الرحلة الثالثة (( سندباد فى بلاد واق الواق )) ربيع عقب الباب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    الرحلة الثالثة (( سندباد فى بلاد واق الواق )) ربيع عقب الباب

    الرحلة الثالثة ( سندباد فى بلاد واق الواق )

    الفصل الأول ( استقبال يليق بملك متوج )

    أخيرا تدنو سفينة السندباد من بوغاز واق الواق ، هاهى ذي تتقدم كقلعة حربية ، بعد أن اجتازت أخطار ومتاعب البحر الأعظم ، تقترب رويدا .. رويدا من الساحل ، بحذر و حرص شديدين ، كأنها تتعلم من تجاربها السابقة ، وسندباد يتحرك هنا و هناك ، يدير دفة الأمور بحكمة ، يسرى بين ثانيا صدره إحساس
    كبير بالمسئولية ، فيطالع كل شىء أمامه : لون السماء ، أخاديد الجبال ، المغارات القريبة من الشاطىء ، طعم الهواء ، ورائحته .
    إنه الوطن ؛ هذه البقعة الرائعة هى كل دنياه . كانت محفورة كوشم على صدره ، وفؤاده ، وكل جوارحه ؛ و لهذا كانت فرحته ممزوجة بحنين دافىء ، جميل له لون الخضرة فى الواديان ، و أنفاس الندى ساعة يطل الصبح على أفنان الطيور .. نعم كان سندباد مسحورا بها ، فسماها بلاد العجائب الملونة .

    كان يحلم ، وهو طفل بهذه البلاد ؛ نعم فكثيرا ما حكت له أمه " بدر التمام " التى أرضعته و ربته عن هذه البلاد ، وسمتها بلاد الحواديت و السحر و الجمال ، و الطيبة و المغامرات و الشجر الجميل ، حيث يكسو الأرض الورد و الرياحين .

    لما كبر " سندباد " انسحر ببلاده ، و أحب كل شىء فيها ، رغم أنها لم تكن أجمل بقعة فى العالم ، إلا أنها كانت عنده ، أجمل من كل العالم ، فسماها بهذا الاسم ، و لم يكن يناديها إلا به بلاد واق الواق .

    كان " سندباد " يحكي لـ " ضحى " زوجته عن الرجل الذى رباه ، و السيدة التى أرضعته ، وتعهدته بالرعاية ، كيف كانت تدافع عنه ، وتدلله ، و تقف فى وجه زوجها العنيد ، حيث كان يصر على ضرورة أن يتعلم سندباد مهنته كتاجر ، و يحكى سندباد كيف ترقى فى السلاح بعد معركة رهيبة مع الأعداء ، الذين جروا و انكفأوا لإبرام صلح سلام مع السلطان ، ولم يكن سندباد ليرتضي هذا الصلح ، بل كثيرا ما أعلن رفضه ، و معارضته ؛ فقد تعلم من التجارب الكثيرة و الأسفار المتكررة ألا يثق فى قوم يكرهون بني البشر ، على هذا النحو . استدعاه السلطان أيامها ، و ناقشه .. ناقشه طويلا ، و فى أثناء هذه المقابلة اتضح له إلى أى مدى ، كان السلطان يتهم الأمر ، و يدركه ؛ فقد كان يعرفهم جيدا ، و لا تخفى عليه نواياهم الخبيثة ، لكنه بعد ذلك كان يبدو و كأنه تورط معهم ، ودخل بيت العنكبوت برجليه .
    sigpic
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    كان يحكي لـ " ضحى " ، وهو حزين متأثر ، و يصف لها ما جرى ، و ما كان ، وما جره الصلح عليهم من مصائب ووباء ؛ فقد فتحت البلاد مصراعيها لأى من كان ، فتسلل المجرمون هنا وهناك ، يدبرون المكائد للشعب الطيب ، بما يجلبون من تجارة فاسدة ، و أدوية تحمل الأوبئة و الميكروبات ، و بدلا من أن ينقض السلطان ما بينه و بينهم أصر على ضرورة البحث عن الدواء ، و مد الحبل لهؤلاء السفلة على الغارب .

    فجأة تتأرجح السفينة ، تهتز بقوة ، تتمايل حتى تكاد تنقلب ، و يصبح عاليها سافلها ؛ فيدوي صوت سندباد عاليا :" احترصوا .. احترصوا ".
    و فجأة أيضا يظهر سبعة شياطين مردة ، و يحيطون بالسفينة ، يرفعونها فى الهواء ، وهم يقهقهون بوحشية ، يصرخون ، ثم فى نفس واحد يتهددون " سندباد " قائلين " هات ما معك نتركك تمضي ، و إلا أغرقناك الآن و من معك ".
    يبتسم " سندباد " بطيبته المعهودة ، يقول :" ليس معي شىء ".
    ترتفع أصواتهم بالوعيد و النذير بإغراق السفينة ، و تنفيذ تهديدهم فى الحال ، فيضطر " سندباد " إلى مراوغتهم ، فيرسم علامات الفزع و الخوف على وجهه ، وهو يجيب :" حاضر .. سوف أعطيكم مامعي .. لحظة واحدة ".

