تبان جدي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمية البوغافرية
    أديب وكاتب
    • 26-12-2007
    • 652

    تبان جدي

    [align=justify][/align]كم أحن إليك سميتي!...

    سميتي ابنة عمي.. وديعة جميلة .. نسمة عذبة.. اختارها قلبي من ضمن جل بنات أعمامي الأربعة.. نقطن معا في الطابق الثالث وفي شقتين متقابلتين من بيتنا الكبير..أقبلها كل صباح وأحيانا أقبلها بالليل حينما نفترق في السلم ليأوي كل واحد منا إلى فراشه.. كانت تخجل وتمانع حينما أقبلها من فمها.. لكني أذكر أني استرقت منها ثلاث قبل.. طعمها ما يزال يسري في شراييني ويذيب كياني شوقا إليها.. فألعن في كل لحظة، غفلتي التي ضيعت مني سميتي وألعن الزمن الذي خطف منا عصفور السلام...

    رحل عصفور السلام ورحلت معه كثير من أحلامي..

    أعرف جدي، أن اسمك عبد السلام.. لكن اسمك ذاب على لساني من يوم ما سمعت جدتي تقول: "عصفور السلام ليس على ما يرام".. فقفزت إليك من وسط حلقة أحفادك وقطعت علينا حبل حكاياتها لتسندك حتى توصلك إلى فراشك..

    حدثتني جدتي كثيرا عن جناحيك.. ورغم أني لم أرهما قط فكنت أتخيلهما كبيرين واستشعر بالأمان تحت ظليهما.. لا صوت يعلو على صوتك في بيتك الكبير الذي بنيته بيدك.. وإذا صدح صوت ليقطع بيننا وبين شقاوتنا كسرته بصوتك الأجش الصارم: دعوا المصابيح تنشر ضياءها في القلوب وتبث الحياة في أرجاء البيت.. وإذا امتدت أياد لتخطف أحدنا من حلقة أحفادك الكبيرة الملتفة بك حول طبقك نهرته قائلا بأنك لا تشبع إلا وأنت وسط أحفادك. فتضحك لنا وتحدق في وجوهنا وتدير عينيك بحلقتنا الكبيرة حولك وتمد يدك لتحشو أفواهنا الشرهة حتى آخر لقمة في طبقك ثم تمتص أصابعك وتحمد ربك..فأتساءل كيف شبعتَ ونحن من تخاطف على طعامك؟.. لعل يدا خفية كانت تطعمك جدي؟!..

    كم أتخيلك جدي جائعا الآن؟!..

    منذ مدة وأنت ممدد في فراشك الأبيض مثل لحيتك الكثة المسدلة على صدرك.. لا نسمع لك غير الأنين.. بينما احتدت حولنا أصوات الزجر تلجم فينا كل حركة.. انتظرت طويلا أن تتحرر من مرضك لتحررنا ونطلق مرحنا لعينيك المبتهجتين.. ولما يئست من الانتظار وضقت حد الاختناق من الجو الكئيب ضغطت على أبي بأن نصعد إلى شقتنا.. ونقفل علينا هناك لكن ما أن رد علي:" جدك يحب أن يرانا دائما مجتمعين.. " حتى صار فراشي جنب سريرك.. أحرصك طيلة الليل كما كانت تفعل جدتي من قبل..

    سألتك ذات ليلة:
    ـ لماذا تقوم الليل تصلي وتكثر من الدعاء؟؟
    أجبتني بأنك تستدعي في صلاتك عصفور السلام ليحوم حول بيتنا الكبير ويدرأ عنا الشرور. فأدركت حينها أن عصفور السلام يبرح البيت في الليل حينما يطمئن علينا وأن علينا أن نستدعيه بالصلوات والأدعية حتى يظل وفيا لنا.. فكنت أحفظ كثيرا من أدعيتك وأصلي سرا ذات صلواتك ثم أحضن إلي طيف سميتي وأنام.....

