صورٌ في العتمة
صبري رسول
بارتباكٍ قلقٍ كان ينظر بعينين كسيرتين إلى ضوء خافت يهطلُ من النّافذة المنكمشِة على نفسِها ، انزوى إلى حواره المتقطِّع مع بقايا صورٍ عالقة في داخله ، الصّورة المتشظِّية تكتسبُ ملامحَ بليدة عند استعادتها من قاع الخوف ، عندما أنجبَتْه أمُّه كانَتِ الشَّمس تعلو على قمة الجبل بأمتارٍ قليلة ، ومع صرختِهِ الأولى عرضَتْه الدَّايةُ تحتَ خصلات شمس نيسان الذَّهبية المنسابةِ على الكونِ ، قائلةً: يشرب الجسدُ الضوءَ ، فيتحرّر من الخوف ، يكسر الزوايا الضيقة وينطلق مع الأفق المفتوح ، إنّه الجسد البشريُّ يتغلْغلُ الضَّوء إلى داخله مع الجرعة الأولى من هواء الولادة ، ثم أضافت بلهجةِ حكماءِ التَّاريخ : صرخةُ الطّفل الأولى في الحياة توقيعٌ منه على ميثاق الاستمرارية فيها ، كان يتمطّط بأقمطته تحت دفْءِ نيسان ، مستمداً منه قوةً تمسكه بالحياة ، من قوة هذا الشَّهر في التَّجدد والانبعاث تحقيقاً للعرف المقدَّس السَّائد في ولادته المائية، أغمضَ عينيه على ألمٍ منتشرٍ في أصقاع الجسد ، وابتلع آهةً كتيمةً لم تجدْ لها مكاناً في فمه.
تلمّس أطرافَه السّفلية ليُكذِّب خشبيةَ روحِهِ ، لكنَّه لم يجدْ نهايةً لركبتيه ، ولم يستطع تحديد الشَّكل الذي تنتهي به قدماهُ ، نهاية لينة عجينية ، شبيهة بغفوة طفلٍ بعد بكائِه على أمِّه ، خانَه الإدراكُ من معرفة الزَّمن الذي أخذتْ فيه قدماه هذا الشَّكل ، ولم يعلم أأكلتْهَا العتمةُ أمْ تضاءَلَتَا بفعل كثافتِها ، كبساطةِ عذريةِ الرِّيف ، كان ينظر إلى الآخرين بعيون النّبوّة، ويرى الناس كسنابل حبلى بالخير ، لكنَّه لم يجدْ تفسيراً دافئاً لرفضِ ذواتِ اللّكنةِ الثقيلةِ لشكْلِه ، ولطريقة نطقه لأحرف الحجل الشَّجية ، جمع مواويلَ أمِّه وأغاني الحصيدة ، وأعادَها كخرقٍ باليةٍ إلى مهده الخشبي ، المزخرف ، وربطَها في مكان نومِهِ بـ( دسْتْ بَنْدْكَا – dest bendka) المهد قائلاً : أمي هذه مواويلك وحكاياتك من التكوين والعدم ، وعن السّلالات المائية والصّخرية ، أودعتُهَا في مهدي كي لا تجلبَ لي متاعبَ وأوجاع لا قوة لي بحملها ، ونسي أنَّ الأم تتركُ صدى أغانيها عميقاً على ملامح الابن ، فيبقى أسيرَ لونِها حتى القيامة ؛ مع مرور الأيام استمدّ القلبُ قوةَ خفقانِه من صمتِ الجدرانِ الكتيمةِ المشبعة بعتمة السِّنين ، فتسرَّبت العتمة إلى داخلِه ، ومع الزَّمن اعتاد الجسم على القوى الخفيَّة في العتمة ، يسقط النُّور الخجولُ من أعالي الكوة ، فتتنفّسُ الكائنات الخامدة ، و الجمادات في الغرفة ، وحده يتضاءل حجمُ الجسد باحثاً عن زاوية تحتفظ بعتمتها ، كلَّمَا أخذتْ ضآلة الجسم شكلها الأقصى تحتاج إلى كميةٍ هائلةٍ من كثافة العتمة ليعود بها الجسم إلى حجمه المعهود قبل سقوط الضوء في فضاء الغرفة ، تسرَّبت العتمةُ الصَّامتةُ إلى مفاصل الجسد ، وتغلغل طغيانُها في عتيق الرُّوحِ ، أصبحَ كائناً ذائباً في الظَّلام ، يرتقي إلى معاني العدمِ ، بنشوة الصَّمت ، ويتلاشى مع فضيحةِ الضَّوء للكائنات ، غابتْ عنه صورُ الحياة تحت النُّور ، واهتزّ مخزونُها ، احتضنَ ظلامَ الغرفةِ الرَّخو ولم يَعُدْ يذكر من مواويل أمِّه ، وهي أعذبُ من مياهِ ( كانيا بلك –kanya belek) . أغمض عينيه بقوة ، وبدأ العدم التَّالف يصعدُ إلى أعلى جسمه .
قامشلي 28/11/2005م
تعليق