    يسرع " سندباد " إلى قمرته ؛ يتذكر كل ما قيل بشأن الريشة و العظمة ، و ما تفعله فى الأعداء و السحار ، لم يبطئ فى العودة إلى سطح السفينة ، بل كان يركض خوفا على ضحى ، و البحارة ، و يقف أمامهم بنفس القوة و الثبات .

    تدمدم الشياطين :" هاقد أتى الجبان ، سوف يسعد السلطان .. نعم ".
    يدنو السندباد ، و هم فى قمة سعادتهم ، و يسلط العظمة عليهم ، فينكمشون فى الحال ، يتقازمون واحدا بعد الآخر .
    يتهلل البحارة فرحا ، بينما سندباد يحاصر الشياطين ، و لم يتركهم حتى أتم تدمير رؤوسهم جميعا ، و يتلاشوا مثل الغبار فى أعماق البحر .

    مرة أخرى تشق السفينة طريقها صوب الشاطىء ، كأن شيئا لم يكن ، و يسجد سندباد شكرا لله الحامي الحارس ، يقبل الأرض ، و الدموع تجرى على خديه ، وصدره ينبض بشدة من فرط السعادة .
    كان يشم رمال الشاطئ ، يكاد يلتهمها ، يتذوقها بطرف لسانه ، فكأنما كان يتأكد من حقيقتها هى هى ، ثم يصدر أوامره باحضار خرج الدواء ، وبسرعة يخفيه فى مكان ما على الشاطىء ، وبنفس السرعة يكتب رسالة إلى عظموة السلطان ، و يشدها إلى بطن رعد ، و يفهمه ما يريد ، ثم يذكره بالطريق التى يجب أن يسلكها فى مهمته ، فينطلق رعد من فوره ، ناطا مرحا ، و بعد لحظات كان يختفي عن الأنظار .
    كان مضمون الرسالة إخبار السلطان بعودة سندباد بالدواء ، و إخباره ببعض الأمور الهامة التى وقعت له خلال رحلاته فى جزيرة المرج ، ومقابلته للملك النعمان ، ثم وادي الملوك ، وتطرق فى الحديث عن بلاد الخرس ، و بلاد نم نم ، و لم يذكر شيئا عن أمه أميرة النبورة ، ثم يختتم رسالته بالثناء على عظمة السلطان ، و الدعاء له ، وتقديم الشكر على منحه هذه الفرصة الذهبية ليجوب هذه الممالك و هذه المهالك .
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      يتلقى الرجال أوامر " سندباد " بصدور رحبة ، و يشمرون عن سواعدهم استعدادا لتفريغ حمولة السفينة على الشاطئ :" النفائس ، الحرائر ، النباتات ، المعدات .. وغيره من الأشياء و الهدايا .
      سندباد وسطهم يعمل إلى جانبهم ؛ و عندما كانت الشمس تدير وجهها ، مرتمية فى بحر الغروب ، تمطر السماء فجأة ، لم يكن ماء ، بل سهاما و كرات ملتهبة ؛ كأنها حمم الجحيم ، فيسود هرج ومرج ، و يتغلغل الفزع و الرعب إلى قلوب البحارة ، لكن صوت " سندباد " يعلو :" هيا .. احتموا بالجبل .. هيا يارجال ".
      تمتد النار فى السفينة حتى تتحول إلى كتلة من اللهب .

      كان المنجنيق يواصل قذفه ، وبوحشية عجيبة ، و البحارة يسقطون صرعى ، فيجن جنون سندباد ، لكنه لم يستطع فعل شىء ، حيال ما يحدث ، فقط ينتظر ، و يجاهد للحفاظ على حياة البحارة ، ثم يقول لزوجته :" إنه استقبال يليق بملك متوج .. أليس كذلك يازوجتي العزيزة ؟!".

      كان كل همه الدواء ، و ليذهب كل ما جلبه إلى الجحيم ، لكنه بعد لحظة و جيزة ، يخلف زوجته ومعها خرج الدواء ، و يدور زاحفا على بطنه ومرفقيه ، محاذرا أن تنال منه إحدى كرات النار التى تتطاير هنا و هناك ، يتحرك كصقر محددا المكان جيدا ، ثم ينقض على فريسته .. يدور ، و يناور ، ثم يسلك طريقا عكسية ، و بيده سيفه البطاش .. باغتهم .. كانوا أربعة شياطين ، يقتحمهم ، يطيح فيهم شمالا و جنوبا . الأربعة فى وقت و احد ؛ يصرعهم بسيفه القوي ، ثم يزحف ماردا جسورا ، ينقض على جمع المعتدين ، يأتى عليهم بفضل حكمته وحتكته ، و قدرته على القتال ؛ لقد كانت العظمة كفيلة بردهم ، ودحرهم ، لكن نفسه تاقت إلى المواجهة ، فصمم على أن يذيقهم الموت بيده .

      تتوقف السماء عن هذا النوع من الغيث ، و تهدأ الحركة ، ثم يندفع سندباد ومعه ضحي ، يضمدان جراح البحارة ، و يشدان على أيديهم .. ومن بعد يستدير سندباد ليرى رعدا مقبلا أمامه ، يجر ساقيه بصعوبة ، و الدماء تنزف من أذنيه ومن رجليه ، و هو يبكي حزينا متألما !!

      مع الفصل الثاني إن شاء الله
      sigpic

      تعليق

      يعمل...
      X