صندوق الـ...
لمحته بمجرد ما عطفت نحو البيت.....
فسمرتني الدهشة في مكاني لحظات.. صورة ماهر وأياد قوية تخطفه وتدسه في السيارة تحجب عني الرؤية وتحقنني بهلع شديد..
انطلقت ألتهم الأمتار التي تفصلني عنه رغم أني متيقنة أني لن أجد فيه كلبا صغيرا أو قطا أو لعبا للأطفال أو شيء آخر أحبه..
وقفت على الصندوق الكرتوني الصغيروأنا كلي اندهاش..
لم يكن مبعث دهشتي الطفل الصغير الممتلئ حركة وحيوية في أسفله.. ولا من أطرافه الصغيرة تتحرك في أسفل الصندوق وهو يحاول القفز خارج أسواره العالية كما فعل أخوه ماهر سابقا فغرق في مستنقع آسن صغير جنب بيته خرج منه حيا بأعجوبة...
وإنما سر دهشتي التي تسكنني حد الرغبة في الصراخ والاستصراخ وهز كل من يمر بجانبي لأعرف الجواب منه هو كيف جاء هذا الطفل إلى الوجود؟؟
فكيف جاء إلى الوجود هذا الطفل الجميل المتقد حيوية والفائض بهاء وبهجة وسعادة كأنه في قصر من القصور وليس في صندوق كرتوني تطوقه رائحة خانقة من حاوية القمامة بجانبه؟؟..
ـ أجل كيف؟؟؟
هذه الـ " كيف" حيرتني حد الدوخة والالتفاف حول نفسي كالبلهاء ولساني لا يسعفني على الجهر بسؤالي المحرج هذا.. فأنا أعلم أن السرير المنتصب في كل بيت ليس للاسترخاء والنوم فقط وإنما للحب أيضا...
ـ أحقا لأبويه وقت للحب ؟؟.. أم أن قطرة حب شاذة سقطت سهوا وسط البؤس والصراع والصراخ فتلقفها هذا الطفل وخرج لنا في هذه الحلة الجميلة؟؟؟..
فصراعات أبيه علال وأمه زينة الليلية لا تنتهي... وبسببهما هاجرت غرفتي الصغيرة التي تطل على بيتهما لأنام في صالة الضيوف البعيدة قليلا عن صراخهما الليلي المسترسل والدائم.. أحقا، أن آخر مرة أيقظتْ فيها أبي من نومه ليرفقها إلى المستشفى الحسني كان من أجل ولادة هذا الطفل وليس من أجل جبر كسر أو علاج جرح في جسدها؟؟..
أما شرخ وصدع علاقتهما فلم تفلح في ترقيعها تدخل والد زينة وإخوتها الأشداء بالقوة ولا تدخلات أبي السلمية المثمرة أبدا في نزاعات حينا الهادئ.. ولم تفشل إلا معهما كما لا يكسر هدوء حينا غيرهما.. حتى صرخ أبي يوما في وجه أمي التي استصرخته بأن يسرع لينقذ روح زينة من بطش زوجها المخمور أبدا قائلا:
ـ دعهما يتقاتلان علَّنا نرتاح منهما أو من أحدهما
ثم تقلب على جنبه الأيسر ونام.
لكن زينة هذه المرة كانت تولول في الخارج وبصوت ينذر بكارثة ستحدث أو ربما حدثت.. زوجها بدل أن يحاصرها في زاوية وينهال عليها لكما ولطما أو يسقطها أرضا ويرفسها بقوائمه، أسقط عليه الدولاب أو أنها أسقطته عليه ؟!.. لا يعلم أحد اليقين.. اليقين الوحيد الذي عرته العيون أن علاَّل ظل تحت دولاب غرفة نومه لحظات يختنق وأن أيدي الجيران وحدها من أنقذته من موت محقق بعدما عجزت قوى زوجته زينة بمفردها عن إنقاذه..
ربما في هذه الليلة التي هدأ فيها بيتها البئيس في وقت مبكر، زرعت نطفة هذا الطفل في أحشائها؟!..
تمضمضت بهذا الاحتمال وودعت الطفل الصغير أجر أسئلتي وسيلا من حيرتي مع فتور عميق لبسني وسلب الحيوية من أطرافي.. استشعرت بيدي اليمنى لا تقوى على حمل حقيبتي المدرسية بمفردها.. ضممت إليها يدي اليسرى ومضيت أجرها وأجر خطوي إلى البيت وأنا أرسم بحزن عميق حياة هذا الطفل الجميل الوديع على غرار حياة أخيه ماهر المتواري خلف قضبان سجن الأحداث منذ سنتين..
سمية البوغافرية
نوفمبر 2009
تعليق