اضطرار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    اضطرار

    [align=right]
    ليس جميلاً أن تستلقي على ظهرك ، تحت أشعة الشمس الحارقة ، وسط الصحراء ..

    الجوع يمزق معدتك ، والعطش يجمد عروقك ، والحر يقضي على ما تبقى من مقاومة فيك..
    تتعامد الشمس فوقه ، تسلط أشعتها على رأسه المتعب ..
    صحراء في كل مكان .. لم يعد يدري بالاتجاهات .. الحياة كلها مدى أمامه ..
    الكون قالب زبدة كبير ، وهو اتحدت جزيئاته معه ، ذاب فيه ، تداخلت ذراته حتى نسي اسمه ، كينونته ، لم يعد يدري شيئاً ..

    نعم يا مريم .. سأكون هناك .. في ذات الموعد ..
    أمام بئر مياه جاف ، جلست ، بثوبها المرمري الفضفاض ، وطرحتها التي تزين رأسها ..
    حدثته بانفعال ، عن شوقها إليه ، وعن أحلامها ، ومستقبل داكن لا يبدو مشرقاً إلا من خلال مرآتها هي ..
    سنشتري الأرض حول البئر ، دونمين كاملين ، نزرعهما فولاً وعدساً وبازلاء ..
    لا مانع أيضاً من بعض أشجار الفواكه .. التفاح عشقي الأول والأخير ..
    سنبيع ونشتري ، نبني بيتنا الصغير هنا .. لا بأس أن يكون متواضعاً .. لا بأس أن يكون من القش ، أو الزينكو أو الاسبست .. فيما بعد .. عندما نبيع المحصول ، سيصبح هذا الكوخ بيتاً كبيراً ، نزينه بأبهى فراش وأجمل حلة ..
    والبئر هذا سنعيد حفره .. سيكون خيراً لنا ولأهل المنطقة كلها ..
    ينظر إلى وجهها المشرق ، ابتسامتها البريئة ..
    الأحلام ترتسم جميلة فوق عينيها .. أحلام بلون الحياة ، وطعم الفرح ، ورونق الوجود ..
    هذه العيون لا تعرف الغش ، لا تعرف الكذب ، ولم تجرب الخداع ..
    هذه عيون خلقت لتحب ، لتعشق ، لتعطي كل شيء دون مقابل ..
    لم يشأ أن يكسر كل شيء أمامها دفعة واحدة .. أن يهدم الأحلام التي بنتها قصوراً في لحظة ..
    من أين ..؟ من أين ما مريم ؟
    لم يقلها .. ولم يبتسم أيضاً ..
    تركها تتحرك كالفراشة ، ترسم حدود مملكة لا يمكنه أن يبنيها ، تحدد أسماء وأماكن كل شيء وأي شيء ..
    هذا بيتنا الصغير ، وتلك حديقته ، وتلك المزرعة ، وهنا أرجوحة طفلنا الأول : ماجد
    نعم يا أبا ماجد .. ستكون هنا صحوتنا .. ستشهد الأيام مملكة نغزوها معاً .. ونبزغ فيها سويا ..
    تركها تمضي ، تنساب كنسمة وعباراتها لا تزال تدوي في سمائه ..
    من بعيد ، شاهد ملثمين يتسللون تحت أشجار الزيتون ، والبرتقال ، إلى أقصى حدود كان يتصور أن يصلها أحد ..
    بمقص كبير قطعوا السلك الشائك والأسوار ، وراحوا يتسللون وأسلحتهم مشهرة نحو المجهول ..
    هو الحلم ، يداعب خياله إذن ..
    تلك فرصة لا تتكرر أكثر من مرة ..تلك فرصة لا يجب أن تضيع ..
    فكر كثيراً ، وسبقته قدماه إلى تلك الثغرة ، والحلم لا زال يداعبه ..
    سيعمل إذن ، وبأجر يساوي عشرة أضعاف ما يمكن أن أحصل عليه هنا ..
    يلقي نظرة أخيرة على بيت مريم الذي يظهر من بعيد ، صغيراً كأنه يودعه ، يلوح له بيديه ..
    يمضي .. إلى حدود الحلم ..
    الصحراء أمامه في كل مكان ، وآثار خطى المقاومين أمامه ، تبدأ لمسافة ما ثم تنتهي ..
    يهرول أكثر ، يصارع خوفه الذي لم يعد له مبرر ، فحياته مفتوحة على كل الاحتمالات ..
    لم يعد ما أخشاه .. كذا فكر .. كذا قرر ..
    قبل أيام سقط صاروخ أمام منزلي ، وأنا نائم ، وعشرات الصغار يفترشون الأرض الباردة ..
    الموت سيأتيك فجأة ..
    يسرع أكثر ، لم يعد يدري بالاتجاهات ، تاهت البوصلة ..
    مضت ساعات ..
    الجوع .. العطش ..
    الخوف الذي صار فجأة حقيقة ملموسة ..
    أن أموت وحدي عطشاً في صحراء النقب ..
    يستلقي على ظهره تعباً ..
    الشمس تتعامد عليه .. والرؤية صارت مشوشة ..
    من بعيد شاهد الملثمين .. يشتبكون بالسلاح مع أعدائهم ..
    سقط أحدهم .. وصرخ آخر ..
    تحامل على نفسه ، نفض الخوف ، نظر إلى المعركة نظرة ذات معنى ..
    والى ميدانها انطلق كنسرٍ جريح ْ.

