[align=center]وروى الشيخ المجلسيّ عن الحسين بن عبدالوهّاب أنّه ذكر في كتابه « عيون المعجزات ص 95 » هذه الرواية التي تقول بإحضار السنديّ بن شاهك رُطَباً مسموماً، وتقديمِه للإمام الكاظم عليه السّلام.
فأكل عليه السّلام منه عشر رطبات، فقال له السنديّ: تزداد ؟ قال عليه السّلام: حسبُك، قد بلغتَ ما يُحتاج إليه فيما أُمرتَ به!
ثمّ إنّ السنديَّ أحضر القضاة والعدول قبل وفاته ( أي الإمام الكاظم عليه السّلام ) بأيّام، وأخرجه إليهم وقال: إنّ الناس يقولون: إنّ أبا الحسن موسى في ضَنْك وضُرّ، وها هو ذا لا علّةَ به ولا مرض ولا ضرّ! فالتفت عليه السّلام فقال لهم: إشهدوا عَلَيّ أنّي مقتول بالسمّ منذ ثلاثة أيّام. إشهدوا أنّي صحيح الظاهر لكنّي مسموم، وسأحْمَرُّ في آخر هذا اليوم حُمرةً شديدة منكَرة، وأصفرُّ غداً صُفرةً شديدة، وأبيضُّ بعد غدٍ وأمضي إلى رحمةِ الله ورضوانه. فمضى عليه السّلام كما قال، في آخر اليوم الثالث (9).
• وفي رواية الطبريّ الإماميّ وخبره: كان سبب وفاته أنّ يحيى بن خالد البرمكيّ سمّه في رطبٍ وريحان أرسل بهما إليه مسمومَينِ بأمر الرشيد، ولمّا سُمّ وجَّهَ إليه بشهود حتّى يشهدوا عليه بخروجه عن أملاكه، فلمّا دخلوا قال عليه السّلام: يا فلان، يا فلان.. سُقيتُ السمَّ في يومي هذا، وفي غدٍ يَصفارُّ بدني ويَحمارّ، وبعد غدٍ يسودّ وأموت. فانصرف الشهودُ من عنده، فكان كما قال (10).
• أمّا الشيخ الصدوق فيروي الخبر بهذه العبارات: فأكل عليه السّلام فمرض، فلمّا كان من غدٍ بُعث إليه بالطبيب ليسأله عن العلّة فقال: ما حالك ؟ فتغافل عليه السّلام عنه، فلمّا أكثر الطبيب عليه أخرج عليه السّلام إليه راحته فأراها الطبيب، ثمّ قال له: هذه علّتي. وكانت خُضرةٌ وسطَ راحته تدلّ على أنّه سُمّ، فاجتمع في ذلك الموضع (11).
كيف نُفِّذ الاغتيال!
لو استقرأنا ـ أيّها الإخوة ـ تحرّكات هارون العبّاسي قُبَيل وبُعَيد شهادة الإمام الكاظم عليه السّلام لرأيناه قد تحرّى أُسلوباً خاصّاً في مكيدته، تحرّك من خلاله على ثلاث نقاط حسّاسة:
النقطة الأولى: استعمال الغدر الخفيّ، في حركةٍ هادئة لا تجذب نظراً ولا يشهدها أحد، من خلال خطوةٍ طبيعيّة..
يعني: في ظلام، وفي مائدة طعام. لا يحتاج الجاني إلى أن يستخدم سيفاً أو رمحاً، بل يكفي السمّ وسيلةً تتسلّل إلى جوف العبد الصالح، ليرقد بعدها في غيبوبة الوفاة.. لا أحد رأى ولا أحد سمع.
