التي قامت عليها القنبلة الذرية مستخدمةًَ في ذلك مصطلحات علمية عويصة. ومن محاسن الاتفاق أنني كنت شديد القرب من أستاذي فؤاد صروف الذي كان ينشر في المقتطف" فصولاً كثيرة عن "فلق نواة الذرة" وعن سلسلة التفاعل التي يُحدثها هذا الفلق، فتنطلق منها طاقة هائلة تكتسح كل ما أمامها. وكنتُ وقتها أُطالع هذه الفصول من قبيل التزوُّد بالجديد من أخبار العلم فاستقرت في ذهني صورة عامة للذرة وأفاعيلها، كما ترسّخت في ذاكرتي المصطلحات العلمية التي سكَّها أستاذي فؤاد صرُّوف في هذا الباب. فلما داهمتنا أخبار القنبلة الذرية، لم أُصادف مشقة في ترجمتها إلى العربية ترجمةَ واضحة، ولا في التعليق عليها تعليقاً يتفق مع قواعد العلم التي حصَّلتُها بالمتابعة الحديثة لكتابات أستاذي صرُّوف.
                        وفوجئنا ذات يوم بوكالات الأنباء تحمل إلينا نبأ انتحار وزير البحرية والدفاع الأسبق في الولايات المتحدة في مايو 1949م، بأن ألقى بنفسه من إحدى ناطحات السحاب فلقي مصرعه، وعُرِف بعد ذلك ـ وهو ما ثبت من مطالعة مذكراته ـ أنه انتحر بسبب مضايقات صهيونية، فعقد ت مقالاَ عن جيمس فورستال ـ وهذا اسمه ـ اجتهدتُ في تحليل شخصيته من الناحية النفسية، وتفسير الدوافع التي جعلته يُلقي بنفسه منتحراً. وفي اليوم التالي تلقّيت رسالة من عميد علماء علم النفس في مصر ـ أستاذي وصديقي الدكتور أمير بقطر ـ أثنى فيها على صدق تحليلي قائلاً: إن الرأي الذي انتهيْت إليه هو الرأي الصائب من الوجهة النفسية. فتأكَّد لي أن الذخيرة التي حصَّلتُها من مطالعات سابقة في علم النفس وفي سواه من أبواب المعرفة قد دلَّتْني على المحجة السليمة.
                        (يتبع)

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          تدريس الصحافة
                          وقد عملت بتدريس علوم الصحافة في الجامعة الأمريكية بين عامي 1948-1957م، وحرصت على أن أؤكِّد لطلابي ضرورة الفصل بين الخبر من حيث هو واقعة يتعيّن إيرادُها بمنتهى الصدق والحياد دون أي تستُّر أو تحوير، وبين المقال الذي يصح لكاتبه أن يتخذ أي زاوية يراها للتعليق على ما جاء في الخبر. ولكن الخلط بين الخبر والرأي خطأ لا يجوز في العُرف الصحفي الصحيح. وكان من الطبيعي أن أُطبِّق عمليا ما كنتُ أُدرِّسه نظريا.
                          وعندما توالت الانقلابات في سورية، شنَنْتُ في مقالاتي حملة شعواء على قادة الانقلابات المتتالين: حسني الزعيم، وسامي الحنّاوي، وأديب الشيشكلي. فلما زار الشيشكلي مصر عام 1952م حرص سفير سورية في مصر (وهو الأديب العالم الصديق الأمير مصطفى الشهابي) على ترتيب لقاء بيني وبينه، فقلت للشيشكلي: من حقك أن أورد أقوالك بالحرف الواحد، ولكن من حقي أن أُعقِّب عليها في افتتاحياتي وفقاً لما أراه، وقد كان.
                          ولا ريب في أن الصحفي إذْ يرى الناس ساعيةً إليه، حاسبةً حسباناً لما يكتبه، مُعرَّض لأن يستشعر قدراً كبيراً من الأهمية، وربما النفوذ. حتى إن نقيب الصحفيين فكري أباظة باشا قال في حفل أُقيم لتكريمي بمناسبة فوزي بجائزة فاروق الأول للصحافة الشرقية عام 1949م، إنه بعد متابعته لمقالاتي أُعجب بقدرتي على مصاولة تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، وأنطوني إيدن وزير خارجيتها، كأنني معهما فرسان تجري في حلبة سباق. وهو قول يورث الغرور، لكن الصحفي مُنتَصَح بأن ينأى بنفسه عن نقيصة الغرور، وأن يستعصم بالرسالة الصحفية الأصيلة، ألا وهي أنه مهما ارتفعت مراتبه، خادم للجمهور الذي يُخاطبه، وخادم للحقيقة التي وُكِّل بأن يسوقها إلى القارئين.
                          تجربة لا أنساها
                          وثمة تجربة مرَّت بي في عملي الصحفي، لا أرى بأساً من إيرادها. فقد اتصل بي صاحب وكالة وطنية للأنباء قائلا: إنه يرغب في الاستعانة بي في وكالته، إلى جانب احتفاظي بعملي في الجريدة. وتوجهّت إليه في الموعد المحدَّد، فألفيت على مكتبه أكداساً من الصحف الأجنبية وجهاز راديو ضخماً يستقبل إذاعات العالم كله. وقال صاحب الوكالة: إن القضية الوطنية هي شاغله الوحيد، وهو لذلك لا يعتمد على مراسلين في العالم الخارجي، بل على الصحف الأجنبية ورصد الإذاعات الأجنبية. وشرح لي كيف يتم تحوير الأخبار التي تمس القضية بحيث تؤول كلها بعد تحويرها إلى خدمة القضية، بغض النظر عن صدقها. ثم دفع إليَّ بكومة من الصحف الأجنبية وجهاز الراديو، ورجاني أن أستخرج من هذه المصادر "أخباراً طازجة" تخدم القضية. وقضيتُ يومين أُحاول فيهما تلفيق الأخبار خدمةً للقضية، فلا ضميري الصحفي استراح ولا أفلحت في هذه المحاولات، فتركتُ لصاحب الوكالة رسالة اعتذار بدعوى ضعف صحتي وعجزي عن الجمع بين عملين. وبعدما كنت أنشر أخبار وكالته في الصفحة الأولى من جريدتي، بت أطرح نشرة الوكالة بقضِّها وقضيضها في سلة المهملات دون أن أفضَّها.
