زمن القحط

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    زمن القحط

    قالت بصوت صادر من عمق الوجع الدفين:
    ـ يحكى يا بني أن الجفاف قد حلّ ضيفا ثقيلا على القرية ، في زمن بعيد ،كانت فيه كل المخلوقات ناطقة،
    تغير لون الأرض من أخضر يانع إلى أصفر فاقع..
    ثم هبّت على القرية رياح صحراوية لاهبة ، طارت بما تبقى من هشيم يكسو وجه الأرض،
    ظهر وجه التراب أسود بأحجار حارقة ..
    كانت أزقة القرية تعج بأسراب الدجاج على اختلاف ألوانه وأنواعه ،داهمها الجوع ؛ فأخذ الموت يحصدها بالعشرات،
    تظل تضرب في الأرض نحو الحقول البعيدة ، لتعود ولا في حويصلاتها حبة أودودة ،
    عديدها ينفق في الطريق ، والباقي يعود إلى خممته.
    ذات صباح غائم ،صعد التل المجاور ديك لازال فيه بقية من عنفوان، مفاخرا بعرفه الأحمر القاني ، وصاح أن هبّوا سريعا فقد وجدتها.
    تسابق الدجاج متهالكا من كل خم ، تزاحموا حوله ، صاروا أمامه.
    التقط حبة القمح ، وابتلعها بنشوة .فالتفت الدجاج حوله بعيون جائعة فقال لهم:
    لا تكلفوا أنفسكم عناء البحث ،
    إنها حبة واحدة ووحيدة ، أحضرتكم لتتشرفوا برؤيتي وأنا أزدردها، لأصدق نفسي أنني التهمتها بالفعل.
    وما أدرك الدجاج المتهالك حينها ، أن العثور على حبات قمح في زمن القحط يحتاج إلى مناقير خاصة ، غير متوفرة لكل أنواع الدجاج.
    سكتت أمه .
    قبّل يدها في ذهول ، ومضى إلى غرفته مثقلا بحكمة الحكاية ، رمى بجسده النحيل على الفراش ، وبدا ساهما وهو يتأمل خشبات السقف العتيقة.
    انفرط عقد حبات الماضي ، فاندلقت حارقة في داخله ،
    هذا والده وقد آثر الرحيل ، بعيدا عن عبث الحياة ، بعد صرخته الأولى بسنتين،فظل في ذاكرته طيفا بلا ملامح ، يحضره كلما سأله سائل :من أبوك؟
    وهذه أمه غاب الأب ، فانبثق في داخلها شيء غريب،لمسه في تصرفاتها وحديثها ، وحركات عينيها ،غدت أكثر صلابة وصرامة، بدت جسورا كالرجال.
    فقدت الكثير من أنوثتها ،طوقها حزن جاثم لا يبرح محياها،ينقض عليها كصقر جائع، ينهش وجدانها بشراسة . إنه يستشعر حالها بعمق ،يراها على مدخل البيت ، وفي يدها عصا رقيقة تشق بها التراب خطوطا متقاطعة ، سرعان ماتمحوها لتعيدها من جديد،
    شاردة في أرض غير الأرض ،
    محلقة في سماء غير السماء.
    يناديها..لا تجيب. يكرر النداء ، فيأتيه صوتها بعيدا،آت من بئر عميقة .
    هاهو يقفل في المساء عائدا من المدرسة ، فتتلقاه بالأحضان،تغمره بحنانها الدافق ،يهمس في أذنها:
    - غدا سأكون موظفا فأمسحى عن عينيك حزنها.
    وتتمدد شفتاها في خفر وترد:
    -دعواتي معك.
    الآن... قد كبر،صار لزاما عليه أن يحلق وجهه مرتين ؛إذا أراد أن يستعيد بعض نضارته التي فقد،
    حصل على الإجازة منذ أربع سنوات ،شارك في كل المباريات ،
    دق أبواب كل الشركات،
    قضى فترات التسكع الإجباري في أغلب المدن الكبيرة والصغيرة .
    لم تلمع في سمائه نجمة ،
    ولا نبتت في طريقه زهرة .
    الأبواب دونه موصدة،
    موصدة بإحكام وعن سابق اصرار.
    في كل مرة مباراة وأسفار ،
    أوراق وتدبير مصاريف ،
    وعودة بخفي حنين .
    بات الأمر أكثر إيلاما حين تراكمت الديون، ولم تعد والدته قادرة على المرور ، في أكثر طرقات القرية ،خوفا من أن يصادفها أحد ، يطالبها بدين ، وكثيرا ما كانت ضحية البقاء قسرا ، في البيت على غير ما ألفت ؛
    لذلك لن يغمض له جفن ،
    رغم أن السي أحمد-الجار المطلع على خفاياهم-قد طرق الباب في آخر الليل ،فتحت الأم ، فناولها أوراقا نقدية،
    وانصرف سريعا كما جاء . أطل عليها من الغرفة حين كانت تغلق الباب ،
    دنا منها ، فأحسها منكسرة من الداخل حد الإحباط ، مدت إليه الورقات النقدية بيد باردة ،ضمها إليه ، فأحس بزفير رياح اليأس في نفسها. ندت عيناه بصمت .
    أحس بخدر النوم يسري في أوصاله،
    خنق أنفاس المصباح وحين أوشك على الإستسلام للنوم كان الديك يصيح على التل المجاور..



