أَسْرَعَ مُحْسِنُ يُخْرِجُ كُرَّاسَةَ رَسْمِهِ ، والأَ لوَانَ !
مُحْسِنُ فَنَّانٌ .. شَدَّهُ شَيءٌ مَا..مَوْقِفٌ .. قِصَّةٌ .. جَعَلَتْهُ يُفَكِرُ ، حَرَكَتْ اللَّوْنَ بِإصْبَعِهِ.
رَسم بُيُوتًا طِيِنيَّةً .. نَهْرًا .. شَجَرًا .. غِيطَانًا مُمتَدَةً ..وَطُيُورًا وَدَوَابًا ..صِبْيَانًا تَرْكَبُ مُهْرَ الحُلْمِ حِمَارًا يَرْكُضُ !
رَسَمَ خُطُوطًا أَطْوَلَ مِنْ حَبْلِ غَسِيلٍ .. أَو قُلْ أَطْوَلَ مِنْ نَهْرٍ ، وَرَاحَ يُظَلِّلُ .. َيااَلَّله !!
مُحْسِنُ شَكَّلَ ثُعْبَانًا ضَخْمًا ، حَتَّى كَادَ الثُّعْبَانُ يُغَادِرُ كُرَاسَتَهُ ، يَتَلَوَّى في الْحُجْرَةِ .
تَوَقَّفَ مُحْسِنُ بَعْضَ الشَّيءِ،كَانَ يُفَكِرُ ثَانِيَةً ؛ يَبْدُوأَنَّ الْفكْرَةَ مَازَالَتْ فِي طَوْرِ التَّكْوِينِ .
عَادَ بِأَلْوَانِهِ يَرْسِمُ ، رَسَمَ هَذِى المّرَةَ فَلَاحَيْنِ،وَضَعَ بَعْضَ خُطُوطٍ،ظَلَّلَ فى جَانِبٍ مِنْهَا
كان الفلاحان فقيرين ،ويكدان .. فى أرضهما ، كل يحمل فأسا .. وبريق يلمع ، يفرش جبهة كل منهما ، ويحولها إلى بللورة .
فجأة كان الثعبان يسعى بين خطوط الزرع ،والتف عدة لفات ؛ وكأنه يرسم بيتا للعربي الأكثر شهرة - محبوب الأطفال .. ومحبوب الناس - جحا !
والأخوان مرعوبان ، الأصغر هَمَّ بضربِ الثُّعبَانِ وَقَتْلِهِ ، فنهاه الأكبر ُحتى يَشْهَدَ فعلَهُ
:" خل بيني وبينه .. إن لم نقض عليه يقض علينا ".
قال الأكبر :" صبرا .. لا تتعجل ".
وانفرد الثعبان ، تخلص من لفاته ، ثم اتخذ طريقا حتى غادر حقلهما .
قال الأكبر :" انظر .. ما ترك الثعبان وراءه ؟".
صاح الأصغر :" هذى بيضه .. بيضه في لون الشمس ".
هتف الأكبر :" هيا ندنو منها ".
اندفع الأصغر ، والتقط البيضة ، هتف وهلل :" ذهب .. ذهب خالص ".
هذا شيء ساحر ، كيف لثعبان أن يضع بيضا من ذهب خالص؟
هتف الأكبر:"أمر الله .. وسر من أسراره ؛ فلنكتم أمره.. والله عليم بعباده ".
محسن رسم قرصا للشمس ، وهو يبصبص بين فروع الأشجار ، سرعان ما غطس القرص فى بحر تملؤه الصفرة ، ثم ذاب البحر فى بقع سوداء ، حط الليل !!
محسن رسم نهارا أبيض ، وشمسا رائقة تبزغ من حيث المشرق .
صحا الثعبان المارد ، تمطى ، وغزا نفس الغيط ، ثم تكور .. بعد قليل ، انسحب ، وخلف بيضة !
كانت ذهبا أيضا ، وكما شهد الأخوان بذلك ؛ وهما مشدودان بحبل الدهشة ، لكن الفرح كان الأكثر تعبيرا فى الوجهين المنحوتين بسن الطيبة والفقر !
أسبوع فاتوالثعبان يقدم بيضته مجانا .. دون مقابل !
قال الأصغر لأخيه :" الثعبان يحمل فى بطنه كنزا ؛ فلم لا نقتله ، ونستخرج كنزه ؟".
غزا قلب الأكبر خوف من طمع أخيه ، ولوح فى وجهه ، يسكته :" ألا تكفينا بيضة كل صباح .. احمد ربك ؛ فالطمع أ شر من شيطان مارق ".
