صورة تذكارية
منكبّة على المكتب منذ أزيد من ساعة , تصحّح أوراق الامتحان . الإعياء بادٍ على وجهها و تلك الهالات تحت عينيها أصبحت الآن أكثر وضوحا .سترتاح قليلا .فنجان قهوة ساخنة يعيد لها النشاط و يساعدها على التركيز .
رتّبت نادية الأوراق . و ضعتها على حافة المكتب . حين همّت بالنهوض وقعت عيناها على الصورة في إطارها الخشبي اللامع . ابتسمت في حزن .. استحضر فكرها صورا طواها الزمن وأتت عليها السنون و لم يبق من معظمها سوى ملامح باهتة غاصت بعيدا في الذاكرة . ترى ماذا فعل بهم الزمن و أية وجهة ساقتهم إليها الأقدار ؟
" هذه مريم و تلك كوثر و هنا خلفي بجانب السبورة يقف كريم - صاحب فكرة أخذ الصورة -.." أستاذة من فضلك نريد صورة تذكارية معك. أتسمحين ؟ " .
براءة ملامحه و عفوية نبراته لم يتركا لها بدًا , يومها , من هزّ رأسها إيجابا .
بحنان كبير و بأطراف أناملها , تتحسّس نادية حافة الإطار . تمعن النظر في الصورة .
" هذه الفتاة ما عدت أذكر اسمها و لكن هذه , هنا , التي تضع يدها على كتفي و تبتسم في خجل , لا يمكن أن أنساها " .
لن تنساها ..و لن تنسى صباح ذلك اليوم البعيد و الموسم الدراسي يأذن بالرحيل . فما ان رنّ الجرس كصفارة إنذار معلنا انتهاء الحصص , حتى فُتحت أبواب الحجرات و تهافت التلاميذ صوب الساحة كجماعات من النحل تغادر الخلايا .
و تحوّل الهدوء الجميل إلى صخبٍ عارمٍ و غوغاء , أصوات ضحك و صياح , و هرجٍ مبهم عمّ كل شبر من المكان .
و في حجرة الدرس رقم 3 من الطابق الأول ..كانت ' نادية ' بملامحها الطفولية و الابتسامة الحانية الدافئة التي لا تفارق محيّاها, لا تزال تجلس خلف مكتبها تحيط بها كوكبة من التلاميذ . هذا يسأل عن نقطة مبهمة في الدرس و ذاك يطلب مساعدة و تلك تعيد كتابا استعارته , و غيرهم واقفون بدافع الفضول ...ليس إلاّ.
الحقيقة أنها لامست قلوبهم بالحب قبل أن توقّع بقلم أحمر ' جاف ' فوق كراريسهم , فكان أن بادلوها نفس الإحساس .
في الصف المحاذي لباب الخروج , تقف ' سعاد ' خلف طاولتها , تتلكّأ في جمع أدواتها منتظرة أن ينفضّ زملاؤها من حول أستاذتها حتى تستطيع أن تنفرد بها , كعادتها ..دائما لها في جعبتها خاطرة ضمّنتها مشاعرها أو رسالة تحمل أفكارها و همومها .
'سعاد ' متميّزة , في كل شيء..هادئة و محترمة..و نجيبة ..و أكثر من ذلك , موهوبة في كتابة القصة . تنبأ لها الجميع بمستقبل مدهش . تشعر 'نادية ' نحوها بنوع خاص من المودة . ربما رأت فيها نفسها ذات زمن . كانت تشجّعها و تشحنها بالأمل . تقرأ محاولاتها , تمدّها بالنصح , و تعيرها من مكتبتها كتباً و دواوين شعر من أجل صقل موهمتها .
" يوما ما سيكون لها شأن هذه الطالبة ." تفكر نادية و هي تتوسطهم لأخذ الصورة .
تفرّق التلاميذ , و اتّجهت نادية إلى قاعة الأساتذة لتأخذ قسطا من الراحة قبل موعد الحصة الموالية .
في الرواق المؤدي إلى القاعة إلتقتها سكرتيرة الإدارة .
- أستاذة نادية ..كنت أبحث عنك. يريدك المدير حالا في مكتبه .
وقف المدير مرحّبا بها. دعاها للجلوس . شخص محترم جدا و دبلوماسي .يسيّر المؤسّسة بذكاء و حنكة .ينتمي لجيل الثورة .' مفرنس ' في ثقافته و لغته ,غير أنّه يملك إرادة عجيبة و إصرارا كبيرا على تعلّم و إتقان العربية .
