قبـــــــــلة ...
سكنتني رغبة استسلمت لها عن طواعية ،وحسبت أني مدركها يوما ،لم يكن بيني وبينها إلا انحناءة بسيطة ،ولكن كلما ساورتني تلك الانحناءة صادف الفعل عقوق ووجدتني أنأى ....
واكتشفت يوما بعد يوم أن الذي يخالجني ليس نزوة عابرة، ولا هي شطحة وجدانية تخبو تارة وتفيض أخرى ،كان الاشتهاء يعرّش في ثنايا الروح ،وكنت لا أملك إلا الانقياد، وأنا أرى من ساقتني الرغبة إليه، أدنى إلي من ابني ،ابنتي، أحب تلاميذي، أشيائي الصغيرة والثمينة، أنفاسي ،كل الأشياء التي تعاشرني وأعاشرها ....
وأقترب من الفراش الذي تنام فيه حبيبتي، أحضن وسادتها، أتشمم ثوبها، أعانقه وكأنها تلبسه ،أربت على كتفيها ،أحدثّها حديث الحبيب إلى حبيبته ،وترتبك شفتاي ....
أندفع، أكاد أفعل مع أول لقاء صباحي ، يهم الفعل بي .، يختلج فؤادي ،يسري في أوصالي تيار خفي ، كنت أعرف أني لن أندم إن فعلت،
وأن الله سيبارك رغبتي، لا لأني استثناء، أوْ لأني أشعر بالقرب من الله،
ولكن لأنني كثيرا ما تتغلغل الرغبة في أثناء الصّلاة فلا أطردها ،
بل أراني أفعل كما لم يفعل عاشق أعمى بصيرته الوله ،وتهدّني الغصّة ولا أبكي ، ويسيطر علي الارتباك، فيضيق خاطري ،أكسّر آنية أوقعها حظها العاثرفي طريقي. أفرّ من ضعفي وقصوري فأضرب الجدار، أصرخ صرخة مكتومة .، وتعرف القسوة قلبي ، فأنهر الساّعين إلي ّ.،وتتساءل ابنتي :"لماذا أنت غاضب ؟.....لم كل هذا التوتر ؟" فأنظر إليها ولا أجيبها ،وتذهب بها الظّنون كلّ مذهب، ولا أجد الشّجاعة للقول أنيّ أغار منها ....ــ وفي ذلك عزائي ـــ حين أراها تفعل ما أعجزتني قدرتي عليه ،وأنيّ أموت كمدا .ولا أفتأ ألوم أمي التي ربّتني على الجبن في مثل هذه المواقف ...
ثم تحملني أجنحة وساوسي، فأرى حبيبتي جثّة باردة وأجدني أتسلـّل كالطّيف من شقوق الباب ، لأطفئ نارا ظل يستعر لهيبها في صدري طيلة حياتها، فأجثو على ركبتيّ، وأنحني كما في السّجود، لأقبّل أديم بشرتها،
وأشهق انتشاء ،كما في الذّكرى،.ثم أتسلـّل مغادرا ، وطعم الموت على شفتيّ ....
هل سيتكرّر المشهد....؟ وهل سأجدني مرّة ثانية أنتظر الموت ،وقد برّح بي الظّمأ لأغتصب قبلة محمومة على جسد بارد ....؟ أيّ نوع من الرّذائل اقترفت يداي ليكون قدري حصاد القبل على أرجل الموتى... ؟
ولم أزل أقف طويلا عند رأس أمّي ، أتأمّلها وهي تنأى عني ،
أسألها عن حالها ،ألاطفها ،أمازحها ، أحيط كتفيها ، أقدّم لها عيني ّترى بهما،أشدّ يديها طويلا....ولا أجرؤ على الانحناء لتقبيل قدميها ......
تعليق