...
أقلع الرجل في بحر حكاياته كاسراً موجات الصمت التي اجتاحته , متجولاًً بين ضفاف البحيرة وربوع القرية والتجفيف الذي كان قبل خمسة عشر عاماً تقريباً , بالضبط كان سعد في المرحلة الابتدائية , فلن ينسى يوم استدعاه مدرس الحساب الأستاذ حلمي ـ رحمة الله عليه ـ ليشكو له ولده ؛ حين ضبطه يصنع مراكب شراعية وقوارب تحت المقعد ويوزعها على أحبائه في الفصل , حتى بقيت كراسة المربعات على الغلافين .. أوقفه الأستاذ وسأله بغضب ودهشة :
ـ ماذا صنعت بكراس الفصل ؟ !
وبخجل وانكماش أجابه سعد مضطرباً :
ـ مراكب .. والله آخر مرة يا أستاذ .
ـ ما شغل والدك يا ولد ؟
ـ صياد .
ـ روح هاته وتعالى ياخد المراكب دي يصطاد فيها !
لم تكن الكعكة الحمراء التي حصل عليها سعد في مادة الحساب عقاباً كافياً , بل زادت الطين بلل .. حرمه أبوه من المدرسة واصطحبه معه إلى البحيرة ؛ يتذوق جزءاً بسيطاً من المر الذي ذاقه ويعرف طعم الشمس نهاراً دون أسقف تصد عنه الحرارة ولا مروحة تبرد حريقة الكون , ويجرب لدغ الناموس في البـُردي ..
سعد .. عود القصب الطري ستجفف الشمس ماء خده البنور , وينطفئ زهر وجهه المدوّر ..
ـ حسدوك يا سعد .. حسدوك يا نضر عيني .
ـ ابنك صار عامل زي القرموط يا خضرة , الشمس صهدته !
الخدود القطيفة طرزها الناموس ببثور حمراء مدببة , لفحتها الشمس فتركت بها بقعاً بهاقية اللون ضيعت نضارتها , وكلما اشتدت عليه جروح السمك التي أحدثها شوك العظام ؛ قامت خضرة وعجنت طبق الحناء .. وفردت العجينة في يديه كما هي عادة الصيادين في مداواة الشقوق والدمامل الناتجة عن ماء البحيرة وشك السمك .. ثم تربطهما بإيشاربٍ أو قطعة قماش قديمة لتضمن اختمار الحناء وتغلغلها بين شقوق الجرح فتجففه بسرعةٍ وتقتل الميكروبات .
أسبوعاً كاملاً قضاه الولد بعيداُ عن المدرسة ومحروماً من حصص الرسم و الألعاب , وتمثيليات التلفزيون الأبيض في أسود ذا الشاشة الضيقة الأربعة عشرة بوصة , حسرته عارمة على السمكة مشمشة , وحلقات الحوت الخسيس .
بعد سبعة أيامٍ عاد سعد إلى المدرسة , ذاق طعم الويل ورأى الذل بالألوان , تغيرت ملامحه كثيراً في عيون زملائه .. رأسه المجردة من الشعر لدرجة الصفر , وجهه الأغبر الداكن , نفروا منه , وخطوة بخطوة راحوا يتتبعونه , تناسوا أن المراكب التي صنعها من أجلهم هي السبب , يرددون :
سعد يا أسمر زي العبد .. سعد يا أسمر زي العبد !!
توارى منهم خلف أجذاع النخيل المعمرة في حديقة المدرسة , رشقوه بالحصى ونوى البلح , رأوا كفوفه الحمراء من أثر الحناء شبهوه بالبنوتة , هرب منهم في دورة المياة لاحقوه .. خطفوا شنطته .. تلقفوها .. مزقوها ركلاً بالأقدام فتناثرت كتبه وكرساته في وسخ الحمام .. نهبوا سندوتش الفول والطعمية الملفوف في ورق الجرائد الأصفر .. بكى .. جرى ورائهم بنحيبه المسموع .. هللوا .. عركله قائدهم .. دخل معه في عراك عنيف .. شقلبه وأحدث في وجهه خربشات بأظافره المعقوفة ..