سألها و هو يسند جسده إلى ظهر الكرسي , يميل برأسه قليلا إلى ناحية اليمين , يشبك أصابع يديه فوق صدره , كعادة المسئولين حين يودّون إضفاء مسحة من الهيبة و الجدية على أنفسهم :
-أستاذة نادية , أنت عندك في الصفّ تلميذة تدعى ' سعاد ' ؟
باغتها السؤال . غاص قلبها في صدرها :
- نعم .لماذا ؟ هل أصابها مكروه ؟
- لا .
ثم, و هو يرفع أمام وجهها ورقة لم يبق فيها سواد القلم أثرا لأيّ بياض :
- تلقّينا من أهلها شكوى.. ضدّك .
تصفعها الدهشة .. تغزو الحيرة ملامحها الوديعة . سعاد تشكوني.. ؟ أنا ؟ يا ربي..كيف ؟ ما الذي حدث ؟
خفقات قلبها تتسارع ..عيناها جاحظتان , تتابعان حركة المدير و هو يضع الورقة فوق المكتب .
- كتب لنا أخوها يقول أنّك..أنّك..- عفوا على اللّفظ يا أستاذة – تضيّعين البنات بأفكارك ..و أنك مؤخرا أعرتِ أخته كتابا.. - عفوا..هذا هو المكتوب هنا – كتابا يفسد الأخلاق , و...
ولم تسمع حرفا آخر, فقد شردت مستحضرة صورة ذلك الأخ..
حدّثتها عنه ' سعاد ' في رسائلها...و أسرّت لها كيف انقلب حاله رأسا على عقب منذ أن تعرّف على مجموعة من الشباب الملتحين.. أطلق اللّحية و استبدل سرواله الجينز بآخر واسع فضفاض يصل إلى نصف ساقه .. هربت الابتسامة من شفتيه..ولم يعد يلاعب أخواته الصغريات ." لم نعد نسمع منه سوى كلمة حرام..حرام..حتى التلفزيون منعنا من مشاهدته ."
كتبت سعاد عنه كثيرا و قالت أن أشخاصٌا غريبي الأطوار يزورونه في البيت أحيانا كثيرة , و أحيانا أخرى يخرج معهم في الصباح و لا يعود إلا في ساعة متأخّرة من الليل..
- فيمَ شردت أستاذة.؟.لا داعي للقلق .الموضوع لا يستحق .أردتك أن تكوني على علم بالأمر فقط .سوف أهتم بالموضوع شخصيا.
ثم سألها بنبرة لم يفتها أن تلمح فيها بصيص إدانة :
-أخبريني أستاذة , هل الكتاب الذي أعرِته لها متداول..أقصد , هل يمكن شراؤه من المكتبات ؟
يا إلهي ..أين ذهب به تفكيره ؟هل سأتّهم بتسريب مؤلفات ممنوعة للتلاميذ ..؟
في تلك الفترة من بداية العشرية السوداء , كانت التّهم مزروعة على الطرقات كالألغام..و لم يكن مستبعدا أن تتعثّر بها لتسقط و تكون لك إحدى النهايتين : إنسانا ممسوخا في غيابات السجن أو رأساً معلّقة في مدخل سوق شعبيه ! طبعا , النهاية تحدّدها الجهة التي تتبنّى اللّغم .
- أكيد.. . أنا وزملائي نعير كتباً أدبية للتلاميذ الذين نلمس فيهم حب المطالعة و عشق اللغة .خاصة و أن مؤسّستنا ليس بها بعد مكتبة ثريّة .
خرجت ناديه من مكتب المدير يسبقها الذهول ,لم تستطع أن تصدق ما يحدث .. " أين أنا ؟ هل هذا كوكب الأرض ؟ أيعقل ذلك ؟ أيصبح للأدب , أيضا , شبهة , جنحة , جرما نعاقب عليه؟
كتمت الأمر عن سعاد .لم تشأ أن تضيف لهمومها هما آخر. و انقضى العام الدراسي بسلام .
لكن في السنة الموالية , لم تلتحق سعاد بالثانوية ..و لم تتقدّم لامتحان الثانوية العامة و في رسالة إلى أستاذتها..أخبرتها بأنها وافقت على الزواج من ابن عمّها و سوف تسافر معه إلى فرنسا حيث يقيم..و ربما تكمل دراستها هناك ..و أن أخاها غادر في فجر أحد الأيام برفقة خمسة من أصدقائه الجدد الملتحين . لا أحد يعلم إلى أين . و حدثتها عن الرعب الذي تعيشه الأسرة كلما جاء رجال الأمن من أجل استجوابهم و تفتيش المنزل .
و كانت تلك آخر أول و رسائل ' سعاد ' .
