رواية " السر الدفين "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هادي زاهر
    أديب وكاتب
    • 30-08-2008
    • 824

    رواية " السر الدفين "

    هادي زاهر


    السر الدفين
    { رواية}

    حقوق الطبع محفوظة للكاتب

    إستهلال
    عزيزي القارئ.. لقد كنت مجنوناً أثناء كتابتي لروايتي هذه، لقد بكيت في انطوائي وضحكت كثيراً عندما خرجت من ذاتي وتقمصت حياة أبطال الرواية منتحلاً أفكارهم ومشاعرهم.. لقد أردت لروايتي أن تكون مفاجأة للوسط العربي في البلاد. وأن تضاهي في حبكتها الفنية الروايات الصادرة في كل مكان.. تذكرت ما كتبه سلامه موسى، من أن ما ينجزه الإنسان العبقري بسهولة، يستطيع أن ينجزه الإنسان العادي إذا بذل جهداً مضنياً، لذلك كانت عملية مخاضها صعبة امتدت أمدا طويلاً، ومع صدور روايتي هذه أكون قد بلغت الخمسين من عمري، وهذا معناه أني لم أعايش الواقع كله، ولكني واكبت شيئاً من حياة الفلاحين، واكبت "البيادر" وركبت على "لوح الدراس"، لقد استحضرت مثل هذه المناظر ومناظر أخرى استحضرتها من خلال سماعي للحكايا التراثية .
    عزيزي القارئ.. قد تساءل البعض باستغراب، ومن يملك اليوم الوقت لقراءة رواية بهذا الحجم، وبطبيعة الحال فان كتابة الرواية بحاجة إلى انتهاج تقنيات أدبية تفتقدها الألوان الأدبية الأخرى، منها الإسهاب في وصف الكثير من الأمور بدقة متناهية، ومعالجتها لعدة قضايا من زوايا مختلفة، ولكن عندما عرضتها على بعض الأخوة الأدباء لإبداء ملاحظاتهم القيمة، فقد استفدت بالرغم من أنها كانت مقتضبة، كانت ردود الفعل طيبة ومغايرة للتساؤل، إذ تترجمت لدى مل من عرضتها عليه بقراءتها خلال أيام معدودة.
    بالنسبة لأحداث الرواية والتي تصور مناظر معينة من حياة شعبنا في هذه البلاد أثناء فترة تاريخية مهمة.. فقد حرصت على إظهار جوانب لم تطرق، ولا أريد هنا الإشارة إليها، وإنما أترك ذلك للقارئ، وقد عز على بعض الإخوة أن يؤول الأمر إلى مثل هذا الواقع، وهو ما قد تجرح أحاسيس شريحة معينة، وهنا أقول إن مهمة الأدب أن يتطرق إلى الشاذ من الواقع كما يتطرق إلى العادي أيضا . هذا علما أن المخفي أعظم، ولكن ما فاجأني هو أن أحد الزملاء قرأها خلال ليلة واحدة، لقد اعتبرت ذلك بمثابة جواز سفر عام يجيز عبورها إلى العالم الرحيب .
    عزيزي القارئ بقى أمر أحب أن أشير إليه وهو أني تعمدت المزج بين الفصحى والعامية حيثما رأيت أن ذلك يخدم النص والقارئ .
    ختاماً عزيزي القارئ أتمنى لك وقتاً ممتعاً بصحبة روايتي

    الفصل الأول
    نهض سامي من نومه وتوجه إلى النافذة وأخذ يمعن النظر في الأجواء الخريفية التي بدأت تشيع، والأشجار التي بدأت تتعرى رويداً رويداً من أوراقها، والطيور المحلقة، جو شاحب رمادي، ,اسلم نفسه للخيال، فعاد إلى الماضي وما تكبده من مصاعب في طريقه حتى استقر في البلاد، ومرت أمام عينيه الذكريات وما قام به من مهمات، وكيف خرج من العراق سراً، وكيف استطاع الوصول إلى البلاد، وكيف كان لقاؤه الأول بمن سبقه من زملائه، وحاله في الأيام الأولى لوصوله، حيث سكن في (العبارات) التي تصلح فقط للبهائم، وكيف تحمل كل تلك المشاق والمصاعب في سبيل الهدف.
    أحس بقشعريرة تسري في جسده، ضاقت نفسه، استل سيجارة، أشعلها وراح يمص الدخان بشدة ثم رفع رأسه نحو السماء وأخذ ينفث الدخان إلى أعلى على شكل دوائر، وتداخل تفكيره مع الدوائر المتصاعدة في حوار ذاتي أليم:
    - ترى ما هي النهاية؟؟ هل نقتلعهم ونستولي على أمكنهم.. هل سننجح؟ وإذا نجحنا هل سيكون ذلك نجاحاً مؤقتاً أم نجاحاً أبدياً؟؟
    سحب نفساً من سيجارته ونفث الدخان بعيداً وهو يهز رأسه متأففاً:
    - ولكن المهمة صعبة.. بل إنها صعبة للغاية.. سيتوارثها جيل بعد جيل.
    يأخذ نفساً آخر وينفث الدخان ثم يستدير ويتجه إلى المطبخ، يطفئ سيجارته وينشغل بإعداد إفطاره.. يتناوله بسرعة.. وهو يفكر في المهمة التي أوكلت إليه.. انتهى من الفطور ثم توجه إلى غرفة نومه وحمل ثيابه التنكرية التي تم تخصيصها له في مهمته، ثياب كثياب الفلاحين ليظهر كواحد منهم، قنباز وسروال، إضافة إلى الحطة والعقال، ثم خرج وأقفل باب البيت خلفه ومضى إلى سيارته، فتح الباب وتناول (المنويل) واستدار قاصداً مقدمة السيارة، وضع (المنويل) في المكان المحدد وراح يديره حتى اشتعل محرك السيارة، وقف قليلاً ومسح جبهته ثم دخل السيارة وجلس قليلاً وأشعل سيجارة وهو يتنفس بعمق نتيجة تشغيل المحرك والجهد في أدارة المنويل.
    انطلق بسيارته حتى وصل قريباً من المكان المرسوم، أوقف السيارة على جانب الطريق في الحرش، وترجل منها بعد أن ارتدى ثيابه التنكرية ومضى في طريقه وعلامات الحيرة بادية على وجهه، كان عليه ان يقوم بالمهمة التي أوكلت إليه من قبل الجماعة الذين كانوا يفضلون الاعتماد على الرجال تفهماً منهم لتقاليد العرب، ولكنهم فشلوا، فقد أرسلوا أكثر من غانية لاصطياده ولكنهم فشلوا، فاعتمدوا على خطة استثنائية تتلخص بإيقاع جميلة زوجة عدنان، ذلك الثائر العنيد الذي لا يخشى ولا ينحني أمام الإغراء.. فعدنان من النوع الصلب الذي لا ينحني أمام أي شيء، وقد رهن نفسه لبلاده مع ثلة من الشباب الذي لم يصب بالإحباط نتيجة هزيمة الجيوش العربية واستسلام كافة القرى ابان الحرب. وخضوع عرب فلسطين للواقع والحكم الجديد.
    كانوا على علم ان الاجتماعات تعقد في بيته ولا سبيل للوصول إليهم أفضل من زوجته.. ان نجاح المهمة معناه معرفة المعلومات من مصدرها الأول الأمر الذي يسهل إفشال خططهم ويوفر الكثير من الجهد الكبير في صفوفهم مما يعجل في النصر لذلك فمن المحتم نجاح الخطة التي رسمت بإتقان كبير.
    اليوم هو بداية موسم قطف الزيتون والعائلات منتشرة في الكروم لجمع الغلة، كان عدنان يمللك كرماً من أشجار الزيتون، كانت العائلة تخرج لجمع غلتها، والكرم يقع على سفح تلة تم تحريشها منذ زمن بعيد، والصاعد من الكرم إلى الحرش يختفي بسهولة دون أن يكتشفه احد لان الحرش مليء بالأعشاب التي تغطي التربة والشجيرات الصغيرة المنتشرة بكثافة فيه تساعد على الاختفاء السريع، وأغلب الجوالة حين يريدون قضاء الحاجة يصعدون إلى الحرش ويندسون هناك، يقضون حاجتهم ويعودون.
    كان سامي على عجلة من أمره، وكثيراُ ما سرح بفكره محدثاً نفسه:
    - عليّ أنجاح في المهمة.. عليّ أن لا أتوانى أبدا.. إنها مهمة مقدسة ولا يجوز الفشل ولا التلكؤ لأن التلكؤ أو التواني في انجاز المهام يعني أننا غير جديرين للقيام بما يوكل لنا.
    وأخذ يسير بسرعة كبيرة بين أشجار الصنوبر حتى وصل إلى موقع قريب مشرف بحيث يرى الناس ولا يرونه، وبدأ يرصد المكان، وكم كانت فرحته بالغة حين لمحها ولحسن حظه كانت جميلة تعمل دون زوجها وهي قريبة منه نوعا ما وإمكانه تمييز ملامحها، حدق نظره وبانت على وجهه أمارات الإعجاب، لقد كانت جميلة ذات أنوثة نابضة مفعمة بالحياة، لمح حمرة خديها وطولها الفارع، وأثاره نهديها البارزان واللذان يكادان يشقان الفستان ويبرزان خارجا، وتأمل ردفيها المترجرجين بفعل حركتها حتى كأنها من فتيات المسابقات الرياضية، وسال لعابه، وقال في سريرته وهو يشعل سيجارة:
    - إنها اسم على مسمى، يا لها من أنثى شهية، إنها غاية في الحسن.
    واستدرك قليلاً وهو ينفخ دخان سيجارته في الهواء:
    - وما لي ولهذه الأفكار.. أنا في مهمة محددة.. عليّ القيام بها لا أكثر ولا أقل.. ويجب أن لا يتشتت تفكيري.
    لكن نظره كان مركزاً على صدرها الرجراج ، وأخذه الخيال بعيداً حتى كاد ينسى مهمته التي حضر من أجلها، لكنه عاد واستدرك:
    - عليّ التقدم.. لقد شطح الخيال بي بعيدا.
    رمى سيجارته وداسها بحذائه قم نظر إليها ليتأكد إنها انطفأت، وبدأ التقدم باتجاه جميلة ولكنه كلما تقدم قليلا يتوافد أفراد الأسرة والجوالة من كل صوب لإفراغ الحمولة على البساط الذي فرش تحت شجرة زيتون كبيرة نسبيا، فالكرم له عدة أصحاب شركاء فيه، فيتمهل في خطواته، وما أن يعودوا لمواصلة القطف حتى يعاود سيره عله يدركها ليبادرها الحديث ويمهد الطريق للوصول إلى غايته، واستمر في العجلة والإبطاء مرات عديدة، الأمر الذي أدخله في حالة عصبية فاخذ يزفر عميقاً ويضرب الأرض برجليه ويصك على أسنانه.. والعصبية بادية على وجهه:
    - ماذا عساي أن أفعل يا رب؟؟ سهل مهمتي بجاه كليمك.. أفففففف... أففففففففففف
    يصمت قليلا ثم ينتفض مسترسلاً:
    - لقد قيل عني صاحب قلب شجاع.. عليّ أن أكون شجاعا.. ثم إن مهمتي ليست مستحيلة.. إنها صعبة.. لكنها ليست مستحيلة.. قم إن الكلمة الحلوة تخرج الأفعى من وكرها.. والنقود.. النقود ذلك الشيطان الحقيقي الذي يستطيع فعل كل شيء.. الذي يستطيع أن يثني أثخن شارب من شوارب هؤلاء القذرين.
    يستدير برأسه متفحصاً الموقع بحركة نصف دائرية ويكرر الأمر مرات عديدة، يتوقف بين الفينة والفينة محدقا في جهة من الجهات ويداهمه السعال من أثر الدخان ويكتم السعال حتى لا يثير انتباه أحد ويرمي سيجارته التي لم يستهلط إلا أقل من نصفها ويتابع حديثه:
    - جربنا إغراء زوجها عدنان وفشلنا فهل سننجح في إغراء جميلة؟ إنه سؤال محير.. أخشى أن تكون أشد صلابة من زوجها، نحن أمام مشكلة عويصة.. لا.. لا .. عليّ أن أنجح وبسرعة.. لقد وعدت بالترقية.. سأفعل المستحيل من أجل نجاح المهمة.. إنها فرصتي ولن أفوتها.. قد تكونت فرصة العمر.. بل إنها كذلك.. إنها السلم الذي سأرتقي عليه إلى أعلى الدرجات.. إن الآخرين معي ليسوا أكثر ذكاء مني لذلك سوف أقهر كل العقبات أياً كانت خاصة أنني نجحت في السابق في مهمات أخرى.. لقد أوكل إلرّ نسف الكنيس على المصلين في بلاد ما بين النهرين لدفع أبناء شعبنا للهجرة إلى أرضنا المقدسة التي وعدنا بها الرب وقد نجحت في مهمتي رغم صغر سني.. فهل يعقل أن أفشل الآن؟
    يتنهد ويواصل حديثه مع نفسه:
    - وهنا عليّ أيضا أن أنجح في مهمتي.. ولو فشلت فهي نهايتي.. لا ..لا.. لن أسمح لنفسي بالفشل.
    يضرب الأرض بقدمه مكررا:
    - عليّ أن أنجح في مهمتي.. إنها امتحاني الصعب.. إنها أكبر تحد أواجهه في حياتي ونجاحي يثبت قوتي أمام ذاتي وأمام جماعتي لذلك عليّ أن أتقدم للمهمة بإرادة فولاذية فلا مجال الان للتردد والخوف.. ماذا أصابك يا سامي؟؟ لم تتردد من قبل..
    يصمت قليلا ويعود بأفكاره إلى كنيس "شمطوف" في العراق وإلى مرابع صباه وطفولته في تلك البلاد التي ما زال الحنين والشوق يشده ويثور في صدره كلما مرت بخاطره او رأى صديقا له جاء من تلك البلاد، حتى لكأنها جنة فقدها في صغره أو حضن والدته نزعوه عنه بالقوة، لذلك تراه يذرف الدمع كلما سمع مجرد موال أو بيت عتابا من أحد الفلاحين في البلاد، ثم يعود إلى محاورة ذاته:
    - ترى هل أنا مناضل من أجل شعبي أم أنني مجرم؟؟.. هل كانت مهمتي أخلاقية؟؟ هل عليّ تنفيذ ما تطلبه الجماعة مني؟؟ أم أن عليّ الرفض فيما لو اقتنعت بعدم مصداقيتهم؟؟ هل الغاية تبرر الوسيلة كما يقال؟؟
    وفجأة تشرئب بعنقه، وقد غمرت فؤاده السعادة:
    - لقد ابتعد الجميع وبقيت جميلة لوحدها.. يا للطالع السعيد.. عليّ أن أنقض الآن.. حانت فرصتك يا سامي فلا تفوتها.. يجب أن تكون رابط الجأش قوي القلب.
    أخذ يحث خطاه ولمن سرعان ما تباطأ:
    - هناك رجل دائم الحركة والغناء وقد يعرقل خطتي.. يجب التفكير في طريقة لإبعاده.. أو لعدم لفت انتباهه..ماذا عساي أن أفعل الآن؟
    يهز رأسه وينظر يمينا ويسارا ثم يحدق قليلا في السماء
    - لقد خطرت لي فكرة.. إن الرجل لا يشكل أي عقبة أمامي، فلماذا لا أتقدم؟؟ إن كل ما سأفعله هذه المرة هو تبادل الحديث معها.
    أخذ يحث خطاه مرة أخرى وسرعان ما تحمع الجوالة لإفراغ الحمولة على البساط، توقف عن سيره متأففا حانقا:
    - اففففففففف... أفففففففففف.. ماذا جرى يا ربي.. هناك حوار.. ماذا جري لهم؟! لقد قرروا تناول طعام الافطار على ما يبدو.. يا إلهي.. تأتي العقبات دفعة واحدة.. حسنا سأنتظر.
    ينظر يمينا وشمالا ثم يقترب من صخرة وهو يقول لنفسه:
    - ساستريح هنا حتى يفرغوا من طعامهم.
    يجلس على الصخرة معاودا التأفف والضجر والضيق بالحال:
    - إنهم يتحدثون.. ويضحكون أيضا.. أرجو أن لا تطول حكايتهم.
    ثم يحدث نفسه بلهجة ساخرة والمارة والضيق يغمرانه:
    - إنهم ليسوا على عجلة من أمرهم.. إنهم يملكون الزمن.. يتحركون بميوعة متناهية - ينظر في ساعته – لقد طال الانتظار.. يبدو أن الزمن ألقى بثقله على صدري.. آه ما أصعب الانتظار.. إنه أصعب من أي عمل – تنتابه نوبة من العصبية – ما لهم لا ينهضون، ويعود لتأفف أففففففف حسنا لقد عاودوا الجلوس.. ما لهؤلاء ال.. بقر.. إن هناك شخصا يحوم حول المكان.. يفتش عن شيء ما.. إنه يبحلق هذا الخنزير؟؟ إنه يكسر أغصانا يابسة.. لقد أحضر أحجارا متوسطة الحجم حول الأغصان.. ماذا يريد أن يفعل؟؟ إنه يشعل نارا.. يبدو أنه سيقوم بتحضير القهوة – يمعن النظر- لقد أحضر الإبريق.. وصدق ظني إذاً.. يبدو أن الأمر سيطول – يعزي نفسه – ما عليّ سأتكيف مع الواقع.. لماذا أحرق أعصابي؟؟ لا بد من التكيف مع الواقع حتى أنجح في مهمتي.. يبدو أن أعصابي بحاجة إلى تبريد لتكون كأعصابهم، وإلا سأصاب بمس من الجنون.. دعهم يشربون القهوة. ولتسري سما في عروقهم.. إني على عجلة من أمري، ولكن ما باليد حيلة.. عليّ التريث - وعاد يعزي نفسه - ولماذا تستعجل يا سامي؟؟ الرجل الناجح يتمتع بهدوء الأعصاب ولا يضيق خلقه لأول أزمة – ينظر يمينا وشمالا – إني بحاجة إلى قسط كبير من الراحة، حسنا يا أولاد الكلب.. يا خنازير.. حسنا أنا وراءكم ولن أسمح لنفسي بالفشل.. ولن تفلتي مني يا جميلة.. سأتمدد تحت الشجرة حتى يفرغوا من ارتشاف القهوة، وبعدها نرى ما يمكن فعله، وأمل أن تزول العقبات من طريقي..
    وينطلق ضوت أحد الجوالة بالغناء مما جعل سامي ينصت إليه ويؤخر تمدده تحت الشجرة:

    ليا وليا يا بنيا يا واردة عالميا
    وانتي الدلال يصلحلك وأنا العذاب عليا

    يغني الجوالة معه ويرددون اللازمة ويتابع:

    وردت على الورود بنت الكرام والجود
    يا رب يا معبود يجعل نصيبك ليا

    الجوالة يرددون اللازمة ويكمل المغني

    وردت على المرابع ومدقدقا الأصابع
    ملعون أبوك يا مرابع دير الفدان عليا

    وردت على الصفصاف تشرب حليب الصافي
    ولله ما فيه إنصاف شايب ياخذ صبيا
    ويستمر المغني في غنائه والجوالة يرددون خلفه، وسامي يستمتع وينظر في ساعته، يتوقف الغناء ويدور أحد الحديث بين الجوالة، لكن أحد الرجال يبدو عليه الغم ويظهر الحزن والأسى على وجهه ويبادر رجل آخر بالسؤال:
    - ما لك يا آبا سعيد؟؟ كفانا الله واياك الغم والهم .
    - لا شيء يا آبا العبد.. لا شيء.
    - كيف لا شيء يا رجل؟؟ الحزن على جبينك ظاهر للجميع.
    - آآآآآآآآآآآآآآآخ.. يا أبا العبد؟؟ ماذا تقول ولمن نشكو همنا.. الشكوى لغير الله مذلة.
    - يبدو أن الأمر خطير.. قل يا رجل ولا تكتم في قلبك .
    تشارك إحدى العجائز في الحوار:
    - نالك يا آبا سعيد؟؟ ما هذا الغم الذي هبط عليك؟؟.. لم تكن بالأمس هكذا.
    - لا شيء يا أم علي.. لبا شيء.. لا أقول إلا ربنا عليك توكلنا فلا تكلنا إلى خلقك ولا تسلط علينا أحدا يا رب العالمين.
    وتدمع عيناه من الحزن، فيتأثر الجميع لحاله.. بالله عليك لا تكتم عنا أمرك.. نحن أهل يا رجل.. فلا تخف عنا أمرك.. ربما نستطيع المساعدة.
    - بارك الله بكم يا أهلي وعشيرتي.. القصة وما فيها يا جماعة الخير إن مختارنا لعنة الله عليه وجعل جهنم مثواه.. لايشبع فقد طلبت منه بحكم كونه المختار أن يتوسط لابني سعيد ليتم توظيفه معلما.. أتدرون ماذا طلب مقابل ذلك.. لقد طلب أجرة ثلاثة أشهر مسبقا، فمن أين سأحضر له المال، وأنا بالكاد أطعم أولادي لقد دفعت من دم قلبي حتى أعلم أبني سعيد.. وكم من ليلة بتها بلا عشاء ولا يعلم إلا الله بحالي.. حتى أوفر أجرة الباص لابني .. وكم يوم عاد من المدينة ماشيا لأنه لا يملك ثمن التذكرة.. ويأتي المختار الآن يريد أجرة ثلاثة أشهر قبل أن يبدأ أبني عمله.. الله أكبر على كل ظالم؟
    - وحد الله يا آبا سعيد.. قصتك أهون من قصة أبي زيدان.. يا أبا زيدان تعال هنا وحدث الجميع بقصتك مع المختار منذ البداية حتى اليوم ولا تترك شاردة ولا واردة.. تحدث ولا تخجل فالكل يريد أن يعرف.
    يتقدم أبو زيدان وهو رجل في أواخر السبعينات من عمره، ظهره منحتي ولحيته الغزيزة علاها الشيب، يجلس ثم يبدأ بسرد قصته:
    - صلوا على رسول الله.
    الجميع بصوت واحد:
    - الهم صل على النبي
    - يا جماعة الخير.. هذا المختار أبن حرام.. لا أقال الله له عثرة ولا جزاه إلا بما يستحقه.. أنا عجوز لم أتعرض حتى من أسياده اليهود لما تعرضت له من المختار، لقد جعلني أكره الحياة،، منذ سنوات لم يتركني وشاني؟؟ لم يتوقف عن زيارتي في بيتي إلا بعد أن استجيب إلى طلبه.. حينها فقط توقف عن زيارتي.. حتى لم يعد يكلمني.. انتم تعرفون أرضي التي ورثتها عن أبي رحمة الله.. هذه الأرض سأورثها لأبنائي بعد موتي.. تصوروا.. يريدني أن أبيعها لليهود وكم حاول أن يغريني بالمال مستغلا فقري.. بل أكثر من ذلك .. كان يصور لي أن أبنائي سيذبحون بعضهم البعض بسبب الأرض ويضرب الأمثال التي توافق رأيه.. كان يقول لي.. أسعد الناس من مات ولم يورث.. تصوروا.. هل رأيتم أحقر من هذا الرجل.
    يرد أبو العبد والغيظ يملأ صدره :
    - لعنة الله عليه هذا كافر ومجرم من هانت عليه نفسه هان عليه كل شيء ن لقد تاجر بأهل بلده وباع نفسه للسلطة.. هذا الرجل سيرته كسيرة الحية دعونا منه تعال يا حمدان أسمعنا بعض "الدلعونا" و"ظريف الطول".. خفف عنا، أكاد أنفجر من سيرة المختار اللعين.. كم من مصائب جرها على البلد.. ألا يوجد من يريحنا منه؟.. عنّ يا حمدان .
    يعدل حمدان في جلسته ويضع كفه على أذنه ويبذأ:
    - يا ريم الوادي ما أحمل ورودك علينا والهوى ينفح ورودك
    برمش العين قوم واقرا ورودك وعلم كل أمة من كتاب