    *****


    [/align]
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    هناك قاسم مشترك بين المقاوم والحياة
    يهب المقاوم حياته ليحيا الآخرون
    هكذا هي المعادلة
    أحلام المقاومين ببيت وإن كان صغيرا لكنه مساحة كبيرة للحرية.. وربما بئر ماء أو حتى نبع ..سيكون نبعا للعطاشى
    أليس كذلك أحمد
    الزميل القدير
    أحمد عيسى
    نص يزرع الحياة حتى وإن كانت في صحراء النقب
    تحياتي ومودتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • إيهاب فاروق حسني
      أديب ومفكر
      عضو اتحاد كتاب مصر
      • 23-06-2009
      • 946

      #3
      رائع هذا الحلم
      الذي ينتظر نهاية مفجعة
      أعجبني هذا الاستدارج الناعم بين دفتي حلمك
      لنستفيق على صوت المدافع في ميدان المعركة
      هذا الاستدراج يحدث أثراً بالغاً في النفس
      الأخ والمبدع الجميل
      أحمد عيسى
      تحيتي وتقديري
      إيهاب فاروق حسني

      تعليق

      • إيمان عامر
        أديب وكاتب
        • 03-05-2008
        • 1087

        #4
        صباح الخير
        أستاذ أحمد
        دخلت أحجز مقعداً ولي عودة إن شاء الله
        كي اتشبع بهذا الابداع والتألق
        صباح الابداع

        لك ارق تحياتي
        "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

        تعليق

        • إيمان عامر
          أديب وكاتب
          • 03-05-2008
          • 1087

          #5
          تحياتي بعطر الزهور

          المبدع المتألق
          أحمد عيسي

          سرد ممتع ومتألق
          ونسمات حلم دافئة
          الحب والحلم يتلازمان دائما

          ولكن يأتي من يجهض هذا الحلم سريعاً
          ويسيل الدماء حد الاختناق
          رائع وأكثر في قوة اختلط الحب والحلم وهموم الوطن


          دمت متألق باستمرار
          ننتظر كل جديد

          لك ارق تحياتي
          "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

          تعليق

          • مها راجح
            حرف عميق من فم الصمت
            • 22-10-2008
            • 10970

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عيسى مشاهدة المشاركة
            [align=right]
            ليس جميلاً أن تستلقي على ظهرك ، تحت أشعة الشمس الحارقة ، وسط الصحراء ..

            الجوع يمزق معدتك ، والعطش يجمد عروقك ، والحر يقضي على ما تبقى من مقاومة فيك..
            تتعامد الشمس فوقه ، تسلط أشعتها على رأسه المتعب ..
            صحراء في كل مكان .. لم يعد يدري بالاتجاهات .. الحياة كلها مدى أمامه ..
            الكون قالب زبدة كبير ، وهو اتحدت جزيئاته معه ، ذاب فيه ، تداخلت ذراته حتى نسي اسمه ، كينونته ، لم يعد يدري شيئاً ..

