صورٌ في العتمة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    صورٌ في العتمة

    صورٌ في العتمة
    صبري رسول


    بارتباكٍ قلقٍ كان ينظر بعينين كسيرتين إلى ضوء خافت يهطلُ من النّافذة المنكمشِة على نفسِها ، انزوى إلى حواره المتقطِّع مع بقايا صورٍ عالقة في داخله ، الصّورة المتشظِّية تكتسبُ ملامحَ بليدة عند استعادتها من قاع الخوف ، عندما أنجبَتْه أمُّه كانَتِ الشَّمس تعلو على قمة الجبل بأمتارٍ قليلة ، ومع صرختِهِ الأولى عرضَتْه الدَّايةُ تحتَ خصلات شمس نيسان الذَّهبية المنسابةِ على الكونِ ، قائلةً: يشرب الجسدُ الضوءَ ، فيتحرّر من الخوف ، يكسر الزوايا الضيقة وينطلق مع الأفق المفتوح ، إنّه الجسد البشريُّ يتغلْغلُ الضَّوء إلى داخله مع الجرعة الأولى من هواء الولادة ، ثم أضافت بلهجةِ حكماءِ التَّاريخ : صرخةُ الطّفل الأولى في الحياة توقيعٌ منه على ميثاق الاستمرارية فيها ، كان يتمطّط بأقمطته تحت دفْءِ نيسان ، مستمداً منه قوةً تمسكه بالحياة ، من قوة هذا الشَّهر في التَّجدد والانبعاث تحقيقاً للعرف المقدَّس السَّائد في ولادته المائية، أغمضَ عينيه على ألمٍ منتشرٍ في أصقاع الجسد ، وابتلع آهةً كتيمةً لم تجدْ لها مكاناً في فمه.
    تلمّس أطرافَه السّفلية ليُكذِّب خشبيةَ روحِهِ ، لكنَّه لم يجدْ نهايةً لركبتيه ، ولم يستطع تحديد الشَّكل الذي تنتهي به قدماهُ ، نهاية لينة عجينية ، شبيهة بغفوة طفلٍ بعد بكائِه على أمِّه ، خانَه الإدراكُ من معرفة الزَّمن الذي أخذتْ فيه قدماه هذا الشَّكل ، ولم يعلم أأكلتْهَا العتمةُ أمْ تضاءَلَتَا بفعل كثافتِها ، كبساطةِ عذريةِ الرِّيف ، كان ينظر إلى الآخرين بعيون النّبوّة، ويرى الناس كسنابل حبلى بالخير ، لكنَّه لم يجدْ تفسيراً دافئاً لرفضِ ذواتِ اللّكنةِ الثقيلةِ لشكْلِه ، ولطريقة نطقه لأحرف الحجل الشَّجية ، جمع مواويلَ أمِّه وأغاني الحصيدة ، وأعادَها كخرقٍ باليةٍ إلى مهده الخشبي ، المزخرف ، وربطَها في مكان نومِهِ بـ( دسْتْ بَنْدْكَا – dest bendka) المهد قائلاً : أمي هذه مواويلك وحكاياتك من التكوين والعدم ، وعن السّلالات المائية والصّخرية ، أودعتُهَا في مهدي كي لا تجلبَ لي متاعبَ وأوجاع لا قوة لي بحملها ، ونسي أنَّ الأم تتركُ صدى أغانيها عميقاً على ملامح الابن ، فيبقى أسيرَ لونِها حتى القيامة ؛ مع مرور الأيام استمدّ القلبُ قوةَ خفقانِه من صمتِ الجدرانِ الكتيمةِ المشبعة بعتمة السِّنين ، فتسرَّبت العتمة إلى داخلِه ، ومع الزَّمن اعتاد الجسم على القوى الخفيَّة في العتمة ، يسقط النُّور الخجولُ من أعالي الكوة ، فتتنفّسُ الكائنات الخامدة ، و الجمادات في الغرفة ، وحده يتضاءل حجمُ الجسد باحثاً عن زاوية تحتفظ بعتمتها ، كلَّمَا أخذتْ ضآلة الجسم شكلها الأقصى تحتاج إلى كميةٍ هائلةٍ من كثافة العتمة ليعود بها الجسم إلى حجمه المعهود قبل سقوط الضوء في فضاء الغرفة ، تسرَّبت العتمةُ الصَّامتةُ إلى مفاصل الجسد ، وتغلغل طغيانُها في عتيق الرُّوحِ ، أصبحَ كائناً ذائباً في الظَّلام ، يرتقي إلى معاني العدمِ ، بنشوة الصَّمت ، ويتلاشى مع فضيحةِ الضَّوء للكائنات ، غابتْ عنه صورُ الحياة تحت النُّور ، واهتزّ مخزونُها ، احتضنَ ظلامَ الغرفةِ الرَّخو ولم يَعُدْ يذكر من مواويل أمِّه ، وهي أعذبُ من مياهِ ( كانيا بلك –kanya belek) . أغمض عينيه بقوة ، وبدأ العدم التَّالف يصعدُ إلى أعلى جسمه .



