أفران بلا خبز// كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    أفران بلا خبز// كوثر خليل

    أفران بلا خبز



    بدَت المدينة ككابوس، الأطياف تحوم حول الأحياء ترتق الليل و النهار و الحياة و الموت و قد اُنطفأت الأقمار فيها و عوَت الكلاب، عالَم كبير لا يُريد أن يَسمع، ليس لديه من يُكاتِبُهُ و لا يعرف رَوَاء الحياة و لألأة نجومها، معتكف في بيته و عمله و مناطق لهو حددتها المدينة و أحاطتها بسياج من العيون المتراصّة تدور تدور و لا تستريح...الكل يسير في شبكة جغرافية لا يتعدّاها و قد أسرج أحصنته منذ زمن. ما عادت الروح تذكر مسارات اللهفة البراقة و عدم اكتراث الطفولة، حتى الجرائد صارت جسرا إلى دنيا غير حقيقية و لم تعد تصلح حتى لِلَفّ الأشياء.

    يذكر أنّه جاء ليبدأ الحكاية من جديد، كان قد غادر المدينة حين لم يعدهناك داعٍ لبقائه و عاد إليها يلثم اسمها و رائحة شوارعها و يحاول جاهدا أن يُذيب الرصاص الذي عَلاها، لم يَرَ منها إلا الوداع و لكنه رفض ان يرحل ثانية كما فعل في المرة الأولى...ما كان عليه أن يرحل و يترك الآخرين يعصبون عينيها و يقودونها إلى تِيه بلا نهاية، هو حبيبُها الذي رفض عجزَه و فرّ نحو المدار ملوّحا بسعفة بيضاء، هرب إلى الفراغ ليستريح و هناك تربّعت في عزلته و كوَت كل قطعة من لحمه الحيّ.


    -هذه المدينة تملؤها الكلاب السائبة! قطع تفكيرَه صوت شيخ يصرخ اُمتعاضا. و مرّت جنازةٌ فلم يعرف مَن الميت فقد رحل منذ زمن طويل و اُمّحت ذاكرته القريبة و البعيدة إلا من صورتها و بُنيانها الداكن المُتراصّ الأحجار و طرقاتها الضيقة التي تُؤدي إلى كل مكان فيها.


    -بطاقة الهوية من فضلك!


    أليْس جَسدُهُ مصنوعا من تُرابها؟ مازال يشعر بحرارة يد الأم و هي تُشكّله على المائدة الوطيئة و تبلّله بماء الزهر كلما جف و تنتظره حتى يكبر.


    -بطاقة الهوية من فضلك!


    كان الصوت جارحا، قويا و جارحا مختلفا عن الذبذبات التي تعوّد أن يسمعها في مدينته. قدّم بطاقة الهوية بعينين منكسرتين. كل شيء نشاز، لم يعد فيها أي شيء مثلما كان لا أحجار الأزقة و لا زهر الشرفات و لا تَحايا الصباح. قناعُها الرمادي صار يُصدر مُقاومة تجاهه و لم يعد يسمع إلا ضحكات بلهاء ترنّ في كأس فارغة و تمّحي في الهواء..


    ذلك الصخب الرقراق على ضفاف الأيام و تلك الغواية البيضاء و طفولة الأغاني الأولى، لماذا لم يعد لأيّ شيء معنى، لا يمكن أن يترك هذا الهولُ إلا ذاكرة مجروحة و أسوارا تطلع من كل مكان في الأرض متاهة بلا نهاية.


    -أحمد..


    كان صوت أمّه الحاني آتيا من بئر عميقة جفّ ماؤها و لم تعد تتغرغر إلا بأصوات الماضي..اِلتفت إلى مصدر الصوت فلم يَرَ إلا الغبار و الأمطارَ تبللهُ.. ها قد تركهُ كل شيء أدار له هو وجهه في الماضي.


    -لن أرحل ثانية، ستكون هذه المدينة منفاي و قبري، لن أرحل حتى لو متّ واقفا، لن أرحل. سأستمر و أصنع ذاكرة جديدة.


    عاد إلى بيت العائلة و بحث في الذكريات، خُبز أمه لم يكن يُجيده أحد، هو فقط كان يعرف وصْفتَهُ. عمل لمدّة طويلة خبّازا يُطعم أهل المدينة و يُعيدهم إلى رائحة الأرض، كان يخبز بيدين مقطوعتين و يحلم أن يكون لأطفاله أيدٍ كاملة ليستطيعوا ضمّ هذه المدينة إلى صدورهم.




    16ديسمبر2009



    أفران بلا خبز: نشرت هذه القصة القصيرة بمجلة "الفصول الأربعة" الليبية.

