وفاء
لم يكد ْيدلف البيت, حتى تناهت أصوات القادمين لسمعها, وطرقعة الأسلحة, تدوّي حولها, تقرع أجراس الخطر, فبان الهلع, على قسمات وجهها الحزين:
- اهرب قصي, سيقتلونك, اسرع
أمسك يدها, يسحبها
- معي وفاء, لنهرب معاً, سيقطّعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت.
- لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط اسرع قبل أن يقتحموا الباب.
حمل سلاحه, قفز بخفّة للبيت المجاور, وهي تتابعه بعينين ملؤهما الخوف, تتمتم أدعية الحفظ والحرز.
أغلقت باب البيت الخلفيّ, ونفضت عن ثوبها الأسود, بقايا ترابٍ علق به , تجاهد لاهثة, لملمة شتات روحها.
تعالت أصوات المهتاجين خارجا, واهتزّ الباب تحت ثقل الأكتاف المتدافعة, ثم انخلعت ضلفتيه, ليتدفقّ الرجال كومة واحدة, يحيطون بها!!
تلفتت محتارة بين الوجوه المكفهرّة, زائغة العينين, مستغربة, هذا الحقد الدفين, الذي يطفح من المآقي, دبّ الخوف بداخلها, أفواج نمليّة, تزحف عليها حتى قمة رأسها, وفوّهات البنادق مصوبة نحوها, زمجر أغلظهم:
- أين عشيقك, أيتها الفاجرة؟!!
ابتلعت ريقها الناشف:
- ابتلعته الأزقة!!
لم تستطع التقاط أنفاسها, والضربات تنهال على رأسها, صدرها, وجهها, حتى تهالكت, وصوت أجشّ يجز عقلها, ويتلمّس جسدها بيديه, قبل أن تهوي, مغميّا عليها.
- لن ندعك تنسين هذا اليوم, أبدا!!
بين الوهم والحقيقة, استفاقت, تغشو عينيها ضبابية مغبرة, تتفحّص وجه والدتها, بعض الجيران, وسياط الحيرة تلسع كيانها, بدت لها الوجوه, مشوّهة, وتلك العجوز تمسح وجهها بطرف ثوبها, تتمتم بآيات قرآنية على رأسها, وتنفخ على جبينها.
كان الوقت, غروبا, اختلط لونه بلون رؤياها, وضبابيّتها!!
حين همست العجوز في أذنها قبل أن تنصرف:
- السدرة, لن تصيبها اللعنة بنيتي, تشبّثي بالجذر, لا تدعي السوس ينخرك, انخريه!!
وتتحاشى النظر لعيني قصي, تنشطر روحه, وهو يسألها سر الشحوب الذي يعلو وجهها, سر هذا الحياء منه, بعد أن مرت أسابيع طويلة, تنشج أمها مفجوعة:
- صخّرت الحرب بعض القلوب, فأحالتها جلموداً, ماكان يجب أن أذهب ذاك اليوم, للمقبرة, قبرني الله , بقيت بومة, تنعب فوق قبور الموتى.
يتنهد, يزفر الأنفاس حارة, يتفرّس وجهها الشاحب, يقبض على جمرالندم:
- الذنب ذنبي, خالتي, لأني هربت, جاؤوا من أجلي, ظفرت بثلاثة منهم, وفاء, بالله عليك لا تبتئسي, لن تمرّ الحادثة هكذا, ثقي بي, أقسم بالله لن تمر.
تنفلت من بينهما, هاربة, تنتبذ الركن في غرفتها, تنتحب بصمت المقهورين, تلطم على وجهها, تفرك يديها ببعضهما, حتى ينسلخ الجلد عنهما.
وتنتظر الليل أن تغفو والدتها, تدور بين أرجاء المنزل, تضرب بطنها, تقفز من أعلى السلّم, تدخل المطبخ, تحمل جرار الغاز إلى أعلى, تنقطع أنفاسها, فتفترش الأرض, تلهث, مكفهرّة الوجه, تكتم صيحة قهر, تعضّ
شفتها السفلى تدميها, وما انفكّ الجرح ينزّ قهراً وغيظاً, تكتمه بين ضلوعها, فتحسّ بالنار تشبّ في قلبها, حتى خالته, تفحّم!!
ذوى جسدها, وذبلت وجنتاها, وانطفأ ذاك الوهج, من عينيها, وهي تنوء بذكريات, يوم تراقصت فيه الشياطين مرحة, تقهقه على نواح صوتها المتوسّل, رحمة بها, ورأفة, ما زادتهم إلا رغبة في نهشها.
أيقنت أنها لن تطيق الأمر, لو لم تستأصل, هذا الورم المستفحل من بطنها!! وهو يكبر, كمارد داخلها, تحسّه وحشا, يلتهم أحشاءها!!
تطاردها الكوابيس, حين تفغو, وجوه مشوّهة, وأياد بأظفار طويلة, تقتطع من لحمها, وتأكله نيئا!!