لمحتهم الشرطة المدرسية .. ثلاثة تلاميذ بدينة يضعون "شارات حمراء" على الصدر , مرشحين من إدارة المدرسة لضبط المشاغبين .. سجلوا أسمائهم في دفتر المتهمين .
دق الجرس معلناً بداية مراسم اليومية لطابور الصباح , اصطفت الفصول بالترتيب وتوازت كالقطارات .. قانون الطابور يجعل القصير في الأمام والطويل في الخلف ..
فور الانتهاء من تحية العلم استلم ناظر المدرسة الميكروفون محذراً من إلقاء القاذورات في الفناء وبين الفصول , حثهم على المذاكرة والاجتهاد .. ثم نبههم إلى الأجازة الرسمية التي ستبدأ من الغد لإجراء انتخابات مجلس الشعب , ساد الهرج والمرج بين الصفوف والأسارير المنفرجة .. الطابور خلايا من النحل تطن في فناء المدرسة ..
فجأة عم الصمت و السكون لما نقرزت خرزانة الناظر فوق رأس أحدهم .. نهرهم بصوته الذي ظل يخرفش في مكبر الصوت لخلل قديم في الميكروفون .
ظلت الأمعاء والبطون مستقرة حتى أخرج من جيبه قائمة المشاغبين وبدأت التقلصات تتآتى على عجل , الكل منتبه لنداء الأسماء بفرك ودعك .
نفس الأسماء وذات الشخوص التي تثير الشغب يومياً .. هي .. هي .. وحيد,ياسر,عطية,علاء,وقائدهم عزيز ابن محمود السكري رمز الهلال والمرشح الجديد للحزب في الانتخابات المنتظرة غداً .
أبوه الحاج عبد المجيد السكري .. له اسمه وصيته في تجارة الحبوب والغلة .. يمتلك رقعة زراعية خصبة ممتدة على حواف النيل .. جنائن للموالح وفاكهة مخصوصة لتجار الإسكندرية والقاهرة , ومساحات مزروعة حبوب وخضروات .. لم يكن والده ـ جد محمود ـ من ذوي الطين و الأملاك في يوم من الأيام , سمعنا أنه كان سلّاخاًً للحمير , يدور على مصارف القرية وترعها , يفتش عن الحمير النافقة .. ما إن وجد غنيمته خلع الجلابية و الصديري وغب باللباس النصف حتى جردها من جلدها ثم يبيعه لتجار المناخل والغرابل , وفي أيام التحاريق وجفاف الترع من الماء والحمير يشتغل مع أنفار الدودة في أرض فتح الله باشا بركات .. حتى جاء الفرج , ولعب الحظ لعبته مع ولده عبد المجيد بعد حرب اليمن , كان جندياً ضمن القوات التي أرسلها جمال عبد الناصر لفض النزاع الذي وقع بين أبناء اليمن السعيد , الموالـين للمملكة المتوكلية والفصائل الموالـية للجمهورية في حرب الشمال الأهلية وانتهت بسيطرة الفصائل الجمهورية على الحكم .
وكانت النتيجة أن منح الرئيس جمال عبد الناصر أبناء المحاربين وأسرهم أفدنة جديدة كمكافأة حرب .
أجلس الناظر الأولاد على كرسي خشبي في أرض الطابور , ماداً أرجلهم على مرأى مسمع من قطارات الصبيان والبنات ليصبحوا عبرة لهم , أما عزيز فاكتفى بتوبيخه وفصله يومان وحذره من العودة إلى المدرسة إلا مع بداية الأسبوع الدراسي الجديد يوم السبت .
كان مدرس العلوم واقفاً إلى جوار مدرس القراءة , مال عليه بسخرية وتهكم , وسوسه :
ـ خلي بالك .. بكرة وبعده أجازة رسمية من أجل الانتخابات ..!!