منكبّة على المكتب منذ أزيد من ساعة , تصحّح أوراق الامتحان . الإعياء بادٍ على وجهها و تلك الهالات تحت عينيها أصبحت الآن أكثر وضوحا .سترتاح قليلا .فنجان قهوة ساخنة يعيد لها النشاط و يساعدها على التركيز .
رتّبت نادية الأوراق . و ضعتها على حافة المكتب . حين همّت بالنهوض وقعت عيناها على الصورة في إطارها الخشبي اللامع . ابتسمت في حزن .. استحضر فكرها صورا طواها الزمن وأتت عليها السنون و لم يبق من معظمها سوى ملامح باهتة غاصت بعيدا في الذاكرة . ترى ماذا فعل بهم الزمن و أية وجهة ساقتهم إليها الأقدار ؟
" هذه مريم و تلك كوثر و هنا خلفي بجانب السبورة يقف كريم - صاحب فكرة أخذ الصورة -.." أستاذة من فضلك نريد صورة تذكارية معك. أتسمحين ؟ " .
براءة ملامحه و عفوية نبراته لم يتركا لها بدًا , يومها , من هزّ رأسها إيجابا .
بحنان كبير و بأطراف أناملها , تتحسّس نادية حافة الإطار . تمعن النظر في الصورة .
" هذه الفتاة ما عدت أذكر اسمها و لكن هذه , هنا , التي تضع يدها على كتفي و تبتسم في خجل , لا يمكن أن أنساها " .
لن تنساها ..و لن تنسى صباح ذلك اليوم البعيد و الموسم الدراسي يأذن بالرحيل . فما ان رنّ الجرس كصفارة إنذار معلنا انتهاء الحصص , حتى فُتحت أبواب الحجرات و تهافت التلاميذ صوب الساحة كجماعات من النحل تغادر الخلايا .
و تحوّل الهدوء الجميل إلى صخبٍ عارمٍ و غوغاء , أصوات ضحك و صياح , و هرجٍ مبهم عمّ كل شبر من المكان .
و في حجرة الدرس رقم 3 من الطابق الأول ..كانت ' نادية ' بملامحها الطفولية و الابتسامة الحانية الدافئة التي لا تفارق محيّاها, لا تزال تجلس خلف مكتبها تحيط بها كوكبة من التلاميذ . هذا يسأل عن نقطة مبهمة في الدرس و ذاك يطلب مساعدة و تلك تعيد كتابا استعارته , و غيرهم واقفون بدافع الفضول ...ليس إلاّ.
الحقيقة أنها لامست قلوبهم بالحب قبل أن توقّع بقلم أحمر ' جاف ' فوق كراريسهم , فكان أن بادلوها نفس الإحساس .
في الصف المحاذي لباب الخروج , تقف ' سعاد ' خلف طاولتها , تتلكّأ في جمع أدواتها منتظرة أن ينفضّ زملاؤها من حول أستاذتها حتى تستطيع أن تنفرد بها , كعادتها ..دائما لها في جعبتها خاطرة ضمّنتها مشاعرها أو رسالة تحمل أفكارها و همومها .
'سعاد ' متميّزة , في كل شيء..هادئة و محترمة..و نجيبة ..و أكثر من ذلك , موهوبة في كتابة القصة . تنبأ لها الجميع بمستقبل مدهش . تشعر 'نادية ' نحوها بنوع خاص من المودة . ربما رأت فيها نفسها ذات زمن . كانت تشجّعها و تشحنها بالأمل . تقرأ محاولاتها , تمدّها بالنصح , و تعيرها من مكتبتها كتباً و دواوين شعر من أجل صقل موهمتها .
" يوما ما سيكون لها شأن هذه الطالبة ." تفكر نادية و هي تتوسطهم لأخذ الصورة .
تفرّق التلاميذ , و اتّجهت نادية إلى قاعة الأساتذة لتأخذ قسطا من الراحة قبل موعد الحصة الموالية .
في الرواق المؤدي إلى القاعة إلتقتها سكرتيرة الإدارة .
- أستاذة نادية ..كنت أبحث عنك. يريدك المدير حالا في مكتبه .
وقف المدير مرحّبا بها. دعاها للجلوس . شخص محترم جدا و دبلوماسي .يسيّر المؤسّسة بذكاء و حنكة .ينتمي لجيل الثورة .' مفرنس ' في ثقافته و لغته ,غير أنّه يملك إرادة عجيبة و إصرارا كبيرا على تعلّم و إتقان العربية .