                          مهنة المخاطر
                          وإذا كان الوصف الشائع للصحافة هو أنها مهنة البحث عن المتاعب، فلا إخالنا نُجانب الصواب إذا قلنا إنها مهنة التعرُّض للمخاطر.
                          ومن الحوادث التي لا أنساها أن صديقي الأديب الصحفي فرج جبران زارني ذات يوم وقال لي إن هناك وفداً من كبار الصحفيين الأمريكيين برئاسة نيكر بوكر يزور أندونيسيا، وأنه سيمرُّ بمطار القاهرة لمدة ساعة في طريق عودته إلى بلاده. وقال إنه اتفق مع المسؤولين على ترتيب عشاء للوفد في المطار يضم بعض الصحفيين المصريين لكي يشرحوا لزملائهم الأمريكيين قضية مصر وسائر القضايا العربية، ورجاني أن أكون من جملة المشاركين في هذا العشاء. فقبلتُ الدعوة، وهيّأت نفسي لهذا اللقاء. وفي اليوم الموعود إذْ كنت عاكفاً على قراءة برقيات وكالات الأنباء، فوجئت ببرقية تقول: إن الطائرة التي كانت تُقل الصحفيين الأمريكيين قد سقطت وتحطّمت، وقُتِلَ كل من كان على متنها! ومن غريب المصادفات أن فرج جبران نفسه، الذي كان حريصاً على ترتيب هذا العشاء، لقي بدوره مصرعه في حادث طائرة اختفت فوق البحر المتوسط، ولم يُعثَر لها على أَثَر!
                          فالصحافة ـ من ناحية ـ مهنة المخاطر، كما أنها مهنة المفاجآت من ناحية أخرى، ولابد للصحفي أن يُدرِك أن عمله محفوف بالمخاطر، وأن المفاجآت تكاد تكون خبزه اليومي.
                          وقد يعنّ لسائل أن يسأل عن الحصيلة النهائية للعمل الصحفي، فأقول: إن الصحافة تستهلك العمر والجهد في خدمة قضايا هي بطبيعتها قضايا آنية ومتغيرة، فإذْ أُراجع مثلاً مقالات ضافية نشرتُها حينذاك عن قضية مصر، وكنا قد حصرناها في عبارة "وحدة وادي النيل تحت تاج الفاروق" آسف على المِداد الكثير الذي سَكَبْتُه في الدفاع عن وحدة انفضّت تحت تاج لم يعد له وجود! وإذْ أُراجع ما كتبته في الدفاع عن قضية العرب الثانية وهي قضية فلسطين، أراني لم أُشِر إلى "إسرائيل" إلا بوصفها "مزعومة"، ولم أقنع في كتاباتي إلا بفلسطين عربية كاملة، فلا تقسيم ولا تدويل للقدس، ولا لتكوين دولة فدرالية أو كونفدرالية تكون فلسطين طرفاً فيها. وطبعاً تغيَّرت الصورة اليوم، ولم يعد أحد يزعُم بأن "إسرائيل مزعومة"!
                          وكنا في أيامنا نتحدّث عن حلم "العروبة"، فجاء صديقنا ساطع الحصري وصاغ هذا الحلم في قالب "القومية العربية"، وذهب آخرون إلى تصوير هذا الحلم في عبارة "الوحدة العربية"، وقد تبخَّرت هذه الأحلام لاعتبارات ليس هذا مجال رصدها!
                          وهكذا انفعلنا ككتّاب وصحفيين دفاعاً عن قضايا صارت اليوم غير ذات موضوع، ولا بد إذن أن نُهيل التراب على كل ما نشرناه من موضوعات في القضايا السياسية الآنية المتقلبة.
                          مشاركات أخرى
                          ولكن، لعلَّ أكبر ما أفدته من الصحافة هو القابلية للتكيف، ذلك أن العمل الصحفي قد هيّأ لي أسباب العناية بمجالات متعددة من المشاغل الفكرية، فلم يكن عسيراً عليَّ بعد ذلك أن أغشى ميدان الأدب، أو أن أعمل بالترجمة العلمية والفنية والمتخصصة أو أن أُشرف على كتب ومجلات وأعمال تتصل بالاقتصاد والقانون والصناعة، أو أن أشارك في لجان التحكيم الدولي، أو أن أُسهِم في إعداد موسوعات متباينة الموضوعات، فضلاً عن أن الصحافة قد هيّأت لي فرصة عقد صلات وثيقة مع معظم الأعلام الذين عاصرتهم، سواء في مصر أو البلاد العربية أو في المهاجر، حتى وصفني أنور الجندي بأني من "المراجع الحية"، ووصفني الأديب العراقي وحيد الدين بهاء الدين بأنني "سفير الأدب المعاصر" ـ وليس لي ادِّعاء بهذا الوصف أو ذاك ـ كما أن الصحافة أتاحت لي فرصة للتعريف بناشئة الأدباء الذين صاروا بعد ذلك أدباء كباراً مثل نجيب محفوظ، وعلي أحمد باكثير، وعبد الحميد جودة السحار، وعادل كامل، ونزار قبّاني، وسهيل إدريس، ويحيى حقي، ومحمود البدوي .. وغيرهم. فلعلِّي كنت أسبق الذين عرّفوا بهؤلاء الأدباء، وهي حقيقة لن يمنعني التواضع دون إعلانها، وإن تجوهلت طويلاً.
                          وإذا كنت قد زاولت الصحافة دراسةً وممارسةً وتدريساً، فقد أسهمت فيها أيضاً بثلاثة كتب نقلتها إلى العربية وهي: "استقاء الأنباء فن: صناعة الخبر" لجوليان هاريس وستانلي جونسون ، وكتب مقدمته الصحفي الكبير الأستاذ محمد زكي عبد القادر، وكتاب "مقدمة إلى وسائل الاتِّصال" لإدوارد واكين، و"العلاقات العامة فن" لإدوارد بيرنيز وآخرين وقد ترجمته مع زميلي الدكتور حسني خليفة.
