موت الابن
حيناتصلت به أمه من دار المختار؛ مكان الهاتف الوحيد في الضيعة، وطلبت منه أن يحضر إلىالقرية فوراً، كانت الآنسة مها؛ سكرتيرته الجديدة، تجلس وراءطاولته، تستمع إليه باهتمام، وهو واقف وسط غرفة مكتبه، يتدرب على إلقاء الكلمةالترحيبية التي سيرتجلها في يوم زيارة المحافظ إلى المؤسسة التي يديرها..
قالتلـه أمه إن أباه الذي كان يشعر بآلام خفيفة في بطنه في الأشهر الأخيرة، قد أوقعهالمرض أرضاً، وإنه يخشى أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يكحل عينيه برؤية ابنهالوحيد، الذي يعمل في المدينة، ويسكن، ولا يزور الضيعة إلا ساعة في الشهر، أوالشهرين، في الفترة ما بين الدوامين: الصباحي والمسائي، أو في أيام العطل، والأعياديطمئن فيها على صحة أمه وأبيه، ويسلم على أخواته المتزوجات، من أبواب بيوت أزواجهن،ويعود طائراً إلى المدينة بسيارته الحكومية..
سألأمه عن طعام أبيه وشرابه.. عن عمله، ولباسه.. عن نومه، واستيقاظه.. عن طبيعة مرضه،والطبيب الذي ذهب للعلاج عنده، وعن أصناف الدواء التي يأخذها، وهل تتحسن صحته علىالدواء أم لا..
أجابته أمه أن أباه، الذي لا يشبهه أحد من أهل الضيعة في الطولوالامتلاء والعزم، والذي كان يأكل على الغداء، بعد أن يرجع من الشغل بالأرض، "طباخةبرغل"، وثلاثة أرغفة من خبز التنور، ورأس بصل يابساً، ويشرب معها طنجرة شنينة، ودلوماء، يتبعه بإبريق شاي ثقيلة وحلوة، مع عدد من السجائر التي يلفها من التبغ الذييزرعه بنفسه، ويفرم أوراقه اليابسة بيديه، بعد أن يرطبها بالماء بفهمه، وينقيها منالعروق، ثم يجمعها، ويطويها، ويجعلها على هيئة قبضة اليد، ويضعها تحت إحدى ركبتيه،قبل أن يحولها بسكينه القرباطية الكافرة، فوق الفرّامة الخشبية، إلى شلة من حرير..
الذي كان يلبس، في عز الصيف، وهو يحصد الحنطة بالمنجل، واحدة من جلابيبه الغامقة،فوق سروال أسود سميك، و"زعبوطاً" لتحت الركبة، ويضع على رأسه حطة من حطائطه البيضاءالمنقوشة بالأحمر، أو الأسود، تحت أحد "برمانه" الغليظة، فاللباس الذي يحمي منالبرد، برأيه، يحمي من الحر..
الذي كان ينام بعد أذان العشاء من شدة تعبه من الشغلبالأرض، ويصحو قبل صياح ديوك الضيعة، ليعاود الذهاب إلى الأرض..
الذي اشتغل ألفشغلة في حياته؛ من تسمين العجول، والخرفان، والجدايا، إلى الشغل "بالفاعل" في مواسمالحصاد، ومواسم قطاف الزيتون، ليؤمن مصاريف دراسة ابنه الوحيد في أحسن المدارس،والجامعات، صار أكله الآن أقل من أكل العصفور الدوري.. حز برتقال من هنا، وحز تفاحمن هناك، أو قرن موز، وأحياناً يغصبونه على شرب كأس حليب، أو على أكل بيضة مسلوقة،أو سيخ كباب أو سودا تشويهما له بيديها.. لقد ذوى خلال أيام، وصار قد الكمشة.. حتىإنه لم يعد يقترب من السجائر التي كان يعشقها.. البارحة طلب منها أن تلف له سيجارة،وتشعلها، وبعد أن لبت رغبته، أخذ نفساً عميقاً من السيجارة، وبدأ يسعل بصوت أليم،كأنه يخرج من تحت أظافر قدميه، فخطفت السيجارة من يده، ورمتها إلى العتبة..
