الحب / موضوع للنقاش الجاد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نجيةيوسف
    أديب وكاتب
    • 27-10-2008
    • 2682

    #16
    الأخ الكريم محمد
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي الكريم
    لا شك أن هذا موضوع لا تنقضي محاور بحثه ولا تتفق كل الردود حوله .
    نعم يا أخي قد تكون هذه العلاقة بين قطبي الحياة على هذا الكوكب هي من أكثر المواضيع شدا وإثارة لعقولنا وقلوبنا التي تتقاذفها هذه الأهواء التي نطلق عليها هذين الحرفين [ حب ]
    بداية ألخص رأيي في اعترافي بهذه العاطفة كعاطفة أوجدها الله سبحانه فينا وكانت عند البعض منا مِن أشد العوامل تأثيرا في حياته بل قد تكون هي العامل الموجه في معنى وطريقة حياته ودوافعه نحو الحياة ذاتها فإن أصيب فيها تجده يزهد في الحياة بل قد يلجأ أحيانا إلى إنهاء أسبابها ويرتضي الموت إن أصابه فشل أو أخفق فيها .
    واسمح لي أن أرد على محاور طرحك من خلال الوقفات التالية :

    الوقفة الأولى عند قولك :

    لنتوقف عند هذا البيت للشاعر جميل بثينة:

    يموت الهوى مني إذا ما لقيتها / ويحيا إذا فارقتها فيعود

    المعنى واضح ولا لبس فيه " عند لقائي بها يموت الحب بداخلي فلا أشعر بتلك العاطفة الملتهبة الجياشة من أحس بها بينما هي بعيدة عن مرمى نظري وجسدي"

    كيف قررت يا أخي أن تفسيرك هذا للبيت هو المعنى الصحيح الذي لا لبس فيه ؟؟؟
    حين قلت إن معنى قول الشاعر هو موت الهوى بمعنى موات الحب في نفسه ]
    وقد عرفنا أن الشاعر إنما يقصد سكون نفسه وهدوءها بالقرب ممن يحب ، وعودة الاضطراب إليه عند غيابه .
    ولماذا أدخلت في تحليلك لمعنى البيت قولك [بعيدة عن مرمى نظري وجسدي"]

    وأنت تعلم ولا يخفى عليك أن جميل بثينة شاعر عذري ؟؟؟

    الوقفة الثانية عند قولك :
    ما الذي دفع قيس بن الملوح للتغزل بليلى العامرية وهو يعي ويعلم جيداً عادات القبائل
    يا أخي ، وهل كان الحب يوما داخلا في مقاييس الوعي العقلي أو يقبل منطقا ؟؟

    نعم هو يعلم ، ولكن سلطان الحب إن جاء فقد ألغى في لحظة مجيئه كل ما عرف من قواعد وأعراف فلا يكاد يحس صاحبه إلا بخفقان لا يدري هو نفسه له سببا .
    وهنا يأتي دور الموروث العقدي والاجتماعي إذ لا يملك المحب فيه إلا الانضباط تحت لوائح وقوانين هذا الموروث والاستجابة له . وليس في رفض الحب نفسه أو تلافي أسبابه .

    الوقفة الثالثة : عند قولك :
    وهل كان ثمة دافع غريزي فطري بدون ادراك ووعي بأن زواجه منها سيعني موت موهبته الشعرية التي صنعتها علاقة البعد والحرمان والتسهيد والعذاب.

    يا أخي قد تزوج قيس بن ذريح لبنى وبقي الحب مشتعلا ، ولكن قد يكون الحب بعد الزواج شيئا آخر غير ذاك الهيام واللهفة واللوعة التي تصورها أشعار الشعراء وخيالاتهم . إذ يتطور ذلك الشعور إلى نوع من الحب الذي يرتقي بصاحبه إلى مرحلة أعلى وهي مرحلة الود التي وصفها سبحانه بينهما بقوله (وجعلنا بينهما مودة ورحمة ) وكم من الأزواج قالوا شعرا في زوجاتهم ورسموا لنا أجمل لوحات الحب الصادق العف الجميل .

    الوقفة الرابعة عند قولك :

    يقول شاعر المرأة نزار قباني في إحدى قصائدة :

    الحب ليس رواية شرقية / بخــــتامها يتزوج الأبــطال
    لكنه الابحار دون سفينة / وشعورنا أن الوصول محال

    هل يعني قباني أن ديمومة الحب واستمراريته يتعارض مع الارتباط الجسدي.

    وهل ما يقول نزار يفترض فيه الصدق وفرضه على المفهوم العام ؟؟

    قطعا لا ولكن ليس بالمطلق كما أن نعم ليست بالمطلق ، فكثير من قصص الواقع التي لم تتلقفها وسائل نشر أو إعلام روت لنا قصص حب دافئ وجميل بين زوجين استمر الحب بينهما بعد الزواج ومنهم من أعرف أنا شخصيا عن قرب شديد .
    ولكني أحب أن أشير هنا إلى أن طغيان قصص الحب والهوى على المنشور لدينا ، بالإضافة إلى تحرج الأزواج من الحديث عن مشاعر الحب لزوجاتهم جعلنا نرى مثل هذا الرأي ونذعن لسيرورة أمثلته .


    أما الوقفة الخامسة فأقف فيها على قولك :

    هل من المعقول أن يكون الارتباط الجسدي – الزواج - بمثابة السد المنيع أمام جريان ماء الحب في قلب وعقل ووجدان الرجل والمرأة.
    أرد وأقول :
    بل إن رب هذا الكون كان هو الأعلم بنا وبما ركب فينا حين جعل الارتباط بالزواج أمنا وسكنا ومودة تستنسخ شعور الحب وتريق ماءه على زهر الحياة فيورق تفهُّما وتفاهما .
    وإذا كان الأمر كذلك فقد انتفى حرمان الإنسان من نعمة الحب كما تساءلت حين قلت :

    وهل الحب العذري هو خطيئة حلوة يعاقب الانسان بحرمانه منها والتمتع بها طوال العمر في سبيل ولأجل حفظ العنصر البشري من الزوال...؟!!
    وختاما أقول :
    الحب قدر لا نملك رده ، ولكن نملك السيطرة على جماح شطحاته في ظل ثقافة دينية واجتماعية تهذب العلاقات وتربي النفوس .
    لك التحية والتقدير

    النوار


    sigpic


    كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

    تعليق

    • أحمد الشريف
      محظور
      • 25-09-2008
      • 149

      #17
      قديماً قالت العرب في الدواوين:
      إذا أنتَ لم تعشق ولم تدري ماالهوى
      فأنتَ وعَـيـرٌ فـي الفـلاةِ سـواءُ

      الحبُّ ماءُ الحياةِ وغذاءُ الروحِ وشفاؤها من أسقامها ،
      الحبُّ قاضٍ في محكمةِ الدنيا وإن ظَلَم وبالحبِّ تتحرك الأفلاك
      وتدور الأكوان ويوم ينتهي الحبّْ يصبح القلب قاعاً صفصفاً والعقول
      صحائفَ فارغةً ، خاويةً ، مجوفةْ.

      فلولا الحبُّ ما كانتْ هُناكَ ليلى ولا لبنى ولا الجميلة المضرية
      ولا أعلمُ كلمةً " تُعبر عن الحب إلا الحب فليس هُناك أصدق من هذهِ الكلمة فالـ"حاء" تفتح الفم فيبقى فارغاً باهتاً حتى تأتي الـ"باء" فيُضم الفم وتُطبق الشفتان وتصطك الأسنان إذاً هُنا اجتماع بعد فُرقة ووصلٌ بعد هَجر وكلمةُ الحب كلمةٌ عامرة لها أنداءٌ وأفياءْ
      إذا قلت حب حلتْ ريحُ الصفاءْ وانسكب غيث الرجاءْ وسرى نسيم الوفاءْ
      والحبُّ إطلالةٌ من ديوانِ الخلود"
      فلا شيئ يستقيم إلا به
      وهو موجود وباقٍ في القلوب العامرة لا في القلوبِ المجوفة
      فبهِ قامت الدنيا وبهِ أشرقت الأرض فلولا الحبُّ ما علت شمسٌ ولا ترصع الفضاءُ بزينةٍ النجوم ولا تَوجَ القمر السماء وحتى العبادة لا تُقبل إلا بحب ..