    في المدة الأخيرة كنت تنام أكثر مما تفيق.. ما تفتح عينيك حتى تغمضهما..أولادك وزوجاتهم كانوا هلعين ويتحدثون كثيرا على رحيلك الوشيك ويتفقدون أحوالك باستمرار.. ما يخرج أحدهم حتى يدخل الآخر.. يضع رأسه على صدرك ينصت إلى همس قلبك ثم يمضي.. وأحيانا يحفظون بصماتك على الورق كما فعلت أنا أيضا في دفتر ذكرياتي ذات صباح.. سألت أبي عن سر تلك البصمات التي يحتفظ بكثير منها فنصحني بألا أفشي سرها لأحد وأن الطبيب نصحه بأن يفعل.. فخمنت أنهم يسعون إلى تمديد عمرك جدي بعد دراسة بصماتك؟؟.. فاطمأن قلبي.. ما أشد ما يرعبني مجرد التفكير في رحيلك.. أتخيل أن بيتك سيضحى مرفأ لكل الأهوال إذا رحلت عنه...
    فمن يستدعي لنا عصفور السلام غيرك جدي؟؟..

    يوم خمد نفسك ورأيت جسدك كلوح ممدود فوق السرير، اندفعت متحرقا ألطم جسدي بيدي وأصرخ بأعلى صوتي في بيتك الكبير: عصفور السلام رحل! .. عصفور السلام رحل !..

    اجتمعنا حول جثمانك وانضم إلينا الجيران والأقارب.. بيتك الكبير صار سوقا كبيرة من شدة الازدحام.. بناتك يصرخن طول الوقت.. وأبناؤك يطأطئون رؤوسهم في الأرض يحولقون ويخمنون.. يخمنون كثيرا حتى كدت أرشدهم إلى الاستعانة بغوغل أو بآلة حاسبة.. تبدو لي عقولهم منشغلة بمعادلات حسابية صعبة مثل التي تورطنا فيها في امتحاناتنا الأخيرة والتي كادت أن تدحرجني إلى أسفل الدرجات في قسمنا لولا دعاؤك لي.. وحدي، ظللت أحوم حول جثمانك أبحث عن جناحي عصفور السلام.. طفت في كل الغرف والأماكن التي كنت تزورها.. فتشت في رفوف دولابك، في جارور أدويتك.. في علب الأدوية لكني جدي لم أعثر عليهما. وأذكر أني عثرت على تبانك الجديد في دولابك لكن لغفلتي لم أعره اهتماما.. لم أكن أعلم أن تبانك ثمين وستتقاتل عليه الأرواح يوما للفوز به.. أنت جدي لم تكن نجما من نجوم يومنا حتى أتخيل أن تبانك بهذه القيمة..لو كنت أعرف لسرقته ودفعته لعمي الكبير صداقا لسميتي يوم أتزوج بها...

    قمت بالليل وصليت ذات صلاتك وجهرت بذات دعائك لكن جدي لم يحضر عصفور السلام.. يبدو أنه خاصمنا إلى الأبد.. فلو هبت كل الأيادي في بيتك الكبير تحوم في فضائه يوم صرخت بوفاتك لقبضوا عليه ولظل وفيا لهم... اليوم، أشعر أن بيتك يتحرك من تحت أقدامنا.. كل واحد منا منغلق على نفسه في غرفته أو بيته ولا يدخل بيتك في السفلي غير أبناءك الخمس.. يدخلونه مجتمعين ويخرجون منه مجتمعين ثم يقفلون الباب وراءهم.. يتفاوضون لساعات وأحيانا يمتد بهم النقاش حتى ساعات متأخرة من الليل.. لعلهم يرتلون تراتيلهم لاستدراج عصفور السلام إلى بيتك من جديد، أو لعلهم يستحضرون روحك العزيزة؟!.. يبدو أن أحيانا يخفقون في مسعاهم فيغضبون ويصرخون.. بلغ صراخهم حد الجيران فتدخلوا بينهم وترجوهم أن يبتلعوا مرارة حرقتهم ريثما تهدأ روحك في قبرك...

    لكن لم أستوعب اليوم بالذات، صراخهم الذي تجاوز الحد المألوف..أعلم فقط أن بيتك الكبير قد باعوه وأنت نائم في فراشك.. كم أنت غالي جدي!! .. كان أبناؤك يعلمون أنهم لن يستحملوا البقاء في بيت أنت بانيه وأنت غائب عنه.. فاستعدوا لمغادرته بمجرد ما غادرتك روحك لولا إصرار بناتك على أن يظل بيتك مضيئا حتى أربعينيتك..

