جموح ..!!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    #16
    لست أدري كيف فاتني كل هذ الجمال..
    مايعجبني فيك ياأستاذ أنك تختار لكل مضمون لغته المنسجمة معه، فيتعانق الإثنان ويكتمل الإبداع..
    تحاياي الصادقة للقلب والقلم
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....

    تعليق

    • فراس عبد الحسين
      أديب وكاتب
      • 18-08-2013
      • 180

      #17
      وكلما تلاطمت أصوات المآذن من بعيد . أحدق فى البهائم النائمة تتشدق وتلوك عصارتها، وفى نفس اللحظة كنت أبحث عن ثور، ينعق بصوت كرعد السماء ،وعيناه في اتساع تنور، تفرزان وهجا، وهو يعانى وخزات العطش، مثلما أعانى ...
      هناك سطور وهناك ما بينها... تكتب برمزيه عالي واسلوب رشيق ياخذ الالباب.. استاذ ربيع .. دمت مبدعا.
      فراس العراقي

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        فى أثناء غيبتهم لا يجب ترك البهائم دون حارس ، يرعى شئونها ، يقدم لها العشب أو يروى عطشها ، ويرد عنها غارات اللصوص من العزب المجاورة ، حتى يقبل الكبار بوجوههم اللامعة الجميلة ، على غير العادة ، متهادين على ركائبهم ، جالبين الغداء الذي تأخرأكثر مما يجب.
        على المربط المظلل بشجرتي توت وسنط كنت أنتظر ، لم نكن في أوان التوت ، وإلا كنت هناك بمحض اختياري .. السنطة تمتد لأعلى، تستدير بمحاذاة الأرض،على شكل نصف دائرة ، والتوتة العجوز التى يشبه جذعها وجوه المعمرات فى حارتنا، تأخذ العصافير بين أوراقها الوارفة، حدأة تحط أعلى شجرة السنط ، مكبر الصوت يخترق الخلاء، مشيعا مع وهج الشمس جوا من الرهبة ،عابرا المسافات ، يتلاطم وأصوات المآذن الأخرى . كان معركة تدور رحاها فى المدينة، التي تشكلت فى مخيلتي كامرأة مجنونة لا تمل الصراخ .. هاهي ذي بعيدة ، وعلب الساقية الصفيح تعكس انفعالاتها . منتصبا كزير ماء كبير امتد الصهريج الوحيد ، مخترقا بيوت المدينة . أعلى من كل البيوت ..أعلى من كل المآذن، من خلفه كانت ساعة شركة الغزل أنيقة ثابتة ، تخايلني ، تضوي فى عيني . وكان الجوع يفتك بي ، ويشن على أحشائي حربا ساحقة ، فاندفع إلى غيط الذرة الذي مازال حدثا ، ما ظهرت سنابله بعد، انحنيت ملتقطا كل ما وقعت عليه عيناى، من عيدان خضراء ، فرحت بطزاجتها ، وفورا كنت على المربط هلعا من الصمت، أنتقى العيدان : هذه ملوخية .. رجلة .. حميض .. نتن الكلاب .. كما كان الكبار يطلقون عليه – وكنت أجزع من رائحته الكريهة .كورت حزمة على راحتي ، أنفض مابها من غبار، دسستها فى فمي بنهم، وبلا أية غضاضة رحت ألوكها ، شاعرا بطعم غريب .. والحصى يقرقش بين أسنانى فاخلص فمى متقدما من مجرى ماء ترتع فيه ضفادع كبيرة، أتمضمض عدة مرات، أعود إلى مكاني المعتاد منسحقا، الجوع ثعبان يتلوى بأحشائى ..غاب أعمامى أكثر من اللازم، تركوني بعدما أكلوا منديل الفطور عن آخره . متابعا حركة الناس على ترعة قريبة استلقيت على بطنى؛ فلم أر أحدا ، اعتدلت مطلقا للغيطان عيني ، ربما أبصر أحدهم قادما من بعيد، فماأسكنت عيني جوعي .. ولا هي تهدا .