            نعم يا مريم .. سأكون هناك .. في ذات الموعد ..
            أمام بئر مياه جاف ، جلست ، بثوبها المرمري الفضفاض ، وطرحتها التي تزين رأسها ..
            حدثته بانفعال ، عن شوقها إليه ، وعن أحلامها ، ومستقبل داكن لا يبدو مشرقاً إلا من خلال مرآتها هي ..
            سنشتري الأرض حول البئر ، دونمين كاملين ، نزرعهما فولاً وعدساً وبازلاء ..
            لا مانع أيضاً من بعض أشجار الفواكه .. التفاح عشقي الأول والأخير ..
            سنبيع ونشتري ، نبني بيتنا الصغير هنا .. لا بأس أن يكون متواضعاً .. لا بأس أن يكون من القش ، أو الزينكو أو الاسبست .. فيما بعد .. عندما نبيع المحصول ، سيصبح هذا الكوخ بيتاً كبيراً ، نزينه بأبهى فراش وأجمل حلة ..
            والبئر هذا سنعيد حفره .. سيكون خيراً لنا ولأهل المنطقة كلها ..
            ينظر إلى وجهها المشرق ، ابتسامتها البريئة ..
            الأحلام ترتسم جميلة فوق عينيها .. أحلام بلون الحياة ، وطعم الفرح ، ورونق الوجود ..
            هذه العيون لا تعرف الغش ، لا تعرف الكذب ، ولم تجرب الخداع ..
            هذه عيون خلقت لتحب ، لتعشق ، لتعطي كل شيء دون مقابل ..
            لم يشأ أن يكسر كل شيء أمامها دفعة واحدة .. أن يهدم الأحلام التي بنتها قصوراً في لحظة ..
            من أين ..؟ من أين ما مريم ؟
            لم يقلها .. ولم يبتسم أيضاً ..
            تركها تتحرك كالفراشة ، ترسم حدود مملكة لا يمكنه أن يبنيها ، تحدد أسماء وأماكن كل شيء وأي شيء ..
            هذا بيتنا الصغير ، وتلك حديقته ، وتلك المزرعة ، وهنا أرجوحة طفلنا الأول : ماجد
            نعم يا أبا ماجد .. ستكون هنا صحوتنا .. ستشهد الأيام مملكة نغزوها معاً .. ونبزغ فيها سويا ..
            تركها تمضي ، تنساب كنسمة وعباراتها لا تزال تدوي في سمائه ..
            من بعيد ، شاهد ملثمين يتسللون تحت أشجار الزيتون ، والبرتقال ، إلى أقصى حدود كان يتصور أن يصلها أحد ..
            بمقص كبير قطعوا السلك الشائك والأسوار ، وراحوا يتسللون وأسلحتهم مشهرة نحو المجهول ..
            هو الحلم ، يداعب خياله إذن ..
            تلك فرصة لا تتكرر أكثر من مرة ..تلك فرصة لا يجب أن تضيع ..
            فكر كثيراً ، وسبقته قدماه إلى تلك الثغرة ، والحلم لا زال يداعبه ..
            سيعمل إذن ، وبأجر يساوي عشرة أضعاف ما يمكن أن أحصل عليه هنا ..
            يلقي نظرة أخيرة على بيت مريم الذي يظهر من بعيد ، صغيراً كأنه يودعه ، يلوح له بيديه ..
            يمضي .. إلى حدود الحلم ..
            الصحراء أمامه في كل مكان ، وآثار خطى المقاومين أمامه ، تبدأ لمسافة ما ثم تنتهي ..
            يهرول أكثر ، يصارع خوفه الذي لم يعد له مبرر ، فحياته مفتوحة على كل الاحتمالات ..
            لم يعد ما أخشاه .. كذا فكر .. كذا قرر ..
            قبل أيام سقط صاروخ أمام منزلي ، وأنا نائم ، وعشرات الصغار يفترشون الأرض الباردة ..
            الموت سيأتيك فجأة ..
            يسرع أكثر ، لم يعد يدري بالاتجاهات ، تاهت البوصلة ..
            مضت ساعات ..
            الجوع .. العطش ..
            الخوف الذي صار فجأة حقيقة ملموسة ..
            أن أموت وحدي عطشاً في صحراء النقب ..
            يستلقي على ظهره تعباً ..
            الشمس تتعامد عليه .. والرؤية صارت مشوشة ..
            من بعيد شاهد الملثمين .. يشتبكون بالسلاح مع أعدائهم ..
            سقط أحدهم .. وصرخ آخر ..
            تحامل على نفسه ، نفض الخوف ، نظر إلى المعركة نظرة ذات معنى ..
            والى ميدانها انطلق كنسرٍ جريح ْ.

