أسير عبر الأيام في أخفض وأقدم مكان في العالم، أرى علامات في جبين التاريخ واضحة، بعضها موغل في القدم وبعضها الآخر غض طري كأنما شُج للتو
لكنه، بقوته وجبروته استطاع ربطها كلها وجرجرتها عبر الأزمان، إلى أن أوصلها إلى يومي هذا ليقول لي: أنا هنا ما زلت منتصبا، فأين أنت؟
لم تتغيري كثيرا يا عزيزتي، رغم ما عانيت وقاسيت على مدارخط تاريخك المهيب، بعد عشرين عاما من تركك مجبرا، ما زلت بذلك الألق والجمال، بعض الحجارة والصناديق اللاتي حطت رحالها في صدرك النابض بالحياة لم ولن تؤثر عليك، ما زالت وجنتاك تمتلئان بالورود والزهور الجميلة من كل لون وصنف تغري العاشقين وتحتضنهم
وأنا أسير على ذراعك أتلمس آثاري القديمة، أجتر الأيام الخوالي معك، أستمع إلى حفيف الشجر يحييني ويهز نفسه طربا لملاقاتي من جديد.. يغازل نسمات المساء الجميلة العبقة برحيق تاريخك، وقمرك العتيق لم يتغير.. يداعب طيور المساء.. أم أنه ظهر فجأة لينير دربي كما كان يفعل من قبل، متناسيا المصابيح المشنوقة هنا وهناك على أعمدة حانية ما زال بعضها خشبي
وصلت إلى عينك التي تمد شرايينك بالدم اللازم لاِستمرار الحياة فيك، ولكل من يطلب البقاء في حماك، فتغدقين على المطيع.. والمذنب، ما أكرمك
ثم تتصدقين بالباقي على النهر الذي سيموت حينما يبتلعه البحر الميت
على بعد أمتار من عينك الأزلية الهادرة كالشلال عشت أجمل أيام صباي.. كنا نمرح بمزج ماءك العذب الرقراق بالهواء النقي المحمل بشذى الرياحين الودودة، ويحتضننا شريانك إذا ما غضبت الشمس، فنبترد ونطفيء نارها رغما عنها
أضحكُ.. ولا زلت أضحك كثيرا عندما قرر أخي- الذي يصغرني عاما ويكبرني حجما – وأبناء عمتي في بستانهم اللعب بالنار
لا تفعل يا زهير
كونك أخي الأكبر لا يعطيك الحق أن تتحكم بي
هذا سيضرك كثيرا.. إنها مؤذية
إذا ابتعد ودعني
بجانب البيت الحديث المغتر بشبابه ما زالت هناك غرفة عملاقة، هرمة.. رفضت أن تتقاعد أو تستسلم للأيام، وقبلت أن تؤوي ما لا يلزم إلا عند الضرورة، وآوت كذلك في أعلى جبينها وكرا.. للدبابير
الفضول الصبياني الأرعن رفض إلا أن يداعبها في عقر دارها التي لا يُعلم كم تخفي من أبناء جنسها
شجرة الكينا السامقة كانت مسرورة لتسلقنا إياها واللعب على أغصانها، لكنها غضبت عندما بدأوا بقطع أغصانها الرقيقة الطويلة لاستخدامها في تهييج الدبابير
شعرتُ بالخطر فصرخت بهم أن ابتعدوا عنها.. سوف لن تترككم تفلتوا بفعلتكم.. وهم في غيهم سادرون
أخذت جانب الحيطة، وما أن ابتعدت قليلا بنية التوجه إلى المنزل لاِخبار عمتي حتى أظلمت الدنيا وغابت الشمس..
سمعت طنينا هادرا.. ظننته الرعد ومن خلفه المطر قادم، ولكن بنظرة إلى خلفي رأيت سماء المنطقة قد استحال أسودا بطيور كالعصافير تنتشر بجنون في كل اتجاه
بعد أن ذهبت الشمس للنوم، استيقظ المساء، وتجمل السمر للبالغين فأقبلوا عليه بشغف يتجاذبون أطراف الكلام وطرائف النهار، ويتقاذفون ما لذ وطاب من الاشجار الوارفة، يقذف بعضهم آلام قدميه إلى الماء في القناة الساحرة.. يتندرون بالمغفلين من أبنائهم، غير آبهين للمتأوهين منهم من اللسعات، حيث ظهرت البثور كحبات الحصرم على أجسادهم رغم العلاج السريع بالثوم...
