في حضرة الموت..قصة/ نور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    في حضرة الموت..قصة/ نور

    في حضرة الموت..



    - كم الساعة الآن ؟


    -الثالثة مساءً . لماذا تسألين .أتريدين شيئا ؟


    - لا . شكرا لك .


    كان صوتها ضعيفا..غريبا كأنه آتِ من عالم آخر..أحكمتُ الغطاء عليها برفق و حذر ..أبسط ضغط على أي مكان في جسدها يجعلها تتلوّى من الألم ..جسدٌ ..كان ذات يومٍ آية في الجمال ..كنت أسمع أهل زوجها يردّدون " كم هو محظوظ. إبننا.. تزوّج امرأة فاتنة ." أكثر ما كان يلفت فيها شدّة بياض بشرتها.. بشرة وجهها بالذات..نقية و مشدودة كأنما نُحتت نحتا ..و نهداها آية أخرى...حتى بعد ولادة طفلها الأخير ظلا متربعين على عرش الجمال.


    يا إلهي ! ماذا يفعل بنا المرض ؟
    وجهها تغلّفه صُفرة مشوبة باخضرار غريب..شفتاها متشققتان و مزرقّتان تمرّر عليهما من حين لآخر لسانها أو تطلب رشفة من ماء ..ذراعها الأيسر ممدود إلى جانبها كغصن شجرة ميتة تظهر فيه دوائر شديدة الزرقة من أثر الإبر ..".
    أحس بأنني أموت ببطء...كنت أعتقد أن الموت سهل .نمرض و نموت..و فقط ." كنت أقول لها : " ما هذا الكلام .. و هل كل من يمرض يموت؟ سوف تشفين ..سترين ".
    تبتسم إبتسامة كأنها البكاء : " تحاولين رفع معنوياتي .أعرف .و لكن..ليس مع هذا المرض .أتعرفين لماذا سمي بالخبيث ؟ لأنه لا ينتهي بنا إلى الموت فقط و إنما يأخذ كل وقته و يتلذّذ بذلك. ".
    تضحك : " أتخيّله مخلوقا كريها..بشعا- يشبه زوجي قليلا- يفرك يديه إبتهاجا كلما أسقط ضحية ".
    تململتْ..فتحت عينين ذابلتين يحيط بهما السواد .
    : " حذار..إرفعي تلك الزجاجة من على الأرض حتى لا يكسرها الأولاد ".
    نظرتُ حيث أشارتْ . لا شيء .لم تكن هناك أية زجاجة ..عاودها الهذيان ..مفعول' المورفين' ..آخر ما وصفه لها الطبيب ..آخر محطة في المسار المشئوم .أحسستُ بفرح غريب من أجلها يوم أخبرنا الطبيب أنها بداية النهاية ..أخيرا سوف ترتاح ..لمتُ نفسي كثيرا بعد ذلك .أيعقل أن أفرح و أنا أراها تنطفئ ؟
    : " لا تهتمي . نامي الآن " .


    خيّم الصمت على الغرفة ..منذ ستة أشهر و نحن نتناوب على الإهتمام بها ..أمي و أختي الصغرى و أنا.. صمت هذه الأمسية مرعب..يشبه صمت المقابر.. أنظر إلى صدرها من حين لآخر لأتأكد أنه يعلو و يهبط .
    أولادها في المدرسة ، و زوجها لا يعود من العمل إلا ليلا ..وافقت على الزواج منه بعد قصة حب فاشلة ..كانت تقول لي : " إذا لم تتزوج المرأة من الرجل الذي أحبّته , فلا يهم من تتزوج بعد ذلك ".
    لم تمض سنتان حتى اكتشفت الوجه الآخر – الحقيقي – للذي تزوّجته .. لا يشبهها أبدا ..متسلط ٌو بذيء اللسان ..أناني و كسول . ذاقت منه الأمرّين : " ثلاثة أشياء فقط يقدّسها زوجي : الأكل و النوم و ........." . و يمنعها الحياء فتطرق و تصمت.