يذكر ابن الطقطقيّ إشارةً إلى هذه المكيدة فيكتب: كان الرشيد بالرِّقّة، فأمر بقتلهِ، فقُتل قتلاً خفيّاً، ثمّ أدخلوا عليه جماعةً من العدول بالكرخ ليشاهدوه؛ إظهاراً أنّه مات حتف أنفه صلوات الله عليه وسلامه (12). ويوضحّ ابن عنبة ذلك بشيءٍ من التفصيل والبيان حتّى يكتب: ولمّا وُلّي هارون الرشيد الخلافة أكرمَه وعظّمه ( إيهاماً للناس )، ثمّ قبض عليه وحبسه عند الفضل بن يحيى ( البرمكيّ )، ثمّ أخرجه من عنده فسلّمه إلى السنديّ بن شاهك. ومضى الرشيد إلى الشام، فأمر يحيى بنُ خالد السنديَّ بقتله، فقيل: إنّه سُمّ. وقيل: بل لُفّ في بساط وغُمِز ( والغَمْز هو العصر والكبس ) حتّى مات. ثمّ أُخرج للناس وعمل ( السنديّ ) مَحضراً بأنّه مات حتف أنفه، وتركه ثلاثة أيّام على الطريق.. يأتي مَن يأتي فينظر إليه ثمّ يكتب في المحضر (13).
النقطة الثانية: محاولة إبعاد الظنون عن شخص القاتل، فيصدر الأمر من الحاكم العبّاسيّ إلى الوزير، ومن الوزير إلى السجّان؛ لإبعاد الشكّ وتحريف النظر عن القاتل الحقيقيّ الذي قرّر قتلَ الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام وقد بذل هارون العبّاسيّ محاولاتٍ عديدة في إيكال هذه المهمّة إلى أشخاص بعيدين عن أُسرته وحاشيته، من ذلك ما يرويه الشيخ المجلسيّ قائلاً:
رأيت في بعض مؤلّفات أصحابنا: رُويَ أنّ الرشيد لعنه الله لمّا أراد أن يقتل الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام.. عَرَض قَتْله على جنده وفرسانه فلم يقبله أحدٌ منهم، فأرسل إلى عمّاله في بلاد الإفرنج يقول لهم: التمِسُوا لي قوماً لا يعرفون الله ورسوله؛ فإنّي أريد أن أستعين بهم على أمرٍ! فأرسَلوا إليه قوماً لا يعرفون من الإسلام ولا من لغة العرب شيئاً، وكانوا خمسين رجلاً، فلمّا دخلوا عليه أكرمهم وسألهم: مَن ربُّكم ؟ ومن نبيّكم ؟ فقالوا: لا نعرف لنا ربّاً ولا نبيّاً أبداً. فأدخلهمُ البيتَ الذي فيه الإمام عليه السّلام ليقتلوه، والرشيد ينظر إليهم من زاوية البيت، فلمّا رأوا الإمام رموا أسلحتَهم، وارتعدت فرائصهم، وخرّوا سُجَّداً يبكون رحمةً له، فجعل الإمام يُمرّ يده على رؤوسهم ويخاطبهم بلغتهم وهم يبكون. فلمّا رأى الرشيد ذلك خشي الفتنة وصاح بوزيره: أخْرِجْهم! فخرجوا وهم يمشون القهقرى؛ إجلالاً للإمام عليه السّلام، وركبوا خيولهم ومضَوا نحو بلادهم من غير استئذان (14).
وكأنّ هارون أراد أن يتذرّع بأنّ هؤلاء عصابة من الملاحدة، رأوا أن يقتلوا موسى بنَ جعفر سلام الله عليه لأنّه رجلٌ عابد. فخاب في هذه وغيرها، فأمر الفضلَ بن يحيى البرمكيّ أن يقتل الإمامَ الكاظم عليه السّلام وهو في السجن، فرفض، فشقّ على هارون ذلك فأمر بمعاقبة الفضل حتّى جُرّد من ثيابه وضُرب مئةَ سوط في مجلس العبّاس بن محمّد.. ثمّ أمر بتسليم الإمام موسى عليه السّلام إلى السنديّ بن شاهك.
وبلغ يحيى بنَ خالد البرمكي ( أبا الفضل بن يحيى ) الخبر، فركب إلى الرشيد وقال له: أنا أكفل بما تُريد.. متطوّعاً أن ينفّذَ ما رفضه ابنه الفضل من قتل الإمام الكاظم عليه السّلام في حبسه.
ثمّ خرج إلى بغداد ودعا بالسنديّ، وأمَرَه فيه بأمره، فامتثله السنديُّ وسَمَّه في طعامٍ قدّمه إليه (15).