ـ فاهم .. فاهم ! .. هازاً عنقه .
وجاء الدور على سعد , توالت خرفشات الميكروفون باسمه عدة مرات , لكن اكتشف المدرسون أن مكانه في الطابور خالياً ..!
ـ ماذا صنعت بكراس الفصل ؟ !
وبخجل وانكماش أجابه سعد مضطرباً :
ـ مراكب .. والله آخر مرة يا أستاذ .
ـ ما شغل والدك يا ولد ؟
ـ صياد .
ـ روح هاته وتعالى ياخد المراكب دي يصطاد فيها !
لم تكن الكعكة الحمراء التي حصل عليها سعد في مادة الحساب عقاباً كافياً , بل زادت الطين بلل .. حرمه أبوه من المدرسة واصطحبه معه إلى البحيرة ؛ يتذوق جزءاً بسيطاً من المر الذي ذاقه ويعرف طعم الشمس نهاراً دون أسقف تصد عنه الحرارة ولا مروحة تبرد حريقة الكون , ويجرب لدغ الناموس في البـُردي ..
سعد .. عود القصب الطري ستجفف الشمس ماء خده البنور , وينطفئ زهر وجهه المدوّر ..
ـ حسدوك يا سعد .. حسدوك يا نضر عيني .
ـ ابنك صار عامل زي القرموط يا خضرة , الشمس صهدته !
الخدود القطيفة طرزها الناموس ببثور حمراء مدببة , لفحتها الشمس فتركت بها بقعاً بهاقية اللون ضيعت نضارتها , وكلما اشتدت عليه جروح السمك التي أحدثها شوك العظام ؛ قامت خضرة وعجنت طبق الحناء .. وفردت العجينة في يديه كما هي عادة الصيادين في مداواة الشقوق والدمامل الناتجة عن ماء البحيرة وشك السمك .. ثم تربطهما بإيشاربٍ أو قطعة قماش قديمة لتضمن اختمار الحناء وتغلغلها بين شقوق الجرح فتجففه بسرعةٍ وتقتل الميكروبات .
أسبوعاً كاملاً قضاه الولد بعيداُ عن المدرسة ومحروماً من حصص الرسم و الألعاب , وتمثيليات التلفزيون الأبيض في أسود ذا الشاشة الضيقة الأربعة عشرة بوصة , حسرته عارمة على السمكة مشمشة , وحلقات الحوت الخسيس .
بعد سبعة أيامٍ عاد سعد إلى المدرسة , ذاق طعم الويل ورأى الذل بالألوان , تغيرت ملامحه كثيراً في عيون زملائه .. رأسه المجردة من الشعر لدرجة الصفر , وجهه الأغبر الداكن , نفروا منه , وخطوة بخطوة راحوا يتتبعونه , تناسوا أن المراكب التي صنعها من أجلهم هي السبب , يرددون :
سعد يا أسمر زي العبد .. سعد يا أسمر زي العبد !!
توارى منهم خلف أجذاع النخيل المعمرة في حديقة المدرسة , رشقوه بالحصى ونوى البلح , رأوا كفوفه الحمراء من أثر الحناء شبهوه بالبنوتة , هرب منهم في دورة المياة لاحقوه .. خطفوا شنطته .. تلقفوها .. مزقوها ركلاً بالأقدام فتناثرت كتبه وكرساته في وسخ الحمام .. نهبوا سندوتش الفول والطعمية الملفوف في ورق الجرائد الأصفر .. بكى .. جرى ورائهم بنحيبه المسموع .. هللوا .. عركله قائدهم .. دخل معه في عراك عنيف .. شقلبه وأحدث في وجهه خربشات بأظافره المعقوفة ..
لمحتهم الشرطة المدرسية .. ثلاثة تلاميذ بدينة يضعون "شارات حمراء" على الصدر , مرشحين من إدارة المدرسة لضبط المشاغبين .. سجلوا أسمائهم في دفتر المتهمين .