      سيدي/ محمد ثلجي
      شكراً لهذا الطرح الجميل.

       



       
       
      التعديل الأخير تم بواسطة أحمد الشريف; الساعة 29-01-2010, 14:15.

      تعليق

      • محمد ثلجي
        أديب وكاتب
        • 01-04-2008
        • 1607

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة منجية بن صالح مشاهدة المشاركة
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


        الأستاذ الكريم محمد ثلجي

        لكن يبقى ثمة اسئلة بحاجة لإجابات شافية ومنها هل الزواج يقتل الحب وهل الحب حقيقة وليست ابتداع من لهج الخيال. مجرد كلمة لا أكثر للتعبير عن مكنون المشاعر والأحاسيس العادية المتداولة في العلاقات والروابط بين الأفراد !!


        أخي الكريم للإجابة على الأسئلة المطروحة أقول بعون الله و توفيقه أن الحب حقيقة و ليس خيالا و أن الكون قائم على المنظومة الزوجية و كل مكوناته تتناغم و تتكامل بحب حتى لا يطغى عنصر على آخر فلا الليل ياخذ دقيقة زائدة من وقت النهار و لا النهار ياخذ من وقت الليل فكل يسبح في فلك الآخر وهو العاشق و المعشوق
        فلولا حب النحلة للزهرة لما كان العسل و لولا حب الشمس لماء بالبحر لما كان المطر فمنطق الحب في الطبيعة هو منطق أخذ و عطاء متلازمين وهو الذي يثمر الحياة على الأرض

        و عندما نتأمل الانسان نجده قد ظرب بالمنظومة الزوجية عرض الحائط فصارت أشبه بقطعة قماش يفصلها على هواه يلبسها و ينتزعها وقت يشاء ليبحث عن الحب الضائع منه خارج مؤسسة الزواج الشرعي
        لنتخيل للحظة أن بعض العناصر الكونية خرجت عن المنظومة الزوجية و أصبحت تتصرف على هواها و قامت بعصيان الخالق كما نفعل نحن ؟ أترك لكم الجواب
        هكذا اغتلنا الحب عن سبق اصرار و ترصد عندما خرجنا عن أمر الشرع الرباني و أقمنا مؤسسة زواج افتراضي تخضع لمقاييس ابتدعناها فكان الحب فيها افتراضيا ولد ميتا فكيف نطلب من الميت أن يكون حيا ؟ ليست لنا القدرة التي وضعها الله تعالى في سيدنا عيسى عليه السلام و لا طهارة مريم العذراء حتى ننجب الكلمة الروح التي تغير ملامح الإنسانية والعالم و تزيل منه الكره فيعمه الحب و السلام
        فالحب الذي دفن بين أحضان الزوجين لا يمكن أن يكون له وجود في المجتمع
        و حتى يكون الحب حيا و موجودا بيننا لا بد أن نتعلم أصوله
        و الى لقاء آخر و دمتم بخير
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



        مساء الخير أستاذة منجية بن صالح

        مداخلة غاية في الأهمية، وتدعم بشكل ما حاولت توضيحه بقولي أن الزواج كمنظومة حياتية هامة لحفظ العنصر البشري من الزوال لم تكن لتستمر دون عناية إلهية دافقة تضمن بقاء واستمراية هذا الحلال.

        والحب في النهاية ربما يكون واسطة خير بين الرجل والمرأة ولكن هل من المفروض إن يستمر الحب على ما كان عليه قبل الزواج من التدفق والجريان والمتعة واللذة !! فإن لم يكن هذا ليحصل. هل يعني ذلك تمام القناعة والتسليم بدخول مصطلح آخر بديل عن الحب بدعم من عامل الزمن والملازمة / الصحبة.

        إذن لماذا يطالب كلا الطرفين بالحب ذاته ما شعرا به قبل الارتباط الجسدي ليصل الأمر لنتائج خطيرة قد تفسد هذه المنظومة وتحيلها إما للطلاق أو الخيانة أو البحث عن مكان آخر يعيد المتعة ذاتها والنشوة إياها.

        ***
        إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
        يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
        كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
        أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
        وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
        قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
        يساوى قتيلاً بقابرهِ

        تعليق

        • منجية بن صالح
          عضو الملتقى
          • 03-11-2009
          • 2119

          #19
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          الأستاذ الكريم محمد ثلجي
          والحب في النهاية ربما يكون واسطة خير بين الرجل والمرأة ولكن هل من المفروض إن يستمر الحب على ما كان عليه قبل الزواج من التدفق والجريان والمتعة واللذة !! فإن لم يكن هذا ليحصل. هل يعني ذلك تمام القناعة والتسليم بدخول مصطلح آخر بديل عن الحب بدعم من عامل الزمن والملازمة / الصحبة.

          ليس هناك مصطلح بديل عن الحب فالكلمة حاملة لمعناها الذي لا يتغير لكن طبيعتنا هي التي تغيرت بتبنيها فكرا لقيطا و مستوردا ليس له هوية
          فعندما يغادر الحب أحضان الزوجية اعلم أن المنظومة وقع تخريبها من الداخل و فقد الزوجين كلاهما أو أحدهما هويته الإنسانية و أتبع غريزته الحيوانية و أصبح ينتقل من قطيع لآخر بحثا عن صورة تملأ شاشة خياله لفترة ثم يعيد البحث من جديد
          فالحب هو عشق معنى رباني فطري موجود في الإنسان بصفة عامة وهو طيبة و مكارم أخلاق و شهامة و كرامة و رجولة و أنوثة و أمومة و ليس صورة حسية تفقد نظارتها مع مرور الزمن
          فالبحث عن الحب خارج مؤسسة الزواج هو دأب قوم سيدنا موسى عليه السلام فهم غير قادرين على الإيمان بالغيب في الطبيعة الكونية و الإنسانية فهم يبحثون دائما عن أشياء حسية تملأ فراغ عيونهم النهمة و الشهوانية دعما لمقومات الفكر المادي البحت المتغلغل فيهم و الذي أعمى قلوبهم فأصبحت غير قادرة على أن تحب و لا أن تتعامل مع الآخر بحب وسلام بل تجذر الصراع و تستثمره لمصالحها المادية
          فنحن نعيش بنفس المنطق في الأسرة و في المجتمع و الذي لا يمكن أن نفصل بينهما فكما يبحث الزوج عن الحب خارج بيت الزوجية يبحث أفراد المجتمع و النخب السياسية و الفكرية عن حب الآخر و التشبه به خارج البيئة الدينية و الثقافية و كل علاقة تبعية غير شرعية تكون لها مخلفات لقيطة على مستوى البشر و الفكر
          دمتم بخير
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          تعليق