    اليوم، سنرحل إلى شقق جديدة مطلة على البحر بعيدا عن بيتك الكبير.. لكن لماذا هذا الصراخ وهذا الضجيج الذي يشق جدران غرفتي وأيقظني قبل أن يرن منبه المدرسة وقبل أن ترشقني الشمس بأشعتها ؟؟ يبدو أن أعمامي بعدما قسموا كل شيء في بيتك بالتساوي بينهم تاهوا في عملية تقسيم مسبحتك المرجانية ذات الثلاث والثلاثين خرزة.. سمعتهم بالأمس يتناقشون حول أمر الشاهود والخيط .. فقال أحدهم بأن الشهود بمعدل ثلاث خرزات وقال الثاني بمعدل خرزتين وقال الآخر سنكسر الشاهود ونحتكم إلى الميزان.. يبدو أن كل واحد منهم يحب أن يحتفظ له بكثير من ذكرياتك عن غيره...

    هزني الصراخ مرة أخرى.. كان حادا وقويا هذه المرة.. زعزعني في فراشي وملأ قلبي هلعا وروعا.. فهرعت للتو أجري إلى بيتك في السفلي لأقف على حقيقة ما يجري.. وتدفق بقية أحفادك وأبناء أحفادك نهرول في الدرج كالسيل.. أمسكت بيد سميتي وتوقفنا في الباب.. منظر رهيب لن يبرح يوما، ذاكرتي.. في البداية ضحكت للمشهد وسمية أيضا ضحكت وكل أحفادك ضحكوا.. لم يسبق لنا أن رأينا عمنا الكبير وأبي يتباريان.. يتجاذبان تبانك بكل ما أوتوا من قوة.. كل واحد يشد من ناحيته ويبذل قصارى جهده كي يفوز به دون الآخر.. يتناطحان في الهواء برأسيهما الأصلعين ويتراكلان.. وحينما تمزق بينهما وصار لكل واحد منهما طرف في يده.. صفقنا نحن أحفادك وأبناء أحفادك.. صفقنا بحرارة نعلن عن انتهاء المباراة بالتعادل وانتظرنا منهما أن يتصافحا.. لكن فوجئنا بأنهما لم يتقبلا النتيجة بروح رياضية مثلنا. بصق أحدهما على الآخر ثم افترقا يمسح كل واحد منهما وجهه بقطعة من تبانك لتمتد يد عمي فانتزعت سميتي من تحت ذراعي فأحسست بجزء من كياني قد انتزع مني وما أزال.. مضيت في أثرها لأمسح دمعتها ففاجأتني يد أبي تجذبني إليه بقوة.. عانقت دمعتي دمعتها وارتعش قلبي يبكي حبي ويبكي عصفور السلام.........

    سمية البوغافرية
    2008
    التعديل الأخير تم بواسطة سمية البوغافرية; الساعة 08-02-2010, 08:09.
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    أستاذة سمية البوغافرية

    ما هذا الكم الرهيب من التداعيات التي حبست أنفاسي , بل كنت أشعرها تتلاحق سطر تلو سطر .. و جملة تلو جملة ..

    حدثتني جدتي كثيرا عن جناحيك.. ورغم أني لم أرهما قط فكنت أتخيلهما كبيرين واستشعر بالأمان تحت ظليهما.. لا صوت يعلو على صوتك في بيتك الكبير الذي بنيته بيدك.. وإذا صدح صوت ليقطع بيننا وبين شقاوتنا كسرته بصوتك الأجش الصارم: دعوا المصابيح تنشر ضياءها في القلوب وتبث الحياة في أرجاء البيت.. وإذا امتدت أياد لتخطف أحدنا من حلقة أحفادك الكبيرة الملتفة بك حول طبقك نهرته قائلا بأنك لا تشبع إلا وأنت وسط أحفادك. فتضحك لنا وتحدق في وجوهنا وتدير عينيك بحلقتنا الكبيرة حولك وتمد يدك لتحشو أفواهنا الشرهة حتى آخر لقمة في طبقك ثم تمتص أصابعك وتحمد ربك..فأتساءل كيف شبعتَ ونحن من تخاطف على طعامك؟.. لعل يدا خفية كانت تطعمك جدي؟!..

