[frame="15 98"]
الجزء الأول :
في عز الليل المنسدل "كالملس" على طواقي القش المنزلية , يتآتي السكون بصفيره مكسياً بنقيق الضفادع و خرير القرب و أصداء المجاري , مختلطاً بشىء من الطنين الخفي خارج المنازل المعروف عنها قلة السهر و النوم من المغرب كما الدواجن , والصحو من النجمة مع البهائم ..
إن احمر رغيف الشمس دفِئت الحيطان و تسربت السخونة بين القوالب ؛ فتبدأ الحمير حك أقفيتها وأعناقها الطويلة و الرؤوس المدلاة كالمساحي في الجدران التي اخشوشنت بفعل الريح و عوامل التعرية المتزامنة ..
ما أن يقب الرغيف و يتحمص وجهه حتى يتلاشى النقيق , ويتبدل بزحمة أصواتٍ شتى أوضحها و أقربها إلى طبلات الآذان هو دعس الأحذية في وحل الشوارع , إضافةً إلى دردبات المجاري وارتطام مائها المنزلق بشدة من أفواهها البلاستيكية التي خلعت طقم الأسنان منذ زمن ؛ فتتلاقفه الطناجر التي باتت طول الليل في البرد القارس ؛ أملاً في تحصيل أكبر قدرا ممكن من ماء المطر عوضاً عن ماء الترع الجافة و القاحلة طوال أيام الشتاء .
إن تمر منتبهاً لما يدور خلف الأبواب , يمكنك أن تحسب كم قدراً من الحليب أنتجت الزرائب , لذا يجب عليك أولاً أن تكون مصحصح الأذن , وانتباهك واصلاً أعلى مداه ؛ لأن رنين الطناجر في بعضها البعض مستمر إثر تزاحم النسوة , سيفقدك التركيز و يضطرك أن تعيد حساباتك من جديد , و إن غيرت السكة و مررت من الشارع الخلفي ستسمع بوضوح مواء القطة المتصاعد منذ يوم و ليلتين ؛ تمرداً على ذكرها المستسلم لصبره ولم ييأس .
لن أشتتك هذه المرة , و ستدرك أن ذلك الرضيع يبكي في حجر أمه المقرفصة تحت بطن البقرة ؛ تستجديها حنواً ليكتمل القِدر, وبعد إصباح الخير و السعادة تدلقه في إناء عم رحيم الذي برم رأسه في تلفيعته و زمَرها جيداً بمنديله المحلاوي المخطط , فتبدو كما الكرة الأرضية , مقسمة إلى خطوط طول و دوائر عرض ، ينتصفها خط استوائي صنعه بحرفية عالية ..
يسحب عم رحيم حماره , ويتوكل على باب الله , مخلفاً وراءه زحمة النسوان تحت المجاري و مواء القطة يتسابق مع بكاء الطفل .. وحينهاتختلط عليك الأصوات و لا تفرق بين المواء و البكاء .
خرج الرجل من المحيط الجغرافي للقرية , مبتعداً بكرته الأرضية ؛ لتبدأ خطوط الطول و دوائر العرض في رسم رحلته اليومية بين العِزب و المحاضر المجاورة .. حتى يصل بتوفيق الله و جسارة حماره إلى الأطراف البحرية حيث تستوطن الأعراب على حواف البحيرة .. يستهلك حماره خلال تلك الرحلة حزمتين من البرسيم الذي رعرع أخيرا بعد "نوّة المعزة"ً التي استلمت البلاد عشرة أيام بالتمام و الكمال زلزلت فيها الجدران ولم تشبع المعزة هز الذيل .
الحمار يحفظ السكة صم ، و لا يتوه عنها ليلاً أو نهاراً .. حتى أنفار "الشتل" ألفوه صيفاً , و"تملية" الجنائن تعودوه شتاءً , هو أيضاً يعرفهم نفرا نفر ، ويحن لسحنهم , كأن صحبته معهم في الموسم الماضي لم تنته بعد , ومازالت ذاكرته محتفظة بصورهم منذ اليومية الغبرة التي جمعتهم مع فتح الله في غيط توفيق السكري ، آكل لحوم الغلابة وشارب عرقهم .
