لا تخرج يا ولدي
الطريق مهشم كأرض المعركة.. والسيارة تخرج من حفرة لتسقط في حفرة أخرى.. والمراة الحامل تتوجّع مع كل ارتجاج في السيارة.. وزوجها يسند ظهرها ويحاول تخفيف ألمها ويهدئ من صراخها.. وجنود الاحتلال يتربصون كالصيادين خلف الستائر المسلحة التي أقاموها .. والحاجز على بعد مئات الأمتار.. وألم الطَلْق يتسارع ليرفع من وتيرة التوجّع لحدّ الصراخ.. تقترب السيارة من الحاجز، ويظهر بوضوح حديده الكاشح، كالوجه الحزين الذي يشهد على حكايا القهر والإذلال والقتل..
ومع اقتراب السيارة، يسرع الجندي على الحاجز، لإغلاق البوابة الحديدية، ويتهيأ بسلاحه ليأمر السائق ومن معه بالتوقف والترجل من السيارة.
ويعلو صراخ المرأة و، هي تُطْلِق، على هدير السيارة وأوامر الجندي..
السائق يضغط على كابح السيارة، بعصبية، فتتوقف السيارة بعد اندفاع مكبوح بغضب، كأنها تحتج على وجود الجندي، وسادية الإنسان، ومساخة التاريخ
وقفت السيارة وترجل الزوج قبل السائق، مهرولا نحو الجندي، يرجوه بالسماح لهم بالعبور بزوجته المتألمة التي قد تلد في كل لحظة، إلى اقرب مستشفى.
لبس الجندي وجها كاشحا، كوجه الحديد الكاشح، وببرود أعصاب يرفض، ويأمر بإنزال المرأة من السيارة لتفتيشها
الزوج يلحّ ويرجو الجندي.
والجندي يزداد رفضا وكشوحا.
قال الزوج:
المرأة لا تستطيع الترجل من السيارة.
الطَلْق يهاجم، والجندي يتأهب ليهاجم هو الآخر، ويزداد عنادا وصلابة عن الحديد الصدئ
المرأة تصرخ... وتستغيث بزوجها
سألدُ.. سألد
الزوج مرتبك..حائر ما بين خوفه على زوجته وعناد الجندي
ماذا يفعل؟؟ ماذا يفعل مع قلب أكثر صلابة من فولاذ الدبابة؟
قد يتحمل ألفاظه القاسية التي تخرج من فم الجندي كما تخرج القذيفة من فوهة المدفع!
تجرح..وتؤلم.... وتهين
يقول مواسيا نفسه:
كل شيء يهون في سبيل سلامة الزوجة والمولود.
لكنه يستدركّ،
أي مولود هذا الذي يستقبل الدنيا تحت التهديد والإذلال والقهر وإشهار السلاحّ!!؟؟
يدير وجهه نحو زوجته يخاطب المولود:
"ليتك لا تخرج يا ولدي"
السائق ينادي الزوج:
دع الجندي، وعُد إلى زوجتك .. إنها تلد.. لا تضيّع الوقت في جدال عقيم، لا جدوى منه...
الزوج يترك الجندي ويهرع إلى زوجته.. وقبل أن يصلها يعود ويتراجع نحو الجندي.. ثم يستدير مرة أخرى نحو زوجته..
لقد فقد القدرة على التفكير، وعلى الإحساس بالأُبوّة..
المولود يصرخ .. والزوجة تصرخ.. والجندي يصرخ..
والزوج في ضياع.. ومن شدة خوف الزوج على زوجته انفكت عقدة لسانه فقال:
تمهّل يا ولدي، تمهل، لا تخرج، ليس "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"
تعليق