    حين اتّصل بي زوجها ذات مساء من مستشفى المدينة المجاورة استغربت ..لم يكن في صوته أثر لأي حزن أو خوف أو ألم ..هل كان سعيدا ؟

    : " ألو..نعم .. التحاليل معي الآن.. إنّه هو...هو...و في مرحلة متقدّمة جدا".
    يومها تذكّرت قولها لي : " هذا ليس زوجي..إنّه سرطان .!".
    كان يوما ماطرا باردا ، حين عدنا بها إلى البيت : أين تركتْ في أحد أكياس القمامة في المستشفى ثديها الأيسر كاملا ، و جزءاً من منطقة ما تحت الإبط " .
    لم تكن فزعة و لا يائسة .. احترت في تفسير شعورها : " أشعر كأنني عصفور قصّوا له جناحه ..عصفورٌ بجناح واحد ".
    ترى كيف يكون شعوره ؟ هل كانت تعني أنها لم تعد حرّة ؟ ربما تقصد أنها صارت مشوّهة ..هل الجمال هو الحرية ؟ لا أدري ..و لكن من المؤكد أن ألم السرطان يهون أمام الألم الذي يتركه فينا الآخر..الأقرب..ذلك الذي من المفترض أن يحتوينا ..يؤازرنا : " أكثر ما يؤلمني أنه يمنّ علي ..يقول لي أنه أنفق في دوائي و العملية ما كان يستطيع به أن يتزوّج إمرأة أخرى .." .
    و تترقرق الدموع في عينيها .
    نظرتُ إليها..صدرها لا يزال يعلو و يهبط و لكن..هذه المرة..ببطء شديد .
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 11-02-2010, 09:04.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    آسيا آسيا آسيا
    ماذا فعلت بي
    الله
    كم أشجاني سردك
    صفقت
    اقشعر بدني
    تموجت أنوح
    أسرعت بالقراءة
    تماوجت صورها أمامي
    مريضة مصفرة الوجه
    لكنها مازالت تحمل بعضا من سمات الجمال
    قلبي ما أسعفني لفرط فرحتي بنصك هذا نور أبدا
    يستحق النجوم والذهبية
    استمري هكذا آسيا
    قوية عصية
    مودتي الحميمة لروحك وقلمك
    لو أن العنوان أقل إيضاحا من هذا لكان أفضل
    وإن يكن
    كنت أكثر من رائعة ومبدعة
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25791

      #3
      توقفت هنا
      وسأنصرف قليلا
      لهضم تلك الغصة ،
      ثم أعود بعد أن أتخلص من مرارة هذا الزوج
      الذى كان أكبر من أى سرطان !!


      محبتى و تقديرى
      sigpic

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        نص جميل استاذة آسيا
        السرطان ذلك الخبيث الذي لا بد أن نهزمه ونغشه كثيرا لئلا يغشنا حينا
        ولن يهزمه سوى الحب في صدورنا

        التقطت هذه البؤرة ..فهي مهمة للمساعدة في الحياة
        تحيتي ومودتي غاليتنا آسيا
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          آسيا آسيا آسيا
          ماذا فعلت بي
          الله
          كم أشجاني سردك
          صفقت
          اقشعر بدني
          تموجت أنوح
          أسرعت بالقراءة
          تماوجت صورها أمامي
          مريضة مصفرة الوجه
          لكنها مازالت تحمل بعضا من سمات الجمال
          قلبي ما أسعفني لفرط فرحتي بنصك هذا نور أبدا
          يستحق النجوم والذهبية
          استمري هكذا آسيا
          قوية عصية
          مودتي الحميمة لروحك وقلمك
          لو أن العنوان أقل إيضاحا من هذا لكان أفضل
          وإن يكن
          كنت أكثر من رائعة ومبدعة
          الغاليه عائدة..
          أتدرين..عندما تنال إحدى قصصي إعجابك أشعر بالفخر..لأن القص الجميل أنت المبدعة الحقيقية فيه.
          شكرا من القلب.
          كل الحب لك.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • سمية البوغافرية
            أديب وكاتب
            • 26-12-2007
            • 652