وهكذا يستريح هارون الرشيد حين يسمع ـ وهو بعيد عن السجن ـ أنّ محسودَه قد اغتيل في خفاء، وبيد غيره من القُساة اللُّعناء! فلا يكون أثرٌ واضح لجريمته إذْ لم يُعْلَن شيء من ذلك حوله، ولم يصدر منه أمر علنيّ بقتل الإمام، وهو مع ذلك في راحةٍ من أمره حيثما وُجّهت التُّهمة وإلى أيّ أحدٍ غيرهِ! وأيَّ جهةٍ اتّجهت الشكوك إلى سواه!
النقطة الثالثة: وقد تركّزت على الإيهام وصرف النظر في أمرين:
أ. إبعاد الاحتمال عن ذهن الناس أنّ هارون الرشيد هو القاتل، أو هو الآمر بالقتل.. فسافر هارون إلى خارج بغداد، وقيل: ذهب إلى الرِّقّة أو غيرها في الشام، ومن هناك بعث أمرَه بقتل الإمام الكاظم عليه السّلام قتلاً خفيّاً (16). وكان قد أوكل بعض شؤونه إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور.. ومنها مداراة الناس ومعالجة الموقف بعد اغتيال الإمام موسى عليه السّلام، فجلس سليمان في شُرفة من شُرَف قصره ينتظر تنفيذ الجريمة العظمى، حتّى إذا سمع الصياح والضوضاء أمر ولْدَه وغلمانه بأخذ نعش الإمام الشهيد بالقوّة من الحمّالين، فنزلوا وأخذوه من أيديهم وخرّقوا عليهم سوادهم، ووضعوا النعش الشريف على مفرق أربعة طرق، وأقام المنادون ينادون: ألاَ مَن أراد أن يرى الطيّبَ ابن الطيّب موسى بنَ جعفر، فليخرج.
وشارك سليمان بتشييع جنازة الإمام الكاظم عليه السّلام وحملها، متظاهراً بالتفجّع، حتّى احتفى ومشى متسلّباً مشقوقَ الجيب حاسرَ الرأس إلى مقابر قريش في باب التين، حيث دُفن فيها الإمام سلام الله عليه، بعدها كتب الرشيد إليه: وصلتْك رِحمٌ يا عمّ، وأحسن الله جزاءك، واللهِ ما فعل السنديُّ بن شاهك لعنه الله ما فَعلَه عن أمرنا! (17)
وهكذا يُصرَف النظر عن الآمر بالقتل هارون، وتُوجَّه أصابع الاتّهام إلى القاتل المأمور السنديّ بن شاهك، ويُتظاهَر بالحزن والتأبين من قِبَل الأُسرة العبّاسيّة.
ب. إنكار أنّ الإمام موسى الكاظم عليه السّلام قضى شهيداً بالقتل داخل السجن؛ لأنّ وفاته داخل حبس الرشيد يضع احتمال الاغتيال.. فالأمر يكتنفه الغموض فلابدّ لهارون من تبرئة نفسه وتبرئة بطانته!
وقد تقدّم أنّ السنديّ بن شاهك أحضر القضاة والعدول بعد تقديمه الرُّطَب المسموم للإمام الكاظم عليه السّلام، وأخرجه إليهم ليُشهِدَهم أنّه ليس ذا علّة ولا مرض ولا ضُرّ (18). وعمل هو أو يحيى بن خالد البرمكيّ بعد تنفيذ الاغتيال اللئيم، محضراً بأنّه تُوفّي وفاةً طبيعيّة، وتُركت جنازة الإمام عليه السّلام على الطريق ثلاثة أيّام ينظر إليها المارّة، لتُكتب شهادات الزُّور في المحضر (19).
ويذكر الطبرسيّ الفضل بن الحسن أنّه: لمّا استُشهد صلوات الله عليه أدخلَ السنديُّ عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد، وفيهم الهيثم بن عَدِيّ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثمّ وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنُودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت، قد مات! فانظروا إليه. فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميّت، ثمّ حُمل فدُفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس قديماً (20).
