قالت بصوت صادر من عمق الوجع الدفين:
ـ يحكى يا بني أن الجفاف قد حلّ ضيفا ثقيلا على القرية ، في زمن بعيد ،كانت فيه كل المخلوقات ناطقة،
تغير لون الأرض من أخضر يانع إلى أصفر فاقع..
ثم هبّت على القرية رياح صحراوية لاهبة ، طارت بما تبقى من هشيم يكسو وجه الأرض،
ظهر وجه التراب أسود بأحجار حارقة ..
كانت أزقة القرية تعج بأسراب الدجاج على اختلاف ألوانه وأنواعه ،داهمها الجوع ؛ فأخذ الموت يحصدها بالعشرات،
تظل تضرب في الأرض نحو الحقول البعيدة ، لتعود ولا في حويصلاتها حبة أودودة ،
عديدها ينفق في الطريق ، والباقي يعود إلى خممته.
ذات صباح غائم ،صعد التل المجاور ديك لازال فيه بقية من عنفوان، مفاخرا بعرفه الأحمر القاني ، وصاح أن هبّوا سريعا فقد وجدتها.
تسابق الدجاج متهالكا من كل خم ، تزاحموا حوله ، صاروا أمامه.
التقط حبة القمح ، وابتلعها بنشوة .فالتفت الدجاج حوله بعيون جائعة فقال لهم:
لا تكلفوا أنفسكم عناء البحث ،
إنها حبة واحدة ووحيدة ، أحضرتكم لتتشرفوا برؤيتي وأنا أزدردها، لأصدق نفسي أنني التهمتها بالفعل.
وما أدرك الدجاج المتهالك حينها ، أن العثور على حبات قمح في زمن القحط يحتاج إلى مناقير خاصة ، غير متوفرة لكل أنواع الدجاج.
سكتت أمه .
قبّل يدها في ذهول ، ومضى إلى غرفته مثقلا بحكمة الحكاية ، رمى بجسده النحيل على الفراش ، وبدا ساهما وهو يتأمل خشبات السقف العتيقة.
انفرط عقد حبات الماضي ، فاندلقت حارقة في داخله ،
هذا والده وقد آثر الرحيل ، بعيدا عن عبث الحياة ، بعد صرخته الأولى بسنتين،فظل في ذاكرته طيفا بلا ملامح ، يحضره كلما سأله سائل :من أبوك؟
وهذه أمه غاب الأب ، فانبثق في داخلها شيء غريب،لمسه في تصرفاتها وحديثها ، وحركات عينيها ،غدت أكثر صلابة وصرامة، بدت جسورا كالرجال.
فقدت الكثير من أنوثتها ،طوقها حزن جاثم لا يبرح محياها،ينقض عليها كصقر جائع، ينهش وجدانها بشراسة . إنه يستشعر حالها بعمق ،يراها على مدخل البيت ، وفي يدها عصا رقيقة تشق بها التراب خطوطا متقاطعة ، سرعان ماتمحوها لتعيدها من جديد،
شاردة في أرض غير الأرض ،
محلقة في سماء غير السماء.
يناديها..لا تجيب. يكرر النداء ، فيأتيه صوتها بعيدا،آت من بئر عميقة .
هاهو يقفل في المساء عائدا من المدرسة ، فتتلقاه بالأحضان،تغمره بحنانها الدافق ،يهمس في أذنها:
- غدا سأكون موظفا فأمسحى عن عينيك حزنها.
وتتمدد شفتاها في خفر وترد:
-دعواتي معك.
الآن... قد كبر،صار لزاما عليه أن يحلق وجهه مرتين ؛إذا أراد أن يستعيد بعض نضارته التي فقد،
حصل على الإجازة منذ أربع سنوات ،شارك في كل المباريات ،
دق أبواب كل الشركات،
قضى فترات التسكع الإجباري في أغلب المدن الكبيرة والصغيرة .
لم تلمع في سمائه نجمة ،
ولا نبتت في طريقه زهرة .
الأبواب دونه موصدة،
موصدة بإحكام وعن سابق اصرار.
في كل مرة مباراة وأسفار ،
أوراق وتدبير مصاريف ،
وعودة بخفي حنين .
بات الأمر أكثر إيلاما حين تراكمت الديون، ولم تعد والدته قادرة على المرور ، في أكثر طرقات القرية ،خوفا من أن يصادفها أحد ، يطالبها بدين ، وكثيرا ما كانت ضحية البقاء قسرا ، في البيت على غير ما ألفت ؛
لذلك لن يغمض له جفن ،
رغم أن السي أحمد-الجار المطلع على خفاياهم-قد طرق الباب في آخر الليل ،فتحت الأم ، فناولها أوراقا نقدية،
وانصرف سريعا كما جاء . أطل عليها من الغرفة حين كانت تغلق الباب ،
دنا منها ، فأحسها منكسرة من الداخل حد الإحباط ، مدت إليه الورقات النقدية بيد باردة ،ضمها إليه ، فأحس بزفير رياح اليأس في نفسها. ندت عيناه بصمت .
أحس بخدر النوم يسري في أوصاله،
خنق أنفاس المصباح وحين أوشك على الإستسلام للنوم كان الديك يصيح على التل المجاور..
