[align=right]
ليس جميلاً أن تستلقي على ظهرك ، تحت أشعة الشمس الحارقة ، وسط الصحراء ..
الجوع يمزق معدتك ، والعطش يجمد عروقك ، والحر يقضي على ما تبقى من مقاومة فيك..
تتعامد الشمس فوقه ، تسلط أشعتها على رأسه المتعب ..
صحراء في كل مكان .. لم يعد يدري بالاتجاهات .. الحياة كلها مدى أمامه ..
الكون قالب زبدة كبير ، وهو اتحدت جزيئاته معه ، ذاب فيه ، تداخلت ذراته حتى نسي اسمه ، كينونته ، لم يعد يدري شيئاً ..
نعم يا مريم .. سأكون هناك .. في ذات الموعد ..
أمام بئر مياه جاف ، جلست ، بثوبها المرمري الفضفاض ، وطرحتها التي تزين رأسها ..
حدثته بانفعال ، عن شوقها إليه ، وعن أحلامها ، ومستقبل داكن لا يبدو مشرقاً إلا من خلال مرآتها هي ..
سنشتري الأرض حول البئر ، دونمين كاملين ، نزرعهما فولاً وعدساً وبازلاء ..
لا مانع أيضاً من بعض أشجار الفواكه .. التفاح عشقي الأول والأخير ..
سنبيع ونشتري ، نبني بيتنا الصغير هنا .. لا بأس أن يكون متواضعاً .. لا بأس أن يكون من القش ، أو الزينكو أو الاسبست .. فيما بعد .. عندما نبيع المحصول ، سيصبح هذا الكوخ بيتاً كبيراً ، نزينه بأبهى فراش وأجمل حلة ..
والبئر هذا سنعيد حفره .. سيكون خيراً لنا ولأهل المنطقة كلها ..
ينظر إلى وجهها المشرق ، ابتسامتها البريئة ..
الأحلام ترتسم جميلة فوق عينيها .. أحلام بلون الحياة ، وطعم الفرح ، ورونق الوجود ..
هذه العيون لا تعرف الغش ، لا تعرف الكذب ، ولم تجرب الخداع ..
هذه عيون خلقت لتحب ، لتعشق ، لتعطي كل شيء دون مقابل ..
لم يشأ أن يكسر كل شيء أمامها دفعة واحدة .. أن يهدم الأحلام التي بنتها قصوراً في لحظة ..
من أين ..؟ من أين ما مريم ؟
لم يقلها .. ولم يبتسم أيضاً ..
تركها تتحرك كالفراشة ، ترسم حدود مملكة لا يمكنه أن يبنيها ، تحدد أسماء وأماكن كل شيء وأي شيء ..
هذا بيتنا الصغير ، وتلك حديقته ، وتلك المزرعة ، وهنا أرجوحة طفلنا الأول : ماجد
نعم يا أبا ماجد .. ستكون هنا صحوتنا .. ستشهد الأيام مملكة نغزوها معاً .. ونبزغ فيها سويا ..
تركها تمضي ، تنساب كنسمة وعباراتها لا تزال تدوي في سمائه ..
من بعيد ، شاهد ملثمين يتسللون تحت أشجار الزيتون ، والبرتقال ، إلى أقصى حدود كان يتصور أن يصلها أحد ..
بمقص كبير قطعوا السلك الشائك والأسوار ، وراحوا يتسللون وأسلحتهم مشهرة نحو المجهول ..
هو الحلم ، يداعب خياله إذن ..
تلك فرصة لا تتكرر أكثر من مرة ..تلك فرصة لا يجب أن تضيع ..
فكر كثيراً ، وسبقته قدماه إلى تلك الثغرة ، والحلم لا زال يداعبه ..
سيعمل إذن ، وبأجر يساوي عشرة أضعاف ما يمكن أن أحصل عليه هنا ..
يلقي نظرة أخيرة على بيت مريم الذي يظهر من بعيد ، صغيراً كأنه يودعه ، يلوح له بيديه ..
يمضي .. إلى حدود الحلم ..
الصحراء أمامه في كل مكان ، وآثار خطى المقاومين أمامه ، تبدأ لمسافة ما ثم تنتهي ..
يهرول أكثر ، يصارع خوفه الذي لم يعد له مبرر ، فحياته مفتوحة على كل الاحتمالات ..
لم يعد ما أخشاه .. كذا فكر .. كذا قرر ..
قبل أيام سقط صاروخ أمام منزلي ، وأنا نائم ، وعشرات الصغار يفترشون الأرض الباردة ..
الموت سيأتيك فجأة ..
يسرع أكثر ، لم يعد يدري بالاتجاهات ، تاهت البوصلة ..
مضت ساعات ..
الجوع .. العطش ..
الخوف الذي صار فجأة حقيقة ملموسة ..
أن أموت وحدي عطشاً في صحراء النقب ..
يستلقي على ظهره تعباً ..
الشمس تتعامد عليه .. والرؤية صارت مشوشة ..
من بعيد شاهد الملثمين .. يشتبكون بالسلاح مع أعدائهم ..
سقط أحدهم .. وصرخ آخر ..
تحامل على نفسه ، نفض الخوف ، نظر إلى المعركة نظرة ذات معنى ..
والى ميدانها انطلق كنسرٍ جريح ْ.
