" أستغرب من الذي يتجاهل انتماءه، ولا يعطي هويّته العربيّة حقّها! برأي هم في غفوة ليس إلّا.
الوطن هو الروح، فكيف أصدّق من يقول بأنّ هناك عميلا عربيا؟! كيف تجتمع هاتان الكلمتان معاً؟! هل يتصاحب المدّ والجزر في طريق واحد؟! كيف يغتال الصيّاد بندقيّته، وهي كلّ ما يملك؟!
لا خونة في بلادي، وإن وُجدوا فهم بالتأكيد ليسوا حصيلة بلادي.. أيّامنا نقيّة، فلا عملاء في محيطي، ورقابنا ما عاشرت سوى الكوفية بألوانها العربيّة ..
هي الأمانة ما تميّز شعب وطني، هي الشهادة ما تكلل جبين بلدي..
لبنان يا بلدي الثاني، أعرف أنّك لن تنام إلا وفلسطين غافية باطمئنان على كتفك.. "
أنهت "نضال" نصّها الجديد عن الوطنية، وبعثته ،عبر البريد، إلى الجريدة التي تعمل فيها.
لن تذهب اليوم إلى العمل، فهناك ما يشغل بالها،
إنّه والدها الحنون، فهو بالكاد يحضر إجتماعات القادة ومسؤلي الحركة، ثمّ يعزل نفسه في غرفته.
" لا بدّ أّنه يحنّ لأمي، لم أشهد مثله رجلا يعيش على ذكرى زوجته بهذا الشكل.
يبقى في الغرفة معظم وقته،مع إبريق من القهوة،
وقطع السكر البنيّ التي يحبّ.
آه، أمّي أنا أيضا اشتقت إليك، كم أتوق إلى دخول غرفتك، التي أقسم أبي أن لا يدخلها أحد سواه ، منذ وفاتك.
مرّت ثلاث سنين، لا بدّ لذاك العهد أن ينتهي، فأنا ابنتكما على أية حال. كم أتوق للبس شىء من ثيابك! أو أن أضع أحد عقودك، لأشعر بدفء وجودك أكثر! "
في المساء، سرقت المفتاح من والدها، انتظرت ذهابه إلى الإجتماع، لتدخل الغرفة.
دخلت، لكنّها لم تجد ثياب أمّها، ولا العقود. بل وجدت ما لم تتوقع أبدا...
أعادت المفتاح إلى مكانه، في حين أنّ قلبها أضاع مكانه.
بعد أيّام تجاوزت الصدمة ولم تتجاوزها.
أمسكت قلمها بخجل، بصعوبة رفعت وجهها أمام الورق..
" فلسطين.. أمضيتُ عمري أكتب لك، أدافع عنك، أتغنّى بثوّارك، وأتباهى بشهدائك الأبطال..
لكن ها هي الطعنة تأتيك من بيتي...
أين شرفُ كل حرف كتبته لك؟ أين العروبة منّي؟!
طُعِنت من جزء منّي، وهذه الطعنة أضعاف أضعاف، لكن صدقيني حبيبتي أنّها دخلت قلبي قبل قلبك، وها أنا أمامك جثّةً مجهولة الهويّة.
فهل أنا ابنة العروبة أم إبنة العميل؟!
أيتها العروبة، لا أدري ماذا أقول..
أعتذر وأقدّم لك روحي .. فهلّا تغفرين؟
انتقمي منّي أنا إن أردتِ، فكما أحمل اسمه، أحمل ذنوبه...
اتركيه لعلّه يتوب... وأعرف أنّه لا يستحق التوبة ولا الغفران..
بل انتقمي منّه ولا تصغي لتقلّبات قلبي،
فكلّما أردت قتله، كذّبت نفسي، وقلت: لا، لا يمكن لأبي أن يكون عميلا ...
فلسطين.. أشعربالخجل منك، لكن أرجوك لا تمزّقي رسائلي..
سامحيني ... لا تردّي كل حرف أهديته لك، واقبلي ما سأهبك إيّاه قريبا..
****
يوم ضبابيّ المزاج، لم تكن ضفائر النهار ذهبية كالمعتاد، كانت السماء حاضرة لتشهد، لتحضن ما وُعِدَت به...
قبِلت الصحيفة باستبدال مراسلي فلسطين، وها هي "نضال" بهوية لبنانية مزورة، تدخل الأرض الطاهرة، مشت وقدماها تقدّسان التراب كأنه ألماس...
" فلسطين ما أبهاك! كل ما كتبته فيك قبلا كان قليلا.. سبحانه ألف مرّة ..
ونسائمك..! آه، لها كيان آخر ... ما بي أتجرّأ على مديحك وكأن ذنبي مغفور! اعذريني نسيت نفسي..
ها أنا أتيت، حاملة كفني .. هيّا خذي بالثأر..
آمُل منك الغفران، وأن ترشديني إلى درب شهدائك الكرام..
تعبت، وأريد أن أغفو بسبات بين ذراعيك .."
****
.... ساعة واحدة وكلّ شيء تبدّل، لا السماء هي السماء، ولا الأرض هي الأرض، ولا المحطّة التي يتجمّع فيها جنود العدوّ الإسرائيليّ هي ولا المحطّة.. بل أصبحت أشلاء محطّة، جولتها الأخيرة كانت رحلة نحو الشهادة.
*****
إنتشر الخبر، صفّق لها ناس، ولعنها ناس..
تنقّل إسمها ما بين لوائح الشهداء ولوائح الإرهاب..
ضجيج .. ضجيج.. وهي تنعم بالهدوء
تنقّل إسمها ما بين لوائح الشهداء ولوائح الإرهاب..
ضجيج .. ضجيج.. وهي تنعم بالهدوء
*****
وقف صامتا، منشلّ الحراك..
أتراه حزنا على ابنته؟ أم أنّ من لا يعي معنى الوطنيّة لا يعرف الأبوّة؟!
ذرف أول دمعة، أما الثانية فاستنكرت ذلك الخدّ، رحلت عنه، مرّت قرب ضريح الشهيدة، خجلت من المثول أمام روحها، ثمّ هربت بعيدا ...
" أتراها كانت تعلم؟"-
حاز هذا السؤال على كلّ تفكيره، حتى أنّه لم ينتبه على نفسه، حين وضع نصف قطع السكر البنيّ في كوب قهوته..
لم يفكّر كثيرا فسرعان ما عثر على رسالتها :
"أيها العميل الذي أنجبني .."
بعِت أرضي، بعتَ العروبة..
خنت وطننا لأجلنا خسر كلّ شيء،
خنت دماء كلّ شهيد ..
أمضيت عمري أنصر بحرفي فلسطين، فكنت تشجّعني وتفخر بي.. لا أصدّق أنني حملتك شعارا مزيّفاً..
أيّها الخائن أنا سددت جزءا من الدين..
والباقي أسدّده بعد قليل..هل شربت قهوتك السوداء كوجهك ووجهي؟
لا تنسَ السكّر البنيّ يا ...أبي."
...............
أثّرت فيه الجملة الأخيرة كثيرا، أخذ يبحث عن تفسير لها، فهم عندما أحسّ بالسمّ يتسرب إلى كلّ أنحاء جسده، ويمزّق أحشاءه ..
أراد طلب النجدة، وها هو هاتفه السريّ يرنّ،
أجاب وهو يصرخ، وقبل أن ينطق، سمع ما يماثل ذلك السمّ.
" لقد انتهى دورك"
وما هي إلا ثوانٍ حتى هلع أهالي مخيم فلسطين في شمال لبنان، من صوت انفجار دوى في أحد أزقّة الحيّ....
تعليق