http://www.arabicstory.net/forum/index.php?showtopic=16090
وهذا رابط القراءة التي تكرم بها الكاتب والناقد الجزائري السعيد موفقي في موقع آخر أدرجها هنا للاستفادة لأني حقيقة أعجبت بها جدا
****
قصة" صندوق الـ .. " لـ سمية .ب ، كيمياء السؤال و توتر الصدفة
القراءة الأولى للنّص تثير جملة من الدلالات الغائبة في تفاصيل الأحداث ، و لم تكن عودة البطل مرتكزا أساسيا بقدر ما كانت تقابلات الذات المتأملة للأشياء توحي بتغيّر المعطيات و تعقّّد الصراع على مستويين ، المستوى الخارجي الذي تمثله تراكم المشاهد بمتتاليات حسيّة فاعلة غيّرت انطباع البطل من التركيز الخارجي إلى التركيز الداخلي و هو المستوى الباطن للموقف الذي أحدثته جملة التفاعلات التي ارتبطت بمثيرات خارجية ، ترتب عنها الاندهاش الذي تكرر أربع مرات في وضع متقارب زمنيا و نفسيا بالنسبة للكاتبة:
"فسمرتني الدهشة في مكاني"
"وقفت على الصندوق الكرتوني الصغيروأنا كلي اندهاش.. "
"لم يكن مبعث دهشتي الطفل الصغير الممتلئ حركة وحيوية في أسفله"
"وإنما سر دهشتي التي تسكنني حد الرغبة في الصراخ والاستصراخ"
، و هو الذي مدّد من عنصر التشويق المستحضر من تصورات أخرى من الذاكرة و ليس من المشهد الحاضر ، و كان لابد أن يكون هذا الاختيار هو الأقرب في صنع الاندهاش لدى المتلقي و تحويل نظره من مجرد لمح الأشياء إلى أهداف حقيقية قارة تستمد مادتها من السندات الذاتية المتغيّرة " لمحته بمجرد ما عطفت نحو البيت..... " ، قد يبدو الانطباع الأول تتابع الأحداث من باب الصدفة و لكن عنصر المفاجأة كان أقوى و له مبرراته الفنية في توجيه مسار الأشياء المتناقضة و المتوافقة ، خاصة لما أكثرت الكاتبة من طرح الأسئلة ، و هي عملية مقصودة لذاتها ، لتفجير كثير من المتغيّرات و تحليل طبيعة الصدفة من الاتفاق العشوائي إلى الاتفاق الهادف " كيف جاء هذا الطفل إلى الوجود؟؟ " سؤال البداية الذي يحتم على النّص التأثير على المتلقي و رسم حدود الذات في مختلف أشكالها ، فكثرة الاستفهامات و التي طبيعتها مجازية أكثر منها حقيقية ، لأنّ النّاص يسعى للوصول إلى الحقيقة الغائبة التي لم تكتمل إلا في النهاية و من ورائها جملة من الأسئلة المركزة و المكثفة ، تعمدتها الكاتبة لتحقق النهاية التي رسمتها منذ البداية :
"- فكيف جاء إلى الوجود هذا الطفل الجميل المتقد حيوية والفائض بهاء وبهجة وسعادة كأنه في قصر من القصور وليس في صندوق كرتوني تطوقه رائحة خانقة من حاوية القمامة بجانبه؟؟.. "
"ـ أحقا لأبويه وقت لمثل هذا الحب ؟؟.. أم أن قطرة حب شاذة سقطت سهوا وسط البؤس والصراع والصراخ فتلقفها هذا الطفل وخرج لنا في هذه الحلة الجميلة؟؟؟.. "