أمابالنسبة إلى الشغل، فقد أخبرته أنه لم يعد قادراً على الذهاب إلى الأرض.. وأضافت: البارحة ركب على الموتوسيكل وراء غسان ابن عمك إبراهيم، وطلب منه أن يوصله إلى "سهمالقلعية"، ليتفقد شجرات الزيتون، ودوالي العنب، التي غرسها مؤخراً، فوقع من ورائه،عندما وصلا، وأراد أن ينزل عن الموتوسيكل، ولو لم تكن الأرض مفلوحة مؤخراً، لكانتانكسرت يده لا سمح الله، أو رجله، أو رقبته.. وتساءلت إن كان لا يزال يذكر سهمالقلعية، فهو منذ خمسة عشر عاماً لم يتوجه إليه، أو إلى سواه من نتف الأرض التيانتفعوا بها، بعد مجيء الإصلاح الزراعي، قبل أربعة عقود.. وقالت لـه إنها يمكن أنتنسى أرض الرابية، وأرض الوادي، ولا يمكن أن تنسى هذا السهم، بالذات، لأنها ولدتابنها الوحيد فيه.. يومها جاءها الطلق في ضحى النهار، وهي تحصد العدس مع أبيه، ومعأخواته البنات، فتركتهم، وتوارت خلف العربة، وولدت وحيدها نضال، الذي قطعت له حبلالسرّة بيديها..
وأخبرته أن أباه لم يعد يطيق الثياب على جسمه، وأنها شحذت له جلابيةبيضاء من بيت أخته الكبيرة، على الرغم من أنه لا يحب ارتداء مثل هذه الألبسةالرقيقة والشفافة، لكن ما باليد حيلة يا حبيبي، يا نضال.. إنه يمضي النهار بطولهبتبديل مكان طرّاحة الإسفنج من تحت شباك الغرفة الشرقية، إلى جانب شباك الغرفةالغربية، يبحث عن نسمة هواء، وبعد غياب الشمس، يحمل الطرّاحة، والمخدة، ويصعد لينامعلى قرص الدرج..
وأعلمته أنهم، قبل أربعة أيام، أخذوه إلى الطبيب في مركز الناحيةبتراكتور بيت عمه.. يومها قال لهم: " لو كان ابني نضال موجوداً كنت رحت لعند الحكيمبسيارته المكيفة.. ركبة التراكتور كسرت عظامي..".
وقالتلـه إن الطبيب طلب لـه بعض التحاليل، والصور، وكتب له وصفة، وقد باعت كيساً منالكمون لتدفع للطبيب، والمخبر، والصيدلية..
فهممن كلامها أنها كانت تؤجل بيع الكمون إلى أن يتحسن سعره.. لكنها اضطرت في هذهالمرة، لأنها خجلت من الاستدانة من أحد.. وعلم منها أيضاً أن صحة أبيه لم تتحسن علىالدواء، بل تراجعت أكثر من الأول.. وبكت، قبل انتهاء المخابرة، وطلبت منه أن يستعجلبالقدوم إلى الضيعة، لأن نتائج التحاليل قد طلعت، وموعد مراجعة الطبيب قد آن، ليأخذأباه بسيارته المكيفة...
قبّليدي أمه عبر الهاتف، وقبل رأسها، ووعدها قبل أن تأخذ السكرتيرة سماعة الهاتف منيده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز، أنه سيكون عندهم، بعون الله، في القريبالعاجل، وسيجلب لأبيه كرتونة موز، وسحارتي برتقال وتفاح، وفخذ خروف مهجن، وخمسةكيلوات سودا وقلوبات وكلاوي.. وسيشتري له جلابية بيضاء من حرير لا يشف، وسيأخذه إلىالطبيب بسيارته، وإلى الأرض أيضاً، ليستعيد شيئاً من ذكريات طفولته، ومراهقته،وجزءاً من أيام شبابه؛ أيام كان ينطر الكرم مع أولاد أعمامه في الصيف، وأيام كانيساعدهم بالحصاد، بعد انتهاء فحوصه في كل عام، و"يرجد" معهم أيضاً، ويدرس ويذري،وينقل شوالات الحب، وشلول التبن، من البيدر إلى الدار، بصندوق " العرباية " التي كانيجرها بغل بيت عمه المنهوج، وبغلتهم الشموس، أو على ظهر حمارتهم، التي انفرد بهاأحد الذئاب، في ليلة شتوية قارسة، وجرّها من عنقها، بأنيابه، إلى وادي المرّاش، ليأكل نصفهافي وجبة واحدة...
وسيأخذه أيضاً إلى طبيب آخر في المدينة، إذا لم يعجبه تشخيص الطبيبفي مركز الناحية، لأن أطباء المدن غير أطباء النواحي والمناطق، وسيدفع ثمن تكاليفالعلاج من جيبه، وعتب على أمه، لأنها لم تقل له إنها محتاجة لبعض المال، يوم زيارتهالأخيرة للضيعة، قبل شهر ونصف..
وبعدأسبوع، حين اتصلت به أمه من دار المختار، كانت السكرتيرة جالسة في مكانه وراءطاولته، تستمع إليه باهتمام، وهو واقف أمامها وسط غرفة مكتبه، يتدرب على إلقاءالكلمة الترحيبية التي سيرتجلها عند زيارة الوزير إلى المؤسسة التي يديرها..