          • حكيم عباس
            أديب وكاتب
            • 23-07-2009
            • 1040

            #20
            [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
            الحب ...
            هل من يعرّف الحب؟؟
            لو ابتعدنا قليلا عن مواضيع الإنشاء المدرسي و ترداد عناصر الموضوع التي كتبها المعلّم على الصبّورة ، و التي تحمل مثالية مفرطة و التي نلتزم بها عادة ، ثم (بعضنا) يظلّ يردّدها طيل حياته ، يسقطها على مجمل القيم الإنسانية ، لو ابتعدنا قليلا عن هذه المثالية الإنشائية ، لو صحّ التعبير ، و نلجأ للواقع نقرأه ، نحلّل النفس البشرية ، بدلا من سكب عواطفها و قيمها في قوالب جاهزة حاضرة أعدّها لنا معلّم التعبير المدرسي ، فنخلط و نتخبّط و نكتب و نتكلم عن أشياء تتساوى و الوهم ، بل تزيد عنه بأنّها أشدّ ضررا و أعمق تدميرا .
            1. الطفل الصغير يتعلّق بأمه فنقول : يحبّ أمّه
            2. يتعلّق بأبيه فنقول : يحب أباه .
            و نسأله مداعبين تحبّ أمّك أكثر أم أباك ؟ نحرجه ، نجعل من الحبّ طبقات و درجات ، نقارن بها بين أصناف غير متجانسة ، فنخرق أهم قاعدة في الحساب المدرسي ، التي تعلّمناها في الصفوف الأولى ، يقول المعلّم : ثلاثة أقلام زائد كتابين كم تساوي . فنقول ثلاثة أقلام و كتابين ، فيسأل المعلم : لماذا لا تساوي خمسة ؟ فنردّعليه بصوت واحد : لا يجوز يا أستاذ ، فيسأل لماذا يا أولاد ؟ فنرد بصوت واحد : لا تجمع الأشياء من أجناس مختلفة !!
            3. و يحبّ الطفل أخته الكبيرة التي تعتني به.
            4. و يحبّ جدّته.
            5. يحب أحد أصدقاء والده الذين يزوروهم.
            7. و يحبّ الولد المدرسة أو لا يحبّها .
            8. و يحب الشاب جارتهم أو إحداهنّ
            9. و يحب الرّجل زوجته
            10. و يحب الأب أولاده
            11. و نحبّ الوطن
            12. نتعلّق بمسقط رأسنا (البلدة التي ترعرعنا فيها ، بل الحي ، بل الشارع و الزّقاق ، بل البيت القديم ، بل غرفة من البيت أو زاوية محدّدة فيه ، و نحبها !!).
            13. من بين آلاف الأشجار مثلا التي مررنا عليه في مشوار العمر ، هناك شجرة واحدة نحبّ الجلوس تحتها ، نشعر أن شيئا يشدّنا لها ، نبحث عنها إلى أن نصلها فنسترخي في ظلّها .
            غير ذلك عشرات الأشياء التي نوصف تعلّقنا بها بأنّنا نحبّها ، نتكلّم عن رابط خفيّ بيننا و بينها و نقول عنه "الحب".
            هل نستطيع المقارنة بين حبّنا لأحد الأشياء مما ذكرنا بعضها و بين حبّنا لباقي الأشياء؟
            لا يمكن طبعا ، فما الرّابط بين حب بنت الجيران و حب المدرسة و حب زاوية في الزّقاق أو حب الجدّة؟؟
            إذن نحن نتكلّم عن عاطفة إنسانية واسعة ، تربطنا بسلسلة طويلة من الأشياء و الأماكن و الأشخاص المختلفة فيما بينها ، لغويّا نوصف كلّ هذه الرّوابط ، و التنوّع بالعواطف بكلمة ، بمفردة واحدة ، "الحب". هذه الدّلالة عاجزة ، قاصرة عن استيعاب مدلولاتها المتنوّعة الكثيرة المختلفة و المتباعدة ، ليس في العربية فقط ، بل أعتقد في كلّ لغات العالم ، لذلك الحب كدلالة لغوية مفرطة في العمومية إلى حدّ تكاد لا تعني شيئا سوى التّصنيف العام ، كما نقول مثلا ، فلان سافر ، نعرف فقط أنّه غير موجود هنا ، لكن لا ندري أين سافر ، فكم هي كثيرة و متنوّعة الأماكن التي تحتمل الإجابة .
            نقول فلان مريض ، نعرف أنّه غير معافى ، لكن هناك آلاف الأمراض التي قد يكون مصابا بواحدة منها منها ما يهدّد الحياة و منه ما هو وعكة عابرة.
            الخلاصة "الحب" قيمة إنسانيّة عامة لا تختلف من إنسان لإنسان مهما اختلفت أعراقه و ألوان بشرته ، و معتقداته و دينه و انتماءه و سياسة دولته ، الهندي يمرض و يسافر و يحب ، و الأمريكي كذلك و الأوروبي و الصيني و الأرجنتيني و الهندي الأحمر و العربي و الأفريقي و اليهودي و البوذي و المسلم و المسيحي و الملحد الكافر...
            هذه عاطفة إنسانيّة عامة لا تختلف مقدار ذرة بين بني البشر ، و إلاّ لأصبحنا كائنات ننتمي لفصائل مختلفة جينيّا و بيولوجيّا.
            كي لا تُسارع الأقلام بالإشتعال ضدّي ، سأوضّح : هناك مقابل هذه العاطفة العامة الإنسانية الأصيلة الطبيعية الفطرية التي نشعر بها و تستوطننا ، تعشعش في أذهاننا و قلوبنا و خيالنا ، حتى واقعنا ، نشعر بها كما هي ، كما نحسّها بيننا و بين أنفسنا ، عندما لا يشاركنا أحد و لا يراقبنا أحد ، متحرّرين من كلّ صيغ الآخر ، كشعور في عالم الأنا المحض فقط ، دون أن يكون الـ "هو" موجودا ، أي خارج المجتمع ، في الغرفة المغلقة علينا وحيدين ، مقابل هذا كلّه ، هناك تجلّيات لهذه العاطفة خارج الغرف المغلقة ، خارج الأنا ، في المجتمع ، مع الآخر و تحت مراقبة الـ "هو" ، فتنقلب هذه العاطفة من شيء ذاتي شخصي محض مقفل عليه في الرّوح و القلب ، إلى شيء إجتماعي ، هنا تُطبّقُ عليه جميع القوانين الإجتماعية التي تحكم حياتنا ، نظامنا القيمي و الأخلاقي ، موروثنا الثقافي المكتوب و غير المكتوب ، القانون الذي ينظم المجتمع ، هنا يحصل الإختلاف بين البشر ، و يمكن حصره في نقطتين إثنتين :
            1. كيفيّة التعبير عن هذه العاطفة : هي الكيفيّة التي نعبّر فيها عن الحب ، التي تختلف بين بني البشر تبعا لثقافاتهم و مجتمعاتهم و لنظامهم القيمي الخاص بهم ، لفلسفتهم و نظرتهم لأنفسهم و للحيّاة.
            كيفيّة التعبير عن الحبّ تخضع لنفس مُنَظّمات التعبير عن باقي القيم البشرية ، و أقصد أن كيفية التّعبير نفسها ، بحد ذاتها ، خاضعة لمُنظّمات ، التعبير عن الغضب ، التعبير عن الكره ، التعبير عن الإعجاب ، التعبير عن الحب التعبير عن الإحترام ، التعبير عن عدم الإحترام .....الخ كلّها سلوكيّات محكومة بالـ "هو " ، بالمجتمع و بنظامه القيمي.
            كيفيّة التعبير نوعان :
            ** التعبير العام الذي يقوم به كلّ أفراد المجتمع من خلال علاقاتهم الحياتية و اليومية ، بمعنى كيف يُعبّر أفراد المجتمع فيما بينهم عندما يختلفون ، و عندما يحترم بعضهم بعضا ، و عندما يحبّون ، و عندما يكرهون ، ماذا يُسمح لهم و ماذا لا يُسمح لهم ، هنا مايزال لأخلاقيات الفرد و قيمه دورا مهما ، أمام سلطة المجتمع و القانون.