    ويتمايل الحضور طربا، ثم يغير حمدان ويغني ميجنا:
    - يا ميجنا يا ميجنا يا ميجنا زحلق حبيبي ع الدرج وقعت أنا
    يا ريمة الوادي علينا ورودي وخدك من ورود الجنتين ورودي
    وبرمش عينك بعنيقي ورودي بس ارجعي وشوف شو حال قلوبنا

    ويستمر الغناء والزجل، ويظهر الارتياح على وجوه الحضور، وبين الفينة والفينة تنطلق زغرودة من احد النساء، أو يطلق أحد الرجال صوته منتخيا أمام الحضور ملوحا بيده ويغني حمدان بيتا من العتابا:
    اوووووووووووووووووف
    قلبي في بحور الشوق انعام على اللي ثوبها من ريش إنعام
    الله زادها من النعم انعام وربي زادني بحبها عذاب

    وما أن أنهى بيت العتابا حتى نهض أحد الرجال وهو معروف بخفته وحبه للطرب، فرمى حطته وعقاله على الأرض وصار يرقص ويصفق بيديه، وأنطلق الضحك عاليا من الرجال والنساء والصبايا والشباب، وزاد طرب الرجل فأخذ يظهر براعته بصورة لافتة للنظر، والكل يضحك وحالة الفرح تغشى الجميع.
    سامي ما زال في مكانه يستمع، وقد بدأ الضيق يظهر عليه:
    - حسنا يبدو أن لا قيمة للوقت عندكم.. عنو.. سأتمدد قليلا
    يتمدد على الأرضن وقد بدا النعاس يداعب جفنيه:
    - آه ما أروع هذه النسمات، يبدو أنهم محقون في جلستهم.. فما زالوا جالسين يرتشفون القهوة.
    رغم مقاومته للنعاس، يغيب في نوم طويل إلى ما بعد الغروب وعندما يستيقظ يكون البرد قد فعل فعله فيه، يرفع رأسه منذهلا:
    - ماذا جرى؟؟.. يبدو أنني نمت طويلا .أحححححح البرد شديد
    يفرك يديه من البرد ثم ينظر غلى ساعته ويزفر:
    - كان عليّ أن لا أغفو أبدا.. لقد عادوا إلى بيوتهم.. يوم آخر يذهب أدراج الرياح.. ماذا أصابك يا سامي.. تبا لي ما أسخفني.. ماذا سيقول رئيسي لو علم بأمر نومي؟؟ إنها بهدلة ما بعدها بهدلة.. أخشى أن يكون قد أرسل أحدا ليتعقبني - يعدل في جلسته – لتامين الحماية لي فيما لو تعرضت لأي خطر.
    ثم يقف ويعود أدراجه وهو يفكر في الغد .
    - سوف آتي غدا.. ترى هل ستقع الفريسة في شراكي؟؟ أرجو ذلك.. نعم ستقع فريسة لي.. فأنا سامي لم أفشل في آية مهمة ولن أفشل الآن.. ولكن قد لا يحالفني الحظ واضطر لحرق أيام عديدة.. والجماعة يضغطون بسبب الخسائر الكبيرة التي نتكبدها.. لن يهدأ لي بال حتى تنجح المهمة.
    وصل إلى سيارته فتح بابها وأخرج (المنويل) وكعادته أدار المحرك، ثم عاد ودخل البيت، السيارة ونزع ثيابه التنكرية وامسك بالمقود وانطلق عائدا إلى بيته.. انطلق بخياله كعادة، ونفسه لا تكف عن التفكير بجميلة وحسنها ومهمته الموكلة إليها واهتمامه البالغ بنجاح مهمته، وصل إلى بيته، أطفأ محرك السيارة وترجل ثم أقفلها ودخل بيته، ودخل الحمام ليغتسل، ثم خرج ووقف أمام النافذة كما وقف في الصباح، وأشعل سيجارة وراح ينفث الدخان بعيدا في الجو ، وما إن أوشكت السيجارة على الانتهاء حتى أشعل سيجارة آخرى، وسرح بخياله طويلا، معلقا مع دخان سيجارته، وداهمته أفكار سوداء، أحس كأن كابوسا ثقيلا جثم على صدرهن رأى الموت يختطف جزاء منه، صحا من كابوسه وخيالاته وهز رأسه استنكارا وعدم تصديق لما رأى.. نظر في ساعته، فأدرك أنه وقف طويلا أمام النافذة، استدار وذهب إلى المطبخ، وأعاد طعامه وأكل، ثم أعد القهوة وجلس أمام النافذة وراح يحتسي القهوة وأشعل سيجارة وصار ينفخ دخانها إلى أعلى خارج النافذة، ويتأمل في الأطفال الذين يلعبون، على المساحة الخضراء قريبا منه، ويبتسم في سره حيث استطاعوا تحقيق الأمن لهؤلاء الصغار ليتمتعوا بوقتهم كله دون أن يزعجهم شيء، وفكر في أطفال الشعب الآخر، لكنه بدا متضايقا، فأولئك لا يهمه أمرهم، ثم يحدق في السماء بعد أن لمح طائرة تحلق متجهة شمالا، وبقى على حاله مدة، ثم نهض واتجه إلى غرفة نومه ورمى نفسه على السرير وغاب في النوم.
    استيقظ في ساعات الفجر الأولى دخل المطبخ وأعد الشاي وشيئا من الجبنة وتناول فطوره، بدا الضوء ينتشر في النواحي، والحياة بدأت تستيقظ من جديد، انتهى من فطوره ,اعد القهوة وجلي أمام النافذة يحتسيها بهدوء وتلذذ مع سيجارة، وما بيث أن سرح بخياله، فداهمه الكابوس السابق.. الموت ينتزع منه جزءا، أحس بمرارة وغصة، نظر في ساعة فإذا هي السابعة، نهض من مكانه ولبس ثياب العمل وانطلق خارجاً في مهمته، وصل إلى نفس الموقع المطل على الكرم، بدأ يراقب ويتفحص بتمعن شديد وطال تفحصه:
    - ما الذي جرى أين هي ؟ لا أراها.. ترى هل انشغلت في أعمال المنزل.. هل ستلحق بهم - طال انتظار – وهو يحاور نفسه: لعل وعكة صحية ألمت بها.. لا .. لا لقد كانت بالأمس مشيطة جدا، لم يظهر عليها أي تعب.. اعتقد أنها انشغلت في تدبير أعمال المنزل، وستلحق بهم.. لن يسعفني سوى الانتظار.. عليّ الصبر.
    وطال انتظاره دون جدوى وقرر مغادرة المكان:
    - عليّ الانصراف.. ولكن سوف يسألني رئيسي ماذا فعلت؟ وأين وصلت في تنفيذ الحطة؟ فماذا أجيبه؟ إنهم يلحقون بنا من الخسائر كثيرا وعلينا التصرف بسرعة.ز إنها قضية وجود.. نحن أو هم في هذه البلاد.. إنها صغيرة ولا تتسع للجميع.. ولا بد لأحدنا أن يخلي المكان.. بالطبع عليهم هم أن يخلوا لنا المكان.. إنها أرض آبائنا وأجدادنا.. أرض الميعاد التي وعدنا بها الرب.. إن الأمر مرتبط بي إلى حد بعيد.. ولكن ما شأني، انني لا أبخل بأي جهد.. إن الأمر مرتبط بنجاح الخطة.. وعدم نجاحها يعني نهايتي واقالتي.
    يصمت قليلا ويشعل سيجارة ويتفحص ما تبقى معه من سجائر في علبته فيجدها بضع سجائر:
    - تبا لهذا الحال.. لقد أصبحت مدمنا على التدخين بقوة.. لم أكن قبل هذه المهمة أدخن هكذا فماذا أصابني ؟ لا أكاد أطفئ سيجارة حتى أشعل أختها.
    ينتبه لنفسه كمن نسي أمرا وتذكره فيعاود النظر إلى الجوالة:
    - لكن أخشى ألا تاتي لقطف الزيتون أكثر, وهذه مشكلة جدية، وعندها عليّ رسم خطة جديدة، قد تكلفني الكثير من الوقت، وهذا يكلفنا الكثير من الخسائر وخاصة البشرية.. إن الأمر لا يقبل التأجيل أكثر.. ماذا عساي أن أفعل؟ إن جماعتي لا يقبلون الفشل.. إن منطقهم ملتو.. فهم الناجحون إذا نجحت، وإذا فشلت فأنا الفاشل وحدي.. إنهم لا يحاولون حتى أن يجدوا عذرا لي رغم أني لا أدخر جهدا، فلماذا أتقبل كل مرة وجبة من التوبيخ؟؟ لماذا عليّ أن أتحمل وأصبر دون اعتراض؟ أفففففففف.. أي حياة هذه؟
    يصمت قليلا ثم يبتسم في نفسه:
    - المهم أنهم لم يعلموا بامر غفوتي أمس هههههه.
    يتنهد طويلا ثم يتأفف وتضيق أخلاقه،.
    - آآآآآآآآآه.. يوووووه..ضاق صدري.. أفففففففف.. إن كل الأمور في هذه الحياة ملتوية.. يبدو أن السير في الحياة كسير الأفعى تماما.. فالأفعى لا يمكنها السير والتقدم إلا إذا كانت حركتها ملتوية، ولكن كل هذا لن يشفع لي.. إني أعزي نفسي.. المهم ماذا سأقول له؟؟ كيف سأبرر عدم تقدمي في المهمة وأي عذر ينفعني؟؟ إن جماعتي لا يقبلون التلكؤ ولا التلكع.. وهم محقون في ذلك.. ولكني لا أتلكع.. على كل حال سأتناول وجبة كبيرة من التوبيخ وأرجو ألا يكون دشا حاميا.. لن أقدم أي تبرير سوف أطلعهم على الحقيقة كما هي بدون لف أو دوران
    .. إذا لم يعجبهم!!.. لا..لا.. أعتقد أنهم لن يجدوا أفضل مني.. إني أقدم ما هو مطلوب مني.. أجازف بحياتي وماذا يمكنني أن أقدم أكثر من ذلك.. إن دمي.. لم أرفض أية مهمة في السابق، فلماذا أخشى منهم الآن.. سأواجه الموقف بقوة.. لن أتأتئ أبداً.. إن دوري في دفع القادمين من بلاد ما بين النهرين.. لا يمكن لأحد أن ينكره.. بل لا يستطيع أحد أن يثقل على ضميره كما أثقلت.. لقد قمت بعمل بطولي رغم أن قسما منا قتل هناك.
    حمل نفسه وعاد أدراجه، وصل إلى السيارة، أدار المحرك بالمناويل ثم انطلق في طريقه إلى البيت وكان كثير النظر من نافذة السيارة يراقب السيارات القليلة التي تصادفه من الجهة المقابلة وأكثر من مرة خرج عن مسلكه وأعاده إليه صوت زمور سيارة تسير خلفه.
    وصل إلى البيت ، أطفأ محرك السيارة، وعلامات الضيق تظهر على وجهه، وفي طريقه
    إلى مدخل البيت قال في نفسه:
    - يوم آخر يمضي دون نجاح في المهمة، تبا لكل المهمات، ألهذا الحد صار تنفيذ مهمتي صعبا؟؟.
    وضرب الأرض بقدمه استنكارا، ودخل إلى البيت وهو في حالة كئيبة، والليل بدأ يفرد سواده على الخلق، جلس على الكرسي حيث أعتاد الجلوس أمام النافذة والطاولة أمامه عليها منفضة السجائر، وما هي إلا لحظات حتى سمع طرقا على الباب، نهض إلى الباب ثم فتحه ليفاجأ بأحد أصدقائه في العمل يقف على الباب محييا إياه:
    - مساء الخير سامي.
    - مساء النور شلومو.. تفضل أدخل
    يدخل شلومو، ويجلس على كرسي، ويسأله سامي إن كان يريد فنجان قهوة، فيرد شلومو بالإيجاب، ويمضي سامي إلى المطبخ يعد فنجانين من القهوة ويعود بهما على صينية
    - تفضل.. أشرب قهوة من صنعي
    - شكرا .. شكرا
    يتناول فنجان القهوة ويرشف منه بتلذذ، ويتلمظ بفمه تمتعا قم يكمل كلامه:
    - قهوة متقنة جدا يا سامي ورائحتها تفتح الشهية,, لا بد أنك تتقن تجهيز القهوة أكثر من النساء في أيامنا,, يا صديقي لماذا لا تتزوج وتستريح.. ألم يحن الوقت لزواجك بعد؟؟.. العمر يمضي بك وأنت غافل رغم أنك لا ينقصك شيء..فقط انو وستجد ألف شابة تقبل بك.. أو أنا سأبحث لك عن عروس كما تحب وتشتهي.. شقراء أوروبية.. سمراء شرقية.. فقط أشر بيدك وسترى ما أفعل لأجلك .
    يتبع
    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "
  • هادي زاهر
    أديب وكاتب
    • 30-08-2008
    • 824

