أبو صفيحة
هو واحد من خلق الله، ولكنه كنغمة نشاز في مقطوعة موسيقية.. صحيح أن له وجهًا به فم وأنف وعينان، وله ذراعين يحركهما، وله ساقين يمشي عليهما.. لكن ملامح هذا الوجه لا تكاد تبين وقد غطت نصفه الأسفل ما يمكن تجاوزًا تسميته بلحية كثيفة تتمدد شعراتها في كل الاتجاهات بينما يغطي نصفه الأعلى حِمْلٌ من الشعر الطويل الذي يؤكد تلبُّده أنه لم يتعرض لماء أو تهذيب منذ سنوات عديدة؛ فإذا أضفنا إلى ذلك ما تصدره عيناه من ملامح القرف والضيق فإن اللوحة تكون قد اكتملت راسمة كائنًا يصعب على الرائي أن يَعُدَّهُ من بني البشر.. إنه شيء أشبه بإنسان الغابة الذي طالما سمعنا عنه في حواديت الجدات، وهذا الكائن برغم قوة بنيانه الجسدي تراه شديد الكسل خاملا يتحرك في فتور إلى أن يُسقط نفسه على الأرض بلا مبالاة فيستوي جالسًا في سكون وخمول مُسندًا ظهره إلى جدار أحد البيوت ثم يمدُّ ساقيه أمامه واضعًا بجواره بعض الأسمال التي لا يمكن لأحد تخمين ما بداخلها وفي حِجره يحتضن صفيحة متوسطة الحجم بها بقايا طعام وشراب يُفرغ فوقها كل ما يُقَدم له من طعام أو شراب جديدين دون أن يفكر أو يطلب من أحد تنظيفها أو إفراغ محتوياتها أبدًا رغم ما ينبعث منها من روائح كريهة نتيجة التراكم وما يعلو سطحها الخارجي من قذارة..
نفس الشيء ينطبق على ملابسه؛ فكلما تبرع له أحدهم بجلباب ارتداه فوق ما عليه من ثياب حتى صار يحمل فوق جسده أكثر من عشرين جلبابًا..
كانت هذه هي الصورة العامة لأبي صفيحة، وبسببها وبغريزة شقاوة الطفولة كنا لا نشعر تجاهه برحمة أو شفقة فكنَّا نصطنع مضايقته ونتحرش به هاتفين (أبو صفيحة.. أبو صفيحة!!) وكان هو الآخر ضيِّق الخلق فيهبُّ -رغم كسله الشديد- ممسكًا بالحجارة لتنشب بيننا وبينه معركة ربما يقع فيها جريح أو أكثر من أحد الطرفين أو كليهما، ولم تكن مثل هذه المعارك تنتهي إلا بتدخل بعض الكبار من أهل الحارة الذين يقفون في صفه باعتباره غريبًا ومسكينًا يستحق العطف وغالبًا ما ينالنا بعض العقاب من الأهل وينال هو الاعتذار وتطييب الخاطر حتى يهدأ روعه وتعود إليه سَكِينتُه، والعجيب أننا لم نكن نكف عن مضايقته وافتعال المعارك معه رغم معرفتنا المسبقة بنتائج هذه المعارك إلى أن كبرنا وصرنا شبابًا وبدأنا نشعر بالعطف عليه، وصار علينا أن نؤدي دور من سبقونا تجاهه كلما وجدنا بعض الأطفال يفعلون معه مثلما كنا نفعل، ولكننا كنا نلاحظ أن ردة فعله قد صارت أهدأ وأن جهده لم يعد بمثل ما كان عليه أيام كنا نشتبك معه..
شيئًا فشيئًا لم يعد أبو صفيحة يتحرك داخل شوارع القرية، وأصبح ملازمًا مكانًا يخفيه عن الأنظار في ظهر مبنى حكومي يبتعد قليلا عن بيوت القرية حتى أوشكنا أن ننساه تمامًا إلى أن صحونا في صبيحة أحد أيام الشتاء على خبر موته، وتجمعنا حوله وفتشنا أسماله فكانت المفاجأة أن وجدنا بخلاف الحجارة التي كان يجهزها لمعاركه مجموعة قيمة من كتب الدين والفلسفة والتصوف والشعر وأوراقًا قديمة بها ما يشبه الخواطر واليوميات ومسودات لقصائد شعرية رائعة!!
تعليق