موت الابن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • تاج الدين الموسى
    عضو الملتقى
    • 16-07-2010
    • 63

    موت الابن

    موت الابن
    حيناتصلت به أمه من دار المختار؛ مكان الهاتف الوحيد في الضيعة، وطلبت منه أن يحضر إلىالقرية فوراً، كانت الآنسة مها؛ سكرتيرته الجديدة، تجلس وراءطاولته، تستمع إليه باهتمام، وهو واقف وسط غرفة مكتبه، يتدرب على إلقاء الكلمةالترحيبية التي سيرتجلها في يوم زيارة المحافظ إلى المؤسسة التي يديرها..‏
    قالتلـه أمه إن أباه الذي كان يشعر بآلام خفيفة في بطنه في الأشهر الأخيرة، قد أوقعهالمرض أرضاً، وإنه يخشى أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يكحل عينيه برؤية ابنهالوحيد، الذي يعمل في المدينة، ويسكن، ولا يزور الضيعة إلا ساعة في الشهر، أوالشهرين، في الفترة ما بين الدوامين: الصباحي والمسائي، أو في أيام العطل، والأعياديطمئن فيها على صحة أمه وأبيه، ويسلم على أخواته المتزوجات، من أبواب بيوت أزواجهن،ويعود طائراً إلى المدينة بسيارته الحكومية..‏
    سألأمه عن طعام أبيه وشرابه.. عن عمله، ولباسه.. عن نومه، واستيقاظه.. عن طبيعة مرضه،والطبيب الذي ذهب للعلاج عنده، وعن أصناف الدواء التي يأخذها، وهل تتحسن صحته علىالدواء أم لا..
    أجابته أمه أن أباه، الذي لا يشبهه أحد من أهل الضيعة في الطولوالامتلاء والعزم، والذي كان يأكل على الغداء، بعد أن يرجع من الشغل بالأرض، "طباخةبرغل"، وثلاثة أرغفة من خبز التنور، ورأس بصل يابساً، ويشرب معها طنجرة شنينة، ودلوماء، يتبعه بإبريق شاي ثقيلة وحلوة، مع عدد من السجائر التي يلفها من التبغ الذييزرعه بنفسه، ويفرم أوراقه اليابسة بيديه، بعد أن يرطبها بالماء بفهمه، وينقيها منالعروق، ثم يجمعها، ويطويها، ويجعلها على هيئة قبضة اليد، ويضعها تحت إحدى ركبتيه،قبل أن يحولها بسكينه القرباطية الكافرة، فوق الفرّامة الخشبية، إلى شلة من حرير..
    الذي كان يلبس، في عز الصيف، وهو يحصد الحنطة بالمنجل، واحدة من جلابيبه الغامقة،فوق سروال أسود سميك، و"زعبوطاً" لتحت الركبة، ويضع على رأسه حطة من حطائطه البيضاءالمنقوشة بالأحمر، أو الأسود، تحت أحد "برمانه" الغليظة، فاللباس الذي يحمي منالبرد، برأيه، يحمي من الحر..
    الذي كان ينام بعد أذان العشاء من شدة تعبه من الشغلبالأرض، ويصحو قبل صياح ديوك الضيعة، ليعاود الذهاب إلى الأرض..
    الذي اشتغل ألفشغلة في حياته؛ من تسمين العجول، والخرفان، والجدايا، إلى الشغل "بالفاعل" في مواسمالحصاد، ومواسم قطاف الزيتون، ليؤمن مصاريف دراسة ابنه الوحيد في أحسن المدارس،والجامعات، صار أكله الآن أقل من أكل العصفور الدوري.. حز برتقال من هنا، وحز تفاحمن هناك، أو قرن موز، وأحياناً يغصبونه على شرب كأس حليب، أو على أكل بيضة مسلوقة،أو سيخ كباب أو سودا تشويهما له بيديها.. لقد ذوى خلال أيام، وصار قد الكمشة.. حتىإنه لم يعد يقترب من السجائر التي كان يعشقها.. البارحة طلب منها أن تلف له سيجارة،وتشعلها، وبعد أن لبت رغبته، أخذ نفساً عميقاً من السيجارة، وبدأ يسعل بصوت أليم،كأنه يخرج من تحت أظافر قدميه، فخطفت السيجارة من يده، ورمتها إلى العتبة..