            *****


            [/align]
            ظلم الواقع لا يمكنه من يمنع الإنسان من الخروج من دوائره والدخول في دائرة أرحم هي الحلم
            لربما تحقق حلمه في جنة عرضها السموات والارض

            نص مغمور بالألم والأمل
            تحية وتقدير لهذا الابداع استاذ أحمد
            رحمك الله يا أمي الغالية

            تعليق

            • أحمد عيسى
              أديب وكاتب
              • 30-05-2008
              • 1359

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
              هناك قاسم مشترك بين المقاوم والحياة
              يهب المقاوم حياته ليحيا الآخرون
              هكذا هي المعادلة
              أحلام المقاومين ببيت وإن كان صغيرا لكنه مساحة كبيرة للحرية.. وربما بئر ماء أو حتى نبع ..سيكون نبعا للعطاشى
              أليس كذلك أحمد
              الزميل القدير
              أحمد عيسى
              نص يزرع الحياة حتى وإن كانت في صحراء النقب
              تحياتي ومودتي لك
              الزميلة الرائعة : عائدة

              المقاوم ليس انساناً حط على أرضنا من كوكب آخر ..
              انما هو شاب عادي يحلم بكل ما يحلم به أي انسان ..
              اغتالوا حلمه وحاولوا تحطيم انسانيته ..
              فتمرد على جراحه وثار ليكون أو لا يكون ..
              تلك حكاية ابن المقاومة العراقية وابن المقاومة الفلسطينية..
              تلك حكاية وطن ..


              أسعدني مرورك الرقيق ويسعدني دائماً ..
              كل الود وخالص الشكر
              ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
              [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

              تعليق

              • مصطفى الصالح
                لمسة شفق
                • 08-12-2009
                • 6443

                #8
                الاخ العزيز احمد

                اهنئك على هذا النص الاكثر من رائع

                كتبت بشاعرية القاص الملهم

                استدرجتنا بشوق الى النهاية

                رائع هذا الاسلوب وهذا ما احبه

                همسة : هناك(يا ) هربت فاتخذت ( ما ) مكانها هنا : من أين ..؟ من أين ما مريم ؟

                دمت بكل الود والالق

                تحياتي
                [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                حديث الشمس
                مصطفى الصالح[/align]

                تعليق

                • مجدي السماك
                  أديب وقاص
                  • 23-10-2007
                  • 600

                  #9
                  تحياتي

                  الرائع احمد عيسى..تحياتي
                  قصة جميلة.. فكرة ولغة. من الرائع تمجيد المقاومة. مع ان الكل يطاردها.. حتى من يتغنى بها ليل نهار. اتمنى لك دوام الابداع.
                  مودتي
                  عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

                  تعليق

                  • أحمد عيسى
                    أديب وكاتب
                    • 30-05-2008
                    • 1359

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة إيهاب فاروق حسني مشاهدة المشاركة
                    رائع هذا الحلم
                    الذي ينتظر نهاية مفجعة
                    أعجبني هذا الاستدارج الناعم بين دفتي حلمك
                    لنستفيق على صوت المدافع في ميدان المعركة
                    هذا الاستدراج يحدث أثراً بالغاً في النفس
                    الأخ والمبدع الجميل
                    أحمد عيسى
                    تحيتي وتقديري
                    الأستاذ الفاضل : ايهاب حسني

                    أسعدني مرورك أستاذي ، وأثلج صدري أن أعجبك النص

                    صدقني أستاذي لا يمكن حتى أن نحلم ، لهذا قلتها يوماً لزوجتي .. نحن نعيش في "وطن الأحلام المؤجلة "
                    لأن كل حلم ، مؤجل الى اشعار آخر .. حتى توافق العروبة واسرائيل على فك الحصار ..
                    أما الحلم الأكبر .. التحرير .. فمؤجل الى أن يشاء الله ..
                    .

                    شكري لك أستاذي
                    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                    تعليق

                    يعمل...
                    X