وفي بعض الروايات أنّه عليه السّلام أُتي به إلى السوق فوُضع هناك، ثمّ نُودي عليه: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه، ألاَ فانظروا إليه. فحفّ به الناس وجعلوا ينظرون إليه، ثمّ أمروا العلماءَ والفقهاء أن يكتبوا شهادتَهم في ذلك، فكتبوا جميعاً إلاّ أحمدَ بنَ حنبل، فكلّما زجروه لم يكتب شيئاً (21).
ويبدو أن هذا الخبر منقول عن هندوشاه بن سنجر حيث كتب: روى الشيعة: لمّا أخرجوا جثمان الإمام موسى بن جعفر كانوا ينادون ( أي العبّاسيون ): إمام الرافضة مات حتف أنفه. وكان أحمد بن حنبل حاضراً، وكان يبكي خِفْيةً، ولما قالوا: مات إمام الرافضة قال: لا والله، بل مات إمام المغرب والمشرق! (22)
وهكذا جدّ سعيُ القتلة في إنكار شهادة الإمام عليه السّلام، وتظاهروا بولائهم له أنّ السنديّ سأل الإمامَ الكاظم عليه السّلام أن يأذن له بأن يكفّنه، فأبى وقال له: إنّا ـ أهل بيت ـ مهورُ نسائنا وحجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طُهرة أموالنا، وعندي كفني (23).
أمّا سليمان بن المنصور.. فقد هيّأ للإمام عليه السّلام كفناً فيه حَبرة استُعملت له بألفين وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القرآن كلّه (24).
كلّ ذلك ليقال أنّ السلطة العباسيّة ليست حاقدةً على الإمام موسى عليه السّلام ولم يكن لها غرضٌ في قتل أو نيّة في غدر، بل ظاهر حالها يحكي المودّةَ والاحترام والإجلال.. وأنّ الإمام إنّما تُوفّي وفاةً عاديّة لا شكّ فيها!
ولمّا جيء بالجنازة أمر السنديّ بوضعها على الجسر، وأظهر للناس أنّه مات بقضاء الله تعالى. فكان الناس ينظرون إليه وليس به جرح (25)، حتّى إذا سارت جماهير الناس في بغداد ووجوهها وأشرافها لتشييع الجثمان الطاهر للإمام الكاظم عليه السّلام، تقدّمهم سليمان بن أبي جعفر المنصور في موكب جنائزيّ حزين.
[/align]
منقووول
من شبكة عقائد
فأكل عليه السّلام منه عشر رطبات، فقال له السنديّ: تزداد ؟ قال عليه السّلام: حسبُك، قد بلغتَ ما يُحتاج إليه فيما أُمرتَ به!
ثمّ إنّ السنديَّ أحضر القضاة والعدول قبل وفاته ( أي الإمام الكاظم عليه السّلام ) بأيّام، وأخرجه إليهم وقال: إنّ الناس يقولون: إنّ أبا الحسن موسى في ضَنْك وضُرّ، وها هو ذا لا علّةَ به ولا مرض ولا ضرّ! فالتفت عليه السّلام فقال لهم: إشهدوا عَلَيّ أنّي مقتول بالسمّ منذ ثلاثة أيّام. إشهدوا أنّي صحيح الظاهر لكنّي مسموم، وسأحْمَرُّ في آخر هذا اليوم حُمرةً شديدة منكَرة، وأصفرُّ غداً صُفرةً شديدة، وأبيضُّ بعد غدٍ وأمضي إلى رحمةِ الله ورضوانه. فمضى عليه السّلام كما قال، في آخر اليوم الثالث (9).
• وفي رواية الطبريّ الإماميّ وخبره: كان سبب وفاته أنّ يحيى بن خالد البرمكيّ سمّه في رطبٍ وريحان أرسل بهما إليه مسمومَينِ بأمر الرشيد، ولمّا سُمّ وجَّهَ إليه بشهود حتّى يشهدوا عليه بخروجه عن أملاكه، فلمّا دخلوا قال عليه السّلام: يا فلان، يا فلان.. سُقيتُ السمَّ في يومي هذا، وفي غدٍ يَصفارُّ بدني ويَحمارّ، وبعد غدٍ يسودّ وأموت. فانصرف الشهودُ من عنده، فكان كما قال (10).