    أمابالنسبة إلى الشغل، فقد أخبرته أنه لم يعد قادراً على الذهاب إلى الأرض.. وأضافت: البارحة ركب على الموتوسيكل وراء غسان ابن عمك إبراهيم، وطلب منه أن يوصله إلى "سهمالقلعية"، ليتفقد شجرات الزيتون، ودوالي العنب، التي غرسها مؤخراً، فوقع من ورائه،عندما وصلا، وأراد أن ينزل عن الموتوسيكل، ولو لم تكن الأرض مفلوحة مؤخراً، لكانتانكسرت يده لا سمح الله، أو رجله، أو رقبته.. وتساءلت إن كان لا يزال يذكر سهمالقلعية، فهو منذ خمسة عشر عاماً لم يتوجه إليه، أو إلى سواه من نتف الأرض التيانتفعوا بها، بعد مجيء الإصلاح الزراعي، قبل أربعة عقود.. وقالت لـه إنها يمكن أنتنسى أرض الرابية، وأرض الوادي، ولا يمكن أن تنسى هذا السهم، بالذات، لأنها ولدتابنها الوحيد فيه.. يومها جاءها الطلق في ضحى النهار، وهي تحصد العدس مع أبيه، ومعأخواته البنات، فتركتهم، وتوارت خلف العربة، وولدت وحيدها نضال، الذي قطعت له حبلالسرّة بيديها..
    وأخبرته أن أباه لم يعد يطيق الثياب على جسمه، وأنها شحذت له جلابيةبيضاء من بيت أخته الكبيرة، على الرغم من أنه لا يحب ارتداء مثل هذه الألبسةالرقيقة والشفافة، لكن ما باليد حيلة يا حبيبي، يا نضال.. إنه يمضي النهار بطولهبتبديل مكان طرّاحة الإسفنج من تحت شباك الغرفة الشرقية، إلى جانب شباك الغرفةالغربية، يبحث عن نسمة هواء، وبعد غياب الشمس، يحمل الطرّاحة، والمخدة، ويصعد لينامعلى قرص الدرج..
    وأعلمته أنهم، قبل أربعة أيام، أخذوه إلى الطبيب في مركز الناحيةبتراكتور بيت عمه.. يومها قال لهم: " لو كان ابني نضال موجوداً كنت رحت لعند الحكيمبسيارته المكيفة.. ركبة التراكتور كسرت عظامي..".‏
    وقالتلـه إن الطبيب طلب لـه بعض التحاليل، والصور، وكتب له وصفة، وقد باعت كيساً منالكمون لتدفع للطبيب، والمخبر، والصيدلية..‏
    فهممن كلامها أنها كانت تؤجل بيع الكمون إلى أن يتحسن سعره.. لكنها اضطرت في هذهالمرة، لأنها خجلت من الاستدانة من أحد.. وعلم منها أيضاً أن صحة أبيه لم تتحسن علىالدواء، بل تراجعت أكثر من الأول.. وبكت، قبل انتهاء المخابرة، وطلبت منه أن يستعجلبالقدوم إلى الضيعة، لأن نتائج التحاليل قد طلعت، وموعد مراجعة الطبيب قد آن، ليأخذأباه بسيارته المكيفة...‏
    قبّليدي أمه عبر الهاتف، وقبل رأسها، ووعدها قبل أن تأخذ السكرتيرة سماعة الهاتف منيده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز، أنه سيكون عندهم، بعون الله، في القريبالعاجل، وسيجلب لأبيه كرتونة موز، وسحارتي برتقال وتفاح، وفخذ خروف مهجن، وخمسةكيلوات سودا وقلوبات وكلاوي.. وسيشتري له جلابية بيضاء من حرير لا يشف، وسيأخذه إلىالطبيب بسيارته، وإلى الأرض أيضاً، ليستعيد شيئاً من ذكريات طفولته، ومراهقته،وجزءاً من أيام شبابه؛ أيام كان ينطر الكرم مع أولاد أعمامه في الصيف، وأيام كانيساعدهم بالحصاد، بعد انتهاء فحوصه في كل عام، و"يرجد" معهم أيضاً، ويدرس ويذري،وينقل شوالات الحب، وشلول التبن، من البيدر إلى الدار، بصندوق " العرباية " التي كانيجرها بغل بيت عمه المنهوج، وبغلتهم الشموس، أو على ظهر حمارتهم، التي انفرد بهاأحد الذئاب، في ليلة شتوية قارسة، وجرّها من عنقها، بأنيابه، إلى وادي المرّاش، ليأكل نصفهافي وجبة واحدة...‏
    وسيأخذه أيضاً إلى طبيب آخر في المدينة، إذا لم يعجبه تشخيص الطبيبفي مركز الناحية، لأن أطباء المدن غير أطباء النواحي والمناطق، وسيدفع ثمن تكاليفالعلاج من جيبه، وعتب على أمه، لأنها لم تقل له إنها محتاجة لبعض المال، يوم زيارتهالأخيرة للضيعة، قبل شهر ونصف..‏
    وبعدأسبوع، حين اتصلت به أمه من دار المختار، كانت السكرتيرة جالسة في مكانه وراءطاولته، تستمع إليه باهتمام، وهو واقف أمامها وسط غرفة مكتبه، يتدرب على إلقاءالكلمة الترحيبية التي سيرتجلها عند زيارة الوزير إلى المؤسسة التي يديرها..‏