    التعديل الأخير تم بواسطة كوثر خليل; الساعة 06-04-2010, 14:57.
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • مصطفى شرقاوي
    أديب وكاتب
    • 09-05-2009
    • 2499

    #2
    [align=justify]
    جِد صعب أن لا نجد الباب على مدخل دار نجار , وان يوجد الخباز ولا خبز له هل محت الأدوات أم بترت الأيدي أظنها الثانية هي التي اوقفته ذهناً ولكن النفس متعلقه بشئ ما ... لازال الحلم في جيل قادم منذ متى هذا الحلم فهل ولد قرة العين وجاء إلى الدنيا .... أم أن الرحم لازال عقيم .. أظنه جاء ولكن الفكر أبله والنظر به سقم .. ربما هو على بعد أمتار يحتاج الركض مجموعه من الأشبار حتى نتحقق من هويته .. تلك التي قدمها وهو في كامل عقله المسلوب .. مسلوبٍ نعم كما بني جيله ولكنه رفض أن يسلمه متمسكاً به حتى آخر خليه ربما يجد في الفكر ذِكر يضئ له الطريق ويرشده إلى لقمة عيشة التي تعودنا عليها من يد حانيه لا تستساغ إلا بعد أن تأتي منها .... ومن يدري

    رائعه جديده من روائعكم ..مليئه بالصور
    [/align]

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى شرقاوي مشاهدة المشاركة
      [align=justify]
      جِد صعب أن لا نجد الباب على مدخل دار نجار , وان يوجد الخباز ولا خبز له هل محت الأدوات أم بترت الأيدي أظنها الثانية هي التي اوقفته ذهناً ولكن النفس متعلقه بشئ ما ... لازال الحلم في جيل قادم منذ متى هذا الحلم فهل ولد قرة العين وجاء إلى الدنيا .... أم أن الرحم لازال عقيم .. أظنه جاء ولكن الفكر أبله والنظر به سقم .. ربما هو على بعد أمتار يحتاج الركض مجموعه من الأشبار حتى نتحقق من هويته .. تلك التي قدمها وهو في كامل عقله المسلوب .. مسلوبٍ نعم كما بني جيله ولكنه رفض أن يسلمه متمسكاً به حتى آخر خليه ربما يجد في الفكر ذِكر يضئ له الطريق ويرشده إلى لقمة عيشة التي تعودنا عليها من يد حانيه لا تستساغ إلا بعد أن تأتي منها .... ومن يدري

      رائعه جديده من روائعكم ..مليئه بالصور
      [/align]

      شكرا لك أخي مصطفى شرقاوي على هذه الوقفة التي أعتز بها أنت من تتشبث بالحلم و تؤمن بقدرته على الدفع بنا للأمام و تسائل كل واحد عن حلمه لتوقظ فيه شيئا فرديا يدفعه لنفع جماعي. مرحبا بك
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      • يسري راغب
        أديب وكاتب
        • 22-07-2008
        • 6247

        #4
        الاستاذة كوثر
        الاديبة بنبض فيلسوفة
        اي فوق الادب فكر يرضع فلسفة عميقة
        رغم ان هنا قصيدة النثر مكانها
        فانت في كل كتابك جامعة
        القصة والفكرة والقصيدة
        دمت مبدعة راقية

        تعليق

        • أحمد أبوزيد
          أديب وكاتب
          • 23-02-2010
          • 1617

          #5
          أفران بلا خبز
          شرايين بلا دماء
          قلوب توقفت عن ضخ الحياة
          الإحساس بالغربة على ترابك

          شعور قاتل أن تجد نفسك
          شجرة بلا جذور

          تحياتى و تقديرى

          تعليق

          • كوثر خليل
            أديبة وكاتبة
            • 25-05-2009
            • 555

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة يسري راغب مشاهدة المشاركة
            الاستاذة كوثر
            الاديبة بنبض فيلسوفة
            اي فوق الادب فكر يرضع فلسفة عميقة
            رغم ان هنا قصيدة النثر مكانها
            فانت في كل كتابك جامعة
            القصة والفكرة والقصيدة
            دمت مبدعة راقية

            شكرا لك أستاذ يسري راغب و لقلبك الكبير.
            أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

            تعليق

            • كوثر خليل
              أديبة وكاتبة
              • 25-05-2009
              • 555

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أحمد أبوزيد مشاهدة المشاركة
              أفران بلا خبز
              شرايين بلا دماء
              قلوب توقفت عن ضخ الحياة
              الإحساس بالغربة على ترابك

              شعور قاتل أن تجد نفسك
              شجرة بلا جذور

              تحياتى و تقديرى

              شكرا لك أستاذ احمد أبوزيد على تفاعلك.
              أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

              تعليق

              • عائده محمد نادر
                عضو الملتقى
                • 18-10-2008
                • 12843