*****
[/align]
ليس جميلاً أن تستلقي على ظهرك ، تحت أشعة الشمس الحارقة ، وسط الصحراء ..
الجوع يمزق معدتك ، والعطش يجمد عروقك ، والحر يقضي على ما تبقى من مقاومة فيك..
تتعامد الشمس فوقه ، تسلط أشعتها على رأسه المتعب ..
صحراء في كل مكان .. لم يعد يدري بالاتجاهات .. الحياة كلها مدى أمامه ..
الكون قالب زبدة كبير ، وهو اتحدت جزيئاته معه ، ذاب فيه ، تداخلت ذراته حتى نسي اسمه ، كينونته ، لم يعد يدري شيئاً ..
نعم يا مريم .. سأكون هناك .. في ذات الموعد ..
أمام بئر مياه جاف ، جلست ، بثوبها المرمري الفضفاض ، وطرحتها التي تزين رأسها ..
حدثته بانفعال ، عن شوقها إليه ، وعن أحلامها ، ومستقبل داكن لا يبدو مشرقاً إلا من خلال مرآتها هي ..
سنشتري الأرض حول البئر ، دونمين كاملين ، نزرعهما فولاً وعدساً وبازلاء ..
لا مانع أيضاً من بعض أشجار الفواكه .. التفاح عشقي الأول والأخير ..
سنبيع ونشتري ، نبني بيتنا الصغير هنا .. لا بأس أن يكون متواضعاً .. لا بأس أن يكون من القش ، أو الزينكو أو الاسبست .. فيما بعد .. عندما نبيع المحصول ، سيصبح هذا الكوخ بيتاً كبيراً ، نزينه بأبهى فراش وأجمل حلة ..
والبئر هذا سنعيد حفره .. سيكون خيراً لنا ولأهل المنطقة كلها ..
ينظر إلى وجهها المشرق ، ابتسامتها البريئة ..
الأحلام ترتسم جميلة فوق عينيها .. أحلام بلون الحياة ، وطعم الفرح ، ورونق الوجود ..
هذه العيون لا تعرف الغش ، لا تعرف الكذب ، ولم تجرب الخداع ..
هذه عيون خلقت لتحب ، لتعشق ، لتعطي كل شيء دون مقابل ..
لم يشأ أن يكسر كل شيء أمامها دفعة واحدة .. أن يهدم الأحلام التي بنتها قصوراً في لحظة ..
من أين ..؟ من أين ما مريم ؟
لم يقلها .. ولم يبتسم أيضاً ..
تركها تتحرك كالفراشة ، ترسم حدود مملكة لا يمكنه أن يبنيها ، تحدد أسماء وأماكن كل شيء وأي شيء ..
هذا بيتنا الصغير ، وتلك حديقته ، وتلك المزرعة ، وهنا أرجوحة طفلنا الأول : ماجد
نعم يا أبا ماجد .. ستكون هنا صحوتنا .. ستشهد الأيام مملكة نغزوها معاً .. ونبزغ فيها سويا ..
تركها تمضي ، تنساب كنسمة وعباراتها لا تزال تدوي في سمائه ..
من بعيد ، شاهد ملثمين يتسللون تحت أشجار الزيتون ، والبرتقال ، إلى أقصى حدود كان يتصور أن يصلها أحد ..
بمقص كبير قطعوا السلك الشائك والأسوار ، وراحوا يتسللون وأسلحتهم مشهرة نحو المجهول ..
هو الحلم ، يداعب خياله إذن ..
تلك فرصة لا تتكرر أكثر من مرة ..تلك فرصة لا يجب أن تضيع ..
فكر كثيراً ، وسبقته قدماه إلى تلك الثغرة ، والحلم لا زال يداعبه ..
سيعمل إذن ، وبأجر يساوي عشرة أضعاف ما يمكن أن أحصل عليه هنا ..
يلقي نظرة أخيرة على بيت مريم الذي يظهر من بعيد ، صغيراً كأنه يودعه ، يلوح له بيديه ..
يمضي .. إلى حدود الحلم ..
الصحراء أمامه في كل مكان ، وآثار خطى المقاومين أمامه ، تبدأ لمسافة ما ثم تنتهي ..
يهرول أكثر ، يصارع خوفه الذي لم يعد له مبرر ، فحياته مفتوحة على كل الاحتمالات ..
لم يعد ما أخشاه .. كذا فكر .. كذا قرر ..
قبل أيام سقط صاروخ أمام منزلي ، وأنا نائم ، وعشرات الصغار يفترشون الأرض الباردة ..
الموت سيأتيك فجأة ..
يسرع أكثر ، لم يعد يدري بالاتجاهات ، تاهت البوصلة ..
مضت ساعات ..
الجوع .. العطش ..
الخوف الذي صار فجأة حقيقة ملموسة ..
أن أموت وحدي عطشاً في صحراء النقب ..
يستلقي على ظهره تعباً ..
الشمس تتعامد عليه .. والرؤية صارت مشوشة ..
من بعيد شاهد الملثمين .. يشتبكون بالسلاح مع أعدائهم ..
سقط أحدهم .. وصرخ آخر ..
تحامل على نفسه ، نفض الخوف ، نظر إلى المعركة نظرة ذات معنى ..
والى ميدانها انطلق كنسرٍ جريح ْ.
*****
[/align]
تعليق