الشوارع الوحلة قبيحة ، و الطين للرُكب , كأنها أمطرت وحلا , إن غبت الأقدام فجأة في إحدى البرك شعرت بسرسوب صاقع يمر من عصب الأطراف إلى النخاع الشوكي مباشرةً , إن اقتلعت اليمنى انتقل إلى اليسرى و أحدث خلخلة في مكانٍ ما ؛ على أثرها يصدر النخاع أوامره فوراً لليمنى بالنزول مرة ثانية لتحل محل رفيقتها , فينط السرسوب و ينتقل آلياً إلى موضعه الأول , لا يبرحه إلا مع حركة التبديل التالية , فيضطرب النخاع و يظل حائراً بين سرسوبٍ شمالي و آخر يميني نشطاً .
لم تكن الخلخلة في الشوارع فقط , بل في الأسِرة و تحت الألحفة , توقظك من عز النوم .
لم أذق للدفء طعما هذا الموسم , إلا حينما أرتكن على دهليز هذا الصدر العريض .. الناضج .. أينما دفنت رأسي في المفترق , وارتويت من مجراه الإنسيابي ؛ أقهر الحرمان العالق بنا منذ أن حبلت بنا الدنيا ، و انتفخ رحمها الصوان , ثم طردنا فرجها ، نجوب البرية ، و نرتع من جفاف الرحمة ، ما يفرقنا تارات ، و يلمنا تارة .
أغصب على نفسي ، و أتحمل ملح هذا الجفاف ، المملح كماء البحر .. أغطس فيه .. أضيع مغبةً في شرشه الحارق .. تتراكم فوقي طبقات , وتسوخ روحي تتفاعل مع هذا الشرش , وأحياناً تتأكسد رغم حرماني من حصتي اليومية من الأوكسجين .
تتصاعد مني أبخرتي , أختنق , لا أطيق ثاني أو ثالث أكسيد الإنسان المتبقي مني , وبعض رواسب بني آدم مهدرة في القاع .
لا أشعر براحةٍ في الفراش .. أغلي رغم قساوة البرد , بدني لا يستقر على حامٍ و لا بارد .. وصورته المطبوعة في رأسي قبل أن أنام سيطرت عليها , وقلة راحتي أعنف و أشد سيطرة .
في تلك الليلة الطويلة العريضة , أحسست أن تجاويفي مسدودة .. صدري مطبق .. لن أستريح إلا إذا حكيت معه و أخرجت تلك الآهة المحشورة و المكتومة حتى ولو كلفني الأمر أن أخرج في الظلام و أزعق .. ولا يهم أن لبسني جني أو حولني إلى كبش أنطح بقروني وحل السكك .. لا يهم ..
المهم أن أتخلص من هذه التكتلات الجيرية , أو أفتت حمض الكبريتيك المركز الذي صهر قلبي ..
نعم سأستريح ..؟
فززت من مرقدي و أخيراً قررت .. قمت على حيلي و تسللت بين أكوام اللحم الناعسة بجواري على حصير البردي ـ مرتبته حزم قش مفككة ـ , الظلام سميك كجدارٍ حجري , ولا فرق بين العمى و الإبصار , شح جاز اللمبة و تفحم شريطها .
تعثرت في الوصول إليه .. احترت إلى أي جثة أروم و أبرد ناري ؟؟ اندفعت مني زفرة حادة وحارة .. طلعت بمرارة .. زمرني البكاء .. لكني احتبسته .. انطبقت السماء على الأرض و أنا محشورٌ بينهما .. زعقت فيهم :
ـ أيكم فتح الله ؟؟ أجيبوني .. أخاف أن أقلقكم لو أيقظت أحدكم بالخطأ أو دست في كرشه غصب عني ...!
خرج الخوف بين السماء و الأرض جنيناً معلقاً من سرته .. كان يتضخم و يكبر .. يلفني بخلاصه .. يتلولب حول عنقي .. لكن ساعدني على التفكير .. و لم أكن أعرف من قبل أن للخوف فوائد ..
تحسست وجوههم و أصداغهم الطرية .. من بينهم تعرفت على سعدة من ضفيرتها المجدولة كذيل الفرس .. قلبت يدي بين أنفاسهم الطرية .. حتى عثرت على ذقنه الخشنة .. و شتان ما بين الملمسين .. كأن تمرر يدك على مسطحٍ رمليٍ دافئ , وفجأة تغط في كومة حطب .
دنوت منه .. همست في أذنه :
ـ فتح الله .. فتح الله ؟
شخيره عالٍ .. لم يسمعني , هززت رأسه .. خمد الشخير .. وانزلقت أصابعي عبر جبينه الوالع , واصطدمت بصهدٍ يفوح من فروته :
ـ فتح الله .. فتح الله ؟؟
كلمني بلهجةٍ حادةٍ .. سبني :
ـ ابعد عني يا كلب
سحبت يدي بسرعة و عدت بنفس العثرة إلى مرقدي نادماً..