أخبرته أن حالة أبيه قد تدهورت أكثر من السابق، وأنه لم يعد يطيقالطعام، وأنه يعيش الآن على القليل من السوائل، وقد استعارت له عصارة الفواكه منبيت أخته الوسطانية، وأنه لم يعد يطيق جنس اللباس على جسمه، بسبب الحرائق التيتشتعل في أحشائه، وأنها استعارت له مروحة من بيت أخته الصغيرة، وأنها صارت تحمل لهالطراحة والمخدة إلى قرص الدرج، بنفسها، لأنه لم يعد قادراً على حملهما...
وقالتلـه إنهم أجلوا مراجعة الطبيب لمدة يومين، آملين حضوره، وحينما قطعوا الأمل منمجيئه، مدوا له فراشاً في صندوق التريلا التي يجرها التراكتور، وسطحوه عليها،وسندوه من الجانبين، كيلا يسقط.. وإن الطبيب، بعد أن رأى التحاليل والصور، زفر منقلب محروق، وقال لهمإنهم في القرى لا يعرضون مريضهم على الطبيب قبل أن يصل إلىحافة القبر، وكتب لـه بعض المسكنات، ونصحهم بعدم أخذه إلى طبيب آخر، وتركه يرتاح فيبيته، وقالت إنها باعت كيس كمون آخر من أجل أن تدفع تكاليف العلاج،وأنها على استعداد لبيع البذار، أو قطعة أرض، مقابل أن تتحسن صحته.. لكن المشكلة أنصحته تتدهور يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة.. وقالت لـه، وهي تبكي: صار أبوك يخاف،بالفعل، من رحيله عن هذه الدنيا قبل أن يكحل عينيه برؤية ابنه الوحيد...
اعتذرلأمه عن عدم تمكنه من الحضور في موعد المراجعة، وقال لها إن السبب إنما يعود إلىانشغاله بالتحضير للاجتماع مع السيد المحافظ، أما الآن، وبعد أن تكلل الاجتماعبالنجاح، وهذا التوفيق برأيه يرجع إلى رضا الله، ورضا الوالدين، صار بإمكانه أنيسافر إلى الضيعة فوراً، للاطمئنان على صحة أبيه، وهو مرتاح البال، خصوصاً بعد أنهمس المحافظ في أذنه عند نهاية الاجتماع: " أنت يا نضال تستحق مركزاً أكبر من المركزالذي أنت فيه الآن..".
وقاللها إنه لن يكتفي بتشخيص طبيب مركز الناحية، وسيأخذ أباه إلى طبيب ثان، وثالث،ورابع.. وطلب منها أن تعيد العصارة إلى بيت أخته وداد، والمروحة إلى بيت نظيرة،لأنه سيشتري لأبيه عصارة، وسيشتري لـه مروحة أيضاً، وأسف أن يخلو بيت أبي نضال منهذه الأشياء، لتستعيرها أمه من بيوت أزواج أخواته البنات.. وطلب منها ألا تلجأ لبيعكمية من البذار، أو قطعة أرض، فلديه من المال ما يكفي لعلاج أبيه عند أشطر الأطباء،وفي أحسن المشافي.. وقبل يديها عبر سماعة الهاتف، وقبل رأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز.
وبعدأسبوع آخر، حين اتصلت به، وحكت له، وهي تبكي، على الحالة التي وصل إليها أبوه، كانمنشغلاً مع السكرتيرة بوضع خطة تمكنه من لقاء رئيس الوزراء.. فهم منها، بصعوبة،لاختلاط الحكي بالبكاء، أن حالة أبيه قد صارت بالويل، وأنه لم يعد قادراً على الأكلوالشرب والنوم، وأنه يعيش الآن على المسكنات وأكياس السيروم، ولأنها لم تعد هي،نفسها، تحتمل رؤيته وهو يعاني من الآلام الفظيعة، التي يشبهها لها في حالات صحوهالنادرة:" أحس بجمرة في كبدي يا سعدية، وبمقص يقرض من قلبي " فقد تورطت وأخذته مرةثالثة إلى الطبيب الذي طلب منها ألا تعيده إليه، وتكتفي بالمسكنات التي وصفها لهيوم المراجعة، ذلك بعد أن باعت البذار، لتدفع أجرة سيارة السرفيس، وثمن المسكناتالجديدة التي وصفها الطبيب.. وفهم، من خلال بكائها أيضاً، أنها تمضي الوقت، معالأقرباء والجيران والمحبين، في الغرفة الشرقية، عند رأسه، وهم يقرؤون القرآن،ويتضرعون للباري عز وجل، أن يسهل له، وفهم منها أيضاً أن أباه قد قطع الأمل منحضوره، قبل أن يرحل عن هذه الدنيا، ذلك حين قالت له إنه كلما صحا، يحرك أجفانه،وينظر إلى صورتك الملونة المعلقة بالجدار، في صدر البيت، فتسيل الدموع على خديه..