ـ يحكى يا بني أن الجفاف قد حلّ ضيفا ثقيلا على القرية ، في زمن بعيد ،كانت فيه كل المخلوقات ناطقة،
تغير لون الأرض من أخضر يانع إلى أصفر فاقع..
ثم هبّت على القرية رياح صحراوية لاهبة ، طارت بما تبقى من هشيم يكسو وجه الأرض،
ظهر وجه التراب أسود بأحجار حارقة ..
كانت أزقة القرية تعج بأسراب الدجاج على اختلاف ألوانه وأنواعه ،داهمها الجوع ؛ فأخذ الموت يحصدها بالعشرات،
تظل تضرب في الأرض نحو الحقول البعيدة ، لتعود ولا في حويصلاتها حبة أودودة ،
عديدها ينفق في الطريق ، والباقي يعود إلى خممته.
ذات صباح غائم ،صعد التل المجاور ديك لازال فيه بقية من عنفوان، مفاخرا بعرفه الأحمر القاني ، وصاح أن هبّوا سريعا فقد وجدتها.
تسابق الدجاج متهالكا من كل خم ، تزاحموا حوله ، صاروا أمامه.
التقط حبة القمح ، وابتلعها بنشوة .فالتفت الدجاج حوله بعيون جائعة فقال لهم:
لا تكلفوا أنفسكم عناء البحث ،
إنها حبة واحدة ووحيدة ، أحضرتكم لتتشرفوا برؤيتي وأنا أزدردها، لأصدق نفسي أنني التهمتها بالفعل.
وما أدرك الدجاج المتهالك حينها ، أن العثور على حبات قمح في زمن القحط يحتاج إلى مناقير خاصة ، غير متوفرة لكل أنواع الدجاج.
سكتت أمه .
قبّل يدها في ذهول ، ومضى إلى غرفته مثقلا بحكمة الحكاية ، رمى بجسده النحيل على الفراش ، وبدا ساهما وهو يتأمل خشبات السقف العتيقة.
انفرط عقد حبات الماضي ، فاندلقت حارقة في داخله ،
هذا والده وقد آثر الرحيل ، بعيدا عن عبث الحياة ، بعد صرخته الأولى بسنتين،فظل في ذاكرته طيفا بلا ملامح ، يحضره كلما سأله سائل :من أبوك؟
وهذه أمه غاب الأب ، فانبثق في داخلها شيء غريب،لمسه في تصرفاتها وحديثها ، وحركات عينيها ،غدت أكثر صلابة وصرامة، بدت جسورا كالرجال.
فقدت الكثير من أنوثتها ،طوقها حزن جاثم لا يبرح محياها،ينقض عليها كصقر جائع، ينهش وجدانها بشراسة . إنه يستشعر حالها بعمق ،يراها على مدخل البيت ، وفي يدها عصا رقيقة تشق بها التراب خطوطا متقاطعة ، سرعان ماتمحوها لتعيدها من جديد،
شاردة في أرض غير الأرض ،
محلقة في سماء غير السماء.
يناديها..لا تجيب. يكرر النداء ، فيأتيه صوتها بعيدا،آت من بئر عميقة .
هاهو يقفل في المساء عائدا من المدرسة ، فتتلقاه بالأحضان،تغمره بحنانها الدافق ،يهمس في أذنها:
- غدا سأكون موظفا فأمسحى عن عينيك حزنها.
وتتمدد شفتاها في خفر وترد:
-دعواتي معك.
الآن... قد كبر،صار لزاما عليه أن يحلق وجهه مرتين ؛إذا أراد أن يستعيد بعض نضارته التي فقد،
حصل على الإجازة منذ أربع سنوات ،شارك في كل المباريات ،
دق أبواب كل الشركات،
قضى فترات التسكع الإجباري في أغلب المدن الكبيرة والصغيرة .
لم تلمع في سمائه نجمة ،
ولا نبتت في طريقه زهرة .
الأبواب دونه موصدة،
موصدة بإحكام وعن سابق اصرار.
في كل مرة مباراة وأسفار ،
أوراق وتدبير مصاريف ،
وعودة بخفي حنين .
بات الأمر أكثر إيلاما حين تراكمت الديون، ولم تعد والدته قادرة على المرور ، في أكثر طرقات القرية ،خوفا من أن يصادفها أحد ، يطالبها بدين ، وكثيرا ما كانت ضحية البقاء قسرا ، في البيت على غير ما ألفت ؛
لذلك لن يغمض له جفن ،
رغم أن السي أحمد-الجار المطلع على خفاياهم-قد طرق الباب في آخر الليل ،فتحت الأم ، فناولها أوراقا نقدية،
وانصرف سريعا كما جاء . أطل عليها من الغرفة حين كانت تغلق الباب ،
دنا منها ، فأحسها منكسرة من الداخل حد الإحباط ، مدت إليه الورقات النقدية بيد باردة ،ضمها إليه ، فأحس بزفير رياح اليأس في نفسها. ندت عيناه بصمت .
أحس بخدر النوم يسري في أوصاله،
خنق أنفاس المصباح وحين أوشك على الإستسلام للنوم كان الديك يصيح على التل المجاور..
العربي الثابت
تعليق