دق الجرس معلناً بداية مراسم اليومية لطابور الصباح , اصطفت الفصول بالترتيب وتوازت كالقطارات .. قانون الطابور يجعل القصير في الأمام والطويل في الخلف ..
فور الانتهاء من تحية العلم استلم ناظر المدرسة الميكروفون محذراً من إلقاء القاذورات في الفناء وبين الفصول , حثهم على المذاكرة والاجتهاد .. ثم نبههم إلى الأجازة الرسمية التي ستبدأ من الغد لإجراء انتخابات مجلس الشعب , ساد الهرج والمرج بين الصفوف والأسارير المنفرجة .. الطابور خلايا من النحل تطن في فناء المدرسة ..
فجأة عم الصمت و السكون لما نقرزت خرزانة الناظر فوق رأس أحدهم .. نهرهم بصوته الذي ظل يخرفش في مكبر الصوت لخلل قديم في الميكروفون .
ظلت الأمعاء والبطون مستقرة حتى أخرج من جيبه قائمة المشاغبين وبدأت التقلصات تتآتى على عجل , الكل منتبه لنداء الأسماء بفرك ودعك .
نفس الأسماء وذات الشخوص التي تثير الشغب يومياً .. هي .. هي .. وحيد,ياسر,عطية,علاء,وقائدهم عزيز ابن محمود السكري رمز الهلال والمرشح الجديد للحزب في الانتخابات المنتظرة غداً .
أبوه الحاج عبد المجيد السكري .. له اسمه وصيته في تجارة الحبوب والغلة .. يمتلك رقعة زراعية خصبة ممتدة على حواف النيل .. جنائن للموالح وفاكهة مخصوصة لتجار الإسكندرية والقاهرة , ومساحات مزروعة حبوب وخضروات .. لم يكن والده ـ جد محمود ـ من ذوي الطين و الأملاك في يوم من الأيام , سمعنا أنه كان سلّاخاًً للحمير , يدور على مصارف القرية وترعها , يفتش عن الحمير النافقة .. ما إن وجد غنيمته خلع الجلابية و الصديري وغب باللباس النصف حتى جردها من جلدها ثم يبيعه لتجار المناخل والغرابل , وفي أيام التحاريق وجفاف الترع من الماء والحمير يشتغل مع أنفار الدودة في أرض فتح الله باشا بركات .. حتى جاء الفرج , ولعب الحظ لعبته مع ولده عبد المجيد بعد حرب اليمن , كان جندياً ضمن القوات التي أرسلها جمال عبد الناصر لفض النزاع الذي وقع بين أبناء اليمن السعيد , الموالـين للمملكة المتوكلية والفصائل الموالـية للجمهورية في حرب الشمال الأهلية وانتهت بسيطرة الفصائل الجمهورية على الحكم .
وكانت النتيجة أن منح الرئيس جمال عبد الناصر أبناء المحاربين وأسرهم أفدنة جديدة كمكافأة حرب .
أجلس الناظر الأولاد على كرسي خشبي في أرض الطابور , ماداً أرجلهم على مرأى مسمع من قطارات الصبيان والبنات ليصبحوا عبرة لهم , أما عزيز فاكتفى بتوبيخه وفصله يومان وحذره من العودة إلى المدرسة إلا مع بداية الأسبوع الدراسي الجديد يوم السبت .
كان مدرس العلوم واقفاً إلى جوار مدرس القراءة , مال عليه بسخرية وتهكم , وسوسه :
ـ خلي بالك .. بكرة وبعده أجازة رسمية من أجل الانتخابات ..!!
ـ فاهم .. فاهم ! .. هازاً عنقه .
وجاء الدور على سعد , توالت خرفشات الميكروفون باسمه عدة مرات , لكن اكتشف المدرسون أن مكانه في الطابور خالياً ..!
تعليق