هل ستقف هنا كالشجرة؟
ليتني شجرة في هذه الارض المباركة
هيا لنعد فقد انتصف الليل
وكذلك القمر .. لنعد
مصطفى الصالح
22\02\2010
لكنه، بقوته وجبروته استطاع ربطها كلها وجرجرتها عبر الأزمان، إلى أن أوصلها إلى يومي هذا ليقول لي: أنا هنا ما زلت منتصبا، فأين أنت؟
لم تتغيري كثيرا يا عزيزتي، رغم ما عانيت وقاسيت على مدارخط تاريخك المهيب، بعد عشرين عاما من تركك مجبرا، ما زلت بذلك الألق والجمال، بعض الحجارة والصناديق اللاتي حطت رحالها في صدرك النابض بالحياة لم ولن تؤثر عليك، ما زالت وجنتاك تمتلئان بالورود والزهور الجميلة من كل لون وصنف تغري العاشقين وتحتضنهم
وأنا أسير على ذراعك أتلمس آثاري القديمة، أجتر الأيام الخوالي معك، أستمع إلى حفيف الشجر يحييني ويهز نفسه طربا لملاقاتي من جديد.. يغازل نسمات المساء الجميلة العبقة برحيق تاريخك، وقمرك العتيق لم يتغير.. يداعب طيور المساء.. أم أنه ظهر فجأة لينير دربي كما كان يفعل من قبل، متناسيا المصابيح المشنوقة هنا وهناك على أعمدة حانية ما زال بعضها خشبي
وصلت إلى عينك التي تمد شرايينك بالدم اللازم لاِستمرار الحياة فيك، ولكل من يطلب البقاء في حماك، فتغدقين على المطيع.. والمذنب، ما أكرمك
ثم تتصدقين بالباقي على النهر الذي سيموت حينما يبتلعه البحر الميت
على بعد أمتار من عينك الأزلية الهادرة كالشلال عشت أجمل أيام صباي.. كنا نمرح بمزج ماءك العذب الرقراق بالهواء النقي المحمل بشذى الرياحين الودودة، ويحتضننا شريانك إذا ما غضبت الشمس، فنبترد ونطفيء نارها رغما عنها
أضحكُ.. ولا زلت أضحك كثيرا عندما قرر أخي- الذي يصغرني عاما ويكبرني حجما – وأبناء عمتي في بستانهم اللعب بالنار
لا تفعل يا زهير
كونك أخي الأكبر لا يعطيك الحق أن تتحكم بي
هذا سيضرك كثيرا.. إنها مؤذية
إذا ابتعد ودعني
بجانب البيت الحديث المغتر بشبابه ما زالت هناك غرفة عملاقة، هرمة.. رفضت أن تتقاعد أو تستسلم للأيام، وقبلت أن تؤوي ما لا يلزم إلا عند الضرورة، وآوت كذلك في أعلى جبينها وكرا.. للدبابير
الفضول الصبياني الأرعن رفض إلا أن يداعبها في عقر دارها التي لا يُعلم كم تخفي من أبناء جنسها
شجرة الكينا السامقة كانت مسرورة لتسلقنا إياها واللعب على أغصانها، لكنها غضبت عندما بدأوا بقطع أغصانها الرقيقة الطويلة لاستخدامها في تهييج الدبابير
شعرتُ بالخطر فصرخت بهم أن ابتعدوا عنها.. سوف لن تترككم تفلتوا بفعلتكم.. وهم في غيهم سادرون
أخذت جانب الحيطة، وما أن ابتعدت قليلا بنية التوجه إلى المنزل لاِخبار عمتي حتى أظلمت الدنيا وغابت الشمس..
سمعت طنينا هادرا.. ظننته الرعد ومن خلفه المطر قادم، ولكن بنظرة إلى خلفي رأيت سماء المنطقة قد استحال أسودا بطيور كالعصافير تنتشر بجنون في كل اتجاه
بعد أن ذهبت الشمس للنوم، استيقظ المساء، وتجمل السمر للبالغين فأقبلوا عليه بشغف يتجاذبون أطراف الكلام وطرائف النهار، ويتقاذفون ما لذ وطاب من الاشجار الوارفة، يقذف بعضهم آلام قدميه إلى الماء في القناة الساحرة.. يتندرون بالمغفلين من أبنائهم، غير آبهين للمتأوهين منهم من اللسعات، حيث ظهرت البثور كحبات الحصرم على أجسادهم رغم العلاج السريع بالثوم...
هل ستقف هنا كالشجرة؟
ليتني شجرة في هذه الارض المباركة
هيا لنعد فقد انتصف الليل
وكذلك القمر .. لنعد
مصطفى الصالح
22\02\2010
تعليق