                #8
                الزميلة القديرة
                كوثر خليل
                وكأني بك تكتبين عن بغداد اليوم
                بغداد التي هجرتها العصافير ونعبت أبوام الشؤم فوق سمائها
                أحسست بالنص أوجعني وعاد بي إلى ليلة من تلك الليالي
                أشكرك لأنك هكذا
                تحياتي ومودتي لك سيدتي
                الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                تعليق

                • محمد عزوز
                  عضو الملتقى
                  • 30-03-2010
                  • 150

                  #9
                  سلمت أناملك

                  الأديبة المتميزة كوثر خليل
                  قصتك تميزها مفردتها وحسن إدارة الحدث فيها
                  لم يغب عنها الشعر بل كان أصيلاً فيها
                  أسجل حضوري وإعجابي بما كتبت
                  مودتي وتقديري

                  تعليق

                  • كوثر خليل
                    أديبة وكاتبة
                    • 25-05-2009
                    • 555

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                    الزميلة القديرة
                    كوثر خليل
                    وكأني بك تكتبين عن بغداد اليوم
                    بغداد التي هجرتها العصافير ونعبت أبوام الشؤم فوق سمائها
                    أحسست بالنص أوجعني وعاد بي إلى ليلة من تلك الليالي
                    أشكرك لأنك هكذا
                    تحياتي ومودتي لك سيدتي

                    عزيزتي

                    كل بلادنا العربية تعيش الحرب و ان لم تدسها الدبابات و لم تدسها أقدام الجنود..كل بلادنا غريبة يملؤها العنف و الرعب و العبث و اللامبالاة، أن تكون في تونس أو في بغداد أو في لبنان أو في الجزائر فالشعور هو نفسه. إنها موازين القوى السياسية و الحضارية التي تغربنا عن ذاتنا في ذاتنا و اينما كنا و لكن شيئا ما رقيقا، رفيقا في الوقت نفسه يعيدنا إلينا..كلمة طيبة من هنا أو هناك، شعور صادق من هنا أو هناك كفيل بأن يضيء شمعة في الظلمة الحالكة.
                    مع محبتي و تقديري
                    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

                    تعليق

                    • كوثر خليل
                      أديبة وكاتبة
                      • 25-05-2009
                      • 555

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد عزوز مشاهدة المشاركة
                      الأديبة المتميزة كوثر خليل
                      قصتك تميزها مفردتها وحسن إدارة الحدث فيها
                      لم يغب عنها الشعر بل كان أصيلاً فيها
                      أسجل حضوري وإعجابي بما كتبت
                      مودتي وتقديري

                      شكرا لك أستاذ محمد عزوز على ملاحظتك المتميزة. تقبل كامل تقديري
                      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

                      تعليق

                      • محمد سلطان
                        أديب وكاتب
                        • 18-01-2009
                        • 4442

                        #12
                        طعم الخبز لم يكن هناك من يجيده غيرها ..

                        هي فقط من تعيد الأذواق .. هي الأم و المدينة !!

                        جميلة الصور .. وغصة كانت , معاني هذا الفقد

                        قلمك يجيد حالة الوصف أستاذة كوثر ..
                        فتقبلي كل الزهور أهديها لك ..

                        وخالص التحايا
                        صفحتي على فيس بوك
                        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                        تعليق

                        • كوثر خليل
                          أديبة وكاتبة
                          • 25-05-2009
                          • 555

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                          طعم الخبز لم يكن هناك من يجيده غيرها ..

                          هي فقط من تعيد الأذواق .. هي الأم و المدينة !!

                          جميلة الصور .. وغصة كانت , معاني هذا الفقد

                          قلمك يجيد حالة الوصف أستاذة كوثر ..
                          فتقبلي كل الزهور أهديها لك ..

                          وخالص التحايا

                          شكرا لك أستاذ محمد ابراهيم سلطان على توقفك الراقي بنصّي المتواضع. تقبل كل التقدير
                          أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

                          تعليق

                          • إيمان الدرع
                            نائب ملتقى القصة
                            • 09-02-2010
                            • 3576

                            #14
                            من ذاكرة عام 2010
                            تحيّاتي أستاذة كوثر
                            وكلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ

                            تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                            تعليق

                            • كوثر خليل
                              أديبة وكاتبة
                              • 25-05-2009
                              • 555

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                              من ذاكرة عام 2010
                              تحيّاتي أستاذة كوثر
                              وكلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ

                              العزيزة جدا إيمان الدرع

                              كل عام و انتِ بالف خير و سعادة و تقدم متواصل يهديك في ذلك شعاع قلبك الملتهب دوما للحياة و المحبة.

                              كل الخير لك في العام الجديد
                              أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

                              تعليق

                              يعمل...
                              X