أعرف أن الأمر لا يمسني , وكلب الليلة كسائر كلاب السنة .. و آخر النهار كم ملطوش لا يكفي لسد حنك الدار المفتوح على وسعه من كذا باب , مصاريف الأكل و الشرب .. التعليم .. الديون , حتى شوار سعدة على صغر سنها تكفل به .. وكلما حاولت أن أهوّن عليه كان ينطلق فينا كالرشاش و يقول :
ـ الدنيا مش بتريّح محتاج , ومفيش راحة غير في التربة , وياعالم هنلاقي هناك راحة ولاّ لاء ..!
كانت عروقنا تزّرق من كلماته .. ونمنع دمعات أكيدة .. ولو سمحنا لها بالخروج لانشق مصرف عريض بين الدار و البحيرة .. بل من المحتمل أن يعرق تلك الأعراب السريحة على حواف البحيرة ..
إلا أن سعدة وشيّطنتها كانت تأخذ كل الأمور هزار و ضحك .. كل الظروف عندها ضحك في ضحك .. تشد ذيل جلبابه , وتتعلق برقبته وتقول له :
ـ أنا مش هتجوز غيرك يا فتح الله .. مش هروح لحد غريب .
ثم تنط على ظهره و تتشبث بأكتافه مستكلمة :
ـ بس تجيبلي المواجير النحاس السنة دي .
أعرف جيداً أن حمله ثقيل .. رجوته كثيراً لكن لم يكترث .. حايلته و لم يهتم .. لا يستجيب إلا لرأسه الصارمة .. وها هو ينام كبغلٍ مضروب بالنار .. تعاركه جراء و وعول الليل .. رحم الله أباك .. رحل و أورثك هدّة الحيلة و قلة الحيلة .. ولم ينس نصيبي منك .. نم يابن أمي ولنكن زبائن للدنيا .. نجيد استهلاك الهم , بل و ندفع ثمنه من حرقة أعصابنا و لحومنا .. بأعلى تسعيرة .. و إن لم يعجبنا تطردنا من دكانها العامرة بمختلف صنوف العلقم .. أغلاها و أرخصها ما أنت فيه الآن يا فتح الله ...؛؛[/frame]
الجزء الأول :
في عز الليل المنسدل "كالملس" على طواقي القش المنزلية , يتآتي السكون بصفيره مكسياً بنقيق الضفادع و خرير القرب و أصداء المجاري , مختلطاً بشىء من الطنين الخفي خارج المنازل المعروف عنها قلة السهر و النوم من المغرب كما الدواجن , والصحو من النجمة مع البهائم ..
إن احمر رغيف الشمس دفِئت الحيطان و تسربت السخونة بين القوالب ؛ فتبدأ الحمير حك أقفيتها وأعناقها الطويلة و الرؤوس المدلاة كالمساحي في الجدران التي اخشوشنت بفعل الريح و عوامل التعرية المتزامنة ..
ما أن يقب الرغيف و يتحمص وجهه حتى يتلاشى النقيق , ويتبدل بزحمة أصواتٍ شتى أوضحها و أقربها إلى طبلات الآذان هو دعس الأحذية في وحل الشوارع , إضافةً إلى دردبات المجاري وارتطام مائها المنزلق بشدة من أفواهها البلاستيكية التي خلعت طقم الأسنان منذ زمن ؛ فتتلاقفه الطناجر التي باتت طول الليل في البرد القارس ؛ أملاً في تحصيل أكبر قدرا ممكن من ماء المطر عوضاً عن ماء الترع الجافة و القاحلة طوال أيام الشتاء .
إن تمر منتبهاً لما يدور خلف الأبواب , يمكنك أن تحسب كم قدراً من الحليب أنتجت الزرائب , لذا يجب عليك أولاً أن تكون مصحصح الأذن , وانتباهك واصلاً أعلى مداه ؛ لأن رنين الطناجر في بعضها البعض مستمر إثر تزاحم النسوة , سيفقدك التركيز و يضطرك أن تعيد حساباتك من جديد , و إن غيرت السكة و مررت من الشارع الخلفي ستسمع بوضوح مواء القطة المتصاعد منذ يوم و ليلتين ؛ تمرداً على ذكرها المستسلم لصبره ولم ييأس .