اعتذرلها بشدة، وأخبرها أن سبب التأخير إنما يعود إلى انشغاله بالتحضير للاجتماع بالسيدالوزير، أما الآن وبعد أن تكلل الاجتماع بالنجاح، وهذا التوفيق برأيه إنما يعود إلى رضاالله عنه، والوالدين، فقد صار بإمكانه أن يذهب إلى الضيعة فوراً، وهو مرتاح البال،للاطمئنان على صحة والده، خصوصاً بعد أن همس الوزير في أذنه بعد الاجتماع:" أنت يا نضالتستحق مركزاً أكبر من المركز الذي أنت فيه الآن..".
حاولأن يفهمها أن تشخيص طبيب مركز الناحية غير دقيق، وأن مرض أبيه في حاجة إلى تشخيصأطباء مختصين، في جعبتهم شهادات البورد، وزعل منها لأنها باعت البذار، وحذرها منالتفكير ببيع قطعة أرض، خصوصاً من أرض الرابية، لأنه يفكر أن يبني منزلاً على قمتها، لينزل فيه في أيام الصيف، عند اشتداد الحر في المدينة، وأفهمها أنه ليسقادراً على الصرف على أبيه في مستشفيات البلد ولدى أطباء البلد فحسب، بل فيمستشفيات البلدان الأوروبية وعند أطبائها إذالزم الأمر.. ورجاها أن تكف عن البكاء، خصوصاً عند رأس أبيه، لترفع من معنوياته، ولوقليلاً، فالعلاج النفسي أهم من العلاج بالأدوية.. وقبل يديها، ورأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على جهاز الهاتف...
واتصلت بعد أربع وعشرين ساعة، ولم يفهم من كلامها، وهي تنوح، سوى أنأباه يحتضر، وأنه، إذا فكر أن يذهب إلى الضيعة فوراً، فقد يلحقه، أو قد لا يلحقه..
كانتتلال البريد تحيط به من ثلاث جهات، وتحيط به من الجهة الرابعة الآنسة مها؛ سكرتيرتهالجديدة، التي أختارها قبل خمسة أشهر من بين مئة وتسع وخمسين متسابقة تقدمن لشغلهذا المنصب.. وفي الحقيقة كان اسمها مها فحسب، لكن نضالاً أضاف إليه " ال " التعريف،ليس لأنها تستحق مثل هذه الإضافة وأكثر، أو تمشياً مع الموضة التي درجت في البلدمؤخراً بتعريف اسم العلم، المعرف خلقة ربه، بل نكاية بموظفتين عنده، في المؤسسة،تحملان الاسم نفسه، تركت العزباء العمل في مكتبه، بعد شهرين من مباشرتها، لأنها لاتريد أن تخسر الشخص الذي تحبه، وينوي التقدم لخطبتها، وتركت المتزوجة بعد شهر،لأنها اكتشفت أن حياتها الزوجية ستصبح في خطر فيما لو استمرت..
لأسبوعين لم يكن لديه وقت ليطل على البريد، ولو إطلالة، في الأسبوعالأول انشغل بترتيبات الاجتماع بالمحافظ، وفي الأسبوع الثاني بترتيبات الاجتماعبالوزير.. وهاهو، حين جلس ليعمل، جاءه تليفون من القرية، عطله عن شغله..
انتبهت المها للهبوط المفاجئ في حالته النفسية، بعد أن أخذت السماعةمن يده وأعادتها إلى مكانها فوق جهاز الهاتف، فسألته بلهفة: خير أستاذ؟
أجابها بانكسار: الوالد حالته صعبة، والواجب أن أتوجه إلى الضيعةفوراً..
ونهض،وحاول أن يخرج من الجهة التي تغلقها، لكنها لم تسمح له بالخروج، قبل أن يناولهايده..
ـ صرتبعد تليفون أمك في حالة نفسية سيئة لا تسمح لك بقيادة السيارة..
ـ لكنالوقت غير مناسب الآن..
ولمتسمع منه كلمة واحدة أخرى ، جرته من يده إلى استراحته الخاصة خلف مكتبه، ليخرج منها بعدنصف ساعة، بمعنويات عالية، ويقود السيارة بنفسه، باتجاه القرية، التي وصلها بعد مايقرب من ساعة ونصف، مسلياً نفسه، طوال الطريق بالتفكير بطبيعة المناصب الجديدة التيوعده بها المحافظ والوزير، ذلك بعد أن أقنع نفسه، منذ بداية الرحلة، بأن مرض والدهليس بالخطورة التي تتحدث عنها أمه.. لأن أمه لا تختلف عن أهل الضيعة الذين يبدعونفي تهويل الأمور، ويصنعون من الحبة قبة.. وقبل أن يصل إلى دار أهله، وهو يعبر أزقةالضيعة وزواريبها، حين اقترب من الجامع، سمع صوت المؤذن ينادي بكلام لا يشبهالآذان، فأوقف السيارة، وأصغى..