        كان جدي الكبير هنا بجوار الساقية – هذه النائمة كمدينة عزلاء – ذات ليلة كان يروى الذرة مع عفريت ، ظنه جاره الدمرداش البلاوى , ربما فى هذا الموضع .. هنا فى بقعة ما، ربما كنت أستلقي فيها الآن ، كانا يشويان كيزان ذرة ، كشفت نارها أمر العفريت المتخفي . دق بابنا قبيل الفجر بكثير ،وعلى شط هذه الترعة كان جدي الكبير يسابق الريح هربا . انتفضت ، ارتعد جسدي رعبا ،زحفت متداخلا بين الماشية.. نعم هذا الثور قادر على الفتك بأى عفريت ، سوف أركزعيني على أرجل القادمين ، كان للعفريت أرجل عنزة ، ليلتها كاد يفتك بجدي ، سبقه فى هيئة رجل يصلى ، ثم قطع عليه الطريق كحمار، فركبه جدي بجسارة دون أن يدرك تماما ، أن هذا الحمار ماهو إلا العفريت يناوئه، كلما ارتفع به كمئذنة .. وأشرف على إهلاكه، يرشق جدي سن الشرشرة فى كتف العفريت؛ فيعود إلى حجمه الطبيعي .. جدتي لا تمل منحكى هذه الأشياء المفزعة . عاد الجوع يتحرك قاسيا، أقوى من كل العفاريت ، ركلات الثور أخرجتني من وجعي ، رحت أتابع نعيقه المدوي كالطبل في جسدي ، لمعت عيناه ، برزتا من مكانيهما ، اتسعتا كفجوتين عميقتين . كانت عيدان الذرة زاهية أمامه ، لمتمس ، البهيمتان بجانبه غافيتان ، تحركان خطميهما في رخاوة ، فتندفع رغاو صابونية متسربة في خطوط إلى الأرض ، ثم تهزهزان رأسيهما يمنة ويسرة فى قوة ، الثور يئن باكيا ، خطان أسودان ينحدران من العينين إلى الخطم ، صوته يمتد رهيبا، يعانى من شيء ما، ليس من بقرة قريبة أوعابرة، أحسست بإشفاق عليه .. يبدو أنه ظمآن ، هاهو ذا ينازع وخزات العطش كما أنازع وخزات الجوع ، الترعة قريبة ، هذا أمر سهل تماما ، لكنه ليس سهلا بالنسبة لى ؛ فهناك خطورة ما ، مرة وحيدة تجاسرت ، وسحبته ، مرة لا تنسى؛ فقد نكل بي دائرا فى أنحاء المدينة كطلقة ، فشل الرجال الكبار فى السيطرة عليه، كادت السيارات تدهمه ، وترديه قتيلا ، لولا ستر الله وحارة مسدودة غزاها .. يومها نلت علقة مضاعفة .. فماذا أفعل الآن ؟ هل أتركه يعانى ، والماء يجرى بجانبه ؟ لا .. أنا رجل ، لن أتركه يموت عطشا !!
        دنوت منه على حذر ، عيناى مركزتان على حركة رأسه خاصة القرنين ، أتابع نظراته الغضبى خائفا ، أزحف كسحلية ، بسرعة فككت قيود الأماميتين ، واستدرت بأصابعي، مناهضا صعوبة عقدة الوتد المشدود إليه ، وحتى لا أترك له فرصة للهرب ، شددت الحبل حول خصري ؛ فإذا ما حاول ، فأنا معه .
        يممت صوب الترعة ، أحس فرحا غير مكتمل ، وحين أبصر الثور الماء يلتمع أمامه ، انزلق دفعة واحدة ، فانزلقت فى ركابه ، بلا أدنى مقاومة ، حط بخطمه ، يرتوي منفعلا ، غامرارأسه فى الماء ، كأنه ينتقى الصافي الرائق ، تقدم فى الترعة ، وأنا مسحوب خلفه ،وهو لايني، وازى الماء كتفي ، ابتلت ملابسي عن آخرها ، تمنيت ألا يتقدم ثانية ، رجوته بصوت مرتفع ، ناشدته ألا يغرقنى ، فلن أستطيع العوم ، وأنا مشدود إليه ، رحت أستجمع قواى ، أجذبه نحوى ، فيخور نافضا رأسه ، معبرا عن استيائه ، وأبى إلا الخوض فى الترعة ، فأيقنت أننى غارق لا محالة ، وقبل أن أنكب على عقدة الحبل مخلصا نفسي ، جذبني بقوة ، فطالنى الماء ، ولم أجد ملجأ إلا ظهره القريب ، فتسلقت عليه ، الماء دافىء حلو المذاق ، انتفض الثور ، ارتعد كمن لسعته عقرب ، وفى سرعة البرق كان خارج الترعة ، وكنت على ظهره ، متشبثا به ، لم يتوقف ، بل اندفع بقوة هائلة ، كأنى أركب الريح ، قشة أنا تتطاير ، أبكى صارخا :" عمى .. النجدة يا عمى ".