                          ـــــــــــ
                          (1) وديع فلسطين: من تجربتي في الصحافة، مجلة "الفيصل"، العدد (206)، شعبان 1414هـ-يناير 1994م، ص ص67-69. وانظر تحليلاً لهذه المقالة في كتابنا (بالاشتراك) «فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية» ط5، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، دار هبة النيل، القاهرة 2001م، ص ص 143-164.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            مع وديع فلسطين: الأديب والصحفي

                            حاوره: سعد العتيبي
                            .................

                            [نشر هذا الحوار في جريدة "المسائية" السعودية في العددين 4283 ، 4289 في 26 مارس 1996م، و2 أبريل 1996م].
                            (1)
                            يحار المرء عندما يود أن يقدم شخصية لها مكانتها الرفيعة في حياتنا الأدبية المُعاصرة، ذلكم هو الصحفي والأديب الأستاذ وديع فلسطين أحد الذين كانت لهم صولات وجولات في صحافة الأربعينيات من هذا القرن، فمن يتصفّح مجلدات "المقتطف" أو"الرسالة" أو"الأديب" سيجد أن الأستاذ وديع فلسطين كان من أبرز الكتاب وأغزرهم إنتاجا، كما شارك بمقالاته ودراساته في العديد من المجلات الأدبية والثقافية في مختلف أرجاء الوطن العربي، إضافة إلى ذلك فهو يتمتع بذاكرة عجيبة تستطيع أن تتذكر حوادث موغلة في القدم، وقد أطلق عليه أحد الأدباء لقب "سفير الأدب المعاصر"( )، ويقول عنه صديقه الأستاذ عبد العزيز الرفاعي: "والوديع كاتب عملاق، واسع الثقافة، رحب الاطلاع، قلّما يصدر كتاب ذو بال في اللغة العربية أو الإنجليزية إلا ولديه عنه علم، أو له به اطلاع، أو عليه فيه نقد أو تعريف".
                            كما أنه يعد من أصدقاء العقاد الخُلّص، وفي هذا اللقاء سوف نعرف رأيه في الذين يُحاولون النيل من الأستاذ العقاد، كما سنعرف رأيه في قضايا وموضوعات تشغل الساحة الثقافية. ومع أن الأستاذ وديع فلسطين لا يسعى إلى الأضواء إلا أننا استطعنا أن نظفر منه بهذا اللقاء الثري، والذي خص به جريدة "المسائية".
                            والأستاذ وديع فلسطين من مواليد 1923م في محافظة سوهاج بصعيد مصر، حصل من الجامعة الأمريكية بالقاهرة على درجة "البكالوريوس" في الأدب مع التخصص في الصحافة عام 1942م، وعمل بعد تخرجه في إدارة جريدة الأهرام، ثم انتقل إلى جريدة "المقطـم" حيث عمل في وظائف تحريرية مختلفة إلى أن اختير عضوا في مجلس تحرير وإدارة الجريدة ومعها مجلة "المقتطف"، وذلك إلى ما قبل إغلاقها عام 1953م، رأس تحرير مجلة "الاقتصاد والمحاسبة" التي كان يصدرها نادي التجارة الملكي، قام بتدريس علوم الصحافة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بين عامي 1948-1957م، أنشأ مع الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي "رابطة الأدباء" عام 1945م، اختير عضوا مراسلا لمجمعي اللغة العربية في دمشق وعمّان، وعمل مراسلا لمجلة "قافلة الزيت" السعودية، و"الأديب" البيروتية، وله أكثر من ستة عشر كتابا مطبوعا ما بين تأليف وتحقيق وترجمة.
                            حصل على جائزة فاروق الأول للصحافة الشرقية عام 1949م، ونيشان الاستحقاق المدني من طبقة كوماندور الممنوح من إسبانيا عام 1952م.
                            *الأستاذ وديع فلسطين، متى بدأت مشوارك مع الكلمة؟
                            -بدأت مشواري مع الكلمة منذ تخرجت من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1942م، وبيميني شهادة على أنني أحمل درجة البكالوريوس في الأدب مع التخصص في الصحافة، وهي شهادة لم يكن كثيرون يحملونها، لأن معاهد الصحافة في العالم العربي تأخر إنشاؤها، ولأن الصحافة في ذلك العهد كانت "صحافة اجتهاد" أكثر منها صحافة تأهيل جامعي في هذا التخصص بالذات. والواقع أنني جربت حظي في الكتابة حتى قبل التخرج لأنني نشرت وأنا طالب مقالات في جريدة "الدستور" اليومية، وفي مجلة "اللطائف المصورة" الأسبوعية، وفي مجلة "الطلبة" التي أصدرها طلاب الجامعات في ذلك الوقت، كما أن جامعتي اختارتني رئيسا لتحرير مجلتها "القافلة" فتمرست فيها على الكتابة.
                            وكان السؤال الذي واجهني عند تخرجي هو: من أين أبدأ؟ فالتجارب العملية مازالت محدودة إن لم تكن منعدمة، وميادين الكتابة تُحتم الإجادة أسلوبا وموضوعا، وهو ما لا يسعني فيه أن أُجاري فيه الفحول في ذلك الوقت، وثقافتي الأفرنجية جعلتني مبتدئا في فنـون الأدب العربي، فالتمست جوابا على هذا السؤال في الترجمة، أي أن آخذ مقالا أو عملا أدبيا لكاتب غربي راسخ القدم فأنقله إلى اللغة العربية مجوِّدا في أسلوبي قدر المُستطاع، ثم أبعث به إلى المجلات الأدبية بالبريد موقعا بعبارة "بكالوريوس في الصحافة" لإحداث الأثر المطلوب في رؤساء التحرير. وكنت أخاف من مواجهتهم بنفسي خشية أن يروا في صغر سني ما يزهدهم في نشر مقالاتي. وهكذا نشرت في "رسالة " الزيات أول مقال لي عام 1943م عن المسرحي النرويجي هنريك إبسن، ونشرت في مجلة "المقتطف" في السنة عينها أول قصة ترجمتها، وكان عنوانها "كف القرد"، وظللت أتوكأ على الترجمة وعلى رخصة "البكالوريوس" عامـين أو ثلاثة كنت في أثنائها أعكف على لغتي العربية بالإجادة والصقل، وأعكف على المُطالعات العربية حتى أُقيم ما يُمكن أن أُسميه "بالبنية الأساسية" اللازمة لمن يشتغل بالصحافة ويطل منها على ميادين الأدب الفسيحة. ومع الوقت، ومع الجهد والمثابرة، أفلحت في الدخول إلى عالم كنت أتهيبه، وبت أطل بوجهي على رؤساء التحرير عوضا عن التوسل بالبريد إليهم.