    ااااااالله ..
    كم كانت رائعة تلك الفقرة .. و كأنني أعيش معكم و بين و الأولاد .. نتقاسم اللقمات .. و نتذوق لها طعم آخر من يد جدنا .. و كيف يشبع و نحن من أنهينا على الطعام كله ... ؟؟
    ثم عصفور السلام المحمحم على البيت و عائش معنا بين أركانه بفضل بركة هذا الجد .. و بفضل الدعوات التي باركت البيت الكبير الذي هجرناه و قطنا شقق تطل على البحر .. تركنا ذكرياتنا و ما اقتربنا منها إلا لنتقاسمها .. كل واحد سشد من جانبه .. و يمزق في تبانك و شهودك حتى خرزات المرجان المنسية لكانت هي الأخرى من نصيب من له القوة .. وحتى سمية تقاسموها معي حرموني منها و هي من منحتني حياة مازلت أستطعمها في كل خلية من خلايا أنفاسي .. مازال الطعم لا يفارقني كأنها معي بكل جوارحي .. و الآن طمعوا فيها تقاسمونا .. العم ذهب بها و الوالد رحل بي .. و تبقى حفنة ذكريات و دمعات تعانق البيت و ترتعش تبكي عصفوووور السلام ..

    سيدتي ..
    يالك من مدهشة و كريمة جدا مع مشاعرنا التي جاءت حبواً معك هنا .. كانت روحي تهفهف و تستطير لتعانق روح جدي لأمي و فعلا اسمه "عبد السلام" ,,,
    لا يكفي أن أقف على روح هذا الرجل و روح ذكرياتي بالحبيبة و أمتثل للذكريات ربما يعودان ؟؟؟؟
    خالص محبتي و تقديري أم صلاح ,,
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • محمد محضار
      أديب وكاتب
      • 19-01-2010
      • 1270

      #3
      استمتعت هذا الصباح ..بفتنة هدا النص السردي المتناسق..والذي يعب من بحر الحميمية الجميل...حضور جميل للذات الساردة التي ترصد الاحداث وتتبعها بشكل يجعلها طوع بنان المتلقي الذي يجد نفسه متعاطفا مع الجد الراحل وحفيده الذي حرم من حبيبته بسبب الخلاف المفتعل حول الإرث بين الإخوة...القاصة سمية رسمت لنا مسارا جميلا مشرحا للعلاقات الانسانية التي تتعرض للشرخ بسبب تضخم الآنا لدى بعض الاشخاص فتكون النتيجة انفصاما نهائيا لعراها التي كانت وثيقة
      التعديل الأخير تم بواسطة محمد محضار; الساعة 08-02-2010, 09:00.
      sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        ما حكاية تبان جدك / جدى سمية ؟
        كتبت مداخلتين ، و الكهرباء تأبى ، و الطقس كأننا فى الخماسين

        أحببت أن أسجل الآن ، و أكتب حين يستقر الأمر !!

        أهنئك على عملك الكبير ، الذى حمل معان كبيرة للغاية
        بداية من البيت الصغير إلى البيت الكبير ، إلى الأمة !!


        تقديرى و احترامى
        لى عودة بحول الله
        sigpic

        تعليق

        • العربي الثابت
          أديب وكاتب
          • 19-09-2009
          • 815

          #5
          الأستاذة المقتدرة سمية
          أعدت لي طفولتي بكل براءتها وزمانها الجميل..
          ذكرتيني بساعات رحيل العظماء الذين يجمعون مايستعصي على الجمع..
          حين يهدأالنحيب والنواح،يبدأ الحساب والنزاعات ،حتى قبل ان يجف القبر على صاحبه...
          كنت متألقة وانت تبوحين بهذا القص الناعم...
          محبتي وتقديري سمية..وتقبلي مروري المتواضع..