            ** التعبير الخاص (إن صحّ التعبير) ، أقصد به تعبير فئة محدّدة من المجتمع عن هذه العواطف و المشاعر ، عادة يتصدّر هذه الشعراء و الفنانون و الأدباء ، الإختلاف كبير أيضا من مجتمع لآخر ، فهناك مجتمعات تسمح بالنّزر القليل من الحرية في التعبير ، فتُخضع الشعر و كافة الإنتاج الأدبي لنظام قيمي و أخلاقي صارم ، تدعمه بنظام قانوني و قضائي أحيانا (!) . بالمقابل هناك مجتمعات لا تضع قيودا مهمّة على هذا الشكل من التّعبير ، في نظمها و معاييرها لا تُخضع الشعر و لا الإنتاج الأدبي برمّته لنظام المجتمع القيمي و الأخلاقي . الشاعر و الفنّان يعبّران عن العاطفة الإنسانية الخام ، كما هي ، كما يشعرا بها ، كما يحسّاها في وجدانهما ، دون رقابة و تحسّب من الآخر .

            2. كيفيّة ممارسة هذه العاطفة : كيف نمارس الكُره داخل المجتمع ، كيف نمارس الإحترام ، الحب ، الغضب ، الإنتماء ...الخ
            هنا أيضا الإختلاف كبير جدا بين المجتمعات البشرية ، يبدأ من الفرد و تكوينه النفسي و الثقافي المبني على موروثه الإجتماعي و نظامه القيمي و عقيدته و دينه ، و من ثم ينتقل لسلطة المجتمع المتمثّلة بالقانون بشكل أساسي ، لأن النظام القيمي الموروث قد لايكفي لضبط و ردع الممارسات ، لأنّ الفرد ينتقل من التعبير إلى الفعل ، و الفعل موجّها لمفعول به ، و المفعول به هو فرد آخر في المجتمع أيّا كان) ، له سلسلة من الحقوق يجب حفظها ، أي أن الممارسة تجلب للمائدة "حق الغير" .

            الخلاصة : الحب عاطفة إنسانية عامة ، صفة من صفات فصيلة الإنسان ، لا تختلف في جوهرها بين بني البشر مهما اختلفت و تنوّعت أعراقهم و أنظمة مجتمعاتهم .
            يختلف بني البشر في كيّفية التّعبير عن هذه العواطف الخام الطبيعية ، في تعبيرهم في علاقاتهم الإجتماعية اليومية فيما بينهم ، و في تعبيرهم الأدبي و الفنيّ .
            كما يختلف بني البشر تبعا لإختلاف مجتمعاتهم و ثقافاتهم و أنظمتهم القيمية و الخلقية و قوانينهم ، في كيفيّة ممارسة هذه العاطفة.

            كان بودّي التّحدّث عن الأدب و الفن في ضوء هذه الخلاصة ، وجه الإختلاف في الأدب و الفن تبعا ، و موازيا للاختلاف في هامش الحريّة ، في المتاح تعبيريّا و ممارسةً بين المجتمعات المختلفة لإختلاف أنظمتها القيميّة ، و علاقة هذا في إزاحة الأدب و الفن (خاصة الشعر) نحو جهة محدّدة ، و طعم و عمق و نوعية محدّدة ، حتى القوالب التقنية و الفنيّة للأدب و الشعر ، و علاقتها بهذا الهامش من الحريّة ، علاقة الإختلاف في تحديد "الثيم" الرئيسي الذي يشغل أصناف الفنون و الآداب تبعا لإختلاف المتاح و الممنوع في المجتمعات المختلفة ، و كي لا يطول الحديث جدا ، و لا نخرج عن لبّ الموضع ، أعدل عن هذه الرغبة ، لعلّ و عسى يُفتح موضوعا مستقلا لمناقشة و معالجة هذه القضية.
            أحاول الآن بشكل سريع معالجة إحدى قضايا الحب ، القضية المطروحة هنا ، الحب الذي يخصّ و يوصّف الرّابط بين الرّجل و المرأة فيشدّ كلا منهما للآخر.
            الحب بين الرّجل و المرأة يتصدّر قائمة الأشياء و الأشخاص الذين تربطنا بهم روابط الحب ، عندما نقول حبّ الرّجل للمرأة أو المرأة للرجل ، نحن خرجنا من بوتقة العاطفة العامة الإنسانية الشاملة و خصّصناها بالضبط في هذه العلاقة = بين الرّجل و المراة.
            *** حبّك لأبيك و أمّك و أخيك و أختك و جدّتك ، هو حب الفرد لعالم ترتبط الطفولة به عندما نعتمد كلّيا عليهم ، ثم بعد ذلك ، يصبحون جزءا من مخزون خبراتنا الشعورية التي رست في الذّاكرة (هل يحب أحدنا أخاه أو أباه الذان لم يراهما قط في حياته؟؟!! طبعا لا) و يظلّ يربطنا (بالأسرة) هذا الرّابط الجميل السامي النّبيل ، يتدخل هنا النظام القيمي للمجتمع ، ليجعله واجبا دينيا و اجتماعيّا أيضا له قواعده و شرائعه ، يدعمها القانون . في مجتمعات أخرى ، لا أحد يطلب منك هذا ، يبقى شعورك و قيمك الشخصيّة هو الموجّه لك و هو الحكم . إختلاف كبير!!

            *** حب بعض الأصدقاء و بعض الأقارب ، تعبير عن طبيعتنا ، كوننا مخلوقا إجتماعيا لا يعيش لوحده ، هذه العاطفة أحد مسارات تطبيق هذه الطبيعة.

            *** حبّنا للمدرسة أو لصنف من أصناف العلم أو المعرفة ، هو أحد المسارات التي نحقّق من خلالها طبيعتنا الشخصيّة و ميولنا و تركيبتنا التربوية و البيولوجية.

            *** حبنا لمسقط رأسنا ، هو ارتباطنا بعالمنا ، بالمكان و الزّمان ، الزّمان الذي يفرّ منّا فنستدعيه ، بل نستجديه ، و هذا النوع من الحب شكل من أشكال استجداءه .
            المكان الذي تغيّر أو ابتعدنا عنه ، نحاول إعادة تركيبه كما كان ، هذا أحد مسارات مقاومتنا و رفضنا للتغيير الذي يعني لنا في اللاشعور ، التوغّل بعيدا في العمر نحو نهايته.

            *** حبنا للوطن ، مثل حبنا للهوية و للقومية و للعقيدة ، و هو مسار من مسارات تحقيق نزعتنا لنكون شيئا مستقلا عن الآخرين ، شيئا خاصا بنا ، إنّها الأنا الكبيرة التي تعني عالمنا بالكامل ، بين العوالم الأخرى ، هي رفضنا الطبيعي أن نكون غيرنا و إصرارنا أن نكون نحن و إلاّ انهار كلّ شيء تحت أقدامنا.