            #6
            المبدعة آسيا
            قصة محزنة حبكتها بعناية لتغرسي سيف الألم
            في أنفسنا نحن النساء بالذات
            خرجت من قراءتها بقلب ينزف
            ومع ذلك أشكرك واحييك على هذه القصة
            دمت مبدعة

            تعليق

            • آسيا رحاحليه
              أديب وكاتب
              • 08-09-2009
              • 7182

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              توقفت هنا
              وسأنصرف قليلا
              لهضم تلك الغصة ،
              ثم أعود بعد أن أتخلص من مرارة هذا الزوج
              الذى كان أكبر من أى سرطان !!


              محبتى و تقديرى
              أنا في انتظارك أخي ربيع عقب الباب..
              لا تتأخر..يسعدني مرورك.
              يظن الناس بي خيرا و إنّي
              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                نص جميل استاذة آسيا
                السرطان ذلك الخبيث الذي لا بد أن نهزمه ونغشه كثيرا لئلا يغشنا حينا
                ولن يهزمه سوى الحب في صدورنا

                التقطت هذه البؤرة ..فهي مهمة للمساعدة في الحياة
                تحيتي ومودتي غاليتنا آسيا
                عزيزتي مها..
                صدقتِ بالحب نجتاز كل الصعاب..هذه المرأة افتقدت الحب من رجلها..فآثرت أن تكون من نصيب الموت.
                ألف شكر..دائما تسعدني إضافتك.
                محبّتي.
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • آسيا رحاحليه
                  أديب وكاتب
                  • 08-09-2009
                  • 7182

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة سمية البوغافرية مشاهدة المشاركة
                  المبدعة آسيا
                  قصة محزنة حبكتها بعناية لتغرسي سيف الألم
                  في أنفسنا نحن النساء بالذات
                  خرجت من قراءتها بقلب ينزف
                  ومع ذلك أشكرك واحييك على هذه القصة
                  دمت مبدعة
                  الأخت الفاضلة سمية..
                  سلامة قلبك أختاه..
                  و أنا أحييك على المرور و أشكرك لتفضلك بالقراءة.
                  دمتِ أختا .
                  محبّتي.
                  يظن الناس بي خيرا و إنّي
                  لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25791

                    #10
                    بالفعل بيت بلا حب ،
                    لا وجود له ،
                    و الموت أقرب إلى ساكنيه .. و هذه التى كانت تتفجر حياة ،
                    و يطل من كل جزء فيها الجمال دون مواربة ، أو خسوف ..
                    هاهى فريسة المرض الجبان ، ذاك الذى لا فكاك منه .. و الذى
                    أتى مع معاشرتها لزوج ، لم يكن حلما ، بل كان كأى رجل طالما
                    أتى عقب قصة حب فاشلة ..!
                    كنت بسيطة و رقيقة ، و حميمة إلى حد بعيد .. بل تتحدثين و كأنك
                    تتحدثين عن حميم .. و ربما كانت بالقرب منك .. و بين يديك .. !!
                    و حين يتوفر كل هذا فى قصة ، فقد وصلت إلى متلقيها دون عناء ، أو كثير قلق ، ربما بألم ، و مشاطرة لأحزان كتلك التى تفجرت على الورقة !!
                    بالطبع الخاتمة كانت أكثر ذكاء ، حتى و إن كانت هى الحقيقة ، و لكنها جاءت لتقول أن فى العمر بقية .. و أن الحياة مستمرة ، على أمل ربما ضيئل ، لكنه على كل حال أمل !!