          العربي الثابت
          اذا كان العبور الزاميا ....
          فمن الاجمل ان تعبر باسما....

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الميدعة الرائعة
            سمية البوغافرية
            أعرف تماما أني حين أجد لك نصا جديدا بأني سأجد ولابد نصا سيأخذني للجمال والإبداع والتمييز
            نص عميق يتنقل بين البيت الصغير
            وبيتنا الكبير.. أوطاننا
            والإخوة الأشقاء
            أوجاع الأمة والتناحر على أبسط المور وترك القضايا المركزية
            آه سمية
            جميلة أنت وهذا النص العملاق
            كل النجوم لن تفي حقك
            نص ذهبي بكل مافي الكلمة من معنى
            عملاقة أنت سمية وأديبة من الطراز الأول
            لست أجاملك ولن أفعل
            تحياتي ومودتي وباقة ياسمين لروحك
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • محمد غالمي
              عضو الملتقى
              • 22-10-2008
              • 64

              #7
              نص سردي مشوق استمتعت بقراءته وسبر أغواره.. خلجات وهمس ومناغاة واستعطاف.. ترانيم تنبعث من قلب دائم الخفقان..
              الأخت سمية: دمت من مبدعة تعرف كيف تصوغ مادتها الخام فتحيلها ينبوعا زلالا..
              تقديري ومودتي
              محمد غالمي
              محمد غالمي ـ روائي

              تعليق

              • سمية البوغافرية
                أديب وكاتب
                • 26-12-2007
                • 652

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                أستاذة سمية البوغافرية

                ما هذا الكم الرهيب من التداعيات التي حبست أنفاسي , بل كنت أشعرها تتلاحق سطر تلو سطر .. و جملة تلو جملة ..

                حدثتني جدتي كثيرا عن جناحيك.. ورغم أني لم أرهما قط فكنت أتخيلهما كبيرين واستشعر بالأمان تحت ظليهما.. لا صوت يعلو على صوتك في بيتك الكبير الذي بنيته بيدك.. وإذا صدح صوت ليقطع بيننا وبين شقاوتنا كسرته بصوتك الأجش الصارم: دعوا المصابيح تنشر ضياءها في القلوب وتبث الحياة في أرجاء البيت.. وإذا امتدت أياد لتخطف أحدنا من حلقة أحفادك الكبيرة الملتفة بك حول طبقك نهرته قائلا بأنك لا تشبع إلا وأنت وسط أحفادك. فتضحك لنا وتحدق في وجوهنا وتدير عينيك بحلقتنا الكبيرة حولك وتمد يدك لتحشو أفواهنا الشرهة حتى آخر لقمة في طبقك ثم تمتص أصابعك وتحمد ربك..فأتساءل كيف شبعتَ ونحن من تخاطف على طعامك؟.. لعل يدا خفية كانت تطعمك جدي؟!..

                ااااااالله ..
                كم كانت رائعة تلك الفقرة .. و كأنني أعيش معكم و بين و الأولاد .. نتقاسم اللقمات .. و نتذوق لها طعم آخر من يد جدنا .. و كيف يشبع و نحن من أنهينا على الطعام كله ... ؟؟
                ثم عصفور السلام المحمحم على البيت و عائش معنا بين أركانه بفضل بركة هذا الجد .. و بفضل الدعوات التي باركت البيت الكبير الذي هجرناه و قطنا شقق تطل على البحر .. تركنا ذكرياتنا و ما اقتربنا منها إلا لنتقاسمها .. كل واحد سشد من جانبه .. و يمزق في تبانك و شهودك حتى خرزات المرجان المنسية لكانت هي الأخرى من نصيب من له القوة .. وحتى سمية تقاسموها معي حرموني منها و هي من منحتني حياة مازلت أستطعمها في كل خلية من خلايا أنفاسي .. مازال الطعم لا يفارقني كأنها معي بكل جوارحي .. و الآن طمعوا فيها تقاسمونا .. العم ذهب بها و الوالد رحل بي .. و تبقى حفنة ذكريات و دمعات تعانق البيت و ترتعش تبكي عصفوووور السلام ..