                            *في أواسـط الأربعينات عملت محررا في مجلة "المقتطف"، فكيف وجدت الفرق بين صحافة الأمس وصحافة اليوم؟ وهل لعبت "المقتطف" دوراً مهما في إثراء حياتنا الأدبية المُعاصرة؟
                            -مجلة "المقتطف" التي صدرت أصلا في بيروت في عام 1876م، ثم نقلت إلى القاهرة بعد ذلك سبقت في الصدور جريدة "المقطم" التي بدأ نشرها في القاهرة عام 1888م بثلاثة عشر عاما. وكانت الأولى مجلة شهرية تُعنى في المقام الأول بالعلوم والصناعة في حين كانت الثانية جريدة يومية مسائية جامعة، تعنى بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب، وكل ما تنشغل به جريـدة سيارة من أمور الحياة اليومية وأحداثها في الداخل والخارج.
                            وكانت المجلة والجريدة يصدران عن "دار المقتطف والمقطم" لأصحابها الدكتور فارس نمر باشا والدكتور يعقوب صروف وشاهين مكاريوس. وعندما عملت في هذه الدار في أول مارس 1945م ـ بعدما قضيت ثلاث سنين في جريدة "الأهرام" موظفا إداريا على رغبتي الشديدة في التحول إلى أقسام التحرير ـ وجدت في الدار شيوخا أجلاء اكتسبوا خبرة عريضة في فنون الصحافة وميادينها، فهناك الدكتور فارس نمر باشا الباقي على قيد الحياة من مؤسسي الدار، وهناك خليل تابت بك المدير العام للدار، وهناك الدكتور فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة "المقتطف"، وهناك كريم ثابت باشا رئيس تحرير "المقطم": هؤلاء الأعلام كانوا مدرسة حقيقية، وكل من عمل معهم استطاع أن يحصل من المعارف والتجارب وخبرة العمر الطويـل مالا يستطيع تحصيله في سنوات مديدة، وكان أربعتهم يؤمنون بتواصل الأجيال، فكانوا يحرصون دائما على نقل كل ما يعرفونه إلى مساعديهم، وذلك بتوجيههم الدائم، وتصويب أخطائهم، وتقديمهم إلى المسؤولين في الدولة لكي ييسروا لهم عملهم، ولم يكونوا يضنون عليهم بما يكسبهم القدرة على تولي المسـؤوليات بأنفسهم متى اكتملت لهم أدواتهم. كما كان لهؤلاء الشيوخ إشراف فعلي على كل صغيرة وكبيرة في الجريدة. بل إن خليل تابت بك كان يقوم بنفسه بتصحيح الإعلانات المبوبة والخطب الرسمية لكي يطمئن إلى خلوها من أي خطأ لغوي. فرسالة الصحافة عندهم كانت رسالة أمانـة يتوخون بها تثقيف القارئ، وتهذيب ذوقه، وتعويده على سلامة اللغة، وتبصيره بالحقائق المجردة من الهوى.
                            وكانت جريدة "المقطم" هي الثانية من حيث طول العمر بعد جريدة "الأهرام"، ولما سألت الدكتور فارس نمر باشا لماذا أطلق على جريدته اسم جبل "المقطم" قال إنـه أراد أن يوحي للقراء بأن جريدته هي الأصل، لأن الحجارة التي شُيدت بها أهرام الجيزة اقتطعت من جبل المقطم، ولم تكن بين الجريدتين منافسة؛ لأن "الأهرام" تصدر في الصباح، في حين أن "المقطم" تصدر بعد الظهر، ولكل منهما سوقها، وإن تكن سوقا واحدة تتمثل في موظفي الحكومة الذين يشترون "الأهرام" وهم ذاهبون إلى مكاتبهم في الصباح، ويشترون "المقطم" وهم منصرفون من مكاتبهم في الساعة الثانية بعد الظهـر. وفي حين كان الاهتمام الأول "للأهرام" منصبا على الأخبار، فإن "المقطم" كانت تركز على شرح هذه الأخبار في مقالات الصدر الضافية التي كان يكتبها خليل تابت يوميا، وتظهر على الصفحة الأولى، وتُنشر ذيولها في الصفحات الداخلية.
                            أما مجلة "المقتطف" فكانت مجلة علمية في بدايتها، ولم تلبث أن صارت تُعالج جميع الموضوعات الفكرية، وتتسع للشعر وللقصص ونقد الكتب الأدبية، وتحاول إرضاء أذواق المثقفـين أيا كانت اهتماماتهم، واجتذبت المجلة في تاريخها الطويل جميع أقلام الباحثين من أنحاء العالم العربي والمـهاجر، وفهارسها المنشورة في ثلاثة مجلدات ضخمة تشهد على أن كل الأعلام في عمرها الذي امتد إلى 77 عاما قد نشروا فيها نفثات أقلامهم.