عندها، فقط، رمى نضال برأسه فوق مقود السيارة، وشرع يبكي بصوتمسموع..
قالتلـه أمه إن أباه الذي كان يشعر بآلام خفيفة في بطنه في الأشهر الأخيرة، قد أوقعهالمرض أرضاً، وإنه يخشى أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يكحل عينيه برؤية ابنهالوحيد، الذي يعمل في المدينة، ويسكن، ولا يزور الضيعة إلا ساعة في الشهر، أوالشهرين، في الفترة ما بين الدوامين: الصباحي والمسائي، أو في أيام العطل، والأعياديطمئن فيها على صحة أمه وأبيه، ويسلم على أخواته المتزوجات، من أبواب بيوت أزواجهن،ويعود طائراً إلى المدينة بسيارته الحكومية..
سألأمه عن طعام أبيه وشرابه.. عن عمله، ولباسه.. عن نومه، واستيقاظه.. عن طبيعة مرضه،والطبيب الذي ذهب للعلاج عنده، وعن أصناف الدواء التي يأخذها، وهل تتحسن صحته علىالدواء أم لا..
أجابته أمه أن أباه، الذي لا يشبهه أحد من أهل الضيعة في الطولوالامتلاء والعزم، والذي كان يأكل على الغداء، بعد أن يرجع من الشغل بالأرض، "طباخةبرغل"، وثلاثة أرغفة من خبز التنور، ورأس بصل يابساً، ويشرب معها طنجرة شنينة، ودلوماء، يتبعه بإبريق شاي ثقيلة وحلوة، مع عدد من السجائر التي يلفها من التبغ الذييزرعه بنفسه، ويفرم أوراقه اليابسة بيديه، بعد أن يرطبها بالماء بفهمه، وينقيها منالعروق، ثم يجمعها، ويطويها، ويجعلها على هيئة قبضة اليد، ويضعها تحت إحدى ركبتيه،قبل أن يحولها بسكينه القرباطية الكافرة، فوق الفرّامة الخشبية، إلى شلة من حرير..
الذي كان يلبس، في عز الصيف، وهو يحصد الحنطة بالمنجل، واحدة من جلابيبه الغامقة،فوق سروال أسود سميك، و"زعبوطاً" لتحت الركبة، ويضع على رأسه حطة من حطائطه البيضاءالمنقوشة بالأحمر، أو الأسود، تحت أحد "برمانه" الغليظة، فاللباس الذي يحمي منالبرد، برأيه، يحمي من الحر..
الذي كان ينام بعد أذان العشاء من شدة تعبه من الشغلبالأرض، ويصحو قبل صياح ديوك الضيعة، ليعاود الذهاب إلى الأرض..
الذي اشتغل ألفشغلة في حياته؛ من تسمين العجول، والخرفان، والجدايا، إلى الشغل "بالفاعل" في مواسمالحصاد، ومواسم قطاف الزيتون، ليؤمن مصاريف دراسة ابنه الوحيد في أحسن المدارس،والجامعات، صار أكله الآن أقل من أكل العصفور الدوري.. حز برتقال من هنا، وحز تفاحمن هناك، أو قرن موز، وأحياناً يغصبونه على شرب كأس حليب، أو على أكل بيضة مسلوقة،أو سيخ كباب أو سودا تشويهما له بيديها.. لقد ذوى خلال أيام، وصار قد الكمشة.. حتىإنه لم يعد يقترب من السجائر التي كان يعشقها.. البارحة طلب منها أن تلف له سيجارة،وتشعلها، وبعد أن لبت رغبته، أخذ نفساً عميقاً من السيجارة، وبدأ يسعل بصوت أليم،كأنه يخرج من تحت أظافر قدميه، فخطفت السيجارة من يده، ورمتها إلى العتبة..
أمابالنسبة إلى الشغل، فقد أخبرته أنه لم يعد قادراً على الذهاب إلى الأرض.. وأضافت: البارحة ركب على الموتوسيكل وراء غسان ابن عمك إبراهيم، وطلب منه أن يوصله إلى "سهمالقلعية"، ليتفقد شجرات الزيتون، ودوالي العنب، التي غرسها مؤخراً، فوقع من ورائه،عندما وصلا، وأراد أن ينزل عن الموتوسيكل، ولو لم تكن الأرض مفلوحة مؤخراً، لكانتانكسرت يده لا سمح الله، أو رجله، أو رقبته.. وتساءلت إن كان لا يزال يذكر سهمالقلعية، فهو منذ خمسة عشر عاماً لم يتوجه إليه، أو إلى سواه من نتف الأرض التيانتفعوا بها، بعد مجيء الإصلاح الزراعي، قبل أربعة عقود.. وقالت لـه إنها يمكن أنتنسى أرض الرابية، وأرض الوادي، ولا يمكن أن تنسى هذا السهم، بالذات، لأنها ولدتابنها الوحيد فيه.. يومها جاءها الطلق في ضحى النهار، وهي تحصد العدس مع أبيه، ومعأخواته البنات، فتركتهم، وتوارت خلف العربة، وولدت وحيدها نضال، الذي قطعت له حبلالسرّة بيديها..