لن أشتتك هذه المرة , و ستدرك أن ذلك الرضيع يبكي في حجر أمه المقرفصة تحت بطن البقرة ؛ تستجديها حنواً ليكتمل القِدر, وبعد إصباح الخير و السعادة تدلقه في إناء عم رحيم الذي برم رأسه في تلفيعته و زمَرها جيداً بمنديله المحلاوي المخطط , فتبدو كما الكرة الأرضية , مقسمة إلى خطوط طول و دوائر عرض ، ينتصفها خط استوائي صنعه بحرفية عالية ..
يسحب عم رحيم حماره , ويتوكل على باب الله , مخلفاً وراءه زحمة النسوان تحت المجاري و مواء القطة يتسابق مع بكاء الطفل .. وحينهاتختلط عليك الأصوات و لا تفرق بين المواء و البكاء .
خرج الرجل من المحيط الجغرافي للقرية , مبتعداً بكرته الأرضية ؛ لتبدأ خطوط الطول و دوائر العرض في رسم رحلته اليومية بين العِزب و المحاضر المجاورة .. حتى يصل بتوفيق الله و جسارة حماره إلى الأطراف البحرية حيث تستوطن الأعراب على حواف البحيرة .. يستهلك حماره خلال تلك الرحلة حزمتين من البرسيم الذي رعرع أخيرا بعد "نوّة المعزة"ً التي استلمت البلاد عشرة أيام بالتمام و الكمال زلزلت فيها الجدران ولم تشبع المعزة هز الذيل .
الحمار يحفظ السكة صم ، و لا يتوه عنها ليلاً أو نهاراً .. حتى أنفار "الشتل" ألفوه صيفاً , و"تملية" الجنائن تعودوه شتاءً , هو أيضاً يعرفهم نفرا نفر ، ويحن لسحنهم , كأن صحبته معهم في الموسم الماضي لم تنته بعد , ومازالت ذاكرته محتفظة بصورهم منذ اليومية الغبرة التي جمعتهم مع فتح الله في غيط توفيق السكري ، آكل لحوم الغلابة وشارب عرقهم .
الشوارع الوحلة قبيحة ، و الطين للرُكب , كأنها أمطرت وحلا , إن غبت الأقدام فجأة في إحدى البرك شعرت بسرسوب صاقع يمر من عصب الأطراف إلى النخاع الشوكي مباشرةً , إن اقتلعت اليمنى انتقل إلى اليسرى و أحدث خلخلة في مكانٍ ما ؛ على أثرها يصدر النخاع أوامره فوراً لليمنى بالنزول مرة ثانية لتحل محل رفيقتها , فينط السرسوب و ينتقل آلياً إلى موضعه الأول , لا يبرحه إلا مع حركة التبديل التالية , فيضطرب النخاع و يظل حائراً بين سرسوبٍ شمالي و آخر يميني نشطاً .
لم تكن الخلخلة في الشوارع فقط , بل في الأسِرة و تحت الألحفة , توقظك من عز النوم .
لم أذق للدفء طعما هذا الموسم , إلا حينما أرتكن على دهليز هذا الصدر العريض .. الناضج .. أينما دفنت رأسي في المفترق , وارتويت من مجراه الإنسيابي ؛ أقهر الحرمان العالق بنا منذ أن حبلت بنا الدنيا ، و انتفخ رحمها الصوان , ثم طردنا فرجها ، نجوب البرية ، و نرتع من جفاف الرحمة ، ما يفرقنا تارات ، و يلمنا تارة .
أغصب على نفسي ، و أتحمل ملح هذا الجفاف ، المملح كماء البحر .. أغطس فيه .. أضيع مغبةً في شرشه الحارق .. تتراكم فوقي طبقات , وتسوخ روحي تتفاعل مع هذا الشرش , وأحياناً تتأكسد رغم حرماني من حصتي اليومية من الأوكسجين .
تتصاعد مني أبخرتي , أختنق , لا أطيق ثاني أو ثالث أكسيد الإنسان المتبقي مني , وبعض رواسب بني آدم مهدرة في القاع .
لا أشعر براحةٍ في الفراش .. أغلي رغم قساوة البرد , بدني لا يستقر على حامٍ و لا بارد .. وصورته المطبوعة في رأسي قبل أن أنام سيطرت عليها , وقلة راحتي أعنف و أشد سيطرة .
في تلك الليلة الطويلة العريضة , أحسست أن تجاويفي مسدودة .. صدري مطبق .. لن أستريح إلا إذا حكيت معه و أخرجت تلك الآهة المحشورة و المكتومة حتى ولو كلفني الأمر أن أخرج في الظلام و أزعق .. ولا يهم أن لبسني جني أو حولني إلى كبش أنطح بقروني وحل السكك .. لا يهم ..