    #2
    يا صديقي شلومو،، أنا قررت منذ زمن أن لا أتزوج إلا عن حب . -
    - ما زلت أنت كما كنت يا سامي لم تتغير ولم تتبدل وأخشى عليك أن يداهمك الوقت قبل أن تجد من تبحث عنها عصرنا يا صديقي عصر المال وربح، هذه المثالية مضى عصرها مع روميو وجوليت.. انتهى زمن الحب يا سامي نحن في زمن المادة والمال والنساء اليوم يبحثن عن المال والشهرة.. تماما مثلنا هل أبحث لك عن فتاة؟.
    - لا.. شكرا.. شكرا صديقي العزيز.. لا بد يوما أن أجد من أبحث عنها.. نعم لا بد يوما أن أجدها.. فإن كانت صفة النساء هذه موجودة في المدن.. ففي الأرياف ما زالت النساء والحياة إجمالا على طبيعتها ولم تتأثر بحضارة العصر.. نساء المدن تمردن على الرجال أو في طريق التمرد وربما قريبا ستحكمنا النساء ويقررن جلوسنا في البيت والمطبخ.
    - ماذا أصابك يا سامي؟! كأنك تفضل التخلف على التطور..إننا نسير مع العصر وما تتحدث عنه كله من صنعنا.. حتى أوروبا وأمريكا والدول الشيوعية يا صديقي.. كله من صنع أيادينا.. ألم تطلع على بروتوكولات حكامنا؟؟ الم تقرأ؟؟ اننا نغرس في نفس البشرية حب المال والشهرة والجنس ولولا هذا هل كنا سنحقق حلمنا بالعودة وإقامة دولتنا في أرض الميعاد.. انك يا سامي تفكر بطريقة الشرقيين.. العرب خاصة.. نحن نفكر بطريقة أخرى وسترى في القريب ما نصنعه عن طريق الأعلام في الأمم والشعوب.
    - لقد قرأت ما ذكرت يا شلومو.. لكن يبدو لي أننا نجرم بحق البشرية وبحق أنفسنا فكم نستطيع خدع الأمم؟؟ كم يا صديقي؟؟ وهناك أمور حتى نحن نراها غريبة وغير معقولة وتحقيقها سيجلب لنا الدمار.. نحن ننجح بفضل عدم انتباه الشعوب لنا ولأفعالنا ولو انتبهوا فالدمار قادم.. على كل حال دعنا الآن من هذا الحديث، ما الذي جاء بك إلي، هل هناك خدمة أؤديها؟.
    - نعم يا سامي . لقد كلفني يوسي الكبير بالقدوم إليك والاستفسار منك عن المهمة..أين وصلت؟؟ فالوقت المحدد لها بدأ ينفذ.. وطلب مني أن أسألك إن كانت هناك عقبات تعترضك ليضم إليك مساعدا إذا احتجت له.. ثم طلب أن أسلمك.. هذا وهناك شيء آخر عليك الذهاب بنفسك غدا صباحا إليه في المكتب لاستلامه منه.
    يدخل يده في جيبه ويخرج منها جهازا صغيرا، فيسأله سامي"
    - ما هذا الجهاز؟؟
    -يضغط شلومو على زر في الجهاز، فيصدر صفيرا خفيفا، ويقول:
    هذا الجهاز مرتبط بجهاز في المركز ويغطي دائرة ذات قطر كبير، مما يعني أن عليك البقاء داخل دائرة بث الجهاز ليسهل التقاط الإشارات في المركز وبمجرد الضغط عليه إشارات إلى المركز يرسل وبموجب الإشارات بتم تحدد مكانك فتحضر إليك قوة مساعدة، وهو معك فقط لساعات الخطر. .
    يأخذ الجهاز ويتفحصه:
    -- لا بد أنه من أصدقائنا في الخارج.. إنهم يقدمون لنا كل ما نحتاجه،، لقد ساعدونا في كل شيء بينما نحن لم نساعدهم في أي شيء.. لم نفعل سوى سحب المال منهم عن طريق التبرعات.. بحاجة مساعدتنا على مقاومة الأعداء المتعطشين للدماء.. مع أنهم ليسوا متعطشين للدماء ولا لغيرها.. وكثير ما كنا نحن البادئين بالهجوم عليهم.. لكن لا بأس ـ فما دام الأمر في سبيل بلادنا وخدمة لها فهو أمر مشروع.
    -- يا صديقي عليك أن تعلم نحن لسنا أصدقاء لأحد سوانا.. نحن شعب الله المختار وهذا يعني أن على البشرية كلها أن تخدمنا وتطلب رضانا، ومن لا يخدمنا فجماعتنا في الخارج كفيلون بالقضاء عليه.. فلا تتمسك بقيم وأفكار بالية.. ما تقوله يا سامي هو ما ننشره في الصحف سواء هنا أو الصحف في الخارج ففي كل دولة لنا صحف تنشر ما نريده وما نملي عليها بالضبط.. هل تعلم هذا أم لا؟؟ إننا يا صديقي نتحكم في الخارج بكل شيء.. وعقليتك هذه وتفكيرك لا يخدمان قضيتنا وعليك تغيرها.
    -يبدو على سامي الامتعاض والضيق من ملاحظات شلومو ولكنه يكتم أمره وضيقه :
    - - ولكن يا شلومو أليست الدولة العظمى صديقتنا؟؟ أليست هي من تقدم لنا المال والسلاح.. الم تساعدنا في مجلس الأمم وتقف في وجه كل معارض لنا.
    -- ما تقوله صحيح.. على كل حال .. دعنا الآن من هذا . هل اخبر يوسي أنك نجحت في المهمة أم تحتاج وقتا إضافيا لإتمامها؟؟
    -- ابلغه أن المهمة تسير كما هو مرسوم.. كل ما في الأمر أنني أريد أن تكون خطتي محكمة لا خلل ولا خطأ فيها.
    -- حسنا سأعود إلى بيتي فإذا تأخرت فإن زوجتي ستفضحني فهي دائمة الشك فيّ وأنت تعلم شكوك النساء
    -لذا لم أتزوج حتى الآن
    -ينهض شلومو ويتوجه نحو الباب:
    - -تصبح على خير. لا تنسى الحضور صباحا غلى المركز لاستلام الأمر الأخر.
    - يغادر شلومو ويجلس سامي يتناول الجهاز ويتأمله ويسرح تفكيره في قياس المسافة بين المركز وبين قرية جميلة ويبتسم فالمسافة لا تزيد عن عشرين كيلو متر على الغالب، ثم يضعه في جيب القمباز .
    -
    - *******************
    -وصل سامي إلى المركز وكان يوسي في بانتظاره وكا إن ترجل حتى بادر يوسي بالتحية، ودخلا المكتب وبعد مدة خرج سامي بمجموعة من المفاتيح، ثم توجه إلى سيارة غير سيارته وهي من نوع جديد لا تحتاج المنويل لتشغيل المحرك.. كانت مستوردة حديثا ، دخلها سامي وأدار المحرك بالمفتاح وهنا ابتسم وقد غمرته الفرحة وشعر كأن الدنيا أصبحت ملكه، وأنطلق بالسيارة في رحلة حيث قرر أخذ إجازة ذاك النهار وراح يطوف البلاد، أتى إلى الشاطئ وسار على طوله ثم انطلق صوب المقاهي في المدينة يبحث عن فتاة تشاركه يومه وتمنحه المتعة، وهو يعرف أين يجد صيده فهذه عادته بين الفينة والفينة وها هو قد وجدها.. شقراء.. فارعة الطول.. تلبس ملابس عصرية، أوقف السيارة بمحاذاتها وبقى مدة صامتا يتأملها ثم قال:
    - صباح الجمال على الحمال. -
    - صباح الورود عليك.. هل من خدمة. -
    رأيتك فأحببت التسليم رغم عدم وجود معرفة مسبقة فإذا كان هذا يضايقك فالمعذرة؟ -
    -لا..لا أنا أيضا خرجت اليوم للتنزه هنا على الشاطئ فالجو اليوم مشمس وجميل والرحلات في مثل هذا اليوم-
    - تنعش الروح.. لكن للأسف لا أملك سيارة مثلك إلا كنت سافرت وجبت البلاد طولا وعرضا .
    -.
    - يبدو أن كلينا يفكر فغي نفس الموضوع.. هذا توافق رائع ..لكن سؤال صغير إن لم يكن فيه حرج لك -
    -لا حرج ولا غيرة.. تفضل اسأل عما بدا لك.. ثم إنك رجل وسيم وفيك مسحة من الحمال تسلب العقل -
    .? ما اسمك-
    ساره. -
    - من أي بلد؟ -
    - من هذه البلد نهاريا . -
    - أنا أبن المنطقة أيضا . -
    . وماذا تفعل اليوم-
    - كما قلت أردت التنزه، فما رايك بقضاء رحلة ممتعة معي . -
    - واااااو..رحلة.. رحلة فقط؟؟ -
    -أدرك انه أصاب الهدف:
    - تفصلي أركبي . -
    -ركبت بجانبه وانطلقا إلى أحد المقاهي على الشاطئ، وجلسا هناك في الهواء الطلق:
    -ماذا تشربين؟؟ -
    - قهوة . -
    - - وأنا سأشرب القهوة -
    -نادي على النادل وطلب منه القهوةن ومضى النادل ليحضر القهوة، بينما تابع سامي الكلام مع فتاته.
    -لنتعارف حلوتي.. أنا سامي.. وانت؟؟ -
    -أنا ساره.. عمرس خمسة وعشرون عاما . -
    - تشرفنا حلوتي.. أتعلمين أن حمالك ساحر وفتان . -
    . ههههه.. أووووه شكرا..شكرا يا سامي وانا أيضا وسيم وفيك سحر جذاب-
    -هههههه ولكن حلوتي أين سحري من سحرك.. عموما بعد احتساء القهوة سننطلق بالسيارة حيث نريد .
    ما رأيك طبعا سامي - -
    يحضر النادل ومعه القهوة يضعها على الطاولة ويمضي، يقدم سامي القهوة إلى ساره ثم يمد يده على يدها ويحدق في عينيها فتبتسم، ويشربان القهوة ثم يدفع الحساب ويمضيان في السيارة إلى بيته، وهناك يقضي حاجته منها ويعيدها حيث التقى بها صباحا ثم يعود إلى البيت.
    (يتبع)