مال الأصغر نحو أخيه ، راح يرغبه فيما اقترحه ، فأصر الأكبر فى قوله :" عاقبة العدوان وخيمة ؛ فاحذر ".
توقف محسن ، عاد يتفحص رسمه ، وأعاد صياغة بعض صور من قصته الحلوة .لم يكمل ، كان سؤال يطرق رأسه
:" هل كان الثعبان الحية يقدم بيضته مجانا دون مقابل ؟ ".وعاد ليطرح آخر :" هل قدم ثعبان مرة شيئا دون مقابل ؟ ".
كانت حيرة محسن تكبر ، تكبر !! هم من جلسته ، ونقل ساقيه تجاه الشرفة ، فتح رئتيه ، أبهجها بنسمات هواء رطبة .
أحس براحة ، بعد قليل أدرك سر الثعبان ، وسر البيضة ؛ فتحرك صوب المكتب ، وأمسك ألوانه ، ليكمل رسمه .
خطت الألوان أماما .. خلفا .. رسمت غيطا ، ثم رسمت حبلا .. وبجانبه حبل .. ثم ثالث .. رابع .. خامس ................. !!
صارت بأصابعه مزرعة ثعابين حية ، كانت تتكاثر كل صباح حين كان الثعبان يقدم بيضته للأخوين !
فوجىء الأخوان بالغيط ، وقد صار مزرعة ثعابين ، وبالثعبان وقد أمسك عن بيضته ، وكشر عن نابيه ، حتى كاد يفتك بهما؛ لولا حرصهما!
انطلقا مرعوبين ، بكيا كثيرا .. صاح الأصغر :" قلت أقتله .. ليتك وافقت ".
حط الأكبر أرضا ، قال بغيظ :" ومن يفعل هذا ، يفعل تلك ، والبيضة لن تغنينا عن الأرض .. فالبيضة حتى ما كانت ذهبا ".
صرخ الأصغر :" ما كانت ذهبا .. كيف عرفت ؟".
ضحك بسخرية مرة ، وبحزن ظاهر هتف الأكبر :" كانت محض كمين .. فخا .. ولم نستوثق منها حتى بمرور الوقت ؛ إن كانت ذهبا أم قشرة ".
اختنقت أنفاس الرسام ..حين رأى دمع الرجلين . طمأنهما محسن ، شد على أيديهما ، وبحزن أكد :" حتما أجد لكما حلا.. حتما يأتي يسر بعد أن اعتسر الأمر !".
هتف الأخوان :" سرقت منا الأرض ، واحتيل علينا .. دبرنا ".
محسن رسم أهالي القرية ، رسم الأخوين يصيحان ، ويهيبان :" النجدة .. النجدة .. سرق الثعبان الأرض .. كنا في غفلة ".
همهم أحد رجال البلدة :" كيف لثعبان أن يأخذ أرضا ليست له ؟ ".
همهم آخر :" هذى مهزلة كبرى ، هيا نخرجه منها ".
تأكد عزم أهالي القرية ،حيث اندفعوا صوب الغيط ،منهم من يحمل فأسا ، ومنهم من يحمل شرشرة .. سكينا .. ترسا .. مذارة .. وتدا .. حجرا !
وحين كانوا على رأس الغيط ؛ هالهم الأمر ؛ كأن الأرض مزروعة ثعابين ، يا الله
قال الثعبان الأكبر منتفخا :" لا تقتربوا ؛ وإلا فالموت جزاء العدوان ".
لوح رأس القوم وقال :" هذى أرض الأخوين .. ما كانت أبدا أرضا لثعابين ".
عاد الثعبان يهدد :" كانت أرضهما ، وباعاها لى و لأولادي ".
صرخ الأصغر :" كذب .. ما بعنا أرضا لثعابين ".
طار الثعبان؛فارتعب الناس . حط الذيل على الأرض:" وذهبي ..ذهبي يا كاذب ؟ ".
هتف الأكبر :" كان الثعبان يأتي كل صباح ، ويترك بيضة ، هاهي ذي ؛ كنا لغفلتنا ظننا أن البيضة من ذهب خالص .. انظر يا جارى الطيب .. وافحص .. ومع ذلك كان يترك بيضه دون كلام .. دون حديث عن أرض أو غيره ". وبكى الأكبر !
وأتى الأصغر سلة تحمل بيض الثعبان الكاذب ،كشف غطاء السلة ، فجأة ألقاها أرضا وهو يتراجع رعبا ، كانت ملأى بثعابين تسعى !!
هتف القوم :" مأساة كبرى .. الأخوان شركاء الشيطان .. حضنوا بيضه حتى أفرخ .. كارثة حطت ".