المهم أن أتخلص من هذه التكتلات الجيرية , أو أفتت حمض الكبريتيك المركز الذي صهر قلبي ..
نعم سأستريح ..؟
فززت من مرقدي و أخيراً قررت .. قمت على حيلي و تسللت بين أكوام اللحم الناعسة بجواري على حصير البردي ـ مرتبته حزم قش مفككة ـ , الظلام سميك كجدارٍ حجري , ولا فرق بين العمى و الإبصار , شح جاز اللمبة و تفحم شريطها .
تعثرت في الوصول إليه .. احترت إلى أي جثة أروم و أبرد ناري ؟؟ اندفعت مني زفرة حادة وحارة .. طلعت بمرارة .. زمرني البكاء .. لكني احتبسته .. انطبقت السماء على الأرض و أنا محشورٌ بينهما .. زعقت فيهم :
ـ أيكم فتح الله ؟؟ أجيبوني .. أخاف أن أقلقكم لو أيقظت أحدكم بالخطأ أو دست في كرشه غصب عني ...!
خرج الخوف بين السماء و الأرض جنيناً معلقاً من سرته .. كان يتضخم و يكبر .. يلفني بخلاصه .. يتلولب حول عنقي .. لكن ساعدني على التفكير .. و لم أكن أعرف من قبل أن للخوف فوائد ..
تحسست وجوههم و أصداغهم الطرية .. من بينهم تعرفت على سعدة من ضفيرتها المجدولة كذيل الفرس .. قلبت يدي بين أنفاسهم الطرية .. حتى عثرت على ذقنه الخشنة .. و شتان ما بين الملمسين .. كأن تمرر يدك على مسطحٍ رمليٍ دافئ , وفجأة تغط في كومة حطب .
دنوت منه .. همست في أذنه :
ـ فتح الله .. فتح الله ؟
شخيره عالٍ .. لم يسمعني , هززت رأسه .. خمد الشخير .. وانزلقت أصابعي عبر جبينه الوالع , واصطدمت بصهدٍ يفوح من فروته :
ـ فتح الله .. فتح الله ؟؟
كلمني بلهجةٍ حادةٍ .. سبني :
ـ ابعد عني يا كلب
سحبت يدي بسرعة و عدت بنفس العثرة إلى مرقدي نادماً..
أعرف أن الأمر لا يمسني , وكلب الليلة كسائر كلاب السنة .. و آخر النهار كم ملطوش لا يكفي لسد حنك الدار المفتوح على وسعه من كذا باب , مصاريف الأكل و الشرب .. التعليم .. الديون , حتى شوار سعدة على صغر سنها تكفل به .. وكلما حاولت أن أهوّن عليه كان ينطلق فينا كالرشاش و يقول :
ـ الدنيا مش بتريّح محتاج , ومفيش راحة غير في التربة , وياعالم هنلاقي هناك راحة ولاّ لاء ..!
كانت عروقنا تزّرق من كلماته .. ونمنع دمعات أكيدة .. ولو سمحنا لها بالخروج لانشق مصرف عريض بين الدار و البحيرة .. بل من المحتمل أن يعرق تلك الأعراب السريحة على حواف البحيرة ..
إلا أن سعدة وشيّطنتها كانت تأخذ كل الأمور هزار و ضحك .. كل الظروف عندها ضحك في ضحك .. تشد ذيل جلبابه , وتتعلق برقبته وتقول له :
ـ أنا مش هتجوز غيرك يا فتح الله .. مش هروح لحد غريب .
ثم تنط على ظهره و تتشبث بأكتافه مستكلمة :
ـ بس تجيبلي المواجير النحاس السنة دي .
أعرف جيداً أن حمله ثقيل .. رجوته كثيراً لكن لم يكترث .. حايلته و لم يهتم .. لا يستجيب إلا لرأسه الصارمة .. وها هو ينام كبغلٍ مضروب بالنار .. تعاركه جراء و وعول الليل .. رحم الله أباك .. رحل و أورثك هدّة الحيلة و قلة الحيلة .. ولم ينس نصيبي منك .. نم يابن أمي ولنكن زبائن للدنيا .. نجيد استهلاك الهم , بل و ندفع ثمنه من حرقة أعصابنا و لحومنا .. بأعلى تسعيرة .. و إن لم يعجبنا تطردنا من دكانها العامرة بمختلف صنوف العلقم .. أغلاها و أرخصها ما أنت فيه الآن يا فتح الله ...؛؛[/frame]
تعليق