            *** حبنا للمرأة ... !!! حب المرأة للرجل ، حب الرّجل للمرأة ، ماذا يكون ؟؟ ما الذي سيتحقّق من طبيعتنا من خلاله؟ أيّ المسارات هو ، و لتحقيق أي الطبائع؟؟
            كي لا أجيب مباشرة إجابة واضحة بيولوجيّة فيسيولوجية و نفسية طبيعيّة ، خاما ، كما هي ، ألجأ للتالي:
            1. متى نبدأ بالشعور بالحب ؟ متى تبدأ المرأة تشعر بالحب نحو الرّجل ، و متى يبدأ الرّجل بالشعور بالحب نحو المرأة.
            أليس في سنّ البلوغ ؟
            هل أحد سمع أن فتاة تحت سنّ البلوغ تحب الشاب الذي يسكن مقابل بيتهم ؟ أم هل أحد سمع بأن طفلا دون سنّ البلوغ تورّط في حب جارتهم ؟
            لم يحصل ، و لا يمكنه أن يحصل ، لسبب بسيط ، أن الفتاة في هذا العمر لا تعرف ما معنى الرّجل و لا الولد يعرف ما معنى المرأة ، أي لم يكتشف أحدهما الآخر ، البنت لم تكتشف بعد الذكورة ، و الولد لم يكتشف بعد الأنوثة.
            متى يكتشفان ؟
            في سن البلوغ . و ماذا يعني هذا ؟
            يعني أن هناك مجموعة من الغدد داخل الجسم ، تفرزالهرمونان الجنسية ، فتنضج الأعضاء التناسلية و معها نوع آخر من الهرمونات يشعل الرّغبة ، هذه المواد الكيماوية عندما تقذف بها الغدد داخل الشرايين ، و تجري في العروق ، تهبّ العاصفة ، عاصفة شديدة ، لا تُبقي و لا تذر ، تطول القامة ، و تتغيّر طبقات الصوت ، و يتغيّر إهتمام العين ، إذ تصبح تبحث عن أشياء لم تكن لتراها قبل هبوب العاصفة ، هزّة البنت أثناء السير ، الثياب السيقان ، الضحكة ، الشعر ، النّظرة ... كلّ شيء يدخل حيّز الرّصد و يصبح في حقل العينين ، بل تبحث عنه ،
            الأعضاء التناسلية الخارجية تغيّرت و أصبحت أشدّ حساسية ، إذ بمجرّد احتكاكها حتى بالثياب ، تتسارع الدّماء في العروق ، و تلتهب الرّغبة ، فنكتشف عالما جديدا لذيذا ، نداعبه أحيانا .. نقف أمام المرآة مدّة أطول ، نعرف أي ساعة بالضبط تخرج بنت الجيران إلى المدرسة ، فنكيّف خروجنا ، نقدّمه و نأخره ليتزامن مع خروجها ، علّنا نحظى بنظرة ..
            من في هذا السن لم يكتب الشعر أو حاول ؟؟ من لم يسمع الأغاني الجيّاشة ؟؟ من منّا في هذا السن لم يبكِ في الليل ؟ منّ منّا لم يشعر بالحزن و كأن الحزن ملازما لعاصفة الهرمونات هذه ؟
            من هذا الحزن يتمّدد الخيال ، في هذا السن يتّسع و يصبح عوالم لا نهائية مركّبة ، نرى الظلال التي يلقيها القمر على الأشياء ، تتشكّل فيخرج فارس/ فارسة أحلامنا منها . أشباح و نجوم و ورود و أغاني و أشعار و دموع ، حزن و تحسس شديد ، تمرّد و خجل ، رقّة و عنف ، سهر و سهد... هذا هو الحب يهاجمنا وسط العاصفة.
            هذا شعور طبيعي عام خالص ، خام كما هو ، يلد و ينمو و يترعرع فينا ، دون ضوابط و دون رقابة و دون قوانين ، فينا في الغرف المغلقة ، بيننا و بين أنفسنا ، كعالم ذاتي ، شخصي محض ، خصلة شعر لحبيبة القلب نحتفظ بها داخل كتاب الكيمياء لا يعلم عنها أحد ، و رسالة موّهناها و خبأناها في كتاب الجفرافية ، و صورة نضعها في مكان لا يستدل عليه من حولنا.
            لكن كيفيّة التعبير عن هذه العاصفة و ما تحمل معها ، كيفية ممارستها ، محكومة و مضبوطة بنظام قيمي أخلاقي ديني و جمعي موروث .
            هناك فرق هائل بين الحب عندما نريد دراسته كعاطفة إنسانية جيّاشة خام ، طبيعية كما هي و كما نحسّها ، و بين كيفيّة التعبير عنه و ممارسته ، الأوّل (الحب كما نشعره) موضوع ذاتي شخصي محض ، الثاني (التّعبير عنه و ممارسته) خاضع للـ "هو" ، للـ "المجتمع" ، للنظام القيمي و الأخلاقي.
            أهم الفروق أن الحب الحرّ ، الخام ، الطبيعي ، الشخصي ، كيف نعيشه و نشعره ،مغلق في قلوبنا ،هو الفنّان فينا ، الشاعر الذي يكتب فينا الشعر ، و هو الأديب ، يرسم و ينحت و يغني و يغرّد و ينتحب ، و الثاني (كيفيّة التعبير عنه و ممارسته ، الخاضع للـ "هو" ، يفرض علينا سلطته و يجعلنا كائنا إحتماعيا ، يعترف بنا بدلا من أن نظلّ فردا ، أنا ، ذات لوحدها تحلّق في عالمها.

            2. إذا لم يكن الحب (العلاقة بين الرّجل و المرأة ) واضحا منذ بدايته ، فلنوضّحه هنا .
            الأشخاص الذين يُصابون بالعجز الجنسي في منتصف عمرهم أو حتى في مرحلة الشباب ، العجز الجنسي ليس النّاتج عن أمراض تُصيب الأعضاء التناسلية (هذا موضوع مختلف) بل العجز الجنسي الناتج عن كفّ الغدد عن إفراز الهرمونات التي تؤدي للتهيج و الرغبة ، فلا يعد الرجل أو المرأة يشعر بالرغبة للآخر ، و كأنّ المراة اختفت من ساحة اهتمام الرّجل ، كما كان قبل البلوغ و العكس صحيح ، هؤلاء هل يحبون ؟؟
            هل يشعر الرجل من هؤلاء بنفس المشاعر الجياشة تجاه المرأة ، فيتبعها و يلاحقها ، و يناجيها و يسهر تحت ضياء القمر و لمعان النجوم ،و يتمدّد خياله و يراها في كل شيء حوله ؟؟
            لا .. لا .. ينطفئ كل هذا ، كل هذه النيران و العواصف تخمد ، فأين الحبّ إذن؟؟
            بقي فقط التنويه لقضية واحدة متعلّقة بما نسميه نحن الحب العذري ، الحب العفيف ، الحب الشريف ، الحب السامي.
            هذا كلّه خلط و خطأ في التسميات ، سأوضح .
            كلّ هذه تسميات يُطلقها الآخر ، المجتمع ، على أنواع من الحبّ تجلّت في التعبير الأدبي أو الشعري للمحبين .
            الحب كعاطفة إنسانية على طبيعتها و سجيّتها ، خام كما هي و كما نشعر بها و المغلقة فينا كشي شخصيّ محض ، و ضّحناه بما يكفي ، المحرّك الأساسي له ، عاصفة الهرمونات التي تقذفها بعض الغدد في دمائنا ، لكن كيفيّة التعبير عن هذا الحب ، تخضع لقوانين المجتمع و نظامه الأخلاقي و القيمي ، الشاعر أو الأديب الذي يقدّم حبّه و فق هذه القوانين و الشرائع ، منسجما معها ، تعتبر كيفية تعبيره ملتزمة ، فيوافق عليها المجتمع بأن يُطري عليها و يسمّيها عفيفة (عفيفة وفق معاييره ، معايير المجتمع و ليس أحاسيس الشاعر الحقيقية ) ، و شريفة و عذرية ...الخ و كلها وفق معايير المجتمع و قوانينه و نظامه الأخلاقي و ليس وفق إحساس الشاعر الإنساني الخام قبل التعبير عنه .
            ما أريد قوله هذه صفات لكيفيّة تعبير الشاعر عن حبه الملتزمة بنظام المجتمع الأخلاقي . هذا لا يعني بشكل من الأشكال ، أن الحب نفسه ، الحب الذي يجري في عروقنا هو عذري و عفيف و شريف ، بنفس المفاهيم ، و لو كان كذلك ، أي بدون رغبات ، لما حصل ، لما ولد ، كما عند الطفل قبل سن البلوغ أو العاجز فيما بعد. هنا يحدث الخلط (أحيانا قصدا و أحيانا عن غير قصد) إطلاق صفة لكيفية التعبير عن شيء كصفة على الشيء نفسه ، كيفيّة التعبير عن الشيء ليس بالضرورة أن تكون مطابقة للشيء نفسه.
            و نستطيع الإستدلال على هذا أيضا بطريقة ثانية ، فمقابل هؤلاء الملتزمين ، هناك آخرون في كل الأزمنة و العصور ، لم يلتزموا بالنّظام القيمي للمجتمع ، بل ضربوا بعرض الحائط رقابة الـ "هو" على مشاعرهم ، و تمرّدوا على المجتمع ، و عبّروا عن حبّهم كما يشعرون به ، كما هو خام و طبيعي . معلقة إمرؤ القيس و فاطمة فيها ، أبو النّواس و نزار قباني . فأطلق المجتمع على هذه الكيفية في التعبير عن الحب ، دون الالتزام بنظامه الأخلاقي ، مجون ، إباحي ، غرائزي ، شهواني...الخ.
            هنا أيضا هذه تسميات لكيفيّة التعبير و ليس تسميات للحب نفسه ، لأن الحب ، كمشاعر طبيعية خام ، إنسانية عند أبو النواس أو إمرؤ القيس و عند طرفة بن العبد أو حسان بن ثابت أو الإمام الشافعي ، هو واحد لا يختلف ، لكن هؤلاء عبروا عنه وفق نظام خلقي ، فمنحهم المجتمع تسمية العذري الشريف العفيف ، و أؤلئك عبروا دون التزام فرجمهم المجتمع وفق نفس المعايير ، بالمجون و الشهوانية و الحيوانية و غيره ، و كلّها ، كما قلنا صفات لكيفية التعبير و ليس لمشاعر الحب الإنسانية الطبيعية التي تدور فينا ، فهي بيننا و بين أنفسنا ، خارج التعبير و الممارسة ، داخل الغرف المغلقة ، في ثنايا الأنا ، هناك لا ينطبق عليها لا العذري و لا المجون ، لا الشرف و العفة و لا الحيوانية و الغرائزية ، لأنّها واحدة كاملة لا تقبل التأويل ، مسار طبيعي من مسارات سعي المرأة للرجل و الرجل للمرأة.