تماوج جسم الثعبان ، وأصدر صوتا مثل التنين الغاضب . فتراجع جمع الناس ، رفعوا الأذرع ، كل يشهر فى وجهه غضبا ، كل رفع سلاحه ؛ فاهتاجت كل ثعابين الغيط كريح عاصف !!
- يا للهول - ريح شالت كل الناس ، وكورق من شجر صائف ألقتهم ..خارج بلدتهم !!
تركوا الأرض ، كل حمل متاعه وعياله ، ارتحل بعيدا ؛ خوفا من موت يأتيه من تحت لحاف ، أو من بين أصابع قدميه .
تحت شجرة ليمون تعانق ضفة نهر ، حطوا أرضا يلتقطون الأنفاس . وبكاؤهم كالأنفاس !
كان تحت الشجرة شيخ طيب ، أدهشه رحيلهم المحزن . سأل بعضا منهم عن سبب رحيلهم وبكائهم الأعجب .
رد عليه البعض :" حط على القرية جيش ثعابين ، نهب الأرض ، وأجلانا عنها بالقوة ".
هتف الشيخ :" تقول ثعابين ؟!".
أعاد الرجل على سمع الشيخ :" جيش ثعابين يتكاثر كل صباح ".
قال الشيخ :" عليكم بعدو الثعبان ".
التف الناس حول الشيخ ، وحين سمعوا كلامه هتفوا :" من يا شيخ ؟ ".
هدأ الشيخ قليلا ، ودعاهم أن يستمعوا له :" أو لا تعرف أنت وأنت من كان عدوا للثعبان وللتمساح ؟".
صاح القوم :" لا نعرف ".
ابتسم الشيخ ، وأدارت إصبعه حبات المسبحة الحلوة ، وقال :" النمس .. النمس .. النمس مخلصكم ".
هتف القوم :" النمس .. كنا والله نسينا ".
فرح الناس ، وهلل كل صغير وصغيرة ، بل باسوا ثوب الشيخ ، وباتوا على أمل العودة للأرض .
عند الفجر كان فتيان القرية يتخذون طريقا صوب بيوت النمس . ما كانت بيت النمس بعيدة ، كانت قرب منازلهم بالقرية . لكن حين وصلوا إليها ، لم يجدوا شيئا ، وجدوا بيوت النمس خالية خربة !
حطوا أرضا،رفعوا أيديهم فوق رؤوسهم طالبا للعون من الله ، وانخرطوا يبكون الحال !
وهنا لم يتحمل محسن ، ألقى الأقلام بضيق ، قطع الحجرة ذهابا وإيابا .. كان يفكر ، وبصوت عال :" لماذا جعلت بيوت النمس يا محسن خالية خربة ؟
ماذا حدث لجماعتها ؟ رحلت أم ماتت ؟ ".
محسن ما وجد حلا ، فطوى الكراسة ، وغادر حجرته جريا
فى قلق نام محسن هذى الليلة .. كان عصفور القلب حزينا ، وساعة أسلم نفسه للنوم ، رأى دمعات القوم تبلل فرشه ، ووسادته الناعمة الحلوة ،
وبيوت النمس المهجورة تصفر فيها الريح !
فجأة كان صوت يتردد من حوله :" النمس سجين يا محسن ، من دفعوا الثعبان لهذى الأرض ، سجنوا كل نموس الأرض ؛ حتى تجلو الناس ، و تطردهم ، انظر يا محسن .. انظر ماذا يفعل هذا المجرم .. يحقن جسد النمس بمحقن .. هذا عقار أخطر من سم الحية ، يجعل فأرا مثل الثعبان مثل الحية .. آه لو يتمكن منها عقاره ، تدهم الكائن في داره ؛ فهي أكثر قوة .. أكثر إقداما وفتوة . هيا ادع القوم ، عرفهم بالأمر ، ناد : هبوا لنجدة أنماس الأرض ؛ لتصبح لكم الأرض ، وتعودوا إليها !! ".
سريعا هب محسن من نومه ، وعلى مكتبه فتح الكراسة . رسم جموع الناس تقف أمام الشيخ ، وهو يؤكد :" مهمتكم نقب السجن أو فتح الباب ليخرج سجناؤه ".
راح كل منهم يشدد عزم الآخر :" هيا.. الوقت يمر ، والمجرم يحكم خطته ؛ ليأخذ كل الأرض بمعاونة ثعابين الأرض ! ".
انطلق فتيان القوم بعزم وبإصرار ،حتى أسوار السجن . كان اثنان من الحراس يروحان ويجيئان ، وكل يحمل رشاشا .
كمن الفتيان في موضع ؛ حتى افترق الحارس عن صاحبه ، فأغاروا عليه . ولم تفلته أياديهم حتى غشى عليه .. وفقد الوعي ، جروه بعيدا .. والثاني أيضا !