تقفز جزعة, تتلفّت حولها مرتعشة, وتهيم على وجهها, تبكي نشيجا موجعا.
تدور في المطبخ, عدة دورات, تشحذ أفكارها, وهمهمة العجوز تطرق بعكازها جمجمتها؛ انخريه!! انخريه!!
همهمت:
- سأنخره
استلّت سيخ حياكة, دخلت الحمام!!
باعدت بين ساقيها, تولج السيخ ببطء!!
أحسّت بالوجع, بالخوف, همّت أن تتراجع, لكن طوفان الألم داهمها, لم يعطها فرصة.
دسّت بالسيخ أعمق
كادت أن تنفلت من فمها صرخة مدوية, والألم سكاكين تمزّق بطنها, كمّمت فمها بيدها بقوة, والتقلّصات تزداد ضراوة تعتصر أحشاءها, حتى تقطّعت أنفاسها,وتصبّب العرق البارد على جبينها
ابتهلت لله تدعوه ملهوفة
- أعنّي إلهي, خلّصني من بلوتي
أسندت ظهرها للحائط, سحبت أنفاساّ عميقةّ, وكتمتها, دفعت بأناة, تذكرت حين أجهضت جنينها يوم استشهد زوجها, زمّت شفتيها لئلا تنفلت الآهة من فمها, وصوت العجوز يرنّ بأذنيها:
- السدرة لن تصيبها اللعنة بنيتي , انخريه.
- سأنخره, لأطوي صفحة الضّيم, أمحوها, وأدفن السر, في قعر أنفاق المجارير.
كرّ عليها الوجع, يصبّ حممه الهمجية, صهرها
شحب وجهها, وازرقّتْ شفتاها, واصطكّت أسنانها, فكزّت عليها, وهي تضغط على بطنها, بكلتا يديها, اغترفتها موجة قوية من الطّلق, تدفق الدم سريعا, انزلقت معه كتلة دموية متخثّرة, أحدثتْ ارتطاماً, مكتوماً!
أحست برعشة صقيعية تعتريها, فارتجف جسمها الواهن.
انفرجت أساريرها, منهكة تتنفس الصعداء, وكتلة الدم تنزلق في البالوعة.
شعرت بروح العجوز ترافقها, تمسح بحنوّ جبينها, بيدها المعروقة, وتبسمل ممتنّة لله.
افترشت أرضية الحمام, فتحت صنبور المياه على أقصاه, تركته يصب فوق رأسها, وتتلو مع المؤذن أذان الفجر.
10/7/2010
أكره ربيع
لم يكد ْيدلف البيت, حتى تناهت أصوات القادمين لسمعها, وطرقعة الأسلحة, تدوّي حولها, تقرع أجراس الخطر, فبان الهلع, على قسمات وجهها الحزين:
- اهرب قصي, سيقتلونك, اسرع
أمسك يدها, يسحبها
- معي وفاء, لنهرب معاً, سيقطّعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت.
- لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط اسرع قبل أن يقتحموا الباب.
حمل سلاحه, قفز بخفّة للبيت المجاور, وهي تتابعه بعينين ملؤهما الخوف, تتمتم أدعية الحفظ والحرز.
أغلقت باب البيت الخلفيّ, ونفضت عن ثوبها الأسود, بقايا ترابٍ علق به , تجاهد لاهثة, لملمة شتات روحها.
تعالت أصوات المهتاجين خارجا, واهتزّ الباب تحت ثقل الأكتاف المتدافعة, ثم انخلعت ضلفتيه, ليتدفقّ الرجال كومة واحدة, يحيطون بها!!
تلفتت محتارة بين الوجوه المكفهرّة, زائغة العينين, مستغربة, هذا الحقد الدفين, الذي يطفح من المآقي, دبّ الخوف بداخلها, أفواج نمليّة, تزحف عليها حتى قمة رأسها, وفوّهات البنادق مصوبة نحوها, زمجر أغلظهم:
- أين عشيقك, أيتها الفاجرة؟!!
ابتلعت ريقها الناشف:
- ابتلعته الأزقة!!
لم تستطع التقاط أنفاسها, والضربات تنهال على رأسها, صدرها, وجهها, حتى تهالكت, وصوت أجشّ يجز عقلها, ويتلمّس جسدها بيديه, قبل أن تهوي, مغميّا عليها.
- لن ندعك تنسين هذا اليوم, أبدا!!
بين الوهم والحقيقة, استفاقت, تغشو عينيها ضبابية مغبرة, تتفحّص وجه والدتها, بعض الجيران, وسياط الحيرة تلسع كيانها, بدت لها الوجوه, مشوّهة, وتلك العجوز تمسح وجهها بطرف ثوبها, تتمتم بآيات قرآنية على رأسها, وتنفخ على جبينها.
كان الوقت, غروبا, اختلط لونه بلون رؤياها, وضبابيّتها!!
حين همست العجوز في أذنها قبل أن تنصرف:
- السدرة, لن تصيبها اللعنة بنيتي, تشبّثي بالجذر, لا تدعي السوس ينخرك, انخريه!!