وأخبرته أن أباه لم يعد يطيق الثياب على جسمه، وأنها شحذت له جلابيةبيضاء من بيت أخته الكبيرة، على الرغم من أنه لا يحب ارتداء مثل هذه الألبسةالرقيقة والشفافة، لكن ما باليد حيلة يا حبيبي، يا نضال.. إنه يمضي النهار بطولهبتبديل مكان طرّاحة الإسفنج من تحت شباك الغرفة الشرقية، إلى جانب شباك الغرفةالغربية، يبحث عن نسمة هواء، وبعد غياب الشمس، يحمل الطرّاحة، والمخدة، ويصعد لينامعلى قرص الدرج..
وأعلمته أنهم، قبل أربعة أيام، أخذوه إلى الطبيب في مركز الناحيةبتراكتور بيت عمه.. يومها قال لهم: " لو كان ابني نضال موجوداً كنت رحت لعند الحكيمبسيارته المكيفة.. ركبة التراكتور كسرت عظامي..".
وقالتلـه إن الطبيب طلب لـه بعض التحاليل، والصور، وكتب له وصفة، وقد باعت كيساً منالكمون لتدفع للطبيب، والمخبر، والصيدلية..
فهممن كلامها أنها كانت تؤجل بيع الكمون إلى أن يتحسن سعره.. لكنها اضطرت في هذهالمرة، لأنها خجلت من الاستدانة من أحد.. وعلم منها أيضاً أن صحة أبيه لم تتحسن علىالدواء، بل تراجعت أكثر من الأول.. وبكت، قبل انتهاء المخابرة، وطلبت منه أن يستعجلبالقدوم إلى الضيعة، لأن نتائج التحاليل قد طلعت، وموعد مراجعة الطبيب قد آن، ليأخذأباه بسيارته المكيفة...
قبّليدي أمه عبر الهاتف، وقبل رأسها، ووعدها قبل أن تأخذ السكرتيرة سماعة الهاتف منيده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز، أنه سيكون عندهم، بعون الله، في القريبالعاجل، وسيجلب لأبيه كرتونة موز، وسحارتي برتقال وتفاح، وفخذ خروف مهجن، وخمسةكيلوات سودا وقلوبات وكلاوي.. وسيشتري له جلابية بيضاء من حرير لا يشف، وسيأخذه إلىالطبيب بسيارته، وإلى الأرض أيضاً، ليستعيد شيئاً من ذكريات طفولته، ومراهقته،وجزءاً من أيام شبابه؛ أيام كان ينطر الكرم مع أولاد أعمامه في الصيف، وأيام كانيساعدهم بالحصاد، بعد انتهاء فحوصه في كل عام، و"يرجد" معهم أيضاً، ويدرس ويذري،وينقل شوالات الحب، وشلول التبن، من البيدر إلى الدار، بصندوق " العرباية " التي كانيجرها بغل بيت عمه المنهوج، وبغلتهم الشموس، أو على ظهر حمارتهم، التي انفرد بهاأحد الذئاب، في ليلة شتوية قارسة، وجرّها من عنقها، بأنيابه، إلى وادي المرّاش، ليأكل نصفهافي وجبة واحدة...
وسيأخذه أيضاً إلى طبيب آخر في المدينة، إذا لم يعجبه تشخيص الطبيبفي مركز الناحية، لأن أطباء المدن غير أطباء النواحي والمناطق، وسيدفع ثمن تكاليفالعلاج من جيبه، وعتب على أمه، لأنها لم تقل له إنها محتاجة لبعض المال، يوم زيارتهالأخيرة للضيعة، قبل شهر ونصف..
وبعدأسبوع، حين اتصلت به أمه من دار المختار، كانت السكرتيرة جالسة في مكانه وراءطاولته، تستمع إليه باهتمام، وهو واقف أمامها وسط غرفة مكتبه، يتدرب على إلقاءالكلمة الترحيبية التي سيرتجلها عند زيارة الوزير إلى المؤسسة التي يديرها..
أخبرته أن حالة أبيه قد تدهورت أكثر من السابق، وأنه لم يعد يطيقالطعام، وأنه يعيش الآن على القليل من السوائل، وقد استعارت له عصارة الفواكه منبيت أخته الوسطانية، وأنه لم يعد يطيق جنس اللباس على جسمه، بسبب الحرائق التيتشتعل في أحشائه، وأنها استعارت له مروحة من بيت أخته الصغيرة، وأنها صارت تحمل لهالطراحة والمخدة إلى قرص الدرج، بنفسها، لأنه لم يعد قادراً على حملهما...