    التعديل الأخير تم بواسطة هادي زاهر; الساعة 14-10-2010, 00:00.
    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

    تعليق

    • هادي زاهر
      أديب وكاتب
      • 30-08-2008
      • 824

      #3
      وصل سامي إلى الموقع في اليوم التالي، وقد بدت عليه علامات الهم، وأخذ يحدث نفسه كعادته:
      -ترى هل ستحصر اليوم؟؟ أم أن يوما آخر سيضيع هدراً؟؟
      وما هي إلا لحظة حتى غمرت نفسه السعادة، لقد لمحها من بعيد:
      -وأخيرا جاءت.. إنها هناك.. وبعيدة عن البقية.. وبالإمكان الوصول إليها ومحدثتها.. والحجة فيما لو أنتبه أحد وسأل جاهزة.. عطشان وأطلب الماء.. ولكن هل سأنجح؟؟ .
      ينظر إلى السماء ويهز رأسه وقد لمعت فكرة في رأسه.
      -إنها فكرة جيدة.. سأرمي المطرة وأتقدم متظاهرا بالعطش.
      يهم بقذف المطرة ثم يتراجع:
      -ولمن لماذا أرميها؟ لا لزوم لذلك أبدا.. سأزعم أنها فارغة وأني شديد العطش ؟
      يهم بقذف الماء، ولكنه يتراجع هذه المرة أيضا:
      -ولماذا أسكب الماء فهل هناك من يتفحص المطرة؟ إنها فكرة رائعة.. صدق من قال : إن الحاجة أم الاختراع.. لقد اخترعنا أكبر كذبة في التاريخ وجعلنا العالم كله يصدقنا ويتجند للدفاع عنها بدلا منا فهل سأعجز ألان؟؟..لا.. لا.. تقدم يا سامي.
      ويحث خطاه حتى يقترب، ثم يلقي التحية:
      -السلام عليك
      جميلة تنظر إليه بدهشة، فقد فاجأها وجوده بحوارها:
      -وعليكم السلام.
      -لقد نفذ الماء مني.. والعطش يكاد يقتلني فلو تكرمت عليّ بشربة ماء.. تنقذينني من الموت .
      يضع يده على بطنه متظاهرا بأنه على وشك الانهيار من شدة العطش، فتشير له جميلة بأن المياه في الجرة عند جذع الشجرة:
      -تحت الفوطة الخضراء توجد حرة صغيرة مملوءة بالماء.. تفضل واشرب صحتين
      -شكرا لك.
      ويتجه نحو الشجرة، ينحني ويرفع الغطاء ثم يرفع الحرة ويشرب ويعيد الجرة إلى مكانها وهو يجلس القرفصاء لكي يقوم بتغطية الجرة ثم ينهض ويقول:
      -لقد أنقذتيني بعد أن كنت على حافة الهلاك.. شكرا لك.
      -لا شكرا على واجب .
      -إنني مدين لك بحياتي.. فقد انقذتني من الموت.. والماء روح السمك كما يقال .
      -الأمر لا يستحق.. فكلها شربة ماء. هنيئا لك.. وإذا منا سنبخل بالماء على الظمآن فلا خير فينا
      -ينتظر قليلا ليسمع رد فعلها ولكن جميلة تغلق شفتيها كأنها لم تسمع شيئا وتنشغل بجمع حب الزيتون عن المفرش ومن جوانبه دون أن ترفع عينيها عن الأرض حتى لا يفهم أمرا غير ما تريده هي أن يفهم، هكذا كان ظنها وفكرها، دون أن
      يدور بجلدها ولو للحظة ما يخطط له وما الذي جعله يحضر إليها.. ويكمل:
      -ولمنها روح الإنسان أيضا.
      لكن جميلة تواصل صمتها فيواصل حديثه:
      -بل إنها روح الأحياء جميعا.. كما إنها روح النباتات.. إ،ها الحياة كلها.. أعتقد أن لا حياة بدون ماء.. لقد كنت على وشك الهلاك لولا فضلك وكرمك الذي لا أعرف كيف أجزيك عليه .
      تجيبه جميلة والاستغراب يظهر على وجهها:
      -صحة وعافية.. الأمر بسيط لا يعدو شربة ماء
      يرمقها بعينين تلمعان بالشهوة، ويشرد محدثا نفسه:
      - كيف يقوى زوجها اللعين على هجر هذا الجمال أياما عديدة.
      يستدرك ويسترسل في حديثه:
      -ما نفع النقود والدنيا كلها إذا فقدنا الماء؟؟ فملايين الدنيا لا تساوي شيئا أمام لحظة الحاجة إلى الماء وكل أموالها في الحقيقة هباء.
      يخرج صرة من جيب قنبازه ويرميها باتجاهها قائلا:
      -إنها لك وأرجو أن تقبليها ثمنا لكرمك والماء الذي انقذتني به.
      تنظر جميلة باستغراب:
      -ما هذا؟؟؟
      -إنها ثمن الماء الذي وهبت لي به الحياة من جديد.
      يترك المكان ويمضي صاعدا إلى الحرش، تنظر جميلة باستغراب شديد وتتردد قليلا ثم تنحني وترفع الصرة متفحصة إياها بعض الوقت في ذهول، ثم تنظر صوب الحرش إلى أعلى كي ترى سامي، لكن سامي كان قد اختفى في الحرش:
      -يبدو إنها تحتوي على النقود.
      تفتح الصرة وتفغر فاها دهشة وتكاد تصرخ .
      -ما هذا.. ذهب. ذهب.. إنه ذهب ليس مزيف.. ولماذا تكون مزيفة.. إنني لم أطلب منه ثمن الماء.. ولكن كيف يدفع كل هذا ثمن شربة ماء؟؟ أهو مجنون؟؟ إنه بالطبع مجنون.. لا.. لا.. إنه ليس مجنونا، لقد كان على وشك الهلاك من العطش وجاءت شربة الماء لتنقذ حياته.. ثم إن المال جيد وقت الحاجة.. كل واد على قدر سيله، يبدو أن الرجل شخص متمكن للغاية الأمر الذي دفعه غلى كرمه المتهور.. المهم ألا يأتي لاحقا لكي يقول لقد تسرعت - تهز رأسها- أعتقد أنه لن يأتي.. لقد قال لي المنجم، يوم السعد هو يوم الاثنين، وأن هناك غنيمة في طريقها إليك.. يبدو أن قوله تحقق.. لقد صدق طالعي.. رزق غامض من عند الله.. احمدي ربك يا جميله.. إنها هدية من عند الله بعث من يعطيني إياها..لا .. لا.. لعله يحطط لأمر خطير.. وسيعود لاحقا ويطلب الصرة وإذا لم أعطها له ربما مسني منه مكروه.. لا.. أنا لم اطلب منه.. هو الذي أعطاني .
      تنمرها نشوة وفرح كبير تظهر على ملامحه على وجهها الذي أشرقت أساريره، تتفحص القطع مجددا وتلتفت صوب الجوالة لتتأكد أنهم لم يروها، وتكاد تصرخ من فرحتها .
      -هل أنا في حلم أم في علم؟؟ إنها تعادل غلة أكثر من الموسم .
      وأخذت تعد القطع ولم تترك الالتفات يمينا ويسارا وقد تغير الحال بعد أن امتزجت أحاسيسها بين الذهول والسرور.
      -ترى من هو المجنون.. عابر السبيل أم أنا.. تبا لحياة الفقر، يبدو أن لكل شيء نهاية.. الحمد لله إنها نهاية العوز.. لن أقلي في الغد البيض.. سوف أذهب إلى القصاب.. سنأكل أكلا شهيا.. سنشتري ما نريد.. ولكن سوف يسألوني عدنان من أين لك المال فماذا سأجيب..لا.. لا لن أخرج المال دفعة واحدة. سوف أحفظ القرش الأبيض لليوم الأسود.. سنعيش، ولكن أمام الناس لن أدع شيئا يتغير فالناس يريدون معرفة البيضة من باضها.. حسد.. أعوذ بالله من الحسد.. منذ ولدت في بيت أبي وأنا في عيشة الفقر والعوز. وحتى بعد زواجي لم يتغير شيء.. يوم ولادة أبننا اضطر زوجي لتوزيع الحلقوم فقط على الحيران وكان اشتراه بالدين. سأشتري لابني أجمل الملابس وأختي سعدى التي أثقلت عليها سأعوضها عن تعبها في رعاية أبني، سأشتري لابني أجمل الملابس.. يا فرحة قلبك يا جميلة.
      أرخت العنان لخيالها مستعرضة حياتها حتى اللحظة وما قاسته من شظف العيش، ومتخيلة الحال الذي ستنتقل إليه بفضل الرزق المفاجئ حتى حان موعد الرجوع إلى البيت، وضعت الغلة على ظهر الحمار وشدت الأحزمة وركبت فوق الغلة ومضت مع الجوالة عائدة إلى القرية .
      وفي طريق العودة استسلمت للخيال مرة أخرى فرات نفسها مع ابنها وزوجها في بيت واسع وكبير وأمامه حديقة وورود ورأت نفسها في ثياب جديدة والذهب في يديها وأطلقت ضحكة لم تشعر بنفسها عندما أطلقتها وفاقت على صوت أحد الرجال من الجوالة يناديها مستغربا:
      -يا ابنتي يا جميلة مالك سارحة وشاردة، وما هذا الضحك؟ فرحينا معك.. لا يبعد الله الفرج عنك وعنا .
      ردت جميلة بالقول:
      -آمين يا عمي.. آمين يسمع الله منك، لكن يا عمي فرحانة وسرحت قليلا.. هل في هذا شيء؟؟
      تابع الرجل حديثه لكن السعال فاجأه وتزامن هذا مع نهيق حماره وكاد السعال يخنقه، وبعد أن ابتلع أنفاسه وهدأ السعال قال:
      -مالك ماذا أصابك.. تغال من كلامي مع جميلة.. غدا نزوجك حماره جارنا.. أنت حمار فأني لك الفهم.. اصمت جذع الله أنفك.
      وانطلقت ضحكة جميلة والجوالة جميعا وشاركهم الجوال صاحب الحمار بالضحك.
      وصل الجوالة إلى القرية وانطلق كل إلى بيته، وسارت جميلة حتى وصلت البيت وأسرعت إلى زاوية خاصة في البيت وخبأت الصرة ولم تخبر أحدا عنها ثم ذهبت إلى بيت أهلها وأحضرت ابنها من هناك وتابعت ليلتها كالمعتاد.
      وصل سامي إلى الموقع في اليوم التالي، وقد بدت عليه علامات الهم، وأخذ يحدث نفسه كعادته:
      - ترى هل ستحصر اليوم؟؟ أم أن يوما آخر سيضيع هدراً؟؟
      وما هي إلا لحظة حتى غمرت نفسه السعادة، لقد لمحها من بعيد:
      - وأخيرا جاءت.. إنها هناك.. وبعيدة عن البقية.. وبالإمكان الوصول إليها ومحدثتها.. والحجة فيما لو أنتبه أحد وسأل جاهزة.. عطشان وأطلب الماء.. ولكن هل سأنجح؟؟ .
      ينظر إلى السماء ويهز رأسه وقد لمعت فكرة في رأسه.
      - إنها فكرة جيدة.. سأرمي المطرة وأتقدم متظاهرا بالعطش.
      يهم بقذف المطرة ثم يتراجع:
      - ولمن لماذا أرميها؟ لا لزوم لذلك أبدا.. سأزعم أنها فارغة وأني شديد العطش ؟
      يهم بقذف الماء، ولكنه يتراجع هذه المرة أيضا:
      - ولماذا أسكب الماء فهل هناك من يتفحص المطرة؟ إنها فكرة رائعة.. صدق من قال : إن الحاجة أم الاختراع.. لقد اخترعنا أكبر كذبة في التاريخ وجعلنا العالم كله يصدقنا ويتجند للدفاع عنها بدلا منا فهل سأعجز ألان؟؟..لا.. لا.. تقدم يا سامي.
      ويحث خطاه حتى يقترب، ثم يلقي التحية:
      - السلام عليك
      جميلة تنظر إليه بدهشة، فقد فاجأها وجوده بحوارها:
      - وعليكم السلام.
      - لقد نفذ الماء مني.. والعطش يكاد يقتلني فلو تكرمت عليّ بشربة ماء.. تنقذينني من الموت .
      يضع يده على بطنه متظاهرا بأنه على وشك الانهيار من شدة العطش، فتشير له جميلة بأن المياه في الجرة عند جذع الشجرة:
      - تحت الفوطة الخضراء توجد حرة صغيرة مملوءة بالماء.. تفضل واشرب صحتين
      - شكرا لك.
      ويتجه نحو الشجرة، ينحني ويرفع الغطاء ثم يرفع الحرة ويشرب ويعيد الجرة إلى مكانها وهو يجلس القرفصاء لكي يقوم بتغطية الجرة ثم ينهض ويقول:
      - لقد أنقذتيني بعد أن كنت على حافة الهلاك.. شكرا لك.
      - لا شكرا على واجب .
      - إنني مدين لك بحياتي.. فقد انقذتني من الموت.. والماء روح السمك كما يقال .
      - الأمر لا يستحق.. فكلها شربة ماء. هنيئا لك.. وإذا منا سنبخل بالماء على الظمآن فلا خير فينا
      - ينتظر قليلا ليسمع رد فعلها ولكن جميلة تغلق شفتيها كأنها لم تسمع شيئا وتنشغل بجمع حب الزيتون عن المفرش ومن جوانبه دون أن ترفع عينيها عن الأرض حتى لا يفهم أمرا غير ما تريده هي أن يفهم، هكذا كان ظنها وفكرها، دون أن
      يدور بجلدها ولو للحظة ما يخطط له وما الذي جعله يحضر إليها.. ويكمل:
      - ولمنها روح الإنسان أيضا.
      لكن جميلة تواصل صمتها فيواصل حديثه:
      - بل إنها روح الأحياء جميعا.. كما إنها روح النباتات.. إ،ها الحياة كلها.. أعتقد أن لا حياة بدون ماء.. لقد كنت على وشك الهلاك لولا فضلك وكرمك الذي لا أعرف كيف أجزيك عليه .
      تجيبه جميلة والاستغراب يظهر على وجهها:
      - صحة وعافية.. الأمر بسيط لا يعدو شربة ماء
      يرمقها بعينين تلمعان بالشهوة، ويشرد محدثا نفسه:
      - كيف يقوى زوجها اللعين على هجر هذا الجمال أياما عديدة.
      يستدرك ويسترسل في حديثه:
      - ما نفع النقود والدنيا كلها إذا فقدنا الماء؟؟ فملايين الدنيا لا تساوي شيئا أمام لحظة الحاجة إلى الماء وكل أموالها في الحقيقة هباء.
      يخرج صرة من جيب قنبازه ويرميها باتجاهها قائلا:
      - إنها لك وأرجو أن تقبليها ثمنا لكرمك والماء الذي انقذتني به.
      تنظر جميلة باستغراب:
      - ما هذا؟؟؟
      - إنها ثمن الماء الذي وهبت لي به الحياة من جديد.
      يترك المكان ويمضي صاعدا إلى الحرش، تنظر جميلة باستغراب شديد وتتردد قليلا ثم تنحني وترفع الصرة متفحصة إياها بعض الوقت في ذهول، ثم تنظر صوب الحرش إلى أعلى كي ترى سامي، لكن سامي كان قد اختفى في الحرش:
      - يبدو إنها تحتوي على النقود.
      تفتح الصرة وتفغر فاها دهشة وتكاد تصرخ .
      - ما هذا.. ذهب. ذهب.. إنه ذهب ليس مزيف.. ولماذا تكون مزيفة.. إنني لم أطلب منه ثمن الماء.. ولكن كيف يدفع كل هذا ثمن شربة ماء؟؟ أهو مجنون؟؟ إنه بالطبع مجنون.. لا.. لا.. إنه ليس مجنونا، لقد كان على وشك الهلاك من العطش وجاءت شربة الماء لتنقذ حياته.. ثم إن المال جيد وقت الحاجة.. كل واد على قدر سيله، يبدو أن الرجل شخص متمكن للغاية الأمر الذي دفعه غلى كرمه المتهور.. المهم ألا يأتي لاحقا لكي يقول لقد تسرعت - تهز رأسها- أعتقد أنه لن يأتي.. لقد قال لي المنجم، يوم السعد هو يوم الاثنين، وأن هناك غنيمة في طريقها إليك.. يبدو أن قوله تحقق.. لقد صدق طالعي.. رزق غامض من عند الله.. احمدي ربك يا جميله.. إنها هدية من عند الله بعث من يعطيني إياها..لا .. لا.. لعله يحطط لأمر خطير.. وسيعود لاحقا ويطلب الصرة وإذا لم أعطها له ربما مسني منه مكروه.. لا.. أنا لم اطلب منه.. هو الذي أعطاني .
      تنمرها نشوة وفرح كبير تظهر على ملامحه على وجهها الذي أشرقت أساريره، تتفحص القطع مجددا وتلتفت صوب الجوالة لتتأكد أنهم لم يروها، وتكاد تصرخ من فرحتها .
      - هل أنا في حلم أم في علم؟؟ إنها تعادل غلة أكثر من الموسم .
      وأخذت تعد القطع ولم تترك الالتفات يمينا ويسارا وقد تغير الحال بعد أن امتزجت أحاسيسها بين الذهول والسرور.
      - ترى من هو المجنون.. عابر السبيل أم أنا.. تبا لحياة الفقر، يبدو أن لكل شيء نهاية.. الحمد لله إنها نهاية العوز.. لن أقلي في الغد البيض.. سوف أذهب إلى القصاب.. سنأكل أكلا شهيا.. سنشتري ما نريد.. ولكن سوف يسألوني عدنان من أين لك المال فماذا سأجيب..لا.. لا لن أخرج المال دفعة واحدة. سوف أحفظ القرش الأبيض لليوم الأسود.. سنعيش، ولكن أمام الناس لن أدع شيئا يتغير فالناس يريدون معرفة البيضة من باضها.. حسد.. أعوذ بالله من الحسد.. منذ ولدت في بيت أبي وأنا في عيشة الفقر والعوز. وحتى بعد زواجي لم يتغير شيء.. يوم ولادة أبننا اضطر زوجي لتوزيع الحلقوم فقط على الحيران وكان اشتراه بالدين. سأشتري لابني أجمل الملابس وأختي سعدى التي أثقلت عليها سأعوضها عن تعبها في رعاية أبني، سأشتري لابني أجمل الملابس.. يا فرحة قلبك يا جميلة.
      أرخت العنان لخيالها مستعرضة حياتها حتى اللحظة وما قاسته من شظف العيش، ومتخيلة الحال الذي ستنتقل إليه بفضل الرزق المفاجئ حتى حان موعد الرجوع إلى البيت، وضعت الغلة على ظهر الحمار وشدت الأحزمة وركبت فوق الغلة ومضت مع الجوالة عائدة إلى القرية .
      وفي طريق العودة استسلمت للخيال مرة أخرى فرات نفسها مع ابنها وزوجها في بيت واسع وكبير وأمامه حديقة وورود ورأت نفسها في ثياب جديدة والذهب في يديها وأطلقت ضحكة لم تشعر بنفسها عندما أطلقتها وفاقت على صوت أحد الرجال من الجوالة يناديها مستغربا:
      - يا ابنتي يا جميلة مالك سارحة وشاردة، وما هذا الضحك؟ فرحينا معك.. لا يبعد الله الفرج عنك وعنا .
      ردت جميلة بالقول:
      - آمين يا عمي.. آمين يسمع الله منك، لكن يا عمي فرحانة وسرحت قليلا.. هل في هذا شيء؟؟
      تابع الرجل حديثه لكن السعال فاجأه وتزامن هذا مع نهيق حماره وكاد السعال يخنقه، وبعد أن ابتلع أنفاسه وهدأ السعال قال:
      - مالك ماذا أصابك.. تغال من كلامي مع جميلة.. غدا نزوجك حماره جارنا.. أنت حمار فأني لك الفهم.. اصمت جذع الله أنفك.
      وانطلقت ضحكة جميلة والجوالة جميعا وشاركهم الجوال صاحب الحمار بالضحك.
      وصل الجوالة إلى القرية وانطلق كل إلى بيته، وسارت جميلة حتى وصلت البيت وأسرعت إلى زاوية خاصة في البيت وخبأت الصرة ولم تخبر أحدا عنها ثم ذهبت إلى بيت أهلها وأحضرت ابنها من هناك وتابعت ليلتها كالمعتاد.






      " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

      تعليق

      • هادي زاهر
        أديب وكاتب
        • 30-08-2008
        • 824

        #4
        وصل سامي إلى الموقع واختفى بين شجر السنديان وراح يتأمل الطبيعة فيسحره جمالها الريفي، أصوات الطير تملأ الجو، الجبال تبدو رغم غياب الخضرة عنها جميلة تردد مع الطير ألحانها عبر الصدى الخفيف، وكروم الزيتون تتمايل كأنها صبايا ترقص على إيقاع سرمدي للطبيعة ومنظر الناس هناك يزيد الأنس وتتحرك فيه مشاعر الجشع ويتمتم:
        -علينا أن نسيطر على هذه المروج كلها وبسرعة متناهية.. لن ننتظر مئة سنة كما قال المنظر الأكبر، إن أطفالهم القذرين يسرحون ويمرحون. إن ولادة كل طفل منهم تؤرق منامي.. إنهم سرطان في جسم الأرض.. علينا أن نحكم السيطرة على هذا الداء..علينا أن نبني مناطر محيطة بتجمعاتهم السكنية لكي يسيروا كالصراصير الدائخة داخل زجاجة فارغة.. بل علينا أن نخنقهم لأن بناء أي بيت على هذه الهضاب مناقض لأهدافنا، لذلك علينا أن نواصل هدم البيوت على أصحابها لكي يملأهم الخوف ويهربوا وعندها يخلو لنا الجو.. ثم إن مساحة البلاد أقل من عشر مساحة البلاد العربية.. وأقل من واحد في المائة من مساحة الكرة الأرضية ، فهل هذا كثير علينا.. لماذا تكون المساحة التي يسكنها شعبنا أقل من ذلك؟؟ بينما يسكن الأغيار على أكثر من 99% من مساحة الأرض.. أين العدالة؟؟ إن شعبنا تعذب على مدار التاريخ بما فيه كفاية وآن الأوان أن نسترخي قليلا.. يكفينا تشرد في الدول، لقد جاء الوقت الذي فيه تكون لنا فيه دولة لنا وحدنا كما لجميع الأمم.. ليس هذا كثيرا علينا.. يجب أن ننظف البلاد ممن تبقى من هؤلاء حتى لا يظل أي شخص غير يهودي.. فهم لديهم الدول العربية ليذهبوا إليها ويتركوا لنا هذه القطعة الصغيرة.. يجب أن نحاول كل الوسائل المشروعة معهم ليرحلوا.. وإن لم تنفع هذه الوسائل فلنجرب الوسائل غير المشرعة.. كما فعلنا عند قيام الدولة.. التفجير والهدم وقتل البعض أمام الكل كفيل بجعلهم يسرعون في الرحيل والهروب .
        يصمت قليلا ويتذكر:
        -وماذا علينا ؟.. الم نهدم الكنيس على المصلين من أبناء شعبنا لدفعهم إلى القدوم؟؟؟.. فلماذا لا نهدم البيوت على رؤوس أعدائنا.. إن هذا الموضوع يعذبني.. ولكن الغاية تبرر الوسيلة، فلو لم نقم بهذا لكنا واجهنا مشكلة في كيفية دفع أبناء شعبنا إلى القدوم إلى هنا.. ولكن هدم هنا وهدم هناك!! ماذا ستكون النهاية.. إننا لا نجيد القتل والهدم ولكن إذا كان لا بد من ذلك فليكن.. إن هذه الأرض لنا وعليهم أن يفهموا.. عليهم أن يخلو لنا البلاد.. ولكن إذا خلت البلاد منهم كليا فقد تنشب حرب بيننا نحن الشعب الواحد.. شعب الله المختار.. إن طموحاتنا عريضة وستتضارب.. الأمر الذي سيحدث الخلافات التي ستقود إلى حرب أهلية.. أعتقد أن أبا اللحية السوداء الغزيرة كان على حق حين قال : إنه إذا لم يكن هناك عدو .. علينا أن نخلق عدوا.. ثم إنه إذا خلت البلاد منهم كليا فمن سيحرث.. من سيزرع.. من سيبني.. من سيجمع النفايات.. من سيعمل في المقاهي.. من سيمسح.. من سيجلي.. من سيقوم بأعمال الحفريات.. من سيقوم بتزفيت الشوارع.. باختصار من سيخدمنا.
        وبينما هو يحاور نفسه ويطرق رأسه في الأرض ثم يرفعه ويحدق في السماء تظهر عليه علامات الاستغراب:
        -إنها تقترب نحوي!!.. إلى أين تذهب؟؟.. أسرع يا سامي واختبئ قبل أن تراك.. كم هي جميلة.. وكم هي شهية ومغرية.. إنها تجعل لعابي يسيل.
        يسرع بالاختباء خلف شجرة وهو يمسح فمه بكفه ويتنهد:
        -إنها تستعرض المكان.. عما تفتش؟.. إن حركاتها تشير إلى أن البغتة داهمتها.. وبعدها عنهم هذه المسافة دليل واضح أنها ستقضي حاجتها.. يا لها من شهية..آآآآآآآآآآآآه ما أجملها.. ها سأنجح؟؟.
        يطل من خلف الشجيرة وهو يبرم رأسه ويتحسس جيبه ليتأكد أن ماسورة السائل المخدر التي حملها معه ما زالت في جيبه، ثم يتحسس سلاحه فوجده أيضا مكانه.. يحث خطاه وهو ينحني تارة ويحبو تارة، حتى وصل إلى شجرة قريبة أتاحت له رؤية جميلة من الخلق وصار لعابه يسيل شهوة، إنها عارية من نصفها الأسفل. واختباء قليلا خلف الشجرة وما هي إلا لحظة حتى انقض من الخلف ووضع يده على فمها حتى لا تصرخ.. حاولت المقاومة وهو يضغط عليها بكل قوته، وتمكنت جميلة من رؤية ملامحه وعرفت أنه صاحب الصرة ولكنها في حالة ارتباب شديد مكممة الفم ومن ناحية أخرى عارية من سروالها، وتمكن سامي من التغلب عليها، أخرج من جيبه ماسورة المخدر ورش ما فيها في أنفها مما أدى إلى أن تفقد وعيها وقضى وطره منا ، لبس سرواله ووقف يتأمل عريها ، لقد حقق لذته وعليه الانصراف بسرعة ، وينصرف وهو يحدث نفسه وقد غمره السرور:
        -آآآآآآآآآه.. لقد سارت الأمور أفضل مما توقعت بكثير.. يا لها من شهية.
        وما هي إلا لحظة حتى ساوره القلق وداهمته مشاعر متناقضة، بين فرحه بتحقيق لذته وبين خوفه من انفضاح أمره:
        -قد يكون الثمن غاليا.. عليّ أن أكون حذرا.. عليّ أن لا أكون متهورا.. إنها لحظة طائشة.. فهذه ليست المهمة التي أرسلت من أجلها.. إنها متعة عابرة.. وليست بحجم الثمن الذي قد يدفع.. إنها مغامرة خطيرة للغاية.. وعندما تصحو جميلة فحتما ستدرك ما حل بها وتأخذ بالعويل.. وتتقاذفها موجات صاخبة من الأفكار فتزدحم نفسها بأحاسيس العار الشديد وربما وصلت حد الانفجار أو الانتحار.. تبا لك يا سامي .
        وصل إلى سيارته وأدار المحرك بسرعة وانطلق إلى البيت.. أغتسل وأعد القهوة وجلس حيث أعتاد الجلوس.
        أفاقت جميلة وتحسست جسمها وأدركت أن شرا وقع لها، إنها اغتصبت من قبل صاحب الصرة، دارت بها الأرض ومادت وارتعد جسمها بشدة وفاضت عيناها بدمع حار غزير، وغلت الدماء في عروقها، حاولت الصراخ والاستغاثة لكن هول الصدمة حبس أنفاسها ولم تستطع النطق بحرف.. رفعت ثوبها لتستر أثر الجريمة التي وقعت ضحيتها بدون إرادة ولا شعور بوقوعها.. غابت عن وعيها مدة يسيرة، وحين أفاقت عاودتها الرجفة والرعدة والشعور بالتقزز، ثم راحت تخاطب نفسها بحسرة وتمزق والدموع لا تكف عن الإنهمار:
        -ماذا عليّ أن أفعل.. أي مصيبة وقعت فوق رأسي.. ماذا فعلت يا ربي ليصنع هذا بيّ.. ماذا فعلت يا خلق الله.. ماذا افعل.. أي ارض سأهرب إليها.. ومن سيصدق أنني اغتصبت.. ماذا افعل.. هل عليّ أن أكتم ما حل بي؟؟ هل عليّ أن أكتم آلامي بأضلعي،أم اطلع عدنان على ما حل بي؟.. لا.. لا لن أطلعه، الويل لي إن علم بالأمر.. أي مصير ينتظرني إذا علم.. لن يتردد في قتلي، وفي أحسن حال سيطلقني.. والمجتمع.. آه من المجتمع الظالم.. إنه لن يرحمني أبدا.. سوف يحاكمني دون أي ذنب اقترفته.. ماذا علي أن أفعل.. رحماك يا رب أرشدني السبيل.. ويلي مما حل بي، ويلي.. ويلي إذا كشفت لأهل القرية أمري فالموت بانتظاري، والتهمة جاهزة.. عاهرة.. هذا في ابسط الأحوال.. ما أهون التهم.. الناس لا ترحم.. ولن يسألني أحد عما جرى وكيف جرى، لن يقول أي منهم إنني مظلومة وتعرضت لاغتصاب بشع.. مقرف من قبل من لا ضمير له.. من قبل.. ليتني أعرف من هو.. ارحمني يا إلهي.. ارحمني يا أرحم الراحمين.. لن يجدوا لي عذرا حتى لو أقسمت آلاف المرات أنني بريئة ولم أعلم بما جرى إلا بعد الجريمة، ماذا أفعل.. ماذا أفعل.. ماذا أفعل ساعدني يا ربي ساعدني.
        وعاودتها حالة البكاء المر والرعدة وغارت ملامحها تحت قناع الحسرة المفاجئة وامتقع وجهها من هول ما هي فيه، واشتدت المعركة داخلها، والوجوم مسيطر عليها وامسكن رأسها بيديها ثم وضعتهما على وجهها وحاولت خمشه وتشطيبه انتقاما من نفسها:
        -كيف أدعي الشرف بعد اليوم.. علي ّ الانتحار فورا.. ولكن ما ذنبي فيما حدث.. لقد كان رغما عني.. ماذا افعل يا ربي.. أرشدني بجاه كل الأنبياء.. ماذا أفعل؟؟.. هل انتحر أم أطوي عذابي واكتم سري وأواصل السير بكبرياء وإن كانت زائفة؟؟.. ولكن الكبرياء مرغت في التراب.. كيف أستر العار.. وغدا سيكشف العار نفسه.. لا استطيع.. مستحيل.. ولكن لماذا مستحيل؟؟.. لا ناص لي.. عليّ أن أواصل السير في مشوار الحياة القذر.. هذا هو خياري الوحيد ولا خيار أخر لي.. هذا ما كتب عليّ .
        تصمت قليلا ثم تعزي نفسها:
        -يبدو أن الإنسان مسير.. إن الله يرسم للإنسان الطريق الذي يسلكه قبل مجيئه لهذه الدنيا.. وما على الإنسان إلا السير في الطريق الذي رسمه له الخالق سبحانه وتعالى.. لكن هل الخالق يقبل لي هذا الحال؟؟.. لا.. مستحيل.. مستحيل أن تكون إرادة الخالق هكذا.. هذه إرادة الشيطان الذي يكون انسانا أيضا.. لن انتحر فهذا هو قدري وليس في اليد حيلة.. عليّ أن أواصل مسيرة الحياة وكأن شيئا لم يحدث.. ولكن كيف.. كيف يا إلهي.
        وأشتد الشعور بالوجع والألم والإحساس المر يمزق قلبها:
        -ولكن الموت أفضل لي من الحياة مع هذا العذاب.. مع هذا العار الذي سيلاحقني مدى الحياة.. أية مصائب تنهال عليك يا جميلة؟؟.. ومن أين لي الطاقة لاحتمال كل هذا؟؟
        تصمت قليلا :
        -أي عار!! أي عار!! أنني لم أشترك في ارتكاب الجريمة، لقد وقعت رغما عني.. ولكنه عار سيلاحقني مدى الحياة.. سيزرع في نفسي الحسرة الأبدية.. سيعتصر قلبي.. سيعتصر روحي.. سيفتت كبدي.. أأأأه من هذه الحياة.. إنها مفاهيمنا الاجتماعية البالية.. غير الموضوعية.. غير الإنسانية تدين الأنثى دون أي ذنب اقترفته.. وتغفر عن الرجل أيا كان ذنبه.. يا لهذا المجتمع الذي لا يرحم.. لم أرتكب جريمة.. بل هناك من أجرم بحقي ويجب أن يموت.. نعم يجب أن يموت.. فمن ينتهك أعراض الخلق يجب قتله.. من هو صاحب ألصره الذي اغتصبني.. من أنت يا ابن الكلب، يا من لوثت شرفي وهتكت عرضي.. من أنت؟؟ من أنت؟؟.
        وانتابتها نوبة من البكاء وحالة من الهلوسة والهستيريا وأخذت بالغناء دون وعي بما يصدر عنها من كلام:
        -جفرا ويا هالربع بالوعر رموها
        حلت سعرها البنت بكت على بوها
        مجنونة ترعى الغنم وتغني موليا
        وراحت تهيل التراب على رأسها في حالة هستيرية لا تحس ولا تدري ما تفعل، وتابعت الغناء والعتابا ودموعها لا تنفك تسيل:
        -أووووووووووف
        عدرب العين دمع العين لجّياي
        وعقلبي في الدجى عالدرب لجّاي
        الرايح من افكاري يقول لجّاي
        عسى الله بترجعي بعد الغياب
        بقيت على هذه الحالة فترة ثم عاودها الوعي وعادت التفكير في الحال الذي سقطت عليها أحداثه في لحظة سوداء من الزمن:
        - ويلي لحظي الأسود في هذه الحياة.. يا ويلي من أهلي والناس والمجتمع.. والجوالة في الكرم الآن ترى هل سيسألونني أين غبت؟؟..آآآآآآه يا راسي.. انتهى أمرك يا جميلة.. لن أعود إلى البيت.. لن أعود.. ولمن أنا لم اقترف ذنب.. فلماذا أخاف.. آآآآآه يا جميلة.. أيتها المسكينة ماذا جرى لك؟؟ تشجعي يا جميلة.. لا تموتي من الخوف.. أنهضي أيتها النعجة المسكينة لقد افترسك الذئب.. أنهضي ولا تستسلمي للموت.. واجهي الناس والكون كله.. نعم سأنهض وسأتابع فهذا الحل الوحيد وليكن ما يكون.. الجريمة لا يعلم بها إلا الله وأنا والمجرم الساقط.. زوجي لا يعلم شيئا.. وأهلي أيضا.. وإذا ظهر الحمل سأسقطه بدون أن يعلم أحد.. عليّ مواصلة السير.
        وبينما هي على تلك الحالة، تسمع أصوات الجوالة تناديها من الكرم.
        - أين أنت يا جميلة.. لقد انتهينا من جمع الغلة.
        تنفض التراب والغبار عن جسمها وتبحث عن غصن يابس ثم تشرخ فستانها من الكم وتجرح ساعدها بالغصن اليابس ثم تتجه صوب صخرة مرتفعة وتتمدد تحتها ليظنها من يراها سقطت عن الصخرة وأغمي عليها، وما زالت أصوات الجوالة تناديها وتزداد قربا، فبعد أن يئس الجوالة من إجابتها أدركوا أن مكروها وقع لها فقرروا البحث عنها وعدم العودة إلا بعد أن يجدوها، وصعد قسم منهم صوب الحرش، ويعثر أحد الرجال عليها ممددة:
        - جميلة!!! إنها جميلة
        يقلبها على ظهرها وتتظاهر بفقدان الوعي، ويجفل من المنظر الذي أرعبه ويحدق فيها برهة ثم يبدأ بالصراخ ومناداة البقية:
        - تعالوا إلى هنا .. وجدتها.. إنها غائبة عن الوعي.
        يتوافد الجوالة مسرعين حتى يصل الجميع ويسعفونها حتى تصحو؟! ويبادرها احدهم بالسؤال عما جرى لها:
        - ماذا أصابك يا جميلة .
        آآآآآآآآآآآآآآآآآآآخ رأسي تؤلمني جدا.. وظهري يؤلمني بشدة.. لا أدري ما الذي جرى.. آآآآآآآخ الألم شديد جدا .. وذراعي أيضا تؤلمني.
        تحاول بعض النسوة إنهاضها حتى تقف على رجليها ، وتنظر إلى ساعدها والدم يسيل منه. وتتألم وتبكي بكاء يشفق له الحضور، وتبكي بعض النسوة إشفاقا عليها، ثم يحملونها عائدين إلى الكرم، ويحملون الغلة على الدواب، ويركبون جميلة على حمارها ويمضي الجميع عائدين إلى القرية.
        وصلت إلى البيت، واتجهت إلى الحمام وهو عبارة عن غرفة خلف البيت بنيت بحجارة الطوب بدون اسمنت وهي أقرب في الوصف إلى حاجز يمنع النظر إلى داخلها ورؤية من بالداخل، أما الماء فهو من بئر، والصابون في قلب حجر من الطوب بحيث تكون تجاويفه مكانا للصابون، وتم تثبيت خشبة طولها نصف متر تقريبا وفيها بعض المسامير على الجدار لتكون مكانا مشبك للثياب.
        غابت جميلة في البكاء مرة أخرى وراحت تضرب رأسها بجدار الحمام وتمعط شعرها وتلطم وجهها حتى تعبت وجلست على أرضية الحمام ممسكة رأسها بيديها وبقيت مدة من الزمن، نزعت ثيابها وراحت تصب الماء على جسدها فتساقط على جسدها باردا لكنها لشدة صدمتها لم تشعر ببرودة الماء، راحت تتحسس موضع الجريمة بين فخذيها وتضربه بقوة، ثم تناولت منشفة معلقة ونشفت جسدها وشعرها ولبست الثياب وفتحت باب الحمام وخرجت والمنشفة على رأسها وهي تفرك بأطرافها ووجهها لتخفي أثر البكاء.
        دخلت الغرفة ثم رمت جسمها على الفرشة وغطت نفسها ببطانية وواصلت البكاء وكان صوت بكائها مسموعا، وحاولت أن تغالب البكاء والدموع لكن عبثا فالحال الذي آلت إليه أشبه ما يكون بخنجر مغروس في قلبها وهناك يد تحركه يمينا ويسارا، أعلى أسفل، كأنه يقطع أحشاءها إربا إربا، وطال سهرها حتى أنهكها النعاس فنامت ونسيت لهول الصدمة أن تذهب إلى أهلها لتحضر ابنها، ولشدة وقع الحادث وما مر عليها حلمت تلك الليلة أن كلبا كبيرا هجم عليها وافترسها، لكنها ظلت على قيد الحياة؟! وثأرت من الكلب دون أن تقتله، وأثناء نومها كانت يداها تتحركان هنا وهناك وشفتاها تتمتم نهمس غير مفهوم .
        استيقظت جميلة في الصباح وحاولت النهوض إلا أنها لم تستطع فقررت مواصلة النوم طلبا للراحة عسى أن يزول عنها الإعياء الذي لفها نتيجة الحادث ثم تحاملت على نفسها ونهضت بعدما سمعت طرقا على الباب وصوت أختها سعدى تنادي عليها وفتحت الباب فبادرتها أختها والطفل على صدرها:
        - صباح الخير يا جميلة.
        - صباح النور يا سعدى.. هيا ادخلي.
        ولم يخف الحال على سعدى فبقيت تنظر إلى جميلة في دهشة واستغراب وتحاول معرفة ما جرى دون أن تنطق جميلة.
        -مؤكد أنك يا جميلة سقطت عن شجرة زيتون؟؟.. أليس كذلك؟؟.. لقد نبهتك كثيرا إلى الأمر لكنك لم تسمعين النصيحة.. كم قلت لك لا تصعدي.. لكن لا حياة لمن تنادي.
        -لا يا سعدى.. لم أسقط عن الشجرة.. بل عن الصخرة.. لولا الجوالة لقضيت موتا هناك في الحرش..آآآآآآآآآآخ الألم شديد.. ادخلي يا أختي.. سأحدثك في الداخلأأ .. أدخلي.. ظهري يؤلمني ويداي ورأسي وبطني، كل جزء من جسدي يؤلمني آآآآآآآآآآآآخ ما أشد الألم يا سعدى .
        تدخل سعدى وتنزل الطفل عن صدرها وتجلس إلى جميلة تواسيها وتحكي لها جميلة قصة مختلفة حول سقوطها عن الصخرة وإنقاذها من قبل الجوالة ولم تتوقف عن البكاء وأبكت معها أختها سعدى، ثم غادرت سعدى ووعدت أختها بالعودة للاطمئنان عليها.
        راحت جميلة تزاول أعمال المنزل والشحوب يلف وجهها ويخفي ما كان يكسوه من الجمال والبشر وظهرت على وجهها تقاطيع وذبول غير ملامحها، وعدم تناول الطعام زاد في كشف منظر لم يكن لها حتى صباح الأمس، وخلال يوم واحد يظنها من رآها وكأنها كبرت عشرين عاما.
        عند الظهيرة عادت أختها سعدى لزيارتها وجلست معها تواسيها وتساعدها في أعمال البيت ساعة من الزمن لا تخلو من البكاء وشكوى من الزمان والحال، وذكر الزوج وحاله وتغيبه المستمر، ولم تطل سعدى المكوث لظنها أن الأمر لا يعدو رضوضا خفيفة، واستأذنتها للعودة إلى البيت على أمل العودة مرة أخرى ، وفعلا عادت ذاك النهار لتفقد جميلة وكما في المرتين السابقتين ولكن هذه المرة اصطحبت معها الطفل لينام عندها، وكم رجتها جميلة أن تنام عندها لكن سعدى أصرت على العودة مع وعد بالعودة صباحا، وغادرت مصطحبة الطفل معها بينما جميلة استسلمت للنوم الذي حرمت من لذته لشدة ألمها وتعبها وقد وصلت حافة الانهيار.