دخل الفتيان المخفر ، سمعوا أصواتاهادرةتعلو رويداحتى كادت من قوتها تصم السمع ، وتسلك فى الأبدان الذعر ، ومع ذلك لم تتوقف أرجلهم . أخيرا كانوا أعلى جرف .. فجوة ، كانت متسعة كمضمار الحلبة . رفعوا أكفا حول الآذان ؛ فالصخب مدمر ، غير مطاق ، فى الفجوة الجرف معركة كبرى داميةبين جموع النمس .
انقلب النمس على نفسه ، يقتلولده ، أباه ، وزوجه . كان المنظر بشعا ؛ فانسحب الفتيان ، مافتحوا أبوابا للسجن ، مافتحوا بابا للشيطان .. لكن مامات العصفور الطائر فى الصدر ، انتفض يرفرف ، ويحلق !
هتف الفتيان :"هيا .. حتى لا يدركنا اليأس فنهلك بالفعل المجرم ، وكما هلك النمس".
اتخذوا طريق العودة هدفا،وبصدر الواحد منهم نخلة كانت تكبر .. تكبر وتشد العزم ، حتى قبل كل منهم وجه الشمس !
صغار القرية حين خرج الفتيان سعيا لبيوت النمسركضوا كالغزلان ، حط البعض فوق التبة - تلك التبة كانت أعلى مرتفع فى البقعة - وتسلق من بقى منهم جذع الشجرة ، وبعيون أتعبها الجوع وبكاء الغربة ،ظلوا ينتظرون الفتيان ومعهم أمل العودة للقرية .
حين طال الوقت أدركهم سلطان النوم ؛ فناموا فوق التبة ، وبين فروع الشجرة فى أحضان الطير ، وأوراق خضراء رطبة .
عاد الفتيان أخيرافتحلقهم جمع الناس . أبدوا أسفا مرا لما حل بجماعات النمس ، وهتفوا :" داخل كل منا عزم لا يملكه النمس ، يكفى لإجلاء الثعبان عن القرية ".
هتفت سيدة وبحدة :" جربنا .. أما كنتم معنا ؟"
برفق ضربتها عجوز بعصاها ، وهى تردد:" شدى عزائمهم لا تثنيها ".
التقط الفتيان الأنفاس ، هتفوا :" كيف تهون الأرض فنتركها لغريب ياقوم .. فلنقتل فيها ، أو ينصرنا الله ".
التهب الناس حماسا ، واشتعلت نيران من غضب فى صدر الواحد منهم ، كانت كافية لإبادة كل ثعابين الأرض !
كل حمل سلاحه .
وكان الجوع ثعبانا ينهش فى البطن ، وماعادت معهم كسرة خبز ، أو حبة ملح
هتفوا :" الشجرة .. الشجرة ".
هزوا الجذع النائم فتناثرت الحبات ، كل طعم من الليمون كأنه لوز .. كأنه تفاح من جنة ، واتخذوا طريقا صوب القرية !
الشيخ الطيب شيعهم ،وعلى وجهه بصت بسمته الحلوة ، كانت نقطة رسمت غمازتين رائعتي الطعم، سرعان مافرشت وجهه ، وهو يردد :" سينتصرون .. حتما ينتصرون ؛ فالليمون يقتل سم الثعبان .. و لا يدرون !! ".
هلل محسن ، رقصت ألوانه ، رسمت معركة بين الثعبان وبين الفتيان ، رسمت أخرى ، والفتيان تمزق فيها شر ممزق !
الثعبان يفر من الميدان ، يدركه صغار القرية !
محسن رسم معارك جمة . بدأ الصبيان في القفز حول الثعبان .. تقفز قفزات هائلة السرعة .. والثعبان يحاول أن ينقض عليها بلاجدوى .
فيدور الثعبان .. يدور حول النفس .. يدور.. ويدور ؛ حتى تتقطع منه الأنفاس ، ويلهث تعبا ومشقة .
ينقض الصبيان بأنياب حادة فى غمضة عين ، تنقض على عنق الثعبان من الخلف ، وتغرز فيها براثنها الحادة ؛لتثبتها أرضا ، ثم تمزقها بأسنان كالمشرط . كأن الصبيان نموس .. نموس بالفعل بمخالب وبأنياب حادة !!
أهالي القرية تصنع سدا بالأجساد ، وعلى قدر العزم تقتل وتطارد . لا يتفرج إلا النسوة ؛ فهن يزغردن في فرح ، ويشددن العزم الفائر .
وبنات القرية تهللن .. تطلقن أحجارا صلدة كشياطين ، بينا الصبيان تطارد ما فر ، تخلص كل البر !