    أخبرته أن حالة أبيه قد تدهورت أكثر من السابق، وأنه لم يعد يطيقالطعام، وأنه يعيش الآن على القليل من السوائل، وقد استعارت له عصارة الفواكه منبيت أخته الوسطانية، وأنه لم يعد يطيق جنس اللباس على جسمه، بسبب الحرائق التيتشتعل في أحشائه، وأنها استعارت له مروحة من بيت أخته الصغيرة، وأنها صارت تحمل لهالطراحة والمخدة إلى قرص الدرج، بنفسها، لأنه لم يعد قادراً على حملهما...‏
    وقالتلـه إنهم أجلوا مراجعة الطبيب لمدة يومين، آملين حضوره، وحينما قطعوا الأمل منمجيئه، مدوا له فراشاً في صندوق التريلا التي يجرها التراكتور، وسطحوه عليها،وسندوه من الجانبين، كيلا يسقط.. وإن الطبيب، بعد أن رأى التحاليل والصور، زفر منقلب محروق، وقال لهمإنهم في القرى لا يعرضون مريضهم على الطبيب قبل أن يصل إلىحافة القبر، وكتب لـه بعض المسكنات، ونصحهم بعدم أخذه إلى طبيب آخر، وتركه يرتاح فيبيته، وقالت إنها باعت كيس كمون آخر من أجل أن تدفع تكاليف العلاج،وأنها على استعداد لبيع البذار، أو قطعة أرض، مقابل أن تتحسن صحته.. لكن المشكلة أنصحته تتدهور يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة.. وقالت لـه، وهي تبكي: صار أبوك يخاف،بالفعل، من رحيله عن هذه الدنيا قبل أن يكحل عينيه برؤية ابنه الوحيد...‏
    اعتذرلأمه عن عدم تمكنه من الحضور في موعد المراجعة، وقال لها إن السبب إنما يعود إلىانشغاله بالتحضير للاجتماع مع السيد المحافظ، أما الآن، وبعد أن تكلل الاجتماعبالنجاح، وهذا التوفيق برأيه يرجع إلى رضا الله، ورضا الوالدين، صار بإمكانه أنيسافر إلى الضيعة فوراً، للاطمئنان على صحة أبيه، وهو مرتاح البال، خصوصاً بعد أنهمس المحافظ في أذنه عند نهاية الاجتماع: " أنت يا نضال تستحق مركزاً أكبر من المركزالذي أنت فيه الآن..".‏
    وقاللها إنه لن يكتفي بتشخيص طبيب مركز الناحية، وسيأخذ أباه إلى طبيب ثان، وثالث،ورابع.. وطلب منها أن تعيد العصارة إلى بيت أخته وداد، والمروحة إلى بيت نظيرة،لأنه سيشتري لأبيه عصارة، وسيشتري لـه مروحة أيضاً، وأسف أن يخلو بيت أبي نضال منهذه الأشياء، لتستعيرها أمه من بيوت أزواج أخواته البنات.. وطلب منها ألا تلجأ لبيعكمية من البذار، أو قطعة أرض، فلديه من المال ما يكفي لعلاج أبيه عند أشطر الأطباء،وفي أحسن المشافي.. وقبل يديها عبر سماعة الهاتف، وقبل رأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على الجهاز.‏
    وبعدأسبوع آخر، حين اتصلت به، وحكت له، وهي تبكي، على الحالة التي وصل إليها أبوه، كانمنشغلاً مع السكرتيرة بوضع خطة تمكنه من لقاء رئيس الوزراء.. فهم منها، بصعوبة،لاختلاط الحكي بالبكاء، أن حالة أبيه قد صارت بالويل، وأنه لم يعد قادراً على الأكلوالشرب والنوم، وأنه يعيش الآن على المسكنات وأكياس السيروم، ولأنها لم تعد هي،نفسها، تحتمل رؤيته وهو يعاني من الآلام الفظيعة، التي يشبهها لها في حالات صحوهالنادرة:" أحس بجمرة في كبدي يا سعدية، وبمقص يقرض من قلبي " فقد تورطت وأخذته مرةثالثة إلى الطبيب الذي طلب منها ألا تعيده إليه، وتكتفي بالمسكنات التي وصفها لهيوم المراجعة، ذلك بعد أن باعت البذار، لتدفع أجرة سيارة السرفيس، وثمن المسكناتالجديدة التي وصفها الطبيب.. وفهم، من خلال بكائها أيضاً، أنها تمضي الوقت، معالأقرباء والجيران والمحبين، في الغرفة الشرقية، عند رأسه، وهم يقرؤون القرآن،ويتضرعون للباري عز وجل، أن يسهل له، وفهم منها أيضاً أن أباه قد قطع الأمل منحضوره، قبل أن يرحل عن هذه الدنيا، ذلك حين قالت له إنه كلما صحا، يحرك أجفانه،وينظر إلى صورتك الملونة المعلقة بالجدار، في صدر البيت، فتسيل الدموع على خديه..
