في حضرة الموت..
- كم الساعة الآن ؟
-الثالثة مساءً . لماذا تسألين .أتريدين شيئا ؟
- لا . شكرا لك .
كان صوتها ضعيفا..غريبا كأنه آتِ من عالم آخر..أحكمتُ الغطاء عليها برفق و حذر ..أبسط ضغط على أي مكان في جسدها يجعلها تتلوّى من الألم ..جسدٌ ..كان ذات يومٍ آية في الجمال ..كنت أسمع أهل زوجها يردّدون " كم هو محظوظ. إبننا.. تزوّج امرأة فاتنة ." أكثر ما كان يلفت فيها شدّة بياض بشرتها.. بشرة وجهها بالذات..نقية و مشدودة كأنما نُحتت نحتا ..و نهداها آية أخرى...حتى بعد ولادة طفلها الأخير ظلا متربعين على عرش الجمال.
يا إلهي ! ماذا يفعل بنا المرض ؟
وجهها تغلّفه صُفرة مشوبة باخضرار غريب..شفتاها متشققتان و مزرقّتان تمرّر عليهما من حين لآخر لسانها أو تطلب رشفة من ماء ..ذراعها الأيسر ممدود إلى جانبها كغصن شجرة ميتة تظهر فيه دوائر شديدة الزرقة من أثر الإبر ..".
أحس بأنني أموت ببطء...كنت أعتقد أن الموت سهل .نمرض و نموت..و فقط ." كنت أقول لها : " ما هذا الكلام .. و هل كل من يمرض يموت؟ سوف تشفين ..سترين ".
تبتسم إبتسامة كأنها البكاء : " تحاولين رفع معنوياتي .أعرف .و لكن..ليس مع هذا المرض .أتعرفين لماذا سمي بالخبيث ؟ لأنه لا ينتهي بنا إلى الموت فقط و إنما يأخذ كل وقته و يتلذّذ بذلك. ".
تضحك : " أتخيّله مخلوقا كريها..بشعا- يشبه زوجي قليلا- يفرك يديه إبتهاجا كلما أسقط ضحية ".
تململتْ..فتحت عينين ذابلتين يحيط بهما السواد .
: " حذار..إرفعي تلك الزجاجة من على الأرض حتى لا يكسرها الأولاد ".
نظرتُ حيث أشارتْ . لا شيء .لم تكن هناك أية زجاجة ..عاودها الهذيان ..مفعول' المورفين' ..آخر ما وصفه لها الطبيب ..آخر محطة في المسار المشئوم .أحسستُ بفرح غريب من أجلها يوم أخبرنا الطبيب أنها بداية النهاية ..أخيرا سوف ترتاح ..لمتُ نفسي كثيرا بعد ذلك .أيعقل أن أفرح و أنا أراها تنطفئ ؟
: " لا تهتمي . نامي الآن " .
وجهها تغلّفه صُفرة مشوبة باخضرار غريب..شفتاها متشققتان و مزرقّتان تمرّر عليهما من حين لآخر لسانها أو تطلب رشفة من ماء ..ذراعها الأيسر ممدود إلى جانبها كغصن شجرة ميتة تظهر فيه دوائر شديدة الزرقة من أثر الإبر ..".
أحس بأنني أموت ببطء...كنت أعتقد أن الموت سهل .نمرض و نموت..و فقط ." كنت أقول لها : " ما هذا الكلام .. و هل كل من يمرض يموت؟ سوف تشفين ..سترين ".
تبتسم إبتسامة كأنها البكاء : " تحاولين رفع معنوياتي .أعرف .و لكن..ليس مع هذا المرض .أتعرفين لماذا سمي بالخبيث ؟ لأنه لا ينتهي بنا إلى الموت فقط و إنما يأخذ كل وقته و يتلذّذ بذلك. ".
تضحك : " أتخيّله مخلوقا كريها..بشعا- يشبه زوجي قليلا- يفرك يديه إبتهاجا كلما أسقط ضحية ".
تململتْ..فتحت عينين ذابلتين يحيط بهما السواد .
: " حذار..إرفعي تلك الزجاجة من على الأرض حتى لا يكسرها الأولاد ".
نظرتُ حيث أشارتْ . لا شيء .لم تكن هناك أية زجاجة ..عاودها الهذيان ..مفعول' المورفين' ..آخر ما وصفه لها الطبيب ..آخر محطة في المسار المشئوم .أحسستُ بفرح غريب من أجلها يوم أخبرنا الطبيب أنها بداية النهاية ..أخيرا سوف ترتاح ..لمتُ نفسي كثيرا بعد ذلك .أيعقل أن أفرح و أنا أراها تنطفئ ؟
: " لا تهتمي . نامي الآن " .