مُحْسِنُ فَنَّانٌ .. شَدَّهُ شَيءٌ مَا..مَوْقِفٌ .. قِصَّةٌ .. جَعَلَتْهُ يُفَكِرُ ، حَرَكَتْ اللَّوْنَ بِإصْبَعِهِ.
رَسم بُيُوتًا طِيِنيَّةً .. نَهْرًا .. شَجَرًا .. غِيطَانًا مُمتَدَةً ..وَطُيُورًا وَدَوَابًا ..صِبْيَانًا تَرْكَبُ مُهْرَ الحُلْمِ حِمَارًا يَرْكُضُ !
رَسَمَ خُطُوطًا أَطْوَلَ مِنْ حَبْلِ غَسِيلٍ .. أَو قُلْ أَطْوَلَ مِنْ نَهْرٍ ، وَرَاحَ يُظَلِّلُ .. َيااَلَّله !!
مُحْسِنُ شَكَّلَ ثُعْبَانًا ضَخْمًا ، حَتَّى كَادَ الثُّعْبَانُ يُغَادِرُ كُرَاسَتَهُ ، يَتَلَوَّى في الْحُجْرَةِ .
تَوَقَّفَ مُحْسِنُ بَعْضَ الشَّيءِ،كَانَ يُفَكِرُ ثَانِيَةً ؛ يَبْدُوأَنَّ الْفكْرَةَ مَازَالَتْ فِي طَوْرِ التَّكْوِينِ .
عَادَ بِأَلْوَانِهِ يَرْسِمُ ، رَسَمَ هَذِى المّرَةَ فَلَاحَيْنِ،وَضَعَ بَعْضَ خُطُوطٍ،ظَلَّلَ فى جَانِبٍ مِنْهَا
كان الفلاحان فقيرين ،ويكدان .. فى أرضهما ، كل يحمل فأسا .. وبريق يلمع ، يفرش جبهة كل منهما ، ويحولها إلى بللورة .
فجأة كان الثعبان يسعى بين خطوط الزرع ،والتف عدة لفات ؛ وكأنه يرسم بيتا للعربي الأكثر شهرة - محبوب الأطفال .. ومحبوب الناس - جحا !
والأخوان مرعوبان ، الأصغر هَمَّ بضربِ الثُّعبَانِ وَقَتْلِهِ ، فنهاه الأكبر ُحتى يَشْهَدَ فعلَهُ
:" خل بيني وبينه .. إن لم نقض عليه يقض علينا ".
قال الأكبر :" صبرا .. لا تتعجل ".
وانفرد الثعبان ، تخلص من لفاته ، ثم اتخذ طريقا حتى غادر حقلهما .
قال الأكبر :" انظر .. ما ترك الثعبان وراءه ؟".
صاح الأصغر :" هذى بيضه .. بيضه في لون الشمس ".
هتف الأكبر :" هيا ندنو منها ".
اندفع الأصغر ، والتقط البيضة ، هتف وهلل :" ذهب .. ذهب خالص ".
هذا شيء ساحر ، كيف لثعبان أن يضع بيضا من ذهب خالص؟
هتف الأكبر:"أمر الله .. وسر من أسراره ؛ فلنكتم أمره.. والله عليم بعباده ".
محسن رسم قرصا للشمس ، وهو يبصبص بين فروع الأشجار ، سرعان ما غطس القرص فى بحر تملؤه الصفرة ، ثم ذاب البحر فى بقع سوداء ، حط الليل !!
محسن رسم نهارا أبيض ، وشمسا رائقة تبزغ من حيث المشرق .
صحا الثعبان المارد ، تمطى ، وغزا نفس الغيط ، ثم تكور .. بعد قليل ، انسحب ، وخلف بيضة !
كانت ذهبا أيضا ، وكما شهد الأخوان بذلك ؛ وهما مشدودان بحبل الدهشة ، لكن الفرح كان الأكثر تعبيرا فى الوجهين المنحوتين بسن الطيبة والفقر !
أسبوع فاتوالثعبان يقدم بيضته مجانا .. دون مقابل !
قال الأصغر لأخيه :" الثعبان يحمل فى بطنه كنزا ؛ فلم لا نقتله ، ونستخرج كنزه ؟".
غزا قلب الأكبر خوف من طمع أخيه ، ولوح فى وجهه ، يسكته :" ألا تكفينا بيضة كل صباح .. احمد ربك ؛ فالطمع أ شر من شيطان مارق ".
مال الأصغر نحو أخيه ، راح يرغبه فيما اقترحه ، فأصر الأكبر فى قوله :" عاقبة العدوان وخيمة ؛ فاحذر ".