        صارخا أبكى وهو منطلق لا يكل ، و لا يتهاون، كريح عاصف ، يعلو بالخلفيتين عاليا ويرتعش بدنه كعفريت، هل قرر التخلص منى ؟ أعلو في الهواء مجنحا، ثم أحط مرتطما على ظهره ، وأنا أتماسك ناشبا أظافرى فى كتفه ، آه لو كانت معي شرشرة جدي الكبير لأشبعته وخزا، ولأوقفته مضرجا فى دمائه، ماذا أفعل ؟ وعلا صوت لا أعرف له مصدرا :" فك الحبل يا ولد عن وسطك ".
        أزعق :" يامن تناديني .. أين أنت ؟ " . أحاول ، فيختل توازني ،أشعر أنى أنزلق، أبتعد عن المحاولة . كان صوت ينتهك المدى المثخن ، يرن في ضمير الغيطان ، فأسمع صداه سافرا ، وما كان غير أولاد صغار مثلي ، كانوا يطالعوننى مدبدبين طربا ، وهم يلوحون بسواعدهم :" النجدة ياعمى .. ياعمى .. يا أبى ".
        فى قوة يرفع الخلفيتين فى الهواء ، مكررا ذلك عدة مرات ، آلمتني مؤخرتي ، كما آلمني فخذي بشكل مرير ، وظل على هذه الحال حتى طيرنى فى الهواء ، فطاولت الطيور وأوراق الشجر العالي ، وطقطقت ضلوعي . أحسست بألم حاد مكان الحبل ، دومت طائرا ، حركة ما تدور فى الحبل ، تخلصني منه ، الثور يندفع ضائعا ، بينما كنت أرتطم بأرض صلبة ، أنفجر متقلبا على حصواتها الحادة ، ليس من أحد في هذه الملقة البعيدة ، أصوات مكبرات الصوت ماتزال ترن ،وتجلد وجهي .وجدتني ساكنا على الأرض ، وألم غير محدود ، وغير متحمل يمتد في جبهتي ، وكلما هممت بالقيام وقعت من فوري ، عيناى لا تقويان على المتابعة ، الثورنقطة سوداء بدأت كبيرة ثم راحت تتقلص رويدا .. رويدا . أصوات تتردد بجانبي ، كأنها آتية من جب سحيقة :" يا الله .. الولد يموت .. هيا بسرعة ........".
        صحوت ، وألم يعتصر رأسي ، متسائلا كنت أردد :" ماذا حدث ؟ ومن فك الحبل عن خصري ؟ من ؟ لقد كنت طائرا مشدودا ، كنت على حافة الموت ، فماذا حدث ؟ ".
        حين لملمت عيناى بقية الصورة ، تأكدت من أنني لست بالدار ، وأن إبرة ما بخرطوم رفيع أحمر ، يمتد إلى كيس به سائل أحمر ، كأنه دم ، على حامل أمامي . كان عمى مغبر الوجه يحيطني في جزع ، وأمي تتشح بالسواد ، باكية العينين :" الحمد والشكر لك يارب .. الحمد .......". وأنا مازلت أفكر فيمن تراه يكون قد رفع الحبل عن وسطي ، وماذا وقع للثور ؟ وحين طالعت وجه عمى بوهن يردد :" لقد تخلصنا منه .. هيا يابطل ...." وكان الجوع ما يزال ينهش معدتي ، لكنني بعد هنيهة ، غبت في نوم عميق .
        أحاطتني ملائكة ، كانت ترفل على شاطىء بحر وسيع ، وكان الوقت ليلا ، ونهار صاف يحيط بها ، خفت ورغبت فى الاختباء، لكنها واجهتني، تحلقتنى، راحت فى صخب جميل تلاعبني ، فجأة التف حبل حول خصري ، كان قاسيا، وكنت أناضل لأعرف أيها يشدني ، وأنا أعود محاولا الركض ، أكاد أنكفىء أرضا ، فأصرخ ، فتحت عيني لأجد أمي أمامي تهدهدني ، وتزيح العرق عن وجهي بقطن أبيض، وتحط بصدرها فى حنان على ؛ فأشعر بالأمان يلفني ، وإذا بثور يهاجمني بقرنيه، فأتداخل فى صدرها الحنون، أتداخل مختبئا ، وأنا أصرخ ، وإذا بها تدركني، ترفعني عن الأرض، مخلصتي من الحبل .
        عدت إلى الدار بعد غياب شهر كامل، كان الشاش قد رفع عن الخصر المدمي ، وعن الجبهة. وقرر أبى بشكل قاطع، وبأعلى صوت سمح به صدره المتعب، ألا أسرح إلى الغيط وحدي، لكنني دائما ما كنت فى الغيط، أيام العطلة، أحرس البهائم، والجوع يفعل أفاعيله المعتادة، وكلما تلاطمت أصوات المآذن من بعيد . أحدق فى البهائم النائمة تتشدق وتلوك عصارتها، وفى نفس اللحظة كنت أبحث عن ثور، ينعق بصوت كرعد السماء ،وعيناه في اتساع تنور، تفرزان وهجا، وهو يعانى وخزات العطش، مثلما أعانى .