            تحياتي
            حكيم
            [/align][/cell][/table1][/align]
            التعديل الأخير تم بواسطة حكيم عباس; الساعة 30-01-2010, 10:00.

            تعليق

            • وفاء الدوسري
              عضو الملتقى
              • 04-09-2008
              • 6136

              #21
              مساء الخير ..أستاذ/حكيم
              كأن الحب لديك جرثومة تحتاج أن تدخل لمعمل تحليلي تقبع تحت مجهر لدراسة تركيبها... وما تحتوي لاختراع مصل او مضاد أي طريقة لكيفية الوقاية بقتلها أو معالجة كل من أصيب بها.......................والمسالة أبسط من هذا كله أنظر للوجود من حولك وقلب صفحات الأيام سوف تجد أن الحب أسم لصفة مشتق من عاطفة تعني الزيغ والانحراف بحرف إنسان نحو نسيان ...... من منا لم يعتقد أن الحب عصفور يحمل ضحكات الأطفال يلقيها على مسامع الأحياء البشرية هكذا كنا نظن ........إلى أن تآكل الاسم ولم يبقى منه إلا ما يوازي حرف لحرف..... بشر (شر) ...........................نحب ولكن لنتجمل نتزين نتعطر نرتضيه إلى أن نرديه ليس بسبب أننا لا نملك قلوبا بل لسبب أهم....... هو أننا لا نمتلك إنساننا لم نتعرف عليه ولا على ذلك القابع في رحم القلب ينتظر موعد ولادته الذي تأخر.......... وأيضا ليس بسبب أنه حمل كاذب ..... بل مشوه يعيق ويثقل كاهل أنفاس بنبض مقبوض عليه أو بقبضة يد تتهمنا بالنقص وعدم الاكتمال على مر الزمان............... نحن مغيبون غائبون نعيش في غيبوبة حاضر ابتلع كل ما فينا .......طوفان أعماقنا لم يجد السفينة فأغرقنا بجوف جنين ولد بعد طول سنين ليعيش بدون قلب ........معوق تحت سماء غربية فوق أرضية ...........عربية تحت أرضيه ... محتله مقذوفه بألف خوف نقص جهل وجوع..... بحرب سحقت كرامة شهامة قيم أخلاق مسخت الإنسان أحرقته ..........وسكبت على رماده كؤوس من عطش خمر أثمل قلوب تتمتم ترتل تتغنى على قيثارة شرق قلب غرق في غياهب جب ...... وماذا بعد !
              التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 30-01-2010, 13:07.

              تعليق

              • حسين ليشوري
                طويلب علم، مستشار أدبي.
                • 06-12-2008
                • 8016

                #22
                الإسلام هو الحل.