توقف محسن ، عاد يتفحص رسمه ، وأعاد صياغة بعض صور من قصته الحلوة .لم يكمل ، كان سؤال يطرق رأسه
:" هل كان الثعبان الحية يقدم بيضته مجانا دون مقابل ؟ ".وعاد ليطرح آخر :" هل قدم ثعبان مرة شيئا دون مقابل ؟ ".
كانت حيرة محسن تكبر ، تكبر !! هم من جلسته ، ونقل ساقيه تجاه الشرفة ، فتح رئتيه ، أبهجها بنسمات هواء رطبة .
أحس براحة ، بعد قليل أدرك سر الثعبان ، وسر البيضة ؛ فتحرك صوب المكتب ، وأمسك ألوانه ، ليكمل رسمه .
خطت الألوان أماما .. خلفا .. رسمت غيطا ، ثم رسمت حبلا .. وبجانبه حبل .. ثم ثالث .. رابع .. خامس ................. !!
صارت بأصابعه مزرعة ثعابين حية ، كانت تتكاثر كل صباح حين كان الثعبان يقدم بيضته للأخوين !
فوجىء الأخوان بالغيط ، وقد صار مزرعة ثعابين ، وبالثعبان وقد أمسك عن بيضته ، وكشر عن نابيه ، حتى كاد يفتك بهما؛ لولا حرصهما!
انطلقا مرعوبين ، بكيا كثيرا .. صاح الأصغر :" قلت أقتله .. ليتك وافقت ".
حط الأكبر أرضا ، قال بغيظ :" ومن يفعل هذا ، يفعل تلك ، والبيضة لن تغنينا عن الأرض .. فالبيضة حتى ما كانت ذهبا ".
صرخ الأصغر :" ما كانت ذهبا .. كيف عرفت ؟".
ضحك بسخرية مرة ، وبحزن ظاهر هتف الأكبر :" كانت محض كمين .. فخا .. ولم نستوثق منها حتى بمرور الوقت ؛ إن كانت ذهبا أم قشرة ".
اختنقت أنفاس الرسام ..حين رأى دمع الرجلين . طمأنهما محسن ، شد على أيديهما ، وبحزن أكد :" حتما أجد لكما حلا.. حتما يأتي يسر بعد أن اعتسر الأمر !".
هتف الأخوان :" سرقت منا الأرض ، واحتيل علينا .. دبرنا ".
محسن رسم أهالي القرية ، رسم الأخوين يصيحان ، ويهيبان :" النجدة .. النجدة .. سرق الثعبان الأرض .. كنا في غفلة ".
همهم أحد رجال البلدة :" كيف لثعبان أن يأخذ أرضا ليست له ؟ ".
همهم آخر :" هذى مهزلة كبرى ، هيا نخرجه منها ".
تأكد عزم أهالي القرية ،حيث اندفعوا صوب الغيط ،منهم من يحمل فأسا ، ومنهم من يحمل شرشرة .. سكينا .. ترسا .. مذارة .. وتدا .. حجرا !
وحين كانوا على رأس الغيط ؛ هالهم الأمر ؛ كأن الأرض مزروعة ثعابين ، يا الله
قال الثعبان الأكبر منتفخا :" لا تقتربوا ؛ وإلا فالموت جزاء العدوان ".
لوح رأس القوم وقال :" هذى أرض الأخوين .. ما كانت أبدا أرضا لثعابين ".
عاد الثعبان يهدد :" كانت أرضهما ، وباعاها لى و لأولادي ".
صرخ الأصغر :" كذب .. ما بعنا أرضا لثعابين ".
طار الثعبان؛فارتعب الناس . حط الذيل على الأرض:" وذهبي ..ذهبي يا كاذب ؟ ".
هتف الأكبر :" كان الثعبان يأتي كل صباح ، ويترك بيضة ، هاهي ذي ؛ كنا لغفلتنا ظننا أن البيضة من ذهب خالص .. انظر يا جارى الطيب .. وافحص .. ومع ذلك كان يترك بيضه دون كلام .. دون حديث عن أرض أو غيره ". وبكى الأكبر !
وأتى الأصغر سلة تحمل بيض الثعبان الكاذب ،كشف غطاء السلة ، فجأة ألقاها أرضا وهو يتراجع رعبا ، كانت ملأى بثعابين تسعى !!
هتف القوم :" مأساة كبرى .. الأخوان شركاء الشيطان .. حضنوا بيضه حتى أفرخ .. كارثة حطت ".
تماوج جسم الثعبان ، وأصدر صوتا مثل التنين الغاضب . فتراجع جمع الناس ، رفعوا الأذرع ، كل يشهر فى وجهه غضبا ، كل رفع سلاحه ؛ فاهتاجت كل ثعابين الغيط كريح عاصف !!