                سيدتي ..
                يالك من مدهشة و كريمة جدا مع مشاعرنا التي جاءت حبواً معك هنا .. كانت روحي تهفهف و تستطير لتعانق روح جدي لأمي و فعلا اسمه "عبد السلام" ,,,
                لا يكفي أن أقف على روح هذا الرجل و روح ذكرياتي بالحبيبة و أمتثل للذكريات ربما يعودان ؟؟؟؟
                خالص محبتي و تقديري أم صلاح ,,
                أخي الرائع المدهش إبراهيم محمد سلطان
                تحية ود واحترام
                شكرا لك من الأعماق أيها الطيب على هذا الإطراء الجميل الذي أتمنى أن أستحقه
                كل الكلمات لن ترقى إلى التعبير عما يخالج نفسي من مشاعر السعادة وأنا أقرأ سطورك الجميلة في حق محاولتي هذه
                فتقبل من أختك بالغ شكري وامتناني أيها الكبير خلقا وجمالا
                كل الأماني لك بالتوفيق في إبداعك وفي حياتك
                أختك أم صلاح الدين
                التعديل الأخير تم بواسطة سمية البوغافرية; الساعة 09-02-2010, 08:20.

                تعليق

                • سمية البوغافرية
                  أديب وكاتب
                  • 26-12-2007
                  • 652

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة محمد محضار مشاهدة المشاركة
                  استمتعت هذا الصباح ..بفتنة هدا النص السردي المتناسق..والذي يعب من بحر الحميمية الجميل...حضور جميل للذات الساردة التي ترصد الاحداث وتتبعها بشكل يجعلها طوع بنان المتلقي الذي يجد نفسه متعاطفا مع الجد الراحل وحفيده الذي حرم من حبيبته بسبب الخلاف المفتعل حول الإرث بين الإخوة...القاصة سمية رسمت لنا مسارا جميلا مشرحا للعلاقات الانسانية التي تتعرض للشرخ بسبب تضخم الآنا لدى بعض الاشخاص فتكون النتيجة انفصاما نهائيا لعراها التي كانت وثيقة
                  الأخ العزيز محمد محضار
                  مرحبا بك في الملتقى وفي حيزي المتواضع
                  وألف شكر لك على هذا التفاعل الجميل مع قصتي هذه
                  قراءة عميقة أهنئك عليها وأهنئ نفسي إن استطعت تبليغ الرسالة بهذا الوضوح
                  تحياتي وتقديري
                  أختك سمية ـ المغرب / الناضور

                  تعليق

                  • سمية البوغافرية
                    أديب وكاتب
                    • 26-12-2007
                    • 652

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                    ما حكاية تبان جدك / جدى سمية ؟
                    كتبت مداخلتين ، و الكهرباء تأبى ، و الطقس كأننا فى الخماسين

                    أحببت أن أسجل الآن ، و أكتب حين يستقر الأمر !!

                    أهنئك على عملك الكبير ، الذى حمل معان كبيرة للغاية
                    بداية من البيت الصغير إلى البيت الكبير ، إلى الأمة !!
                    لى عودة بحول اللهتقديرى و احترامى
                    أستاذي الكبير ربيع عقب الباب
                    تحية ود واحترام
                    أن تنال نصوصي بعض إعجابك فوالله لمبعث عن السعادة والفخر
                    أتمنى أن تتحسن الأمور معك وتعود إلى هذا النص
                    أنتظر الثناء وأنتظر التصحيحات والتوجيهات أيضا
                    فلا يخلو نص من النواقص
                    ولتعميم الفائدة سأدرج فيما بعد قراءتين في النص إحداها تثني مئة في المئة على الطرح وأخرى بين بين
                    وبكل التوفيق أدعو للجميع
                    أسمى عبارات تقديري وكل شكري لكم على لطفكم الكبير
                    التعديل الأخير تم بواسطة سمية البوغافرية; الساعة 09-02-2010, 08:46.

