الكتابة في زمن القحط.
على غير هدىً تجوب الشارع المزدحم . تحاول إقناع نفسك بأنك جزء من هذا العالم .تحاول أن تبدو إنسانا عاديا , كما لو أنك, مثلا, واحد من هؤلاء البشرالمنتشرين حولك.. منهكون هم بعد ساعات من العمل ,و كلٌ ماضٍ إلى وجهته . تقلّدهم . تسرع الخطى مثلهم كأنك تقصد هدفا معيّنا ثم تتذكّر أنه لا هدف لك وأنك فقط هنا لتقتل الوقت أو ..يقتلك .
تبطئ السيرثم تقف, فيكاد الذي خلفك أن يرتطم بك . ينظر الرجل إليك بريبة و استغراب .تتمتم بعبارة اعتذار مبهمة, ثم تمضي . لا يزال صدى التصفيق يقرع أذنيك . كنت حقا مبدعا تلك الأمسية . حين استدعيت منذ يومين لدار الثقافة . ترجّوك أن تلقي كلمة بالمناسبة .من بين الحضور مسؤول كبير و شخصيات مرموقة. ألقيت كلمة و قصيدة شعر رائعة , و خرجت من الحفل محمّلا بكثير من التصفيق و.. فقاعات من الوعود .في آخر المساء , كنت عند صديقك فريد .أعدتَ له البدلة و ربطة العنق وجلست تحكي له عن غدك الأفضل مع صدور رواياتك.
تواصل السيرفي ذلك الشارع . حتى أنّك تحاول أن تبدو سعيدا .أحببتَ أن تبتسم غير أن شكل الإبتسامة ضاع منك . تحملق في المحلات .واجهاتها زجاجية براقة . دمىً بأجساد متناسقة فاتنة و ملابس حريرية شفافة منتصبة خلف الواجهة . يخيّل إليك أنها تغازلك .تبادلها النظرات, فتجد نفسك تفكّر فيها . تحسّ برغبة ملحّة في البكاء .لن تنسى ذلك المشهد أبدا.
تجلس إلى جانبها و تبادرها بفرحة طفل حصل على أكبر قطعة من الكعكة :
-حبيبتي. البارحة أنهيت روايتي الجديدة .
نظرتها الباردة رصاصة تخترق حماسك . فتذبل فرحة الطفل في صدرك :
-أرجوك إسمعني .لن نستمر هكذا .كتاباتك لن تبني لنا بيتا .
تحتضن يدها الدافئة .تضغط عليها بحنان :
- الكتابة هي الخلود عزيزتي و الشعر . ...
تقاطعك. تنفجر. تصرخ في وجهك :
- يا أخي لا أريد الخلود .أريدك أن تجد لنا حلا . أعطيك فرصة أخيرة حتى نهاية هذا الصيف .
تحمل حقيبتها و تغادر .
تحمل حقيبتها و تغادر .
و تتركك هناك, وحيدا وتائها مثل عصفور مكسور الجناح . تتركك تجترّ الخيبة و الألم . و تضيع هي في زحمة الأيام , و تضيع معها الفرصة , و يمرّ الصيف و بعده الشتاء و فصولٌ أخرى عديدة , ولا تمرّ تلك الغصّة التي تتجرّعها كلما طافت بك ذكراها .
أحببتها ؟. أكيد .و لكن ماذا كنت تتوقّع أيها الحالم الغبي ؟ أن ترضى بأن تعيش معك على فتات الشعر و معين الأحلام ؟
'ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ' .لطالما كنت تهذي هكذا أمام أصدقائك . ولكن ' بالشعر وحده يموت الإنسان ! ' أما آن لك أن تدرك ذلك ؟
كم أشفق عليك يا شاعرا يمتهن البطالة و يكتب عن الحب و الحرية , وعن أرض لا مساحة فيها للقهر أو الموت . يا بائسا يصارع الجوع بقلم و أوراق ويتغنّى بوطن لم يطفئوه بعد في عيون الأطفال و.. العجائز .
لا مفر .الموت يتربّص بك.. فلمن تكتب الآن يا مسكين ! لحبيبة لم تستطع أن تقنعها ب" أنّك تكتب من أجل غدٍ أفضل ! " ,أم لوطن لا يكترث لك ميتًا أم حيًا ..داخل حدود جغرافيته كنتَ أم خارجها ؟
تلك الوظيفة التي تقدّمت لها منذ شهرين كان يمكن أن تكون هي النورفي عالمك الضبابي الكئيب . مرتّب مغري و مركز محترم . دغدغ الأمل وجدانك .و تراقصت صور الفرحة أمام عينيك .سوف تدخل أمّك إلى أكبر مستشفى و ترمّم الشقة و تسدّد الديون و ربّما تشتري بدلة جديدة وحذاء و ربطة عنق.. أيضا !
خاب أملك. جاءك الرفض في آخر لحظة .لا تملك الخبرة الكافية .تعبت و أنت تحاول إقناعهم بأن في الألم أيضا خبرة ,و في اليأس, وفي الحب ..و في الإيمان بالوطن و بالهويّة .
إنتبهت إلى أنها أظلمت منذ ساعات .عاد التصفيق يصمّ أذنيك . قتلت الوقت هذا اليوم .ترى من يقتل الآخر غدا ؟ سوف تعود الآن .ربّما ستكتب هذه الليلة في محاولة أخرى لمحاصرة الموت و الضياع . – هل ستكون الأخيرة ؟ -
تصل إلى البيت .تفتح باب الشقة برفق كي لا تحدث صوتا إشفاقا على أمك المريضة و إخوتك الصغار النيام .
تتمدّد في فراشك .تنظر في السقف لتلاحظ أن التشقّقات تكاثرت عن آخر مرّة . يصيبك الرعب و صور الفيضانات الأخيرة تقفز إلى ذهنك .. تكره القحط و لكنك الآن تتمنّى لو أنّ السماء لا تمطر هذا الشتاء.
تعليق