    اعتذرلها بشدة، وأخبرها أن سبب التأخير إنما يعود إلى انشغاله بالتحضير للاجتماع بالسيدالوزير، أما الآن وبعد أن تكلل الاجتماع بالنجاح، وهذا التوفيق برأيه إنما يعود إلى رضاالله عنه، والوالدين، فقد صار بإمكانه أن يذهب إلى الضيعة فوراً، وهو مرتاح البال،للاطمئنان على صحة والده، خصوصاً بعد أن همس الوزير في أذنه بعد الاجتماع:" أنت يا نضالتستحق مركزاً أكبر من المركز الذي أنت فيه الآن..".‏
    حاولأن يفهمها أن تشخيص طبيب مركز الناحية غير دقيق، وأن مرض أبيه في حاجة إلى تشخيصأطباء مختصين، في جعبتهم شهادات البورد، وزعل منها لأنها باعت البذار، وحذرها منالتفكير ببيع قطعة أرض، خصوصاً من أرض الرابية، لأنه يفكر أن يبني منزلاً على قمتها، لينزل فيه في أيام الصيف، عند اشتداد الحر في المدينة، وأفهمها أنه ليسقادراً على الصرف على أبيه في مستشفيات البلد ولدى أطباء البلد فحسب، بل فيمستشفيات البلدان الأوروبية وعند أطبائها إذالزم الأمر.. ورجاها أن تكف عن البكاء، خصوصاً عند رأس أبيه، لترفع من معنوياته، ولوقليلاً، فالعلاج النفسي أهم من العلاج بالأدوية.. وقبل يديها، ورأسها، قبل أن تأخذالسكرتيرة السماعة من يده، وتعيدها إلى مكانها على جهاز الهاتف...‏
    واتصلت بعد أربع وعشرين ساعة، ولم يفهم من كلامها، وهي تنوح، سوى أنأباه يحتضر، وأنه، إذا فكر أن يذهب إلى الضيعة فوراً، فقد يلحقه، أو قد لا يلحقه..‏
    كانتتلال البريد تحيط به من ثلاث جهات، وتحيط به من الجهة الرابعة الآنسة مها؛ سكرتيرتهالجديدة، التي أختارها قبل خمسة أشهر من بين مئة وتسع وخمسين متسابقة تقدمن لشغلهذا المنصب.. وفي الحقيقة كان اسمها مها فحسب، لكن نضالاً أضاف إليه " ال " التعريف،ليس لأنها تستحق مثل هذه الإضافة وأكثر، أو تمشياً مع الموضة التي درجت في البلدمؤخراً بتعريف اسم العلم، المعرف خلقة ربه، بل نكاية بموظفتين عنده، في المؤسسة،تحملان الاسم نفسه، تركت العزباء العمل في مكتبه، بعد شهرين من مباشرتها، لأنها لاتريد أن تخسر الشخص الذي تحبه، وينوي التقدم لخطبتها، وتركت المتزوجة بعد شهر،لأنها اكتشفت أن حياتها الزوجية ستصبح في خطر فيما لو استمرت..‏
    لأسبوعين لم يكن لديه وقت ليطل على البريد، ولو إطلالة، في الأسبوعالأول انشغل بترتيبات الاجتماع بالمحافظ، وفي الأسبوع الثاني بترتيبات الاجتماعبالوزير.. وهاهو، حين جلس ليعمل، جاءه تليفون من القرية، عطله عن شغله..‏
    انتبهت المها للهبوط المفاجئ في حالته النفسية، بعد أن أخذت السماعةمن يده وأعادتها إلى مكانها فوق جهاز الهاتف، فسألته بلهفة: خير أستاذ؟‏
    أجابها بانكسار: الوالد حالته صعبة، والواجب أن أتوجه إلى الضيعةفوراً..‏