• أمّا الشيخ الصدوق فيروي الخبر بهذه العبارات: فأكل عليه السّلام فمرض، فلمّا كان من غدٍ بُعث إليه بالطبيب ليسأله عن العلّة فقال: ما حالك ؟ فتغافل عليه السّلام عنه، فلمّا أكثر الطبيب عليه أخرج عليه السّلام إليه راحته فأراها الطبيب، ثمّ قال له: هذه علّتي. وكانت خُضرةٌ وسطَ راحته تدلّ على أنّه سُمّ، فاجتمع في ذلك الموضع (11).
كيف نُفِّذ الاغتيال!
لو استقرأنا ـ أيّها الإخوة ـ تحرّكات هارون العبّاسي قُبَيل وبُعَيد شهادة الإمام الكاظم عليه السّلام لرأيناه قد تحرّى أُسلوباً خاصّاً في مكيدته، تحرّك من خلاله على ثلاث نقاط حسّاسة:
النقطة الأولى: استعمال الغدر الخفيّ، في حركةٍ هادئة لا تجذب نظراً ولا يشهدها أحد، من خلال خطوةٍ طبيعيّة..
يعني: في ظلام، وفي مائدة طعام. لا يحتاج الجاني إلى أن يستخدم سيفاً أو رمحاً، بل يكفي السمّ وسيلةً تتسلّل إلى جوف العبد الصالح، ليرقد بعدها في غيبوبة الوفاة.. لا أحد رأى ولا أحد سمع.
يذكر ابن الطقطقيّ إشارةً إلى هذه المكيدة فيكتب: كان الرشيد بالرِّقّة، فأمر بقتلهِ، فقُتل قتلاً خفيّاً، ثمّ أدخلوا عليه جماعةً من العدول بالكرخ ليشاهدوه؛ إظهاراً أنّه مات حتف أنفه صلوات الله عليه وسلامه (12). ويوضحّ ابن عنبة ذلك بشيءٍ من التفصيل والبيان حتّى يكتب: ولمّا وُلّي هارون الرشيد الخلافة أكرمَه وعظّمه ( إيهاماً للناس )، ثمّ قبض عليه وحبسه عند الفضل بن يحيى ( البرمكيّ )، ثمّ أخرجه من عنده فسلّمه إلى السنديّ بن شاهك. ومضى الرشيد إلى الشام، فأمر يحيى بنُ خالد السنديَّ بقتله، فقيل: إنّه سُمّ. وقيل: بل لُفّ في بساط وغُمِز ( والغَمْز هو العصر والكبس ) حتّى مات. ثمّ أُخرج للناس وعمل ( السنديّ ) مَحضراً بأنّه مات حتف أنفه، وتركه ثلاثة أيّام على الطريق.. يأتي مَن يأتي فينظر إليه ثمّ يكتب في المحضر (13).
النقطة الثانية: محاولة إبعاد الظنون عن شخص القاتل، فيصدر الأمر من الحاكم العبّاسيّ إلى الوزير، ومن الوزير إلى السجّان؛ لإبعاد الشكّ وتحريف النظر عن القاتل الحقيقيّ الذي قرّر قتلَ الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام وقد بذل هارون العبّاسيّ محاولاتٍ عديدة في إيكال هذه المهمّة إلى أشخاص بعيدين عن أُسرته وحاشيته، من ذلك ما يرويه الشيخ المجلسيّ قائلاً:
رأيت في بعض مؤلّفات أصحابنا: رُويَ أنّ الرشيد لعنه الله لمّا أراد أن يقتل الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام.. عَرَض قَتْله على جنده وفرسانه فلم يقبله أحدٌ منهم، فأرسل إلى عمّاله في بلاد الإفرنج يقول لهم: التمِسُوا لي قوماً لا يعرفون الله ورسوله؛ فإنّي أريد أن أستعين بهم على أمرٍ! فأرسَلوا إليه قوماً لا يعرفون من الإسلام ولا من لغة العرب شيئاً، وكانوا خمسين رجلاً، فلمّا دخلوا عليه أكرمهم وسألهم: مَن ربُّكم ؟ ومن نبيّكم ؟ فقالوا: لا نعرف لنا ربّاً ولا نبيّاً أبداً. فأدخلهمُ البيتَ الذي فيه الإمام عليه السّلام ليقتلوه، والرشيد ينظر إليهم من زاوية البيت، فلمّا رأوا الإمام رموا أسلحتَهم، وارتعدت فرائصهم، وخرّوا سُجَّداً يبكون رحمةً له، فجعل الإمام يُمرّ يده على رؤوسهم ويخاطبهم بلغتهم وهم يبكون. فلمّا رأى الرشيد ذلك خشي الفتنة وصاح بوزيره: أخْرِجْهم! فخرجوا وهم يمشون القهقرى؛ إجلالاً للإمام عليه السّلام، وركبوا خيولهم ومضَوا نحو بلادهم من غير استئذان (14).