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      جرفنى الحنين إلى جدى ، بمجرد ملامسة هذا النص ، فرحلت إليه ،
                      و تتبعت خطاه ، و بكيت كثيرا ، و هناك بالقرب منه ، كنت أرى جيدا
                      ما كان يعنى ، و ما كنا نعنى بالنسبة له .. رأيته فى شموخه و قوته ، و صبره الجملى ، و بأسه الفريد من نوعه .. رأيته حزاما ، و مسمارا للبيت ،
                      و عزة لأهله ، فإذا غاب ، ارتبكت الأمور ، و تهدمت الجدران ، وتحول البيت إلى جزر متناثرة هنا و هناك ، و للاسف لا تعرف بعضها .. لا تعرف .. وكأن لم تكن هنا حياة بشموخ ما كان !!
                      ربما حين يغلق عينيه مزمعا السفر ، نتعارك ، و نشتبك لأجل أشياء لا قيمة لها ، مثل ما خلفه من ماديات ، و لكن لا نشتبك فيما ترك من قيمة ، فنعارك بعضنا عليها ، و نتمسك بها ، ليظل البيت بيتا للجميع ، و هذا يحدث ، و ليس عجيبة من العجائب .. و لا أدرى ما الغريب ، أو الذى تناساه جدى ، للمحافظة على الكيان من بعده .. هل كان ديمقراطيا أكثر مما يجب ؟
                      أكان حنونا أكثر مما هو منتظر منه ؟
                      أكان ..؟
                      أسئلة كثيرة سمية ، تبحث عن اجابات ، و الرأس لا تحتمل .. غير أن البيت تحول إلى جزر ، و تفرق الأعمام ، و لم يكن اعتصام بحبل .. و لا دين .. و لا قيمة .. وأأسفاه !!
                      و تضيع قصة حب ، بل قصص حب كثيثرة تنشأ و نشأت هنا ، و تبعثرت كلمات ، و ذكريات ، هنا فى حجراته ، و أركانه ، أصبحت تباع برخص التراب ، كأنها محض انتيكا أو روبابكيا !!

                      الحديث طويل .. طويل .. و النفس مفعمة بالكثير و الكثير .. و كل ما أنهى به ، أنه عمل قوى ، صاغ نحن فى هذه الرقعة ، باجادة ، و بأس كاتب كبير
                      لك المجد أختاه .. و لى كلماتك أطبب بها جرحا عصيا على الالتئام !!

                      محبتى أيها القلم السامق !!
                      التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 09-02-2010, 18:03.
                      sigpic

                      تعليق

                      • سمية البوغافرية
                        أديب وكاتب
                        • 26-12-2007
                        • 652

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
                        الأستاذة المقتدرة سمية
                        أعدت لي طفولتي بكل براءتها وزمانها الجميل..
                        ذكرتيني بساعات رحيل العظماء الذين يجمعون مايستعصي على الجمع..
                        حين يهدأالنحيب والنواح،يبدأ الحساب والنزاعات ،حتى قبل ان يجف القبر على صاحبه...
                        كنت متألقة وانت تبوحين بهذا القص الناعم...
                        محبتي وتقديري سمية..وتقبلي مروري المتواضع..

                        العربي الثابت
                        الأخ الكريم المبدع العربي الثابت
                        تحية إبداعية عطرة
                        شكرا علىمرورك الطيب وعلى تفاعلك الجميل مع بسيط حروفي
                        أعجبت جدا بقراءتك.. شعرت معها أن الرسالة وصلت
                        وهذا يكفي لتبتهج النفس بما تقدم
                        أكرر شكري وامتناني
                        تقديري

                        تعليق

                        • مصطفى الصالح
                          لمسة شفق
                          • 08-12-2009
                          • 6443

                          #13
                          الاخت العزيزة سمية

                          يعطيكي العافية

                          مدهشة انت بهذا النص

                          نص عميق متشعب مترام الاطراف

                          مغازي كبيرة هنا

                          لا اجاملك ان قلت انه من اجمل النصوص التي قراتها

                          تحياتي
                          [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                          ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                          لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                          رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                          حديث الشمس
                          مصطفى الصالح[/align]

                          تعليق

                          • سمية البوغافرية
                            أديب وكاتب
                            • 26-12-2007
                            • 652