    ونهض،وحاول أن يخرج من الجهة التي تغلقها، لكنها لم تسمح له بالخروج، قبل أن يناولهايده..‏
    ـ صرتبعد تليفون أمك في حالة نفسية سيئة لا تسمح لك بقيادة السيارة..‏
    ـ لكنالوقت غير مناسب الآن..‏
    ولمتسمع منه كلمة واحدة أخرى ، جرته من يده إلى استراحته الخاصة خلف مكتبه، ليخرج منها بعدنصف ساعة، بمعنويات عالية، ويقود السيارة بنفسه، باتجاه القرية، التي وصلها بعد مايقرب من ساعة ونصف، مسلياً نفسه، طوال الطريق بالتفكير بطبيعة المناصب الجديدة التيوعده بها المحافظ والوزير، ذلك بعد أن أقنع نفسه، منذ بداية الرحلة، بأن مرض والدهليس بالخطورة التي تتحدث عنها أمه.. لأن أمه لا تختلف عن أهل الضيعة الذين يبدعونفي تهويل الأمور، ويصنعون من الحبة قبة.. وقبل أن يصل إلى دار أهله، وهو يعبر أزقةالضيعة وزواريبها، حين اقترب من الجامع، سمع صوت المؤذن ينادي بكلام لا يشبهالآذان، فأوقف السيارة، وأصغى..‏
    عندها، فقط، رمى نضال برأسه فوق مقود السيارة، وشرع يبكي بصوتمسموع..‏
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    تاج الدين الموسى
    هلا وغلا بك ومليون مرحبا
    فكرة النص جميلة وموجعة
    لكن
    ترهل النص زميلي بسبب الإسهاب في السرد
    يحتاج نصك لتكثيف حاد وهذا لايعني أنه سيئ مطلقا بل يحتاج منك للتكثيف الضروري
    مع الأسف هذا نوع من أنواع العقوق وكم أحسست بالشفقة على الأم والاب
    أرجو أن تتقبل ملاحظتي بصدر رحب وأن تشارك زميلاتك وزملاءك نصوصهم فهي فائدة للجميع صدقني
    ودي ومحبتي لك

    الخلاص
    وفاء لم يكد ْيدلف البيت, حتى تناهت أصوات القادمين لسمعها, وطرقعة الأسلحة, تدوّي حولها, تقرع أجراس الخطر, فبان الهلع, على قسمات وجهها الحزين: - اهرب قصي, سيقتلونك, اسرع أمسك يدها, يسحبها - معي وفاء, لنهرب معاً, سيقطّعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت. - لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط اسرع قبل أن يقتحموا الباب. حمل سلاحه, قفز
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • تاج الدين الموسى
      عضو الملتقى
      • 16-07-2010
      • 63

      #3
      شكرا لك حضرة المدير العام.. اما بالنسبة للتكثيف حسب رايك فلم يعد هناك حاجة لأن النص منشور..

      تعليق

      • تاج الدين الموسى
        عضو الملتقى
        • 16-07-2010
        • 63

        #4
        البحر



        البحــر كويس*

        ما كنا انتبهنا لغياب طاهر عنا، نحن الذين اجتمعنا على شرفة الشاليه، نتفرج على النساء بثياب البحـر، لو لم نكن احتجناه لسؤاله عن موعد الغداء إن كان قد آن لنباشـر بإعداد الطعام .. قلت للشباب :" مؤكـد أنه في الحمام يزيل عن جسده أثر المياه المالحـة..".