                    تحيتى إليك آسيا ، و فى انتظار الأجمل دائما !!
                    sigpic

                    تعليق

                    • مصطفى الصالح
                      لمسة شفق
                      • 08-12-2009
                      • 6443

                      #11
                      يعطيكي العافية اختي العزيزة نور

                      قصة شجية وحزينة

                      وضعتني في جو مشحون رافة بهذه المسكينة وحنقا على ذلك الاكثر من سرطان

                      من جميل الى اجمل

                      تحياتي
                      [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                      ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                      لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                      رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                      حديث الشمس
                      مصطفى الصالح[/align]

                      تعليق

                      • آسيا رحاحليه
                        أديب وكاتب
                        • 08-09-2009
                        • 7182

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        بالفعل بيت بلا حب ،
                        لا وجود له ،
                        و الموت أقرب إلى ساكنيه .. و هذه التى كانت تتفجر حياة ،
                        و يطل من كل جزء فيها الجمال دون مواربة ، أو خسوف ..
                        هاهى فريسة المرض الجبان ، ذاك الذى لا فكاك منه .. و الذى
                        أتى مع معاشرتها لزوج ، لم يكن حلما ، بل كان كأى رجل طالما
                        أتى عقب قصة حب فاشلة ..!
                        كنت بسيطة و رقيقة ، و حميمة إلى حد بعيد .. بل تتحدثين و كأنك
                        تتحدثين عن حميم .. و ربما كانت بالقرب منك .. و بين يديك .. !!
                        و حين يتوفر كل هذا فى قصة ، فقد وصلت إلى متلقيها دون عناء ، أو كثير قلق ، ربما بألم ، و مشاطرة لأحزان كتلك التى تفجرت على الورقة !!
                        بالطبع الخاتمة كانت أكثر ذكاء ، حتى و إن كانت هى الحقيقة ، و لكنها جاءت لتقول أن فى العمر بقية .. و أن الحياة مستمرة ، على أمل ربما ضيئل ، لكنه على كل حال أمل !!

                        تحيتى إليك آسيا ، و فى انتظار الأجمل دائما !!
                        أخي ربيع..
                        لا أريد أن أنحاز للكتابة عن المرأة فقط..فأنا تشدّني الحالات الإنسانية عموما..و لكن حين أنظر في عيون بعض النساء من حولي يستفزّني حجم معاناتهن الإجتماعية أو العائلية أو النفسية..فتثار فيّ الرغبة في كشف الحجاب عن تلك المعاناة و الغوص في أغوارهن.. وأحاول النطق بلسانهن.
                        السرطان مرض خبيث جبان قاس فكيف إذا انظمّ إليه زوجٌ قلبه خالٍ من الرحمة ؟ منتهى الألم.
                        ألف شكر لك أخي ربيع..
                        مودّتي دائما.
                        يظن الناس بي خيرا و إنّي
                        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                        تعليق

                        • آسيا رحاحليه
                          أديب وكاتب
                          • 08-09-2009
                          • 7182

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
                          يعطيكي العافية اختي العزيزة نور

                          قصة شجية وحزينة

                          وضعتني في جو مشحون رافة بهذه المسكينة وحنقا على ذلك الاكثر من سرطان

                          من جميل الى اجمل

                          تحياتي
                          صباح الخير أخي مصطفى..
                          لا تكتمل أنوار صفحتي إلا حين أرى توقيعك عليها.
                          ألف شكر لك.
                          تحيّتي.
                          يظن الناس بي خيرا و إنّي
                          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                          تعليق

                          • حماد الحسن
                            سيد الأحلام
                            • 02-10-2009
                            • 186

                            #14
                            هل الجمال هو الحرية؟!!
                            السهولة الممعنه في التمنع,والسرد الشفيف الذي كاد يجعلني أبحث عن زوج كالسرطان لأعاقبه,شكراً شكراً
                            ودمتم بمودة واحترام بالغين

                            تعليق

                            • آسيا رحاحليه
                              أديب وكاتب
                              • 08-09-2009
                              • 7182

                              #15
                              بل الشكر كلّه لك أستاذ حما د الحسن .
                              تحيّتي و احترامي.
                              يظن الناس بي خيرا و إنّي
                              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X