                            (يتـبع)

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              وكانت صحافة تلك الأيام تُنضَّد إما بحروف منفصلة يتم جمعها من صندوق للحروف يضم المئات منها، وإما من آلات "اللينوتيب" التي أدخلت في مصر للمرة الأولى والتي كان لصاحب "الأهرام" جبرائيل تقلا باشا فضل إقناع شركات المطابع الألمانية بصنعها، بحيث تعمل من اليمين إلى اليسار لا العكس، وكان قد أعد نماذج للحروف العربية لتقوم المصانع الألمانية بإحلالها محل الحروف الإفرنجية. أما المطابع نفسها فكانت سرعتها بالمقارنة بسرعة المطابع الحالية بطيئة. وانفردت مطبعة "المقطم" بإخراج الجريـدة مطوية إلى ما يُعادل ربع الطية الآلية لمعظم الصحف، أي في مقاس كتـاب سهل الحمل، وكانت لكل جريدة شخصيتها الخاصة، كما كان لكل كاتب أسلوبه الذي يتميز به؛ بحيث يستطيع القارئ أن يُميِّز أسلوب خليل تابت عن أسلوب أنطون الجميل، وأسلوب عبد القادر حمزة وأسلوب الدكتور محمد حسين هيكل باشا، في حين انتشر اليوم ما يمكن تسميته "بالأسلوب الصحفي" الذي يتعاطاه جميع الصحفيين، فتصعب التفرقة بين كاتب وكاتب.
                              والمؤكد أن الصحافة تقدمت اليوم في المجالات الفنية والطباعة، وفي سرعة انتقال الأخبار والاستعانة بالأقمار الصناعية في إعداد طبعات دولية وإقليمية، وهو ما لم تعرفه صحافة الأربعينيات والخمسينيات، فصارت الصحف اليوم إمبراطوريات بالمقارنة بالصحف في النصف الأول من هذا القرن. أما التحدي الأكبر الذي يواجه الصحافة اليوم فهو أن تكون صحافة مستقلة لا صحافة تابعة، وأن تُدرك أننـا في عالم مكشوف لا تخفى فيه خافية، وأن تتوافر أساسا على خدمة القارئ ورعاية مصالحه، وتمكينه من رفع صوته تعبيرا عن رأي ارتآه، أو شكوى من جور لحق به.
                              وفيما يتعلق بمجلة "المقتطف" التي يسمونها "بشيخة المجلات" فقد حملت راية العلم والعرفان سبعة وسبعين عاما، وكان البعض يصفها "بالمجلة الأستاذ" لأنها وسعت جميع علوم العصر، ولم تضـق بفن من الفنون، وإن حرصت على اجتناب كل ما يتناول العقائد وكل ما يتنافى مع الأخلاق، حتى رفض أصحاب "المقتطف والمقطم" نشر الإعلانات "المجزية ماديا" عن الخمور، حرصا منهم على مكـارم الأخلاق، كما أن "المقتطف" لم تحاول أبدا الترخص في الموضوعات التي تعالجها، فقد تكتب عن السينما باعتبارها صناعةً وتطوراً تكنولوجيا، ولكنها لا تعنى بالمشتغلين بالسينما من ممثلين وممثلات بالغة ما بلغت شهرتهم، كما أنها قد تُعرِّف بالمذاهب السياسية ـ ولكنها لا تُروِّج لأي منها ـ وتوضح مزايا وعيوب كل مذهب.
                              لقد كانت المجلة سجلا أمينا للعصر بعلومه وفنونه ومكتشفاته وآرائه وأعلامه وفلسفته. ولعل هذه الجدية الصارمة هي التي قضت على المجلة في ديسمبر 1953م بعدما زحفت التيارات السوقية فأطاحت معها بمجلات "الرسالة" للزيات، و"الكاتب المصري" لطه حسين، و"الكتاب" لعادل الغضبان، و"الثقافة" لأحمد أمين، و"مجلة علم النفس" ليوسف مراد، وبئست هذه السوقية!
                              *بعد عودتك مؤخرا للكتابة كيف وجدت صدى كتاباتك؟
                              -يُفهم من هذا السؤال أنني كنت محتجبا عن الكتابة وأنني عدتُ إليها مؤخرا. وواقع الأمر أنني لم أحتجب عن الكتابة يوما واحدا منذ ما حملت القلم وإلى يوم الناس هذا. وإذا كنت أملك أن اكتب في الوقت الذي أرتئيه، فإنني لا أملك وسائل النشر لأنها في أيدي أقوام آخرين. وهؤلاء يتحكمون في النشر وفقا لاعتبارات لا أملك من أمرها شيئا، فقد يُرجئون النشر شهورا بل أعواما، وقد يرفضون النشر بعذر "دبلوماسي" أو بدون عذر، كما أنهم يقيسون قامة الكتاب بمقاييسهم هم، ورأيهم هو الأمر النافذ، وإذا كنت ممن يدينون بقول الشاعر:
                              عَرضنا أنفساً عزَّتْ علينـا عليكم ، فاستخفَّ بها الهَوانُ
                              ولوْ أَنًّا حفِظْناها لعَــزَّتْ ولكـنْ كلُّ معروضٍ مُهـانُ
                              ولعل "العودة" التي يُشير إليها السائل هي استئنافي لكتابة "الأحاديث المستطردة" عن الأعلام الذين عرفتهم، والتي بدأتها في مجلة "الأديب" اللبنانية منذ خمسة وعشرين عاما، والتي صارت تُنشر في جريدة "الحياة" اليومية التي تصدر في لندن، وقد استأنفت كتابتها نزولا على رغبة هذه الجريدة المحترمة وترحيبا بالحيز العريض في صفحاتها الذي أتاحتـه لي، وليس من باب التفاخر أن أذكر أن أستاذنا العلامة الكبير الدكتور صلاح الدين المنجد، منشئ معهد المخطوطات في الجامعة العربية قد أخبرني بأنه يحتفظ بملف يضم هذه الأحاديث المستطردة، وهي شهادة تفوق عندي كل نياشين الدنيا وجوائزها.
