السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأستاذ الفاضل الدكتور حكيم عباس
2 -الخيال
الذاكرة و الخيال و الواقع
التّخيل ليس مقدرة فقط باتجاه الماضي ، إعادة تركيب ما مضي و بناءه بعد أن فنى و انتهى و تبخّر من الوجود ، لا ، فالأمر أوسع و أشمل ، إذ أن هذه المقدرة تمتدّ أيضا باتّجاهٍ آخر ، باتّجاه المستقبل ، نحو الذي لم يحصل ، لم نخبره و لم نره ، لا وجود له ، و لم يسبق له أن وجد .
فالخيال هو الرابط بين الواقع و الماضي و المستقبل بالمعنى و الصورة في الحس المتحرك سواء أن كان بالإنفعال أو بإنجاز عمل وقع تصوره وهو كما تفضلت الشعلة التي لا ينطفئ نورها مدى الحياة إذ هو في حراك دائم وهو عالم متكامل مرئي محسوس و قابل للإنجاز لأنه منفعل في الفرد و فاعل في المحيط الإجتماعي إذا يمكن أن نقول أن كل ما نقوم به هو ثمرة خيال إستند على صور من الواقع و هذا يشمل الحاضر و المستقبل و الماضي في حياة الإنسان هكذا يصبح لا شيء ثابت بل الكل متحرك يسبح في فلك معين إختاره لنفسه و تتعدد الأفلاك في الفكر منها العمل السياسة المرأة الإقتصاد ......
الحقيقة و الخيال
على ضوء ما ذكرت أين هي الحقيقة من الخيال ؟ فكل إنسان يعيش خياله في داخله و محيطه و على طريقته و يعتبرذلك هو الصح وهو وحده القادر على تجسيده بالصورة و بالفعل لأن له أدواته الذاتية و الخاصة و التي إنفعلت فيه على مستوى خياله المختزل للماضي و الحاضر و المستقبل , جسدها في محيطه الإجتماعي فلكل منا حقيقته وهي كبصمة الإبهام لا يمكن أن تتطابق مع بصمة غيره فتختلف وجهات النظر و القناعات و تنقسم الوحدة و يبقى الكل على طرفي النقيض و هذا مع الأسف الشديد واقعنا الذي يستند على الماضي بما فيه و على المستقبل الذي يتخيله مشرق و الإنسان المسلم لم يقدم أي عمل جاد يستند على حقيقة وجوده على الأرض حتى يجعله فعلا مضيء
الخيال و الإبداع
هذا العمل الذي يتمّ في مخزوننا الدّماغي ، و الذي جمعته حواسنا ، أشبه ما يكون بعمل "أوركسترا" تنفّذ معزوفة موسيقية ، "أوركسترا" مكوّنة من عدد كبير من العازفين المختلفين في كلّ النّواحي ، و أدوات موسيقية مختلفة و متنوّعة ، لكن العازفين و الأدوات و رغم اختلافهم و تنوّعهم ، و رغم أن لكلّ منهم عزفه المنفرد ، إلاّ أنهم يشتركون في عزف مقطوعة واحدة بإنسجام و "هارموني" جمالي رفيع
هنا نلاحظ سنة التكامل بين الماضي و الحاضر و المستقبل و كيف أن كل الأدوات التي خزنتها الذاكرة خرجت لتلعب دورها على مسرح الحياة الفردي و الجماعي و تـألف حياة الشخص حركاته سلوكه و إنتاجه و إنجازاته العائلية و الإجتماعية وهي وليدة خيال الفرد الذي يستند على مخزون الذاكرة و كل ما كانت هذه الأدوات راقية و صادقة كل ما كان خيال الفرد خصبا و إنجازاته ناجحة و كل ما قدم إبداعا و جمالا
و المفروض كأفراد نتعلم من هذا الخلق البديع لبديع السماوات و الأرض و ندرس هذه السنة لأولادنا في المدارس ألا وهي التكامل البناء فلكل منا موهبته الخاصة التي يمكن أن يفيد بها غيره و يتواصل معه بالمعروف : بالحسنى و بالمعرفة حتى يأخذ كل منا بيد الآخر و نستطيع أن نكون حقا أمة متكاملة و غنية بفكرها و خيالها الخلاق المتحكم فيه دينها الرباني و ليس الموروث بغثه و سمينه