وتتحاشى النظر لعيني قصي, تنشطر روحه, وهو يسألها سر الشحوب الذي يعلو وجهها, سر هذا الحياء منه, بعد أن مرت أسابيع طويلة, تنشج أمها مفجوعة:
- صخّرت الحرب بعض القلوب, فأحالتها جلموداً, ماكان يجب أن أذهب ذاك اليوم, للمقبرة, قبرني الله , بقيت بومة, تنعب فوق قبور الموتى.
يتنهد, يزفر الأنفاس حارة, يتفرّس وجهها الشاحب, يقبض على جمرالندم:
- الذنب ذنبي, خالتي, لأني هربت, جاؤوا من أجلي, ظفرت بثلاثة منهم, وفاء, بالله عليك لا تبتئسي, لن تمرّ الحادثة هكذا, ثقي بي, أقسم بالله لن تمر.
تنفلت من بينهما, هاربة, تنتبذ الركن في غرفتها, تنتحب بصمت المقهورين, تلطم على وجهها, تفرك يديها ببعضهما, حتى ينسلخ الجلد عنهما.
وتنتظر الليل أن تغفو والدتها, تدور بين أرجاء المنزل, تضرب بطنها, تقفز من أعلى السلّم, تدخل المطبخ, تحمل جرار الغاز إلى أعلى, تنقطع أنفاسها, فتفترش الأرض, تلهث, مكفهرّة الوجه, تكتم صيحة قهر, تعضّ
شفتها السفلى تدميها, وما انفكّ الجرح ينزّ قهراً وغيظاً, تكتمه بين ضلوعها, فتحسّ بالنار تشبّ في قلبها, حتى خالته, تفحّم!!
ذوى جسدها, وذبلت وجنتاها, وانطفأ ذاك الوهج, من عينيها, وهي تنوء بذكريات, يوم تراقصت فيه الشياطين مرحة, تقهقه على نواح صوتها المتوسّل, رحمة بها, ورأفة, ما زادتهم إلا رغبة في نهشها.
أيقنت أنها لن تطيق الأمر, لو لم تستأصل, هذا الورم المستفحل من بطنها!! وهو يكبر, كمارد داخلها, تحسّه وحشا, يلتهم أحشاءها!!
تطاردها الكوابيس, حين تفغو, وجوه مشوّهة, وأياد بأظفار طويلة, تقتطع من لحمها, وتأكله نيئا!!
تقفز جزعة, تتلفّت حولها مرتعشة, وتهيم على وجهها, تبكي نشيجا موجعا.
تدور في المطبخ, عدة دورات, تشحذ أفكارها, وهمهمة العجوز تطرق بعكازها جمجمتها؛ انخريه!! انخريه!!
همهمت:
- سأنخره
استلّت سيخ حياكة, دخلت الحمام!!
باعدت بين ساقيها, تولج السيخ ببطء!!
أحسّت بالوجع, بالخوف, همّت أن تتراجع, لكن طوفان الألم داهمها, لم يعطها فرصة.
دسّت بالسيخ أعمق
كادت أن تنفلت من فمها صرخة مدوية, والألم سكاكين تمزّق بطنها, كمّمت فمها بيدها بقوة, والتقلّصات تزداد ضراوة تعتصر أحشاءها, حتى تقطّعت أنفاسها,وتصبّب العرق البارد على جبينها
ابتهلت لله تدعوه ملهوفة
- أعنّي إلهي, خلّصني من بلوتي
أسندت ظهرها للحائط, سحبت أنفاساّ عميقةّ, وكتمتها, دفعت بأناة, تذكرت حين أجهضت جنينها يوم استشهد زوجها, زمّت شفتيها لئلا تنفلت الآهة من فمها, وصوت العجوز يرنّ بأذنيها:
- السدرة لن تصيبها اللعنة بنيتي , انخريه.
- سأنخره, لأطوي صفحة الضّيم, أمحوها, وأدفن السر, في قعر أنفاق المجارير.
كرّ عليها الوجع, يصبّ حممه الهمجية, صهرها
شحب وجهها, وازرقّتْ شفتاها, واصطكّت أسنانها, فكزّت عليها, وهي تضغط على بطنها, بكلتا يديها, اغترفتها موجة قوية من الطّلق, تدفق الدم سريعا, انزلقت معه كتلة دموية متخثّرة, أحدثتْ ارتطاماً, مكتوماً!
أحست برعشة صقيعية تعتريها, فارتجف جسمها الواهن.
انفرجت أساريرها, منهكة تتنفس الصعداء, وكتلة الدم تنزلق في البالوعة.
شعرت بروح العجوز ترافقها, تمسح بحنوّ جبينها, بيدها المعروقة, وتبسمل ممتنّة لله.
افترشت أرضية الحمام, فتحت صنبور المياه على أقصاه, تركته يصب فوق رأسها, وتتلو مع المؤذن أذان الفجر.
10/7/2010
أكره ربيع
تعليق