        لأول مرة ينـزل الطاهر الى الماء برغبتـه.. فيما مضى من رحلاتنا التي نقوم بها إلى الشاطئ نحن المعلمين في مدرسة ضيعة المركونة الابتدائية، حين يشتد الحر في شهري تموز وآب، وفي عطلة الصيف بالذات، كان يبقى وحيداً، بعيداً عنا، لا يقترب من الشاطىء ، إلا حين يتأكد من أننا قد ابتعدنا في الماء ، مفوتاً علينا أي فرصة للقبض عليه ، وإنزاله الماء مرغما.. مرة يتعلل بعدم معرفته السباحة ، وأخرى بتحسس جسده من الماء المالح .. وفي الحقيقة ما كان يمنعه سوى الخجل.. أينـزل إلى الماء بثياب البحر، أمام الناس، وهو الذي يخجل من لبس قميص بنصف كم ؟ من فتح ولو زر واحد من أزرار قميصه العلوية ؟ من لبس بنطلون جينـز، أو من أي نوع آخر ضيق، أو على الموضـة ؟
        و حين نذهب بعيداً في الماء، يقترب من الشاطئ، إلى أن تلامس قدماه زبد الموج، ويتوسل إلينا بحركات من رأسه، ويديه ، كأب حنون ، ألا نبتعد أكثر.. ألا نغامر.. ألا نضع عقلنا بعقل البحر، فالبحـر مجنـون قد يبتلعنا في أية لحظـة..
        في رحلتنا السابقة التي مضى عليها عام وشهر غافلناه ، وألقينا القبض عليه قرب الشاطئ ، وأنزلناه في الماء بثيابـه.. في البدايـة أخـذ يهددنا: " أتركوني يا شباب.. أتركوني بالتي هي أحسن.. ابتعدوا عني وإلا.. " .
        وإلأ ماذا يا طاهـر ؟ أنحن في المدرسة لتأمر؟ و تهدد ؟ في المدرسة أنت مدير ، تتصدر غرفة الإدارة ، وتلقي في وجهنا التعليمات : الغياب ممنوع .. التقارير الطبية ممنوعـة.. التأخير عن الدوام ممنـوع .. الخروج من الصف قبل نصف دقيقة من صوت الجرس ممنـوع .. لا شيء في جيوبك في المدرسة سوى الممنوعات .. هذا غير لوائــح العقوبات التي تهددنا برفعها لمديرية التربية ، فيما لو قصر أي واحد منا بأداء الواجب تجاه التلاميذ .. هنا ، على الشاطىء ، كلنا سواسية.. نترك أعمارنا ، ورتبنا ، في الضيعة ، و نجيء .. صحيح نحن نطلق عليك خلال أيام الرحلـة : " الجاويش " فهذا لأنك أكبرنا سناً ، وأكثرنا تنظيماً.. لكن أن تأمرنا ؟! فهذا بعيد عنك يا طاهر.. بعيد بعد قريتنا عن البحـر.. على الشاطئ لا يوجد مدرسة ، وتلاميذ ، ودفاتر تحضير، ومديرية تربية تستند إليها..
        أوامر الطاهر على الرمل ، صياحه في وجوهنا ، عبوسه، آلت إلى تضرعات في الماء :" دخيل عرضكـم يا شباب اتركوني .. منشان الله لا تبهدلوني .. أبوس رؤوسكم .. ذقونكم .. أيديكم ..".
        مع من كان الطاهر يحكي وقتئذ ؟ ومن منا كان على استعداد أن يسمع منه كلمة واحدة ؟ أتصح لنا فرصة كهذه ، ننتظرها منذ سنوات ، ونتركها تذهب من بين أيدينا هدراً ؟! مستحيل .. فحين غمرنا المــاء الى رقابنا، عملنا حول حلقة ، نحن الستة ، و شرعنا نحملـه بين أيدينا ، ونقذفـه إلى الأعلى ، ثم نتركـه يسقط في الماء، إلى أن يختفي، ثم نخرجـه إلى السطح ، ونعيد قذفـه ، وهو يصرخ ، ويستجير بالأحيـاء من آبائنا وأجدادنا، والأموات.. بالأنبياء، والآلهــة.. ونحن نقهقه ، ونلهـو به ، وكأنه لعبـة بين أيدينا، ولم نتركـه إلا حين وصل إلى حافـة البكـاء..
        ثم أجهـزنا عليه بالضربـة الفنية القاضيـة، بعد أن خرج من الماء، عندما أحطنا به ثانية، وعملنا لــه حفلـة تهريـج ما عرف لها الشاطىء مثيلاً ، و نحن نشير إلى أماكن محددة في جسمه.. لقد التصقت جلابيـه الطاهر بجسده ، فظهرت الزوائد تحتها ، و السواقي ، فبدا لنا ، و للناس على الشاطىء ، عارياً ، أو في أحسن الأحوال كراقص بفرقـة باليه..