- يا للهول - ريح شالت كل الناس ، وكورق من شجر صائف ألقتهم ..خارج بلدتهم !!
تركوا الأرض ، كل حمل متاعه وعياله ، ارتحل بعيدا ؛ خوفا من موت يأتيه من تحت لحاف ، أو من بين أصابع قدميه .
تحت شجرة ليمون تعانق ضفة نهر ، حطوا أرضا يلتقطون الأنفاس . وبكاؤهم كالأنفاس !
كان تحت الشجرة شيخ طيب ، أدهشه رحيلهم المحزن . سأل بعضا منهم عن سبب رحيلهم وبكائهم الأعجب .
رد عليه البعض :" حط على القرية جيش ثعابين ، نهب الأرض ، وأجلانا عنها بالقوة ".
هتف الشيخ :" تقول ثعابين ؟!".
أعاد الرجل على سمع الشيخ :" جيش ثعابين يتكاثر كل صباح ".
قال الشيخ :" عليكم بعدو الثعبان ".
التف الناس حول الشيخ ، وحين سمعوا كلامه هتفوا :" من يا شيخ ؟ ".
هدأ الشيخ قليلا ، ودعاهم أن يستمعوا له :" أو لا تعرف أنت وأنت من كان عدوا للثعبان وللتمساح ؟".
صاح القوم :" لا نعرف ".
ابتسم الشيخ ، وأدارت إصبعه حبات المسبحة الحلوة ، وقال :" النمس .. النمس .. النمس مخلصكم ".
هتف القوم :" النمس .. كنا والله نسينا ".
فرح الناس ، وهلل كل صغير وصغيرة ، بل باسوا ثوب الشيخ ، وباتوا على أمل العودة للأرض .
عند الفجر كان فتيان القرية يتخذون طريقا صوب بيوت النمس . ما كانت بيت النمس بعيدة ، كانت قرب منازلهم بالقرية . لكن حين وصلوا إليها ، لم يجدوا شيئا ، وجدوا بيوت النمس خالية خربة !
حطوا أرضا،رفعوا أيديهم فوق رؤوسهم طالبا للعون من الله ، وانخرطوا يبكون الحال !
وهنا لم يتحمل محسن ، ألقى الأقلام بضيق ، قطع الحجرة ذهابا وإيابا .. كان يفكر ، وبصوت عال :" لماذا جعلت بيوت النمس يا محسن خالية خربة ؟
ماذا حدث لجماعتها ؟ رحلت أم ماتت ؟ ".
محسن ما وجد حلا ، فطوى الكراسة ، وغادر حجرته جريا
فى قلق نام محسن هذى الليلة .. كان عصفور القلب حزينا ، وساعة أسلم نفسه للنوم ، رأى دمعات القوم تبلل فرشه ، ووسادته الناعمة الحلوة ،
وبيوت النمس المهجورة تصفر فيها الريح !
فجأة كان صوت يتردد من حوله :" النمس سجين يا محسن ، من دفعوا الثعبان لهذى الأرض ، سجنوا كل نموس الأرض ؛ حتى تجلو الناس ، و تطردهم ، انظر يا محسن .. انظر ماذا يفعل هذا المجرم .. يحقن جسد النمس بمحقن .. هذا عقار أخطر من سم الحية ، يجعل فأرا مثل الثعبان مثل الحية .. آه لو يتمكن منها عقاره ، تدهم الكائن في داره ؛ فهي أكثر قوة .. أكثر إقداما وفتوة . هيا ادع القوم ، عرفهم بالأمر ، ناد : هبوا لنجدة أنماس الأرض ؛ لتصبح لكم الأرض ، وتعودوا إليها !! ".
سريعا هب محسن من نومه ، وعلى مكتبه فتح الكراسة . رسم جموع الناس تقف أمام الشيخ ، وهو يؤكد :" مهمتكم نقب السجن أو فتح الباب ليخرج سجناؤه ".
راح كل منهم يشدد عزم الآخر :" هيا.. الوقت يمر ، والمجرم يحكم خطته ؛ ليأخذ كل الأرض بمعاونة ثعابين الأرض ! ".
انطلق فتيان القوم بعزم وبإصرار ،حتى أسوار السجن . كان اثنان من الحراس يروحان ويجيئان ، وكل يحمل رشاشا .
كمن الفتيان في موضع ؛ حتى افترق الحارس عن صاحبه ، فأغاروا عليه . ولم تفلته أياديهم حتى غشى عليه .. وفقد الوعي ، جروه بعيدا .. والثاني أيضا !