    العربي الثابت
    التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 26-02-2010, 17:57.
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....
  • وفاء محمود
    عضو الملتقى
    • 25-09-2008
    • 287

    #2
    فكره رائعه وسرد ممتاز
    خالص تحياتى وتقديرى
    [B][FONT=Arial Black][FONT=Arial Black][SIZE=7].................................[/SIZE][/FONT][/FONT][/B]

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      العربي الثابت
      ليس كل منقار .. منقار
      وليس كل الرجال .. رجال
      العبرة تكمن لمن يكون له المقدرة على الحفر عميقا
      أن يقود القطيع لموطيء الخير
      نص أحسست بعبرته العميقة عربي
      والأم مدرسة لأبنائها
      يتعلمون منها ويتخذونها قدوة
      فكيف الحال وهي بهذه الرصانة والحكمة والتبصر
      جميل نصك وعميق ويتأول عدة تأويلات
      السرد جاء متينا وفيه لمحات شجن غائرة في الروح
      تحياتي ومودتي لك وباقة ورد
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • إيمان عامر
        أديب وكاتب
        • 03-05-2008
        • 1087

        #4
        تحياتي بعطر الزهور

        المبدع المتألق
        العربي الثابت

        قصة كفاح

        سرد ممتع ومشوق

        فهي الحياة تعب ومعانة وشقاء ومشاقة

        والبقاء لأقوي دائما ...........

        استمتعت بهذا النص المتألق

        دمت بكل خير

        لك ارق تحياتي

        صباح مشرق
        "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          نصٌ قويٌ على قدر قوّة الأمّ وتماسكها ،وعلى قدر انجلاء خبايا زوايا العمر بعد طول صبر ، لك خالص مودّتي . ننتظر المزيد أخي الغالي

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • مها راجح
            حرف عميق من فم الصمت
            • 22-10-2008
            • 10970

            #6
            الاستاذ المبدع العربي الثابت
            دوما أخرج من قراءة نصوصك بهدف واضح استقيه للخوض في هذه الحياة
            دوام العافية لقلمك
            تحيتي
            رحمك الله يا أمي الغالية

            تعليق

            • العربي الثابت
              أديب وكاتب
              • 19-09-2009
              • 815

              #7
              الأستاذة القديرة وفاء
              أسعدني مرورك هنا،وأشكرك على ذلك بصدق...
              تحاياي ومحبتي...
              العربي الثابت
              اذا كان العبور الزاميا ....
              فمن الاجمل ان تعبر باسما....

              تعليق

              • العربي الثابت
                أديب وكاتب
                • 19-09-2009
                • 815

                #8
                صديقتي الرائعة عايدة...
                شكري العميق على مرورك الكريم هنا،
                لقد غيرت العنوان فقد أحسست أن العنوان الأول ذو حمولة لكن جرسه لم يعجبني .....
                لك صادق المحبة وعاطر التحايا...
                ودمت زهرة الملتقى....

                العربي الثابت
                اذا كان العبور الزاميا ....
                فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                تعليق

                • العربي الثابت
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2009
                  • 815

                  #9
                  الرائعة المتألقة ايمان...
                  سعيد بتواجدك البهي هنا ،ومرورك يعني لي الشيء الكثير..
                  لقد غيرت العنوان ،
                  لك جميل التحايا وجزيل الشكر..
                  ودمت متألقة...
                  العربي الثابت
                  اذا كان العبور الزاميا ....
                  فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                  تعليق

                  • مصطفى الصالح
                    لمسة شفق
                    • 08-12-2009
                    • 6443

                    #10
                    اخي العزيز

                    قصتك رائعة جدا

                    ومن اروع ما قرات بلا مجاملة

                    كانت ذات فكرة سامية ومعان كبيرة

                    ومن رحم الواقع

                    انت قلم مسئول

                    بوركت

                    كل المحبة والتقدير
                    [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                    ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                    لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                    رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                    حديث الشمس
                    مصطفى الصالح[/align]