        ندمنا على ما فعلناه بعد أن صحونا.. حملنا مسؤولية ما جـرى كاملـة إلى العرق البلدي الذي أحضره سامر، معلم الصف السادس.. في كل مرة يأمرنا الطاهـر ألا نحمـل معنا أي نوع من أنواع المشروبات الروحية، وينذر بالانسحاب من الرحلـة فيما لو فعلنا.. وكنا نكذب عليه ، حين نعده ، بعد أن نمسك على شواربنا، وذقوننا.. لكن سامراً، وبتشجيع منا، كان يدس بين الأغراض عدداً من الزجاجات، فنشرب خلال الرحلـة خلسة، ولا ينتبـه الطاهر إلينا إلا بعد أن نكون قد انتشينا.. وفي الحقيقة كانت كأساً واحدةً تكفي مــزاج الواحد منا ليروق، فنحن لسنا من المواظبين على الشراب ، ولا من المعتادين عليه..الأمر ليس بيدنا.. واقع ضيعتنا لا يسمح.. من يشرب من أهل الضيعة، يتناول المشروب على نحو سري، وإذا ما تم كشفه فربما يكون مصيره النفي من الضيعـة، أو العزل، وقد يجلب العار لأولاده وأحفاده بعد موته.. أهل ضيعة المركونة لا يتذوقون طعم اليانسون إلا في أيام ولادات النساء..
        في أكثر الحفلات الليلية التي كنا نقيمها ، ويشاركنا فيها جيران البحر، أو التي كان الجيران يقيمونها، ونشارك فيها نحن ، وبعد أن يشتعل الشاطىء بالغناء و الرقص و الدبكـة ، يغض الطــاهر بعـض الطرف عنا، فتسلل الكؤوس إلى مكان الحفلة، وترفع علانية أمام عينه ، لكنه حين يعتقد أننا وصلنا إلى حالة من السكر قد تنتهي الرحلة ولا نصحو منها، يجرنا الواحد بعد الآخر إلى الشاليه، إذا كانت الحفلة مقامة عند الجيران، أو ينهي الحفلة بشكل مفاجئ، إذا كانت مقامة عندنا ، فيخطف العود من حضن ماهر ؛ معلم الصف الرابع ، والدربكـة من حضن وردان؛ معلم الصف الأول ، فأصمت أنا؛ معلم الصف الثاني ، ومطرب الرحلات الدائم، و يكرشنا أمامه إلى الشاليه، مثل الغنم ، ليحبسنا في الغرف، و يقعد ناطوراً أمـام باب الشاليه الرئيس ، إلى أن نغفو، و يعلو شخيرنا، مفوتاً علينا أي موعد ليلي ربما نكون قد ضربناه خلال النهار، أو خلال الحفلة، أو يساهر عبد الله ؛ معلم الصف الخامس، الذي يدوخ في نصف الكأس الأول، ولا يغمض له جفن قبل ان يبكي لنصف ساعة على الأقــل، ويحكي على زوجـته، التي لا تحلو لها النومـة إلا بين أولادها ، والتي تبقى تفوح منها روائح الطبخ، بالأخص يوم تقلي عجة ، أو سمكا ، أو قرنبيطا..
        أقسم الطاهـر يومها بالتراب الذي نزل فوق قبر أبيه أنه لن يعود لمرافقتنا في رحلة قادمـة..أمضينا أياماً وليالي ونحن نحاول إقناعه دون جدوى ..أجلنا موعد الرحلـة الأخيرة لأيام في البداية ، ثم لأسبوع ، فشهر ، دون جدوى .. المسك على الشوارب، و اللحى ، والذقـون ، ما فادنا في شيء ، و لم يوافق ، في نهاية الأمـر، إلا بعد أن حصل منا على مواثيق مكتوبة، عليها توقيع شهود، أول بند فيها ألا نقترب مـن المشروبات ، طوال أيام الرحلـة ، وآخر بند أن نكون مثل الخاتم في إصبعه.. التنازل الوحيد الذي حصلنا عليه من الطاهر، مقابل مواثيقنا مجتمعة، أن ينـزل إلى الماء برغبته..
        " تأخر الطاهر في الحمام يا شباب.." قلت ، أنا الأقرب إلى باب الشاليه ، و استدرت ، فلمحت الطاهر يصلي..
        في الطريق قال لنا :" إننا نرتكب ذنوباً في أيام ثلاثة لا تمحوها صلاة عام بطوله..".
        وصلنا الشاطئ قبل اشتداد الحر.. ثلاث ساعات أمضيناها في الطريق بين قريتنا في الداخـل و البحر.. رمينا أغراضنا في الشاليـه التي حجزناها بالهاتف فور وصولنا، و غيرنا ثيابنا على عجل ، وركضنا صوب الماء..