    قامشلي 28/11/2005م
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    نصّ مترع بالجمال ..
    الكلمة كانت تحلّق إلى البعيد ..البعيد في المشاعر اللامرئيّة
    والتي لا يلامسها إلاّ قلم مبدع مثلك أستاذ صبري..
    إنها رحلة حياة منذ الولادة حتى اكتناز ومضة الضياء في النبض، حتى تسلّل العتمة إلى الرّوح..إلى ساعة الرحيل المنتظرة..
    أخي صبري: أدهشتني بوصف العلاقة القوية بين الأمّ وابنها عندما تلوّن حياته بظلالها ومواويلها التي تسكن ذاكرته
    ليتني أعرف مفردات هذا الموّال الشجيّ الذي ذكرت..متأكدة بأنه يحمل هموم قلبٍ حاصره الألم وتوارثته القلوب فيما بعد..
    سررت جداً بمحطّة رائعة بين سطورك...واليوم أجدها ترفرف بألقٍ أكبر وأكبر
    دُمتَ بسعادةٍ ...تحيّاتي....

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • ماهين شيخاني
      أديب وكاتب
      • 03-02-2009
      • 194

      #3
      [align=right]
      تحياتي أستاذ صبري رسول
      بالرغم من العنوان هو صور في العتمة إلا أن حروفك كان أشعة شمس ضاءت بقوة
      نص جميل من رسول الكلمة , عذب أعذبُ من مياهِ ( كانيا بلك –kanya belek
      ماهين شيخاني
      [/align]
      السلام عليكم :
      وشكراً لزيارتكم للمدونة
      مع تحيات ماهين شيخاني
      http://azad90.man-blog.net

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        نصّ بالغ الشّجن ،عميق الدّلالات،لامس بفلسفة و بأسلوب فريد و رائع،زاوية معتمة من معاناة الانسان و قد تشابك وجع الجسد،و اغتراب الذّاكرة داخله باحتمالات الخلاص التّالفة..

        أحيّيك أستاذ صبري على هذا الأدب المُضيء.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • صبري رسول
          أديب وكاتب
          • 25-05-2009
          • 647

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          نصّ مترع بالجمال ..
          الكلمة كانت تحلّق إلى البعيد ..البعيد في المشاعر اللامرئيّة
          والتي لا يلامسها إلاّ قلم مبدع مثلك أستاذ صبري..
          إنها رحلة حياة منذ الولادة حتى اكتناز ومضة الضياء في النبض، حتى تسلّل العتمة إلى الرّوح..إلى ساعة الرحيل المنتظرة..
          أخي صبري: أدهشتني بوصف العلاقة القوية بين الأمّ وابنها عندما تلوّن حياته بظلالها ومواويلها التي تسكن ذاكرته
          ليتني أعرف مفردات هذا الموّال الشجيّ الذي ذكرت..متأكدة بأنه يحمل هموم قلبٍ حاصره الألم وتوارثته القلوب فيما بعد..
          سررت جداً بمحطّة رائعة بين سطورك...واليوم أجدها ترفرف بألقٍ أكبر وأكبر
          دُمتَ بسعادةٍ ...تحيّاتي....
          العزيزة إيمان
          شكراً لحضورك في هذه المحطة التي أضاءت بك
          والموال الشجي مازال متعلقاً بمسامعي
          أغنيه مع البكاء تحت الصفصافة
          كوني بخير

          تعليق

          • صبري رسول
            أديب وكاتب
            • 25-05-2009
            • 647

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ماهين شيخاني مشاهدة المشاركة
            [align=right]
            تحياتي أستاذ صبري رسول
            بالرغم من العنوان هو صور في العتمة إلا أن حروفك كان أشعة شمس ضاءت بقوة
            نص جميل من رسول الكلمة , عذب أعذبُ من مياهِ ( كانيا بلك –kanya belek
            ماهين شيخاني
            [/align]

            العزيز ماهين
            تحية لك
            حضورك أبهجني
            وإعجابك بالنص أسعدني
            كن بخير

            تعليق

            • مصطفى الصالح
              لمسة شفق
              • 08-12-2009
              • 6443

              #7
              [align=center]حلقت في سماء الصور والكلمات المفعمة بفلسفة الحياة والانسان

              كعادتك تضرب عمق العمق لتخرج لآلئا من نور الكلمات تنبض بحياة لا مثيل لها

              ربما وجدت كلمة على في ( الشَّمس تعلو على قمة ) والراي لك

              تحياتي
              [/align]
              [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

              ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
              لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

              رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

              حديث الشمس
              مصطفى الصالح[/align]

              تعليق

              • صبري رسول
                أديب وكاتب
                • 25-05-2009
                • 647

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                نصّ بالغ الشّجن ،عميق الدّلالات،لامس بفلسفة و بأسلوب فريد و رائع،زاوية معتمة من معاناة الانسان و قد تشابك وجع الجسد،و اغتراب الذّاكرة داخله باحتمالات الخلاص التّالفة..

                أحيّيك أستاذ صبري على هذا الأدب المُضيء.

                العزيز محمد فطومي
                تحية لك
                سعيد بمرورك البهي، الذي زاد من جمالية النّص
                وسعيد برأيك الجميل
                كن بخير

                تعليق

                • صبري رسول
                  أديب وكاتب
                  • 25-05-2009
                  • 647

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
                  [align=center]حلقت في سماء الصور والكلمات المفعمة بفلسفة الحياة والانسان

                  كعادتك تضرب عمق العمق لتخرج لآلئا من نور الكلمات تنبض بحياة لا مثيل لها

                  ربما وجدت كلمة على في ( الشَّمس تعلو على قمة ) والراي لك

                  تحياتي
                  [/align]

                  العزيز مصطفى
                  تحية لك
                  أراك ناقداً قبل أن تكون كاتباً للقصة القصيرة
                  قراءتك للنصوص القصصية عميقة، لغة وفكراً وسرداً
                  أشكرك على مرورك الجميل
                  ورأيك صائب يا عزيزي
                  كن بخير

                  تعليق

                  يعمل...
                  X