                [align=center]بعد التحية و السلام، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، نستأنف الكلام :
                بعيدا عن كل نزعة هُدهُدية القائلة "أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبإ بنبإ يقين"، و بعيدا عن كل روح تعالمية ترى الرأي رأيها و لا رأي غيره، و بعيدا عن كل تفلسف مُفْلِس في ذاته و مُفَلِّس لمن يتبناه، بعيدا عن هذا كله و أكثر منه، و لاسيما من شهوة حب الظهور، أقول و بكل صراحة أن موضوع الحب المعروض هنا من أخينا الشّاعر و الناّقد محمد ثلجي صاحب القلم المتميِّز و اللغة الرّاقية قد وافق هوى في نفسي فأحببت العودة إلى مناقشته و لاسيما بعد دخول بعض "العلماء"، رجالا و نساء، في النقاش، أقول : الوجود كله مؤسس على الحب، و لولا الحب، حب الله عز و جل لخلقه كلهم أجمعين، لما كانت الدنيا و لا ما كانت الحياة ذاتها، بل لما كان الكون كله من الذرة إلى المجرة، بل و من أصغر من الذرة بكثير إلى أكبر من المجرة بكثير كذلك، و ليت بعض المطلعين يتحققون لنا من الحديث القدسي الذي جاء فيه "كنت كنزا مخفيا فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق ليعرفوني" فقد أعياني البحث و لم أجده، فإن صح الحديث فهو يبيِّن لنا أن الله، سبحانه و تعالى، خلق الخلق ليعرفوه فيحبونه و يعبدونه، هذا أولا، ثم ثانيا إن الحياة الاجتماعية مؤسسة أصلا على الحب سواء اعتُرِف به أم لم يُعْترف، و العلاقات الاجتماعية كلها في أساسها حب متبادل إلا ما شذّ مما يصدر من المرضى نفسيا، إذ كل مولود يولد على الفطرة، و الفطرة مبنية على الحب، الحب الأول، ثم تأتي التربية فتؤكد هذا الحب أو تفسده أو تحوله إلى نقيضه البتة...، ثم ثالثا، و هذا موضوع حديثنا، العلاقة الزوجية مؤسسة ابتداء على الحب، أو المودة، و الرحمة {و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} سورة الروم، وعلى هذين الركنين، المودة و الرحمة، تبنى الحياة الأسرية كلها و عليهما يربى الأولاد، و الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع و إن فسدت فسد، و لا صلاح لها بدون هذا الرباط المزدوج : المودة و الرحمة فتحصل السكينة للزوجين ثم للأولاد بالتبعية، و قد يحدث أن تضمحل المودة بين الزوجين أو تزول البتة، و هذا وارد جدا و قد اعترف به القرآن المجيد { و عاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون} فقد نصت الآية على ورود احتمال الكره أو الكراهية بين الزوجين، لكن تبقى الرحمة و المعاشرة بالمعروف لاعتبارات كثيرة ليس هذا موقع تفصيلها، ثم إن الحب بين الزوجين المسلمين، و حديثي هنا عنهما وحدهما فقط إذ لا شأن لي بغيرهما، ليس حبا شهوانيا بل هو أكبر من هذا بكثير و أعمق و أمتن، إنه الحب في الله أساسا لأن الزوجين مرتبطان بميثاق غليظ حبله أو رباطه الحب في الله لأنهما، أي الزوجين، يراعيان في علاقاتهما طاعة الله أولا و قبل أي شيء ثم تأتي باقي الأغراض الثانوية، أما، رابعا، العلاقة العاطفية قبل الزواج، خارج إطار العقد الشرعي، و الخوف عليها أو الاهتمام بها بعده، أي بعد الزواج، فهذا مما لا محل له من الإعراب أو التعبير البتة لأن هذا الموضوع بالذات مما يجب علينا مقاومته بتصحيح الرؤى و التحذير من عواقبه الكثيرة و المتنوعة و الفاسدة المفسدة، و يجب علينا ألا ننساق وراء التيارات الملوِّثة للمجتمع، و للأسرة فيه أساسا، بحجة الحداثة و التفتح و مواكبة العصر... إلخ من الحجج الواهية الموهنة للروابط التي أسسها الدين الحنيف : الإسلام !
                إذن، خامسا، و بعد هذه الفذلكة و التي قد لا تروق لبعض إخواننا و أخواتنا هنا، أعود إلى ما قلته آنفا في مداخلتي الأولى أعلاه مؤكدا:" إن موضوع الحب موضوع قديم قدم البشرية و لولا الحب لما قتل قابيل أخاه هابيل و لما قامت الحروب و هذا من نواقض الحب، فكيف يصير الحب إلى الحرب ؟ أما ما يلوكه كثير من إخواننا متفلسفين أو متفاقيهن فليس بشيء البتة، لأننا كمسلمين نتصرف، أو هكذا يجب أن نكون، وفق تعاليم الإسلام في كل ما له علاقة بحياتنا الجسدية أو النفسية أو الروحية، أما أن ندعي الإسلام ثم نروح نفلسف أهواءنا و شهواتنا و غرائزنا فليس من العقل البتة، ألم يقل نبينا المصطفى، صلى الله عليه و سلم، "لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ؟ إذن ما بالنا نتفلسف التفلسف المفلس و كأننا أتينا بما لم تأت به الأوائل ؟ مرجعنا، أو مراجعنا، معروفة و ليس في فلسفة الآخرين، إغرقا كانوا أو روما أو فُرْسا أو هنودا أو شعراء عربا، جاهليين أو مخضرمين أوإسلاميين أو مولدين أو محدثين أو معاصرين، لنا بقدوة في أقولهم أو أفعالهم أو آرائهم ما لم تكن كلها وفق ما جاء به محمد بن عبد الله، صلى الله عليه و سلم، و حسب." و ليت، سادسا، إخواننا و أخواتنا هنا يرفقوا بنا، نحن "المتخلفين" "المتعصبين" "الرجعيين" فيعاملونا على قدر عقولنا المتحجرة البالية !
                أخي الكريم محمد ثلجي أعتذر إليك عن إصراري في اقتحام صفحتك مرة ثانية و لولا يقيني أنك رجل يحب النقاش الصريح لما ألححتُ في عرض وجهة نظري المتواضعة هذه، فإليك إذن خالص تحياتي و أصدق تمنياتي لك بالتوفيق.
                [/align]
                sigpic
                (رسم نور الدين محساس)
                (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                "القلم المعاند"
                (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                تعليق

                • محمد ثلجي
                  أديب وكاتب
                  • 01-04-2008
                  • 1607

                  #23
                  المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
                  [align=center]أهلا بالأخ الشاعر محمد ثلجي.
                  في الحقيقة لم أكن لأدخل إلى موضوعك هذا، و قد رأيته أمس في الشريط، لولا دعوة سيدة فاضلة لي لقراءته فدخلتُ إلى "الموضوع".
                  أرى و بكل صراحة، كعادتي معك، أننا نضيع أوقاتنا في مثل هذه المواضيع المكررة في كل مرة بشكل أو بأسلوب ما، لقد سئمنا مثل هذا الموضوع لأنه موضوع أكل عليه الدهر و شرب و ...إلخ... و أنت تعرف، و القراء، نهاية ما يُؤكل و ما يُشرب و إلى أين يصيران...
                  إن موضوع الحب موضوع قديم قدم البشرية و لولا الحب لما قتل قابيل أخاه هابيل و لما قامت الحروب و هذا من نواقض الحب، فكيف يصير الحب إلى الحرب ؟ أما ما يلوكه كثير من إخواننا متفلسفين أو متفاقيهن فليس بشيء البتة، لأننا كمسلمين نتصرف، أو هكذا يجب أن نكون، وفق تعاليم الإسلام في كل ما له علاقة بحياتنا الجسدية أو النفسية أو الروحية، أما أن ندعي الإسلام ثم نروح نفلسف أهواءنا و شهواتنا و غرائزنا فليس من العقل البتة، ألم يقل نبينا المصطفى، صلى الله عليه و سلم، "لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ؟ إذن ما بالنا نتفلسف التفلسف المفلس و كأننا أتينا بما لم تأت به الأوائل ؟ مرجعنا، أو مراجعنا، معروفة و ليس في فلسفة الآخرين، إغرقا كانوا أو روما أو فُرْسا أو هنودا أو شعراء عربا، جاهليين أو مخضرمين أوإسلاميين أو مولدين أو محدثين أو معاصرين، لنا بقدوة في أقولهم أو أفعالهم أو آرائهم ما لم تكن كلها وفق ما جاء به محمد بن عبد الله، صلى الله عليه و سلم، و حسب.
                  ليتنا نلتفت إلى ما يخدم ديننا و لغتنا و أمتنا حقا و صدقا و كفانا من هذه المواضيع الممجوجة، فالحب خارج إطار الإسلام "بح" ! ما فيش، "زيرو"، و لا يغرنّك مدح المادحين و لا تكن كمن قيل فيها "خدعوها بقولهم حسناء..." فلا حُسْن و لا حَسَن إلا ما حسّنه الإسلام أو رضيّه.
                  تحيتي و مودتي لك يا أخي محمد، هل تعلم أن أملي فيك كبير جدا لو توظف قلمك و لغتك الجميلة في ما فيه فائدة لك و لنا معك بالتبعية ؟
                  أشكرك على سعة صدرك لكلامي القاسي النابع عن ...حب أخوي صادق.[/align]
                  استاذي الغالي حسين ليشوري مساء الخير

                  يسعدني وجودك وأشكر من دعتك للدخول والقاء التحية. وهذا شرف يحيط النص وصاحبه وصدقني سيدي لم أكن لأقحمكم بطرحي هذا لولا الفائدة التي سنجنيها جميعاً والتي ستدعم بلا شك كثير من التصورات والبنى الايقاعية للحياة الزوجية التي تعتبر هي من أهم وأعتق المؤسسات الحياتية على وجه الأرض.
                  ***
                  إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
                  يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
                  كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
                  أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
                  وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
                  قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
                  يساوى قتيلاً بقابرهِ

                  تعليق

                  • محمد ثلجي
                    أديب وكاتب
                    • 01-04-2008
                    • 1607

                    #24
                    المشاركة الأصلية بواسطة نجيةيوسف مشاهدة المشاركة
                    الأخ الكريم محمد
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                    وعليكم السلام ورحمة الله واهلا بك أستاذة نجية

                    أخي الكريم
                    لا شك أن هذا موضوع لا تنقضي محاور بحثه ولا تتفق كل الردود حوله .
                    نعم يا أخي قد تكون هذه العلاقة بين قطبي الحياة على هذا الكوكب هي من أكثر المواضيع شدا وإثارة لعقولنا وقلوبنا التي تتقاذفها هذه الأهواء التي نطلق عليها هذين الحرفين [ حب ]
                    بداية ألخص رأيي في اعترافي بهذه العاطفة كعاطفة أوجدها الله سبحانه فينا وكانت عند البعض منا مِن أشد العوامل تأثيرا في حياته بل قد تكون هي العامل الموجه في معنى وطريقة حياته ودوافعه نحو الحياة ذاتها فإن أصيب فيها تجده يزهد في الحياة بل قد يلجأ أحيانا إلى إنهاء أسبابها ويرتضي الموت إن أصابه فشل أو أخفق فيها .
                    واسمح لي أن أرد على محاور طرحك من خلال الوقفات التالية :