عندما نستطيع أن نقتنع بهذا الفكر و نبني صلة تكامل مع الآخر عندها فقط نصل الى مرحلة الإبداع و نشعر فعلا كم هي الحياة جميلة لأننا إستشعرناها داخلنا
و جسدناها على أرض الواقع و خرجنا من فكر جذر فينا الصرع و الخيرية ( أنا خير منه) وهي نظرية شيطانية أعاذنا الله منها
فعندما أقول لا إله إلا الله يقول أخي المسلم محمد رسول الله فكل منا ذكر الله و كمل شهادة الآخر ووحد الله معه و هذا يكفينا حتى نتوحد
الفنّ هو الأداة التي بها نلتقط و ("نركّب"= نبني ) هذا الجمال و نبثّه ، نعرضه على باقي المخلوقات ، الفن هو تقليد لما يحصل في الدّماغ ، ممارسة عملية للقدرة على التّخيل ، إنه بعض من قبس الشعلة التي تضيء فينا على مدار اللّحظة ، و لا تتركنا إلا إذا تركتنا الرّوح ، فهو ملازم لها ، إنّه القوة الوحيدة فينا التي تستطيع استخدم قطع "الليجو" السحرية ، فنركّب منها أشكالا و ألوانا و وجوها أخرى ، أمتدادا لما نفعله كلّ لحظة في خيالنا . الفن هو هذا الجزء الذي لا يمكن أن ينفصل عن الحياة ، لا يمكن أن ينفصل عن الكائن الحي ، كسرُه ، عزلُه ، رفضه ، هو العميُ عن الانسجام الجمالي في هذا الكون
و أرجع الى لعبة الليقو و التي علمتنا الكثير فإذا تأملنا قطعها نجدها خالية من كل جمال و فن فهي زوايا و أشكال هندسية جامدة لكنها تفرض نفسها على ساحة اللعب و تكتسب جمالها المتناسق بعد أن تتواصل مع مثيلتها و يكتمل الرسم و يكون له إسم و شكل يؤدي غرضا معينا
فكل شىء عرف التجزئة فهو عرف معها الموت أنظر الى نفس اللعبة عندما تفكك وحدتها تصبح قطعا ليس لها رسم و لا إسم و لا وجود سوى قطع متناثرة هنا و هناك تفقد معناها و جمالها و سرعان ما يعلوها الغبار و تلقى في سلة القمامة
و الفن هو جوهرتنا الداخلية و التي لم نكتشفها فينا بعد وهي سرنا الذي هو في حالة كمون لا يخرج من الطبيعة الإنسانية الى الطبيعة الكونية الا برحمة الله و عونه و إذا ستوفينا شروطه
فالبديع قد أبدع خلقنا فلا يخلو أي مخلوق من الجمال فقط يلزمنا العين الفاحصة و القلب النابض بالحياة و الفكر الواعي بهذه الوحدة المتجانسة و المتكاملة فينا و العقل الملتزم حتى يكون محيطنا لوحة فنية لأن جمالنا الداخلي أساسه
و لا يزدهر الفن في المجتمعات الا بوعي الفرد بجمال خلقه و أخلاقه حتى تستطيع أن تتوالد فيه الصور الجميلة و تطفو على محياه ترسمها ريشته و يتكلم بها لسانه و ينطق بها بيانه و ينثرها من حوله ثم يشكلها كما شاء ليعلم الآخر كيف يكون جميلا و يصنع الجمال من حوله
أستاذي الكريم أعتذر حقا على الإطالة أتمنى أن أكون قد وفيت ما وعدت به و أن
أكون قد تواصلت معكم بالمعلومة التي سكنتني و طمحت الى الإنعتاق و الحرية
أكون قد تواصلت معكم بالمعلومة التي سكنتني و طمحت الى الإنعتاق و الحرية
تحياتي و تقديري دمتم بألف خير
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
تعليق