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                            جرفنى الحنين إلى جدى ، بمجرد ملامسة هذا النص ، فرحلت إليه ،
                            و تتبعت خطاه ، و بكيت كثيرا ، و هناك بالقرب منه ، كنت أرى جيدا
                            ما كان يعنى ، و ما كنا نعنى بالنسبة له .. رأيته فى شموخه و قوته ، و صبره الجملى ، و بأسه الفريد من نوعه .. رأيته حزاما ، و مسمارا للبيت ،
                            و عزة لأهله ، فإذا غاب ، ارتبكت الأمور ، و تهدمت الجدران ، وتحول البيت إلى جزر متناثرة هنا و هناك ، و للاسف لا تعرف بعضها .. لا تعرف .. وكأن لم تكن هنا حياة بشموخ ما كان !!
                            ربما حين يغلق عينيه مزمعا السفر ، نتعارك ، و نشتبك لأجل أشياء لا قيمة لها ، مثل ما خلفه من ماديات ، و لكن لا نشتبك فيما ترك من قيمة ، فنعارك بعضنا عليها ، و نتمسك بها ، ليظل البيت بيتا للجميع ، و هذا يحدث ، و ليس عجيبة من العجائب .. و لا أدرى ما الغريب ، أو الذى تناساه جدى ، للمحافظة على الكيان من بعده .. هل كان ديمقراطيا أكثر مما يجب ؟
                            أكان حنونا أكثر مما هو منتظر منه ؟
                            أكان ..؟
                            أسئلة كثيرة سمية ، تبحث عن اجابات ، و الرأس لا تحتمل .. غير أن البيت تحول إلى جزر ، و تفرق الأعمام ، و لم يكن اعتصام بحبل .. و لا دين .. و لا قيمة .. وأأسفاه !!
                            و تضيع قصة حب ، بل قصص حب كثيثرة تنشأ و نشأت هنا ، و تبعثرت كلمات ، و ذكريات ، هنا فى حجراته ، و أركانه ، أصبحت تباع برخص التراب ، كأنها محض انتيكا أو روبابكيا !!

                            الحديث طويل .. طويل .. و النفس مفعمة بالكثير و الكثير .. و كل ما أنهى به ، أنه عمل قوى ، صاغ نحن فى هذه الرقعة ، باجادة ، و بأس كاتب كبير
                            لك المجد أختاه .. و لى كلماتك أطبب بها جرحا عصيا على الالتئام !!

                            محبتى أيها القلم السامق !!
                            أستاذ ربيع عقب الباب
                            أيها الكبير .. تخجلني دائما بجميل كلامك في حق محاولاتي..
                            حقيقة كلمة الشكر لا تكفي ولن تفي لك بحقك
                            فكل الشكر لك أيها الكريم عما تضخه من الفرحة والسعادة في النفوس المتحرقة بالحرف
                            وبكل التوفيق أدعو لك ولي
                            أسمى عبارات تقديري

                            تعليق

                            • سمية البوغافرية
                              أديب وكاتب
                              • 26-12-2007
                              • 652

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                              الميدعة الرائعة
                              سمية البوغافرية
                              أعرف تماما أني حين أجد لك نصا جديدا بأني سأجد ولابد نصا سيأخذني للجمال والإبداع والتمييز
                              نص عميق يتنقل بين البيت الصغير
                              وبيتنا الكبير.. أوطاننا
                              والإخوة الأشقاء
                              أوجاع الأمة والتناحر على أبسط المور وترك القضايا المركزية
                              آه سمية
                              جميلة أنت وهذا النص العملاق
                              كل النجوم لن تفي حقك
                              نص ذهبي بكل مافي الكلمة من معنى
                              عملاقة أنت سمية وأديبة من الطراز الأول
                              لست أجاملك ولن أفعل
                              تحياتي ومودتي وباقة ياسمين لروحك
                              الغالية الرائعة عائدة محمد نادر
                              تخجلينني بإطراءاتك الجميلة التي تبهج النفس
                              أتمنى أن ترقى نصوصي إلى مستوى استحقاقها وألا أخيب ظنك أبدا
                              أنهار محبتي أيتها الغالية جدا

                              تعليق

                              يعمل...
                              X