أفران بلا خبز
بدَت المدينة ككابوس، الأطياف تحوم حول الأحياء ترتق الليل و النهار و الحياة و الموت و قد اُنطفأت الأقمار فيها و عوَت الكلاب، عالَم كبير لا يُريد أن يَسمع، ليس لديه من يُكاتِبُهُ و لا يعرف رَوَاء الحياة و لألأة نجومها، معتكف في بيته و عمله و مناطق لهو حددتها المدينة و أحاطتها بسياج من العيون المتراصّة تدور تدور و لا تستريح...الكل يسير في شبكة جغرافية لا يتعدّاها و قد أسرج أحصنته منذ زمن. ما عادت الروح تذكر مسارات اللهفة البراقة و عدم اكتراث الطفولة، حتى الجرائد صارت جسرا إلى دنيا غير حقيقية و لم تعد تصلح حتى لِلَفّ الأشياء.
يذكر أنّه جاء ليبدأ الحكاية من جديد، كان قد غادر المدينة حين لم يعدهناك داعٍ لبقائه و عاد إليها يلثم اسمها و رائحة شوارعها و يحاول جاهدا أن يُذيب الرصاص الذي عَلاها، لم يَرَ منها إلا الوداع و لكنه رفض ان يرحل ثانية كما فعل في المرة الأولى...ما كان عليه أن يرحل و يترك الآخرين يعصبون عينيها و يقودونها إلى تِيه بلا نهاية، هو حبيبُها الذي رفض عجزَه و فرّ نحو المدار ملوّحا بسعفة بيضاء، هرب إلى الفراغ ليستريح و هناك تربّعت في عزلته و كوَت كل قطعة من لحمه الحيّ.
-هذه المدينة تملؤها الكلاب السائبة! قطع تفكيرَه صوت شيخ يصرخ اُمتعاضا. و مرّت جنازةٌ فلم يعرف مَن الميت فقد رحل منذ زمن طويل و اُمّحت ذاكرته القريبة و البعيدة إلا من صورتها و بُنيانها الداكن المُتراصّ الأحجار و طرقاتها الضيقة التي تُؤدي إلى كل مكان فيها.
-بطاقة الهوية من فضلك!
أليْس جَسدُهُ مصنوعا من تُرابها؟ مازال يشعر بحرارة يد الأم و هي تُشكّله على المائدة الوطيئة و تبلّله بماء الزهر كلما جف و تنتظره حتى يكبر.
-بطاقة الهوية من فضلك!
كان الصوت جارحا، قويا و جارحا مختلفا عن الذبذبات التي تعوّد أن يسمعها في مدينته. قدّم بطاقة الهوية بعينين منكسرتين. كل شيء نشاز، لم يعد فيها أي شيء مثلما كان لا أحجار الأزقة و لا زهر الشرفات و لا تَحايا الصباح. قناعُها الرمادي صار يُصدر مُقاومة تجاهه و لم يعد يسمع إلا ضحكات بلهاء ترنّ في كأس فارغة و تمّحي في الهواء..
ذلك الصخب الرقراق على ضفاف الأيام و تلك الغواية البيضاء و طفولة الأغاني الأولى، لماذا لم يعد لأيّ شيء معنى، لا يمكن أن يترك هذا الهولُ إلا ذاكرة مجروحة و أسوارا تطلع من كل مكان في الأرض متاهة بلا نهاية.
-أحمد..
كان صوت أمّه الحاني آتيا من بئر عميقة جفّ ماؤها و لم تعد تتغرغر إلا بأصوات الماضي..اِلتفت إلى مصدر الصوت فلم يَرَ إلا الغبار و الأمطارَ تبللهُ.. ها قد تركهُ كل شيء أدار له هو وجهه في الماضي.
-لن أرحل ثانية، ستكون هذه المدينة منفاي و قبري، لن أرحل حتى لو متّ واقفا، لن أرحل. سأستمر و أصنع ذاكرة جديدة.
عاد إلى بيت العائلة و بحث في الذكريات، خُبز أمه لم يكن يُجيده أحد، هو فقط كان يعرف وصْفتَهُ. عمل لمدّة طويلة خبّازا يُطعم أهل المدينة و يُعيدهم إلى رائحة الأرض، كان يخبز بيدين مقطوعتين و يحلم أن يكون لأطفاله أيدٍ كاملة ليستطيعوا ضمّ هذه المدينة إلى صدورهم.
16ديسمبر2009
أفران بلا خبز: نشرت هذه القصة القصيرة بمجلة "الفصول الأربعة" الليبية.
تعليق