                    تعليق

                    • سمية البوغافرية
                      أديب وكاتب
                      • 26-12-2007
                      • 652

                      #11
                      أحييك أستاذ العربي على هذه القصة
                      القراءة لك متعة وفائدة
                      البطالة في مجتمعنا العربي آفة كبرى لا تقف أوزارها عند شخص العاطل بقدر ما تجتاح الأسرة والمجتمع أيضا
                      وكم من طفل صار اليوم وتحت تشجيع الوالدين يترك المدرسة خوفا من القيظ وخوض تجربة من سبقوه
                      هي معضلة كبرى أشكرك على التطرق لها
                      هو ثاني نص أقرأه لك يمتح من الواقع وشخصيا أحب هذه النصوص التي لا تأخذ الأدب على أنه مجرد ترفيه وتسلية
                      تقديري
                      التعديل الأخير تم بواسطة سمية البوغافرية; الساعة 21-02-2010, 15:55.

                      تعليق

                      • العربي الثابت
                        أديب وكاتب
                        • 19-09-2009
                        • 815

                        #12
                        الأستاذة الغالية سمية..
                        أفرش لمرورك كل الورد...أسعدني تفاعلك مع نصوصي المتواضعة..
                        إنها في المجمل آهات وجع مزمن يجلد الذات بلا رحمة..
                        لك عاطر تحاياي وصادق المحبة والتقدير...
                        أخوك العربي
                        اذا كان العبور الزاميا ....
                        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                        تعليق

                        • العربي الثابت
                          أديب وكاتب
                          • 19-09-2009
                          • 815

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
                          اخي العزيز

                          قصتك رائعة جدا

                          ومن اروع ما قرات بلا مجاملة

                          كانت ذات فكرة سامية ومعان كبيرة

                          ومن رحم الواقع

                          انت قلم مسئول

                          بوركت

                          كل المحبة والتقدير

                          أخي الودود مصطفى..
                          أشكرك صادقا عل كل ماتفضلت به وأعتز باهتمامك بمحاولاتي ..
                          لك سيدي عاطرالتحايا ودائم المحبة...
                          أخوك العربي
                          اذا كان العبور الزاميا ....
                          فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                          تعليق

                          • عبد الأحد بودريقة
                            أديب وكاتب
                            • 09-02-2010
                            • 202

                            #14
                            تحياتي الاخ العربي الثابت
                            حكاية رمزية ودلالية في سياق حكي سردي
                            توظيف رائع ومنسجم في مستوى تكامل
                            البناء الداخلي لنص قصصي يتطرق لمسالة
                            بطالة المجازين التي هدمت امال جيل باكمله
                            ولازالت تهدم.....
                            اهنئك على رؤيتك الابداعية وصياغتك الجميلة
                            تحيتي ومودتي
                            لم يعد بالوسع أن نقول أيهما هو الآخر
                            جورج أورويل

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              سأخالف الجميع هنا فأقول :
                              مادة النص رائعة بالفعل ، و قوية ، و تحمل الكثير من حميمية ،
                              تجلت فى لغة الحديث الذى قرره الكاتب ، كمتكلم ، و متحدث عن واقع حميم ، يدريه و يدرى تفاصيله .. !!
                              طيب .. ماذا لو تخلصنا من بعض الزوائد ، و العطف ، و أدوات العطف الكثيرة .. ماذا لو جعلنا القارىء يلهث خلفنا ثليلا ، و جعلنا الدم يمر فى رأسه بدفق أقوى ، و دفع مفعم بروح القص !!
                              ماذا لو أننا بدأنا من حيث انتهينا ؟
                              أقول مع نفسى نجرب هذا ، و نرى .. هل نخسر شيئا فى نهاية الأمر إذا أخفقنا ، المادة معنا ، و لن تضيع من بين أصابعنا ، و لكن ربما كسنا ، كسبنا نصا أقوى و أكثر روعة !!
                              نعم .. السبب أنى لاحظت رخوة إلى حد ما فى المنطقة ماقبل النهاية ، و حكاية الأم ، و دفعها بقصة الديك .. و الحبة !!

                              أعرف أنك سوف تتحملنى ، و سوف تحار قليلا ، و لكنى أدرى أنك بالفعل ستفعل ، و دون تردد ، لأنك مثلى تبحث عن أفضل الأعمال التى لم نكتبها بعد !!

                              محبتى أيها العربى الجميل
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X