                              ولعل العودة التي يعنيها السائل هي صدور كتابين لي في الأوان الأخير، أحدهما طبعة ثالثة من كتابي القديم "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" وقد نشرتها دار الجديد في لبنان، والثاني كتاب "مختارات من الشعر العربي المعاصر وكلام في الشعر"، وقد نشرته لي دار "الأهرام" عن مركزها للترجمة والنشر، والكتابان حصيلة مطالعات كثيرة في الأدب المعاصر ظلت حبيسة في الصدر إلى أن أُتيحت لها فرصة الظهور ببادرة كريمة من الدارين الناشرتين، ولولا هذه المبادرة لظلت هذه الحصيلة حبيسة مع سواها مما لم تتح له أسباب النشر.
                              ومما يُؤسف له أن معظم الناشرين قد انحسر نشاطهم في النشر لاعتبارات شتى، منها ارتفاع تكاليف النشر، وما يُصاحب ذلك من ارتفاع أسعار الكتب فيتعذر عـلى طالبيها شراؤها، ومنها العقبات التي تعترض تسويق الكتب في البلاد العربية؛ ومنها الرسوم والضرائب المفروضة على عمليات تجهيز الكتب ومستلزماتها. ولو أنك طفت بكتاب تريد نشره على دور النشر المختلفة لقوبلت بالصدِّ حتى دون معرفة موضوع الكتاب، حتى لقد شكا لي أدباء كبار مثل محمــد عبد الغني حسن وعلي أدهم وحسن كامل الصيرفي ـ رحمهم الله ـ بأنهم لا يجدون لكتبهم ناشرا.
                              *ماذا عن كتاب "مختارات من الشعر العربي المعاصر وكلام في الشعر"؟
                              -في محاولة من مركز الأهرام للترجمة والنشر لتحقيق التواصل والألفة بين الأدباء العرب، أصدر من نحو عامين كتابا يضم مختارات من القصص كتبها أدباء من جميع البلدان العربية، وقدم لها أستاذنا الدكتور الطاهر أحمد مكي، وإزاء نجاح هذه التجربة ارتأى المركز إصدار كتاب يضم مختارات من الشعر المُعاصر من جميع الأقطار العربية، وأُسندت إليّ مهمة إعداده، فانصرفت إلى مراجعة بضع مئات من دواوين الشعر لعدد كبير من شعراء البلدان العربية لانتقاء القصائد الملائمة، وإني راعيت فيها عدة اعتبارات هي: تنوع الأغراض، وتباين الشعراء من حيث انتماءاتهم، وتمثيل جميع البلدان العربية ـ إن كان هذا مُستطاعا ـ. وبعد اختيار القصائد ترجمت لكل شاعر ترجمة موجزة، ثم علقت على كل قصيدة مُنتقاة وفقا لذوقي الخاص، ثم أعددت للكتاب مقدمة تبين رأيي في الشعر، وهو رأي يرفض كل ما خرج على نواميس الخليل تحت أي أسماء أو مسميات؛ فإذا أنت أردت أن تلعب كرة القدم ـ مثلا ـ فللكرة قواعد لابد من احترامها، وإلا أُخرجت من ساحة اللعب. فلماذا تُستباح إذن قواعد الشعر بدعوى التجديد أو الحداثة أو الإبداع؟
                              ولإعطاء فكرة عن الكتاب، أُورد بعض الأرقام المتعلقة به: فهو يقع في 400 صفحة، وفيه نماذج شعرية لخمسة وثلاثين شاعرا من 19 بلدا عربيا، ويضم النص الكامل لمئة واثنتي عشرة 112 قصيدة، مع تعليق على كل منها.
                              ومع أنني عرفت شخصيا عددا غير قليل من شعراء المملكة العربية السعودية فقد وقع اختياري على الشاعر أحمد سالم باعطب لأنه يمثل صوتا جديدا متميزاً، وإن لم أعرفه شخصيا.
                              *ما الفرق بين الترجمة والتعريب؟ وهل تعتقد أن الترجمة تراجعت في الوقت الحاضر؟
                              -الترجمة هي نقل نص من لغة إلى لغة أخرى بحرفيته.أما التعريب فهو في الألفاظ، يعني إسباغ ثوب عربي على لفظة أجنبية، كتعريب لفظة "ستالايت" وتعني القمر الصناعي إلى "سواتل".
                              والتعريب في النصوص هو أن آخذ مسرحية أجنبية مثلا وأستبدل بشخوصها الأجانب شخوصا عربية وأُغيِّر أسماء المواقع والمـدن إلى أسماء عربية، وأصوغ الحوار صياغة عربية لا يشترط فيها أن تُطابق النص الإفرنجي، والمسرحيات التي يُقال عنها إنها "مقتبسة" هي في حقيقة الأمر مُعرَّبة، أي أسبغ عليها طابع عربي بعد تجريدها من كل ما يدل على أصلها الإفرنجي.
                              ولا ريب في أن الترجمة تُعاني من ردة الآن بعد أن كانت مزدهرة في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن. وقد يُقال إن سبب انحسار الترجمة هو أن كثرة من القراء باتت تُجيد اللغات الأجنبية، وآثرت بالتالي قراءة النصوص الإفرنجية عن النصوص المنقولة إلى اللغة العربية. وهذا القول ليس صحيحا على إطلاقه، لأن الكثرة الكاثرة من القراء تعتمد أساسا على الكتاب العربي لا الإفرنجي الذي ارتفع سعره ارتفاعا شاهقا، وكانت سوقه تقتصر على طلاب الجامعات وأساتذتها لاسيما في فروع الطب والعلوم وغيرهما من المواد التي مازالت تدرس باللغة الإنجليزية. وقد مرَّ علينا وقت كان فيه أساتذة وقفوا كل عمـرهم على الترجمة، مثل محمد بدران في مصر، وعادل زعيتر في فلسطين، ومنير البعلبكي في لبنان، وكانت هناك مؤسسات متخصصة في ترجمة الكتب مثل مؤسسة فرنكلين، ومشروع "الألف كتاب" في إصداره الأول، وكان هناك مترجمون أفذاذ يُقبلون على التـرجمة باعتبارها رسالة حيوية مثل: فؤاد صروف، وزكي تجيب محمود، وعلي أدهم، وإبراهيم زكي خورشيد، ودريني خشبة، وفؤاد أندراوس، ومحمد عوض محمد .. وغيرهم. ولكن هذه الطبقة الراقية انقرضت وتركت فراغا ضخما في دُنيا الترجمة.