وكأنّ هارون أراد أن يتذرّع بأنّ هؤلاء عصابة من الملاحدة، رأوا أن يقتلوا موسى بنَ جعفر سلام الله عليه لأنّه رجلٌ عابد. فخاب في هذه وغيرها، فأمر الفضلَ بن يحيى البرمكيّ أن يقتل الإمامَ الكاظم عليه السّلام وهو في السجن، فرفض، فشقّ على هارون ذلك فأمر بمعاقبة الفضل حتّى جُرّد من ثيابه وضُرب مئةَ سوط في مجلس العبّاس بن محمّد.. ثمّ أمر بتسليم الإمام موسى عليه السّلام إلى السنديّ بن شاهك.
وبلغ يحيى بنَ خالد البرمكي ( أبا الفضل بن يحيى ) الخبر، فركب إلى الرشيد وقال له: أنا أكفل بما تُريد.. متطوّعاً أن ينفّذَ ما رفضه ابنه الفضل من قتل الإمام الكاظم عليه السّلام في حبسه.
ثمّ خرج إلى بغداد ودعا بالسنديّ، وأمَرَه فيه بأمره، فامتثله السنديُّ وسَمَّه في طعامٍ قدّمه إليه (15).
وهكذا يستريح هارون الرشيد حين يسمع ـ وهو بعيد عن السجن ـ أنّ محسودَه قد اغتيل في خفاء، وبيد غيره من القُساة اللُّعناء! فلا يكون أثرٌ واضح لجريمته إذْ لم يُعْلَن شيء من ذلك حوله، ولم يصدر منه أمر علنيّ بقتل الإمام، وهو مع ذلك في راحةٍ من أمره حيثما وُجّهت التُّهمة وإلى أيّ أحدٍ غيرهِ! وأيَّ جهةٍ اتّجهت الشكوك إلى سواه!
النقطة الثالثة: وقد تركّزت على الإيهام وصرف النظر في أمرين:
أ. إبعاد الاحتمال عن ذهن الناس أنّ هارون الرشيد هو القاتل، أو هو الآمر بالقتل.. فسافر هارون إلى خارج بغداد، وقيل: ذهب إلى الرِّقّة أو غيرها في الشام، ومن هناك بعث أمرَه بقتل الإمام الكاظم عليه السّلام قتلاً خفيّاً (16). وكان قد أوكل بعض شؤونه إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور.. ومنها مداراة الناس ومعالجة الموقف بعد اغتيال الإمام موسى عليه السّلام، فجلس سليمان في شُرفة من شُرَف قصره ينتظر تنفيذ الجريمة العظمى، حتّى إذا سمع الصياح والضوضاء أمر ولْدَه وغلمانه بأخذ نعش الإمام الشهيد بالقوّة من الحمّالين، فنزلوا وأخذوه من أيديهم وخرّقوا عليهم سوادهم، ووضعوا النعش الشريف على مفرق أربعة طرق، وأقام المنادون ينادون: ألاَ مَن أراد أن يرى الطيّبَ ابن الطيّب موسى بنَ جعفر، فليخرج.
وشارك سليمان بتشييع جنازة الإمام الكاظم عليه السّلام وحملها، متظاهراً بالتفجّع، حتّى احتفى ومشى متسلّباً مشقوقَ الجيب حاسرَ الرأس إلى مقابر قريش في باب التين، حيث دُفن فيها الإمام سلام الله عليه، بعدها كتب الرشيد إليه: وصلتْك رِحمٌ يا عمّ، وأحسن الله جزاءك، واللهِ ما فعل السنديُّ بن شاهك لعنه الله ما فَعلَه عن أمرنا! (17)
وهكذا يُصرَف النظر عن الآمر بالقتل هارون، وتُوجَّه أصابع الاتّهام إلى القاتل المأمور السنديّ بن شاهك، ويُتظاهَر بالحزن والتأبين من قِبَل الأُسرة العبّاسيّة.