وقالتلـه إنهم أجلوا مراجعة الطبيب لمدة يومين، آملين حضوره، وحينما قطعوا الأمل منمجيئه، مدوا له فراشاً في صندوق التريلا التي يجرها التراكتور، وسطحوه عليها،وسندوه من الجانبين، كيلا يسقط.. وإن الطبيب، بعد أن رأى التحاليل والصور، زفر منقلب محروق، وقال لهمإنهم في القرى لا يعرضون مريضهم على الطبيب قبل أن يصل إلىحافة القبر، وكتب لـه بعض المسكنات، ونصحهم بعدم أخذه إلى طبيب آخر، وتركه يرتاح فيبيته، وقالت إنها باعت كيس كمون آخر من أجل أن تدفع تكاليف العلاج،وأنها على استعداد لبيع البذار، أو قطعة أرض، مقابل أن تتحسن صحته.. لكن المشكلة أنصحته تتدهور يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة.. وقالت لـه، وهي تبكي: صار أبوك يخاف،بالفعل، من رحيله عن هذه الدنيا قبل أن يكحل عينيه برؤية ابنه الوحيد...
اعتذرلأمه عن عدم تمكنه من الحضور في موعد المراجعة، وقال لها إن السبب إنما يعود إلىانشغاله بالتحضير للاجتماع مع السيد المحافظ، أما الآن، وبعد أن تكلل الاجتماعبالنجاح، وهذا التوفيق برأيه يرجع إلى رضا الله، ورضا الوالدين، صار بإمكانه أنيسافر إلى الضيعة فوراً، للاطمئنان على صحة أبيه، وهو مرتاح البال، خصوصاً بعد أنهمس المحافظ في أذنه عند نهاية الاجتماع: " أنت يا نضال تستحق مركزاً أكبر من المركزالذي أنت فيه الآن..".
وقاللها إنه لن يكتفي بتشخيص طبيب مركز الناحية، وسيأخذ أباه إلى طبيب ثان، وثالث،ورابع.. وطلب منها أن تعيد العصارة إلى بيت أخته وداد، والمروحة إلى بيت نظيرة،لأنه سيشتري لأبيه عصارة، وسيشتري لـه مروحة أيضاً، وأسف أن يخلو بيت أبي نضال منهذه الأشياء، لتستعيرها أمه من بيوت أزواج أخواته البنات.. وطلب منها ألا تلجأ لبيعكمية من البذار، أو قطعة أرض، فلديه من المال ما يكفي لعلاج أبيه عند أشطر الأطباء،وفي أحسن المشافي.. وقبل يديها عبر سماعة الهاتف، وقبل رأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز.
وبعدأسبوع آخر، حين اتصلت به، وحكت له، وهي تبكي، على الحالة التي وصل إليها أبوه، كانمنشغلاً مع السكرتيرة بوضع خطة تمكنه من لقاء رئيس الوزراء.. فهم منها، بصعوبة،لاختلاط الحكي بالبكاء، أن حالة أبيه قد صارت بالويل، وأنه لم يعد قادراً على الأكلوالشرب والنوم، وأنه يعيش الآن على المسكنات وأكياس السيروم، ولأنها لم تعد هي،نفسها، تحتمل رؤيته وهو يعاني من الآلام الفظيعة، التي يشبهها لها في حالات صحوهالنادرة:" أحس بجمرة في كبدي يا سعدية، وبمقص يقرض من قلبي " فقد تورطت وأخذته مرةثالثة إلى الطبيب الذي طلب منها ألا تعيده إليه، وتكتفي بالمسكنات التي وصفها لهيوم المراجعة، ذلك بعد أن باعت البذار، لتدفع أجرة سيارة السرفيس، وثمن المسكناتالجديدة التي وصفها الطبيب.. وفهم، من خلال بكائها أيضاً، أنها تمضي الوقت، معالأقرباء والجيران والمحبين، في الغرفة الشرقية، عند رأسه، وهم يقرؤون القرآن،ويتضرعون للباري عز وجل، أن يسهل له، وفهم منها أيضاً أن أباه قد قطع الأمل منحضوره، قبل أن يرحل عن هذه الدنيا، ذلك حين قالت له إنه كلما صحا، يحرك أجفانه،وينظر إلى صورتك الملونة المعلقة بالجدار، في صدر البيت، فتسيل الدموع على خديه..