خيّم الصمت على الغرفة ..منذ ستة أشهر و نحن نتناوب على الإهتمام بها ..أمي و أختي الصغرى و أنا.. صمت هذه الأمسية مرعب..يشبه صمت المقابر.. أنظر إلى صدرها من حين لآخر لأتأكد أنه يعلو و يهبط .
أولادها في المدرسة ، و زوجها لا يعود من العمل إلا ليلا ..وافقت على الزواج منه بعد قصة حب فاشلة ..كانت تقول لي : " إذا لم تتزوج المرأة من الرجل الذي أحبّته , فلا يهم من تتزوج بعد ذلك ".
لم تمض سنتان حتى اكتشفت الوجه الآخر – الحقيقي – للذي تزوّجته .. لا يشبهها أبدا ..متسلط ٌو بذيء اللسان ..أناني و كسول . ذاقت منه الأمرّين : " ثلاثة أشياء فقط يقدّسها زوجي : الأكل و النوم و ........." . و يمنعها الحياء فتطرق و تصمت.
أولادها في المدرسة ، و زوجها لا يعود من العمل إلا ليلا ..وافقت على الزواج منه بعد قصة حب فاشلة ..كانت تقول لي : " إذا لم تتزوج المرأة من الرجل الذي أحبّته , فلا يهم من تتزوج بعد ذلك ".
لم تمض سنتان حتى اكتشفت الوجه الآخر – الحقيقي – للذي تزوّجته .. لا يشبهها أبدا ..متسلط ٌو بذيء اللسان ..أناني و كسول . ذاقت منه الأمرّين : " ثلاثة أشياء فقط يقدّسها زوجي : الأكل و النوم و ........." . و يمنعها الحياء فتطرق و تصمت.
حين اتّصل بي زوجها ذات مساء من مستشفى المدينة المجاورة استغربت ..لم يكن في صوته أثر لأي حزن أو خوف أو ألم ..هل كان سعيدا ؟
: " ألو..نعم .. التحاليل معي الآن.. إنّه هو...هو...و في مرحلة متقدّمة جدا".
يومها تذكّرت قولها لي : " هذا ليس زوجي..إنّه سرطان .!".كان يوما ماطرا باردا ، حين عدنا بها إلى البيت : أين تركتْ في أحد أكياس القمامة في المستشفى ثديها الأيسر كاملا ، و جزءاً من منطقة ما تحت الإبط " .
لم تكن فزعة و لا يائسة .. احترت في تفسير شعورها : " أشعر كأنني عصفور قصّوا له جناحه ..عصفورٌ بجناح واحد ".
ترى كيف يكون شعوره ؟ هل كانت تعني أنها لم تعد حرّة ؟ ربما تقصد أنها صارت مشوّهة ..هل الجمال هو الحرية ؟ لا أدري ..و لكن من المؤكد أن ألم السرطان يهون أمام الألم الذي يتركه فينا الآخر..الأقرب..ذلك الذي من المفترض أن يحتوينا ..يؤازرنا : " أكثر ما يؤلمني أنه يمنّ علي ..يقول لي أنه أنفق في دوائي و العملية ما كان يستطيع به أن يتزوّج إمرأة أخرى .." .
و تترقرق الدموع في عينيها .
نظرتُ إليها..صدرها لا يزال يعلو و يهبط و لكن..هذه المرة..ببطء شديد .
لم تكن فزعة و لا يائسة .. احترت في تفسير شعورها : " أشعر كأنني عصفور قصّوا له جناحه ..عصفورٌ بجناح واحد ".
ترى كيف يكون شعوره ؟ هل كانت تعني أنها لم تعد حرّة ؟ ربما تقصد أنها صارت مشوّهة ..هل الجمال هو الحرية ؟ لا أدري ..و لكن من المؤكد أن ألم السرطان يهون أمام الألم الذي يتركه فينا الآخر..الأقرب..ذلك الذي من المفترض أن يحتوينا ..يؤازرنا : " أكثر ما يؤلمني أنه يمنّ علي ..يقول لي أنه أنفق في دوائي و العملية ما كان يستطيع به أن يتزوّج إمرأة أخرى .." .
و تترقرق الدموع في عينيها .
نظرتُ إليها..صدرها لا يزال يعلو و يهبط و لكن..هذه المرة..ببطء شديد .
تعليق