        ربيع عقب الباب
        ياالله، تهت معك في المعاناة، أيها الجميل..وعشت المعاناة، والنبوءات.. حرفا بحرف..ولحظة بلحظة...نص تنبأ، نبوءة الرسل..ونبوءة نوستراداموس..وراسبوتين...والعارفين بالأمور...
        كن على يقين، أن السارد سيظل رجلا.. نهرا عذبا..يسقي العطشى...من الناس
        شكرا على لذّة القراءة، برغم المعاناة..
        محبتي وتقديري، أيها العزيز

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #19
          المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
          لست أدري كيف فاتني كل هذ الجمال..
          مايعجبني فيك ياأستاذ أنك تختار لكل مضمون لغته المنسجمة معه، فيتعانق الإثنان ويكتمل الإبداع..
          تحاياي الصادقة للقلب والقلم
          بل كان الجمال مرورك الرائع أيها العربي الحبيب
          آسف على تأخر تواصلي معك
          فأنت في القلب و الروح

          خالص محبتي
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #20
            المشاركة الأصلية بواسطة فراس عبد الحسين مشاهدة المشاركة
            وكلما تلاطمت أصوات المآذن من بعيد . أحدق فى البهائم النائمة تتشدق وتلوك عصارتها، وفى نفس اللحظة كنت أبحث عن ثور، ينعق بصوت كرعد السماء ،وعيناه في اتساع تنور، تفرزان وهجا، وهو يعانى وخزات العطش، مثلما أعانى ...
            هناك سطور وهناك ما بينها... تكتب برمزيه عالي واسلوب رشيق ياخذ الالباب.. استاذ ربيع .. دمت مبدعا.
            أستاذي فراس
            لو تدري كم أحب هذا النص
            لعرفت كم أحببت وصولك إليه
            و كم أحببتك
            شكرا على الذائقة و روح الجمال

            محبتي
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #21
              المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
              ياالله، تهت معك في المعاناة، أيها الجميل..وعشت المعاناة، والنبوءات.. حرفا بحرف..ولحظة بلحظة...نص تنبأ، نبوءة الرسل..ونبوءة نوستراداموس..وراسبوتين...والعارفين بالأمور...
              كن على يقين، أن السارد سيظل رجلا.. نهرا عذبا..يسقي العطشى...من الناس
              شكرا على لذّة القراءة، برغم المعاناة..
              محبتي وتقديري، أيها العزيز
              ما أروع ما ألقيت من سحرك يا حسن !
              لا أدري لم أصبحت الكلمة الحنون تؤثر في هكذا حد البكاء
              ربما طالنا الوهن فغدوت طفلا

              محبتي
              التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 29-08-2013, 23:47.
              sigpic

              تعليق

              يعمل...
              X