                              وقد جد اعتبار جديد أسهم في انحسار حركة الترجمة الأدبية والعلمية، وهو انفتاح الأبواب على كل مصاريعها للترجمات التجارية أو الوثائقية أو القانونية الخاصة بالمُعاملات في دنيا المال والأعمال، وقضايا التحكيم وما إليها، فاجتذبت هذه الأعمال بما فيها منظمات الأمم المتحدة جملة كبيرة من الذين يُجيدون الترجمة، ووجدوا في جزائها المادي المعجل مالا يُقارن بأي جزاء يتقاضونه من ترجمة شكسبير، فحدث بسبب ذلك تفريغ للطاقة المُترجِمة التي كان يمكن حشدها في نقل الكتب الأدبية والعلمية.
                              وهناك اعتقاد خاطئ أن من يعرف لغتين يستطيع الترجمة من لغة إلى الأخرى، ذلك لأن الترجمة ليست عملا آليا يجتهد في أدائه كل صاحب لسانين، بل إن الترجمة علم وفن له قواعده وأصوله وله بالتالي خبراؤه الذين تمرسوا فيه طويلا على أيدي مشرفين وأساتذة كبار حتى استقامت لهم أدواتهم. أقول هذا من واقع التجربة؛ فقد طُلِب إليّ ذات مرة أن أُراجع نصا طبيا ترجمه طبيب متخصص يُجيد اللغتين الإنجليزية والعربية، فألفيته معيبا أشد العيب، واضطررت إلى صياغته من جديد بعد إبقاء المصطلحات الطبية دون تغيير.
                              وإذا عرفنا أن الكتب الجديدة التي تصدر في فروع المعرفة باللغات المختلفة تصل إلى عشرات الآلاف في كل سنة، عرفنا مدى ضخامة المهمة التي يتعيّن النهوض بها إذا ما أُريدت مُلاحقةُ هذا الحجم الهائل من ثمرات المطابع.
                              (يتـــــــبع)

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                *ما رأيك في الرسائل الأدبية؟
                                -الرسائل ـ سواء أكانت أدبية أم غير أدبية ـ هي "مكاتيب" يتبادلها الناس لغاية معينة؛ فالرسالة التي يُوجهها أب إلى ابنه الغائب تمثل لهفة هذا الأب على أخبار ابنه، ونصائحه له، وتشتمل على أخبار الأسرة وزملائه. والرسالة التي يوجهها رجل أعمال إلى شركة أو مصرف هي رسالة تُقضى بها المصالح، وبعضها يُترجم إلى الملايين من الدولارات، والرسالة التي يُوجهها حبيب إلى حبيبته هي وعاء للتعبير عن مشاعره تجاه صاحبته، يبثها فيها كل لواعج قلبه، والرسائل التي يتبادلها الأدباء ـ وهم بشر كأصحاب الرسائل التي تقدمت الإشارة إليهم ـ يُراد بها التعارف، أو تبادل الرأي في قضايا الأدب، أو نقل الأخبار الأدبية، أو استيضاح أمر، أو طلب المشورة في إعداد بحث، وهلم جرا.
                                ولا تخلو هذه الرسائل ـ طبعا ـ من أمور شخصية، تتوقف درجة المُصارحة فيها على مـدى ما بين الطرفين من وُثقى الصلات. والرسائل الأدبية ـ شأنها شأن الرسائل الأخرى ـ تُرتجل ارتجالا، فهي ليست مقالا معدا للنشر يتعين على كاتبه أن يُراجعه مرة واثنتين وربما أكثر تدارُكا لأي عيب أو نقص فيه، وإنما هي كلام مُرسل، ومفروض ألا يخرج عن دائرة صاحبيه (المُرسل والمستفبِل).
                                ولا ريب في أن للرسائل بجميع أنواعها خصوصية مطلقة، بحيث لا يصح التلصص عليها، أو الاطلاع على فحواهـا، إلا إذا سمحت بذلك طبيعتها. ولا تخلو الرسائل الأدبية من هذه الخصوصية التي يتحتم معها إبقاؤها في الدائرة المحصورة بين صاحبيها ولاسيما لأن ذيوعها قد يسيء إلى طرفيها أو إلى الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في هذه الرسائل.
                                ولهذا كله كنت ومازلت أعتقد أن من الأصوب إبقاء هذه الرسائل الأدبية ـ إن وُجدت ـ طي الكتمان، فلا يُؤذن بنشرها بدعوى خدمة الأدب، أو للاستعانة بها في تفسير أو تعليل بعض الظواهر الأدبية. وعندما نشر صديقي الشيخ محمود أبو ريّة "رسائل الرافعي" في طبعتها الأولى، اضطـر إلى استبعاد بعض الرسائل، وإلى إخفـاء بعض الأسماء التي وردت في سياقها، حتى لا يتأذى من نشرها من وردت أسماؤهم فيها. وعندما حان موعد نشر الطبعة الثانية كانت دواعي الحرج قد زالت، فنشر أبو ريّة كل ما لديه من رسائل، حتى ما كان استبعده أصلا، ثم وضع الأسماء في مواضعها دون حذف. وهو مايؤكد أن أبا ريّة استشعر حرجا شديداً وهو ينشر هذه الرسائل، وإن كان انتهى قراره إلى نشرها ناقصة ثم كاملة.
                                وفي اعتقادي أن قيمة الرسائل الأدبية ـ إن كانت لها قيمة ـ هي قيمة ثانوية جدا، بحيث يصعب استخلاص نتائج منها تُفيد الأدب أو تاريخه، أو تلقي أضـواء جديدة على شخصيات كتابها. والرسائل تختلف عن المذكرات أو اليوميـات التي يكتبها صاحبها، فهذه يجوز نشرها إن كانت ذات قيمة حقيقية، وإن لم يكن فيها ما يُسيء إلى أشخاص أحياء.