دخل الفتيان المخفر ، سمعوا أصواتاهادرةتعلو رويداحتى كادت من قوتها تصم السمع ، وتسلك فى الأبدان الذعر ، ومع ذلك لم تتوقف أرجلهم . أخيرا كانوا أعلى جرف .. فجوة ، كانت متسعة كمضمار الحلبة . رفعوا أكفا حول الآذان ؛ فالصخب مدمر ، غير مطاق ، فى الفجوة الجرف معركة كبرى داميةبين جموع النمس .
انقلب النمس على نفسه ، يقتلولده ، أباه ، وزوجه . كان المنظر بشعا ؛ فانسحب الفتيان ، مافتحوا أبوابا للسجن ، مافتحوا بابا للشيطان .. لكن مامات العصفور الطائر فى الصدر ، انتفض يرفرف ، ويحلق !
هتف الفتيان :"هيا .. حتى لا يدركنا اليأس فنهلك بالفعل المجرم ، وكما هلك النمس".
اتخذوا طريق العودة هدفا،وبصدر الواحد منهم نخلة كانت تكبر .. تكبر وتشد العزم ، حتى قبل كل منهم وجه الشمس !
صغار القرية حين خرج الفتيان سعيا لبيوت النمسركضوا كالغزلان ، حط البعض فوق التبة - تلك التبة كانت أعلى مرتفع فى البقعة - وتسلق من بقى منهم جذع الشجرة ، وبعيون أتعبها الجوع وبكاء الغربة ،ظلوا ينتظرون الفتيان ومعهم أمل العودة للقرية .
حين طال الوقت أدركهم سلطان النوم ؛ فناموا فوق التبة ، وبين فروع الشجرة فى أحضان الطير ، وأوراق خضراء رطبة .
عاد الفتيان أخيرافتحلقهم جمع الناس . أبدوا أسفا مرا لما حل بجماعات النمس ، وهتفوا :" داخل كل منا عزم لا يملكه النمس ، يكفى لإجلاء الثعبان عن القرية ".
هتفت سيدة وبحدة :" جربنا .. أما كنتم معنا ؟"
برفق ضربتها عجوز بعصاها ، وهى تردد:" شدى عزائمهم لا تثنيها ".
التقط الفتيان الأنفاس ، هتفوا :" كيف تهون الأرض فنتركها لغريب ياقوم .. فلنقتل فيها ، أو ينصرنا الله ".
التهب الناس حماسا ، واشتعلت نيران من غضب فى صدر الواحد منهم ، كانت كافية لإبادة كل ثعابين الأرض !
كل حمل سلاحه .
وكان الجوع ثعبانا ينهش فى البطن ، وماعادت معهم كسرة خبز ، أو حبة ملح
هتفوا :" الشجرة .. الشجرة ".
هزوا الجذع النائم فتناثرت الحبات ، كل طعم من الليمون كأنه لوز .. كأنه تفاح من جنة ، واتخذوا طريقا صوب القرية !
الشيخ الطيب شيعهم ،وعلى وجهه بصت بسمته الحلوة ، كانت نقطة رسمت غمازتين رائعتي الطعم، سرعان مافرشت وجهه ، وهو يردد :" سينتصرون .. حتما ينتصرون ؛ فالليمون يقتل سم الثعبان .. و لا يدرون !! ".
هلل محسن ، رقصت ألوانه ، رسمت معركة بين الثعبان وبين الفتيان ، رسمت أخرى ، والفتيان تمزق فيها شر ممزق !
الثعبان يفر من الميدان ، يدركه صغار القرية !
محسن رسم معارك جمة . بدأ الصبيان في القفز حول الثعبان .. تقفز قفزات هائلة السرعة .. والثعبان يحاول أن ينقض عليها بلاجدوى .
فيدور الثعبان .. يدور حول النفس .. يدور.. ويدور ؛ حتى تتقطع منه الأنفاس ، ويلهث تعبا ومشقة .
ينقض الصبيان بأنياب حادة فى غمضة عين ، تنقض على عنق الثعبان من الخلف ، وتغرز فيها براثنها الحادة ؛لتثبتها أرضا ، ثم تمزقها بأسنان كالمشرط . كأن الصبيان نموس .. نموس بالفعل بمخالب وبأنياب حادة !!
أهالي القرية تصنع سدا بالأجساد ، وعلى قدر العزم تقتل وتطارد . لا يتفرج إلا النسوة ؛ فهن يزغردن في فرح ، ويشددن العزم الفائر .
وبنات القرية تهللن .. تطلقن أحجارا صلدة كشياطين ، بينا الصبيان تطارد ما فر ، تخلص كل البر !
تعليق