سألها و هو يسند جسده إلى ظهر الكرسي , يميل برأسه قليلا إلى ناحية اليمين , يشبك أصابع يديه فوق صدره , كعادة المسئولين حين يودّون إضفاء مسحة من الهيبة و الجدية على أنفسهم :
-أستاذة نادية , أنت عندك في الصفّ تلميذة تدعى ' سعاد ' ؟
باغتها السؤال . غاص قلبها في صدرها :
- نعم .لماذا ؟ هل أصابها مكروه ؟
- لا .
ثم, و هو يرفع أمام وجهها ورقة لم يبق فيها سواد القلم أثرا لأيّ بياض :
- تلقّينا من أهلها شكوى.. ضدّك .
تصفعها الدهشة .. تغزو الحيرة ملامحها الوديعة . سعاد تشكوني.. ؟ أنا ؟ يا ربي..كيف ؟ ما الذي حدث ؟
خفقات قلبها تتسارع ..عيناها جاحظتان , تتابعان حركة المدير و هو يضع الورقة فوق المكتب .
- كتب لنا أخوها يقول أنّك..أنّك..- عفوا على اللّفظ يا أستاذة – تضيّعين البنات بأفكارك ..و أنك مؤخرا أعرتِ أخته كتابا.. - عفوا..هذا هو المكتوب هنا – كتابا يفسد الأخلاق , و...
ولم تسمع حرفا آخر, فقد شردت مستحضرة صورة ذلك الأخ..
حدّثتها عنه ' سعاد ' في رسائلها...و أسرّت لها كيف انقلب حاله رأسا على عقب منذ أن تعرّف على مجموعة من الشباب الملتحين.. أطلق اللّحية و استبدل سرواله الجينز بآخر واسع فضفاض يصل إلى نصف ساقه .. هربت الابتسامة من شفتيه..ولم يعد يلاعب أخواته الصغريات ." لم نعد نسمع منه سوى كلمة حرام..حرام..حتى التلفزيون منعنا من مشاهدته ."
كتبت سعاد عنه كثيرا و قالت أن أشخاصٌا غريبي الأطوار يزورونه في البيت أحيانا كثيرة , و أحيانا أخرى يخرج معهم في الصباح و لا يعود إلا في ساعة متأخّرة من الليل..
- فيمَ شردت أستاذة.؟.لا داعي للقلق .الموضوع لا يستحق .أردتك أن تكوني على علم بالأمر فقط .سوف أهتم بالموضوع شخصيا.
ثم سألها بنبرة لم يفتها أن تلمح فيها بصيص إدانة :
-أخبريني أستاذة , هل الكتاب الذي أعرِته لها متداول..أقصد , هل يمكن شراؤه من المكتبات ؟
يا إلهي ..أين ذهب به تفكيره ؟هل سأتّهم بتسريب مؤلفات ممنوعة للتلاميذ ..؟
في تلك الفترة من بداية العشرية السوداء , كانت التّهم مزروعة على الطرقات كالألغام..و لم يكن مستبعدا أن تتعثّر بها لتسقط و تكون لك إحدى النهايتين : إنسانا ممسوخا في غيابات السجن أو رأساً معلّقة في مدخل سوق شعبيه ! طبعا , النهاية تحدّدها الجهة التي تتبنّى اللّغم .
- أكيد.. . أنا وزملائي نعير كتباً أدبية للتلاميذ الذين نلمس فيهم حب المطالعة و عشق اللغة .خاصة و أن مؤسّستنا ليس بها بعد مكتبة ثريّة .
خرجت ناديه من مكتب المدير يسبقها الذهول ,لم تستطع أن تصدق ما يحدث .. " أين أنا ؟ هل هذا كوكب الأرض ؟ أيعقل ذلك ؟ أيصبح للأدب , أيضا , شبهة , جنحة , جرما نعاقب عليه؟
كتمت الأمر عن سعاد .لم تشأ أن تضيف لهمومها هما آخر. و انقضى العام الدراسي بسلام .
لكن في السنة الموالية , لم تلتحق سعاد بالثانوية ..و لم تتقدّم لامتحان الثانوية العامة و في رسالة إلى أستاذتها..أخبرتها بأنها وافقت على الزواج من ابن عمّها و سوف تسافر معه إلى فرنسا حيث يقيم..و ربما تكمل دراستها هناك ..و أن أخاها غادر في فجر أحد الأيام برفقة خمسة من أصدقائه الجدد الملتحين . لا أحد يعلم إلى أين . و حدثتها عن الرعب الذي تعيشه الأسرة كلما جاء رجال الأمن من أجل استجوابهم و تفتيش المنزل .
و كانت تلك آخر أول و رسائل ' سعاد ' .
العشرية السوداء :
أحداث دموية إستمرت من 1991 الى 2002 وقتل فيها مايقارب الـ200,000 جزائري .
تعليق