                                وصفوةُ القول إنني ما فتئت أرى أن تُدفن رسائل الأدباء بإكرام، وألاّ يُعتبر ما نُشِر منها وثيقة أدبية أو تاريخية يُعَوَّل عليها.
                                *احتفل مجمع اللغة العربية بدمشق ـ وأنت عضو مراسل به ـ بيوبيله الماسي في أواخر شهر نوفمبر الماضي (1995م)، فهل لك أن تحدثنا عن هذه المناسبة؟
                                -اليوبيل الماسي هو انقضاء 75 عاما على إنشاء هذا المجمع الموقر على يدي العلامة محمد كرد علي في عام 1919م، وهذه مناسبة لا تتكرر في حياة الأفراد وإن كان يُرجى أن تتكرّر في حياة المجامع. ومجمع دمشق يُلقّب "بأبي المجامع العربية"، لأنه سبـق إلى الوجود جميع المجامع الغربية الأُخرى في مصر والعراق والأردن وتونس والمغرب والسودان وفلسطين.
                                وقد ارتأى مجمع دمشق برئاسة الدكتور شاكر الفحام أن يحتفل بهذا العيد الماسي احتفالا أكاديميا وشعبيا أيضا يليق بهذه المناسبة الفريدة، فدعا إلى احتفال حظي بالرعاية السامية للرئيس حافظ الأسـد، وشارك فيه ممثلون من معظم البلدان العربية، ولوحظ تخلف ممثلي العـراق والأردن ربما لأسباب غير مجمعية، وعقد المجمع في عيده جلسات صباحية ومسائية تعاقب فيها المحدثون حول المحاور الرئيسية التي تم تحديدها سلفا، وكلها تُعنى بالأوضـاع المجمعية في الماضي والحاضر والمستقبل، والتحديات التي تُواجه المجامع في القرن المقبل.
                                وأُقيمت هذه الندوات في القاعة الكبرى بمكتبة الأسد، وكانت الدعوة إليها عامة، فشارك فيها جمهور غفير من عشاق الثقافة من الجنسين إسباغا للطابع الشعبي فضلا عن الأكاديمي على هذه المناسبة الفريدة.
                                ولوحظ في الأحاديث الجانبية التي دارت بين وفود المشاركين أن هناك بلدانا عربية لم تزل تفتقر إلى قيام مجامع فيها، على الرغم من أن لديها قاعدة كبيرة من رجال العلم والأدب يُستطاع بحشدهم تكوين نواة لمـشروع مجمعي، وقد أبديت للزملاء في هذه الأحاديث الجانبية دهشتي لأن السعودية مثلا قد تأخر قيام مجمع لغوي فيها على الرغم من أن فيها كوكبة كبيرة من قادة الفكر، مثل: حمد الجاسر، وعبد الله بلخير، وعبد الله عبد الجبار، ومحمد حسن فقي، وعبد العزيز الخويطر، وأحمد الضبيب، وعبد الله حمد الحقيل، وحسـن عبد الله القرشي، وعلي عبد الله الدفاع، ومحمود عارف، وعبد الله بن إدريس، وعبده يماني، وغازي القصيبي، وفؤاد عبد السلام فارسي، وعبد الله بن خمـيس، وعزيز ضياء، وعبد الله العثيمين، وعبد العزيز التويجري، وعبد المقصود خوجة. ولا ريب في أن قيام مجمع سعودي على أكتاف هؤلاء العلماء يمثل خطوة واسعة في سبيل النهوض بلغة الضاد ومشاركة المجامع اللغوية الأخرى في أعمالها الرامية إلى سك المصطلحات العلمية وتوحيدها، ومعالجة قضايا اللغة العربية، وتحقيق كتب التراث، وغير ذلك من الأنشطة المجمعية.
                                *هل بقي شيء عن العقاد ـ بعد انقضاء ثلاثين عاما على وفاته ـ مازال مجهولا للناس؟
                                -كثيرون تناولوا العقاد بعد وفاته ممن كانوا على اتصال وثيق به؛ فظهرت كتب وفصول لمحمد خليفة التونسي، وطاهر الجبلاوي، والعوضي الوكيل، وعامر العقاد، وأنيس منصور، عدا المسلسل التليفزيوني الذي أساء إلى العقاد أعظم إساءة. وكأنما كان هناك سباق بين حواريي العقاد على ظهور كل منهم بمظهر الأقرب للعقاد من سواه والأكثر وقوفا على أسراره وحياته الشخصية من جميع الذين عرفوه.
                                والعقاد الذي كان يوصف بالكاتب الجبّار والعملاق، هو إنسان يسري عليه ما يسري على أي إنسان آخر من حب وبغض، وفرح وحزن، ونجاح وفشل، وصحة ومرض، وهلم جرا.
                                وليس من الصواب أن يركز كاتب على ناحية من نواحي العقاد ليرسم له صورة، هي بالتأكيد صورة شائهة، في أذهان القراء. فالتركيز مثلا على "غراميات العقـاد" فيه ظلم شديد لهذا الكاتب العبقري الذي أخرج من نفائس الكتب أكثر من عدد سني عمره. فلسنا ننكـر أن في حياة العقاد "غراميات"، ولعل عددا من الذين كتبوا عنه كانت لهم بدورهم "غراميات". ولكن الإلحاح في هذا الجانب، والتوسع في إيراد أسماء النسـاء اللائي عرفهن العقاد، هو في اعتقادي ابتذال لايصح، مهما قيل من أن الحياة الشخصية للأدباء هي حياة عامة مباحة أسرارها للكافة.
                                فإن كان هناك شيء مازال خافيا في حياة العقاد ولا يعرفه الناس عنه، فإنني أوثر بقاء هذا الشيء مطويا حتى لا يُساء إلى هذا العملاق بأكثر مما أُسيء إليه. فلنقل لعارفي الأسرار الحقيقيين أو المزيفين: اتقوا الله في الحديث عن أعلامنا، واتركوا الناس يستشفُّون صورهم من كتاباتهم وآثارهم المنشورة، أو فلنقل لهم: من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة!
                                (يتــــــبع)

                                تعليق

                                يعمل...
                                X