اعتذرلها بشدة، وأخبرها أن سبب التأخير إنما يعود إلى انشغاله بالتحضير للاجتماع بالسيدالوزير، أما الآن وبعد أن تكلل الاجتماع بالنجاح، وهذا التوفيق برأيه إنما يعود إلى رضاالله عنه، والوالدين، فقد صار بإمكانه أن يذهب إلى الضيعة فوراً، وهو مرتاح البال،للاطمئنان على صحة والده، خصوصاً بعد أن همس الوزير في أذنه بعد الاجتماع:" أنت يا نضالتستحق مركزاً أكبر من المركز الذي أنت فيه الآن..".
حاولأن يفهمها أن تشخيص طبيب مركز الناحية غير دقيق، وأن مرض أبيه في حاجة إلى تشخيصأطباء مختصين، في جعبتهم شهادات البورد، وزعل منها لأنها باعت البذار، وحذرها منالتفكير ببيع قطعة أرض، خصوصاً من أرض الرابية، لأنه يفكر أن يبني منزلاً على قمتها، لينزل فيه في أيام الصيف، عند اشتداد الحر في المدينة، وأفهمها أنه ليسقادراً على الصرف على أبيه في مستشفيات البلد ولدى أطباء البلد فحسب، بل فيمستشفيات البلدان الأوروبية وعند أطبائها إذالزم الأمر.. ورجاها أن تكف عن البكاء، خصوصاً عند رأس أبيه، لترفع من معنوياته، ولوقليلاً، فالعلاج النفسي أهم من العلاج بالأدوية.. وقبل يديها، ورأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على جهاز الهاتف...
واتصلت بعد أربع وعشرين ساعة، ولم يفهم من كلامها، وهي تنوح، سوى أنأباه يحتضر، وأنه، إذا فكر أن يذهب إلى الضيعة فوراً، فقد يلحقه، أو قد لا يلحقه..
كانتتلال البريد تحيط به من ثلاث جهات، وتحيط به من الجهة الرابعة الآنسة مها؛ سكرتيرتهالجديدة، التي أختارها قبل خمسة أشهر من بين مئة وتسع وخمسين متسابقة تقدمن لشغلهذا المنصب.. وفي الحقيقة كان اسمها مها فحسب، لكن نضالاً أضاف إليه " ال " التعريف،ليس لأنها تستحق مثل هذه الإضافة وأكثر، أو تمشياً مع الموضة التي درجت في البلدمؤخراً بتعريف اسم العلم، المعرف خلقة ربه، بل نكاية بموظفتين عنده، في المؤسسة،تحملان الاسم نفسه، تركت العزباء العمل في مكتبه، بعد شهرين من مباشرتها، لأنها لاتريد أن تخسر الشخص الذي تحبه، وينوي التقدم لخطبتها، وتركت المتزوجة بعد شهر،لأنها اكتشفت أن حياتها الزوجية ستصبح في خطر فيما لو استمرت..
لأسبوعين لم يكن لديه وقت ليطل على البريد، ولو إطلالة، في الأسبوعالأول انشغل بترتيبات الاجتماع بالمحافظ، وفي الأسبوع الثاني بترتيبات الاجتماعبالوزير.. وهاهو، حين جلس ليعمل، جاءه تليفون من القرية، عطله عن شغله..
انتبهت المها للهبوط المفاجئ في حالته النفسية، بعد أن أخذت السماعةمن يده وأعادتها إلى مكانها فوق جهاز الهاتف، فسألته بلهفة: خير أستاذ؟
أجابها بانكسار: الوالد حالته صعبة، والواجب أن أتوجه إلى الضيعةفوراً..
ونهض،وحاول أن يخرج من الجهة التي تغلقها، لكنها لم تسمح له بالخروج، قبل أن يناولهايده..
ـ صرتبعد تليفون أمك في حالة نفسية سيئة لا تسمح لك بقيادة السيارة..
ـ لكنالوقت غير مناسب الآن..
ولمتسمع منه كلمة واحدة أخرى ، جرته من يده إلى استراحته الخاصة خلف مكتبه، ليخرج منها بعدنصف ساعة، بمعنويات عالية، ويقود السيارة بنفسه، باتجاه القرية، التي وصلها بعد مايقرب من ساعة ونصف، مسلياً نفسه، طوال الطريق بالتفكير بطبيعة المناصب الجديدة التيوعده بها المحافظ والوزير، ذلك بعد أن أقنع نفسه، منذ بداية الرحلة، بأن مرض والدهليس بالخطورة التي تتحدث عنها أمه.. لأن أمه لا تختلف عن أهل الضيعة الذين يبدعونفي تهويل الأمور، ويصنعون من الحبة قبة.. وقبل أن يصل إلى دار أهله، وهو يعبر أزقةالضيعة وزواريبها، حين اقترب من الجامع، سمع صوت المؤذن ينادي بكلام لا يشبهالآذان، فأوقف السيارة، وأصغى..
عندها، فقط، رمى نضال برأسه فوق مقود السيارة، وشرع يبكي بصوتمسموع..
تعليق