                    الوقفة الأولى عند قولك :

                    لنتوقف عند هذا البيت للشاعر جميل بثينة:

                    يموت الهوى مني إذا ما لقيتها / ويحيا إذا فارقتها فيعود

                    المعنى واضح ولا لبس فيه " عند لقائي بها يموت الحب بداخلي فلا أشعر بتلك العاطفة الملتهبة الجياشة من أحس بها بينما هي بعيدة عن مرمى نظري وجسدي"

                    كيف قررت يا أخي أن تفسيرك هذا للبيت هو المعنى الصحيح الذي لا لبس فيه ؟؟؟
                    حين قلت إن معنى قول الشاعر هو موت الهوى بمعنى موات الحب في نفسه ]
                    وقد عرفنا أن الشاعر إنما يقصد سكون نفسه وهدوءها بالقرب ممن يحب ، وعودة الاضطراب إليه عند غيابه .
                    ولماذا أدخلت في تحليلك لمعنى البيت قولك [بعيدة عن مرمى نظري وجسدي"]

                    وأنت تعلم ولا يخفى عليك أن جميل بثينة شاعر عذري ؟؟؟

                    استاذة نجية وهل مصطلح كــ( يموت ) يشي بمعنى آخر غير موت الهوى وهل شاعر عذري كجميل بثينة يضع مصطلحات بدون وعي وادراك لأهمية ما يحيله المعنى. ولو فرضنا جدلاً صحة ما أولته من معنى لا يختلف البتة عما أولته أنا ومن هم أفضل مني فالنتيجة واحدة هو موت أو هبوط معدل الحمى الناتجة عن الالتقاء الذهني والتخاطب المتخيل.

                    الوقفة الثانية عند قولك :
                    ما الذي دفع قيس بن الملوح للتغزل بليلى العامرية وهو يعي ويعلم جيداً عادات القبائل
                    يا أخي ، وهل كان الحب يوما داخلا في مقاييس الوعي العقلي أو يقبل منطقا ؟؟

                    نعم هو يعلم ، ولكن سلطان الحب إن جاء فقد ألغى في لحظة مجيئه كل ما عرف من قواعد وأعراف فلا يكاد يحس صاحبه إلا بخفقان لا يدري هو نفسه له سببا .
                    وهنا يأتي دور الموروث العقدي والاجتماعي إذ لا يملك المحب فيه إلا الانضباط تحت لوائح وقوانين هذا الموروث والاستجابة له . وليس في رفض الحب نفسه أو تلافي أسبابه .

                    رائع ولكن اليس من المفروض ان يكون سلطان الحب على قدر من التوازن الفكري والوجداني بحيث يضمن التقاء طرفي العلاقة بدون منغصات وسلبيات نهايتها واحدة هي استحالة الارتباط. باعتقادي قيس افتعل نهاية لعلاقته بليلى ليظل حبه له على نفس الوتيرة من اللاوعي وأخيرا الجنون.

                    الوقفة الثالثة : عند قولك :
                    وهل كان ثمة دافع غريزي فطري بدون ادراك ووعي بأن زواجه منها سيعني موت موهبته الشعرية التي صنعتها علاقة البعد والحرمان والتسهيد والعذاب.

                    يا أخي قد تزوج قيس بن ذريح لبنى وبقي الحب مشتعلا ، ولكن قد يكون الحب بعد الزواج شيئا آخر غير ذاك الهيام واللهفة واللوعة التي تصورها أشعار الشعراء وخيالاتهم . إذ يتطور ذلك الشعور إلى نوع من الحب الذي يرتقي بصاحبه إلى مرحلة أعلى وهي مرحلة الود التي وصفها سبحانه بينهما بقوله (وجعلنا بينهما مودة ورحمة ) وكم من الأزواج قالوا شعرا في زوجاتهم ورسموا لنا أجمل لوحات الحب الصادق العف الجميل .

                    نعم تزوج قيس بن ذريح لبنى ولكن ما لبث أن طلقها ثم عاد لحبها من جديد بعد أن شعر بفقدانه لخدر الحب الأول من تلبس روحه وجسده ووجدانه. هنا تمكن المشكلة علينا أخذ الحيطة والحذر من هكذا علاقات ومفاهيم للحب دون ربطه بعوامل أخرى تضمن استقرار ونضج العلاقة الزوجية.

                    الوقفة الرابعة عند قولك :

                    يقول شاعر المرأة نزار قباني في إحدى قصائدة :

                    الحب ليس رواية شرقية / بخــــتامها يتزوج الأبــطال
                    لكنه الابحار دون سفينة / وشعورنا أن الوصول محال

                    هل يعني قباني أن ديمومة الحب واستمراريته يتعارض مع الارتباط الجسدي.

                    وهل ما يقول نزار يفترض فيه الصدق وفرضه على المفهوم العام ؟؟

                    قطعا لا ولكن ليس بالمطلق كما أن نعم ليست بالمطلق ، فكثير من قصص الواقع التي لم تتلقفها وسائل نشر أو إعلام روت لنا قصص حب دافئ وجميل بين زوجين استمر الحب بينهما بعد الزواج ومنهم من أعرف أنا شخصيا عن قرب شديد .
                    ولكني أحب أن أشير هنا إلى أن طغيان قصص الحب والهوى على المنشور لدينا ، بالإضافة إلى تحرج الأزواج من الحديث عن مشاعر الحب لزوجاتهم جعلنا نرى مثل هذا الرأي ونذعن لسيرورة أمثلته .

                    هذا فعلا ما نود ضحده وتفنيده في هذا الموضوع. الخروج بصيغة ما تعنى بما بعد الزواج بعيداً عن المفاهيم العذرية والقابعة في بطون الكتب ومتونها.


                    أما الوقفة الخامسة فأقف فيها على قولك :

                    هل من المعقول أن يكون الارتباط الجسدي – الزواج - بمثابة السد المنيع أمام جريان ماء الحب في قلب وعقل ووجدان الرجل والمرأة.
                    أرد وأقول :
                    بل إن رب هذا الكون كان هو الأعلم بنا وبما ركب فينا حين جعل الارتباط بالزواج أمنا وسكنا ومودة تستنسخ شعور الحب وتريق ماءه على زهر الحياة فيورق تفهُّما وتفاهما .
                    وإذا كان الأمر كذلك فقد انتفى حرمان الإنسان من نعمة الحب كما تساءلت حين قلت :

                    وهل الحب العذري هو خطيئة حلوة يعاقب الانسان بحرمانه منها والتمتع بها طوال العمر في سبيل ولأجل حفظ العنصر البشري من الزوال...؟!!
                    وختاما أقول :
                    الحب قدر لا نملك رده ، ولكن نملك السيطرة على جماح شطحاته في ظل ثقافة دينية واجتماعية تهذب العلاقات وتربي النفوس .
                    لك التحية والتقدير
                    جميلة جداً هذه الإضافة وربما تساهم بوضع نقطة أولى في صفحة تحتاج منا لمزيد من تسليط الضوء ومناقشة هذا المفهوم الكبير والمتداخل.

                    النوار
                    تحياتي وتقديري
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمد ثلجي; الساعة 31-01-2010, 09:41.
                    ***
                    إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
                    يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
                    كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
                    أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
                    وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
                    قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
                    يساوى قتيلاً بقابرهِ

                    تعليق

                    يعمل...
                    X