و هو في الحقيقة طرح إنساني يتصف بالتفكير المعقول لسلوك لامعقول في ظل الصراع النفسي و الاجتماعي الذي فرضته أسباب مختلفة داخل البنية العامة للعلاقات الفاسدة و التصورات المشوهة التي أصبحت ذات فاعلية و مركزية في تنظيم هذه البنية داخليا و خارجيا ، إنّ تصور الكاتبة للموقف لم يكن من فراغ ، و تزاحم الأسئلة دليل على طبيعة القلق و صعوبة التلقي " وإنما سر دهشتي التي تسكنني حد الرغبة في الصراخ والاستصراخ وهز كل من يمر بجانبي لأعرف الجواب منه هو كيف جاء هذا الطفل إلى الوجود؟؟ " إذن ربط حدود الأشياء و الظواهر ، و الأسباب بالمسببات طرح منطقي و تساؤل مشروع يمكن لأي فرد أن يطرحه في ظل هذه العلاقات الهشة و انعدام التوازنات الحقيقية في تأسيس هذه البنية ، و النسيج الحقيقي للأفراد و الجماعات مزقته عوامل دخيلة على العلاقات الصحيحة التي يقوم عليها تواجد هذا المجتمع أو ذاك ، ما نفهمه من تقديرات و افتراضات اقتراح الكاتبة لمجموعة من التصورات القابلة للتأسيس لتنشئة بنية جديدة لاستثمار قدرات الإنسان وفق قواعد صحيحة " أما شرخ وصدع علاقتهما فلم تفلح في ترقيعها تدخل والد زينة وإخوتها الأشداء بالقوة ولا تدخلات أبي السلمية المثمرة أبدا في نزاعات حينا الهادئ.. ولم تفشل إلا معهما كما لا يكسر هدوء حينا غيرهما.. حتى صرخ أبي يوما في وجه أمي التي استصرخته بأن يسرع لينقذ روح زينة من بطش زوجها المخمور أبدا قائلا:
ـ دعهما يتقاتلان علَّنا نرتاح منهما أو من أحدهما
ثم تقلب على جنبه الأيسر ونام." فظاهر التوصيف للأشخاص و الأشياء ، المادية و المعنوية له دلالاته الميتافيزيقة لمكونات الإنسان في جانبه الغيبي الطبيعي و انقياده لعوامل كثيرة جزء منها مكتسب من طبيعة دخيلة على التفكير و السلوك و العواطف و لم يعد في مقدور الإنسان الاعتماد على قواعده الحقيقية التي مادتها من عمق الذات لا من مكتسب التجارب العارضة و القابلة للتشوه مثل ما هو الحال للظواهر المكتسبة الأخرى ، فرضتها حالات استثنائية غير قارة " تمضمضت بهذا الاحتمال وودعت الطفل الصغير أجر أسئلتي وسيلا من حيرتي مع فتور عميق لبسني وسلب الحيوية من أطرافي.. استشعرت بيدي اليمنى لا تقوى على حمل حقيبتي المدرسية بمفردها.. ضممت إليها يدي اليسرى ومضيت أجرها وأجر خطوي إلى البيت وأنا أرسم بحزن عميق حياة هذا الطفل الجميل الوديع على غرار حياة أخيه ماهر المتواري خلف قضبان سجن الأحداث منذ سنتين.." فاختيار الكاتبة لكلمة
" صندوق " له علاقة مباشرة شديد التأثير و مثير للفضول الذي كان بدايته البحث عن أجوبة مزدوجة ، ما يخبئه الصندوق من أسرار ، لأنّ شكله ، حقا ، مثير ، ثم الكائن الذي ابتلعه هذا الصندوق ليثير مرة أخرى أسئلة طبيعتها ليست فضولية هذه المرة و إنّما غرابة المشهد و علاقته بالحيّز ، و أسئلة أخرى تبحث في مصدر الكائن وأسباب تواجده في هذا الصندوق بالذات ، لا يمكن للصدفة أن تنشئ الأشياء بمحض الصدفة !!!
جملة العتبات التي وظفتها الكاتبة لتشكل ترتيبا متناسقا في الوصول إلى النتيجة أو الأجوبة كما ترى الكاتبة نفسها ، من عتبة الصندوق إلى حدود المحيط ، إلى الإنسان ، ثم عتبة المتغيرات الزمنية ، كل ذلك طبيعي و يفرض نمطا مختلفا في طرح الأسئلة في انتظار أجوبة أكثر مما توصلت إليه في النّص ، لعلها أسئلة مربكة و محرجة للإنسان ككل .
تعليق