        الطاهر قال لنا: " اسبقوني.. سأرتب الشاليه ، وأضـع الطعام في البراد ، وألحقكـم ..".
        كنا ندرك أنه سيخجل من استبدال ثيابـه بوجودنا ، فتركناه ، وهرعنا لمعانقـة الأمواج بشوق المحبيـن ، ليلحقنا بعد نصف ساعـة تقريباً .. كنا نسبح غير بعيدين عن الشاطئ ، وكأن أجسادنا كانت تريد أن تسـلم على البحـر ، و تداعبـه ، في البدايـة ، قبل أن تستسلم لـه ، و تغوص فيـه ..
        أقبل يرتدي سروالاً يغطيـه من فـوق السرّة إلى أسفل بطتي ساقيه، كانت زوجتـه قد فصلتـه من كيس طحيـن فارغ .. اقترب من الماء بتوجس ، وهو منكمش ، يظن أن كل المنتشرين على الشاطئ يتفرجون عليـه.. توجهنا إليــه مزغردين ، لنعلمه السباحـة ، فاستدار وابتعد عن الشاطئ .. قرأنا على سرواله من القفا كتابة بخـط أحمــر عريــض : " طحين زيرو . المصدر كندا " تركناه، ورحنا نسبح ، فعاد إلى الشاطئ من جديد.. لامست نهايات الأمــواج قدميـه، فوقف.. كنا نراقبـه من مسافة غير بعيدة.. تقدم بعد دقائق ببطء إلى أن وصل الماء حدود ركبتيه.. أخذ اسـتراحـة أخـرى ، ثم واصل المسير البطيء ، المحاذر ، ليصل ماء البحر حدود صدره..
        تساءل ماهــر: " طالت صلاة الطاهـر يا شباب ؟! ".
        قال وردان : " مؤكـد أنـه الآن يصلي أكثر من المطلوب في الشرع كفارة عن الذي فعلـتـه يداه قبل قليل في الماء..".
        لا ندري من أين حطت عصفورتان ملونتان واحدة على ميسرة الطاهـر ، والأخـرى على ميمنته ، وهـو واقف في الماء ، أخذت الأولى برجليـه ، والثانية بيديه ، وقبل أن تطير عقولنا من رؤوسنا من الغيظ، والحسـد ، ونطير إليه ، بعد دقائق، لنعرف حقيقة ما يجـري، كانت العصفورتان قد طارتا، وتركتا الطاهـر يضـرب برجليه ، و يديه ، فوق سطح الماء..
        صحيح أننا بدأنا نحس بالجـوع، لكن ما كانت عند أي واحد منا رغبـة أن يغادر الشرفة ، و يترك وراءه متعة الفرجة على النساء بثياب البحر، وقد تمدد عدد منهن على بطونهن ، و ظهورهن ، غير عابئات بتصويتات عيوننا إليهن ، ولا مدركات للحرائق التي اشتعلت في صدورنا ، ولا عارفات بأن مناظر كهذه لا تأخــذ عقولنا، نحن أبناء الداخل، إذ تختبئ المرأة عندنا في عدد كبير من الثياب، بل تتركنا نهيم في البراري والوديان.. وفي الحقيقة لم تكن السباحـة متعتنا الوحيدة خلال الرحلـة.. على الشاطىء متع لا حدود لها.. قلت للشباب في طريق العودة من رحلتنا الأخيرة : " لا نحس بوجودنا .. بأننا بشر، في السنة بطولها ، إلا في أيام الرحلـة الثلاثة..".
        استدرت من مكاني على الشرفة صوب باب الشاليه.. هاهو الطاهر ما زال يصلي.. اسـتغربت.. أتأخذ الصلاة منه كل هذا الوقت ؟! ثم إني لم أره يركع ، أو يسجد .. أيكون قد نسي نفسه ، وشرد ، وهو يصلي، من حالة الوقوف فحسب؟ توجهت إليه على رؤوس أصابع قدمي.. اقتربت منه من الخلــف.. يبّسني المنظـر الذي رأيته في مكاني.. امرأة بديعة تستحم في الشاليه المجاورة ، أمام عيني الطاهر ، كأنها نسيت نافذة الحمام مفتوحة، أو تعمدت أن تتركهـا، والله أعلـم ..
        ـــــــــــــــــــــ
        *من أغنية لوديـع الصافـي
        ـ هذه القصة من مجموعة الخائب الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب 2006

        تعليق

        يعمل...
        X