ب. إنكار أنّ الإمام موسى الكاظم عليه السّلام قضى شهيداً بالقتل داخل السجن؛ لأنّ وفاته داخل حبس الرشيد يضع احتمال الاغتيال.. فالأمر يكتنفه الغموض فلابدّ لهارون من تبرئة نفسه وتبرئة بطانته!
وقد تقدّم أنّ السنديّ بن شاهك أحضر القضاة والعدول بعد تقديمه الرُّطَب المسموم للإمام الكاظم عليه السّلام، وأخرجه إليهم ليُشهِدَهم أنّه ليس ذا علّة ولا مرض ولا ضُرّ (18). وعمل هو أو يحيى بن خالد البرمكيّ بعد تنفيذ الاغتيال اللئيم، محضراً بأنّه تُوفّي وفاةً طبيعيّة، وتُركت جنازة الإمام عليه السّلام على الطريق ثلاثة أيّام ينظر إليها المارّة، لتُكتب شهادات الزُّور في المحضر (19).
ويذكر الطبرسيّ الفضل بن الحسن أنّه: لمّا استُشهد صلوات الله عليه أدخلَ السنديُّ عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد، وفيهم الهيثم بن عَدِيّ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثمّ وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنُودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت، قد مات! فانظروا إليه. فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميّت، ثمّ حُمل فدُفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس قديماً (20).
وفي بعض الروايات أنّه عليه السّلام أُتي به إلى السوق فوُضع هناك، ثمّ نُودي عليه: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه، ألاَ فانظروا إليه. فحفّ به الناس وجعلوا ينظرون إليه، ثمّ أمروا العلماءَ والفقهاء أن يكتبوا شهادتَهم في ذلك، فكتبوا جميعاً إلاّ أحمدَ بنَ حنبل، فكلّما زجروه لم يكتب شيئاً (21).
ويبدو أن هذا الخبر منقول عن هندوشاه بن سنجر حيث كتب: روى الشيعة: لمّا أخرجوا جثمان الإمام موسى بن جعفر كانوا ينادون ( أي العبّاسيون ): إمام الرافضة مات حتف أنفه. وكان أحمد بن حنبل حاضراً، وكان يبكي خِفْيةً، ولما قالوا: مات إمام الرافضة قال: لا والله، بل مات إمام المغرب والمشرق! (22)
وهكذا جدّ سعيُ القتلة في إنكار شهادة الإمام عليه السّلام، وتظاهروا بولائهم له أنّ السنديّ سأل الإمامَ الكاظم عليه السّلام أن يأذن له بأن يكفّنه، فأبى وقال له: إنّا ـ أهل بيت ـ مهورُ نسائنا وحجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طُهرة أموالنا، وعندي كفني (23).
أمّا سليمان بن المنصور.. فقد هيّأ للإمام عليه السّلام كفناً فيه حَبرة استُعملت له بألفين وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القرآن كلّه (24).
كلّ ذلك ليقال أنّ السلطة العباسيّة ليست حاقدةً على الإمام موسى عليه السّلام ولم يكن لها غرضٌ في قتل أو نيّة في غدر، بل ظاهر حالها يحكي المودّةَ والاحترام والإجلال.. وأنّ الإمام إنّما تُوفّي وفاةً عاديّة لا شكّ فيها!
ولمّا جيء بالجنازة أمر السنديّ بوضعها على الجسر، وأظهر للناس أنّه مات بقضاء الله تعالى. فكان الناس ينظرون إليه وليس به جرح (25)، حتّى إذا سارت جماهير الناس في بغداد ووجوهها وأشرافها لتشييع الجثمان الطاهر للإمام الكاظم عليه السّلام، تقدّمهم سليمان بن أبي جعفر المنصور في موكب جنائزيّ حزين.
[/align]
منقووول
من شبكة عقائد
تعليق