        -




        -
        " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

        تعليق

        • هادي زاهر
          أديب وكاتب
          • 30-08-2008
          • 824

          #5
          غيَّر سامي من هيئته ومظهره ، وانطلق الى الموقع ، وأخذ ينظر من بعيد الى الجوالة عله يراها لكي يبدأ بتنفيذ الخطة ، ولكن الخوف كان يرافقه ، فقد كان عقله اللاواعي يحدثه أن جميلة أخبرت أهلها بأنه اغتصبها ، وأنه سيجدهم في انتظاره ليقتلوه ثأرا لكرامتهم وشرفهم الذي انتهكه ، وكثيرا ما لاحت في خياله صور الفلاحين وهم يهجمون عليه ، وهو لا يستطيع أن يحرك ساكنا ، ويرى الفلاحين يقطعون جسده وهو يصرخ ولكن صوته مكتوم فلا يخرج من حنجرته :
          ـ لعلها صرحت لأقاربها بما فعلته ؟
          يهز رأسه ويزفر مستنكرا فعلته :
          ـ لماذا تهورت ؟؟ لماذا قمت بفعلتي الشنعاء ؟؟.. هل هذه هي المهمة التي أوكلت إلي ؟ لماذا أجازف في حياتي من أجل لحظة عابرة ؟ يا لي من غبي .. يا لي من سخيف ، إنني قد أقتل مثل شربة ماء .. لا إنها لن تصرح لأحد بما فعلته ، لأن ذلك يشكل خطرا على حياتها أكثر من حياتي ، إنني أعرف تقاليدهم وعاداتهم .. إنها ستموت ويموت سرها معها .. عليّ ألا أخشى أبدا .. هذه هي الحقيقة ولا حقيقة سواها .
          يصمت ثم يعود الى حواره الذاتي :
          ـ إنها بالتأكيد خائفة أكثر مني - يهز رأسه - وهذه هي العصا التي يجب أن أرتكز عليها لأبدأ بتنفيذ مهمتي .. إن هذه العصا قوية جدا ، يمكنني الاعتماد عليها جيدا .. عليّ أن أهددها بكشف السر إن رفضت التعاون .. علي أن أكون حازما ولا أتردد في تهديدها بأن عرضها قد هتك .. هؤلاء الناس تهمهم سلامة العرض ويضحون بالغالي والنفيس في سبيل سلامة أعراضهم .. أنا أعرف عاداتهم من بلاد الرافدين .. ولا يختلف هؤلاء عنهم .
          تلمع في عينيه أمارات الفرح .
          ـ لقد نجحت الخطة .. فهذا سبيل نجاحها .. فقط هذا هو سبيل نجاح خطتي .. لن تقدر على الاعتراض .. وسوف تقبل التعاون .. وقعتِ يا جميلة في قبضتي أخيرا .. الآن يمكنني أن أكون واثقا كليا من ذلك .
          وطال انتظاره دون أن يراها :
          ـ ترى ماذا جرى لها .. هل صدمت جراء ما فعلته بها ؟؟؟
          وبعد صمت قصير :
          ـ طبيعي أن تكون قد صدمت .. ماذا عليّ أن أفعل ؟؟ لن تفشل خطتي .. ولن أسمح لنفسي بالفشل .. يكفيني توبيخا من الجماعة التي لا ترحم من يفشل .. سأنجح .. لا بد أن أنجح .. نعم لا بد أن أنجح .
          وراح يذرع الأرض ذهابا وإيابا ، وطال انتظاره دون أن يراها :
          ـ عليّ مغادرة المكان . إن انتظاري اليوم دون جدوى .
          وعندما بلغت الشمس كبد السماء قرر مغادرة الموقع ، لكنه سمع الجوالة وهم يغنون بين أشجار الزيتون ، وصوتهم يتسلل إلى أذنيه من بعيد مع الريح ، مما يكسب الغناء روعة ويزيده رقة تجعله وهو المولود في بلاد الرافدين يصغي بتلهف للغناء ، لأنه يعرف هذه الألحان وهذه النغمات .
          المغني يغني :



          هَيْهاتِ يا بو الزِّلُفْ
          شِرْيانِ قَلْبِي انْقَطَعْ



          عَيْنِي يا مولَيَّا
          مِنْ نَظْرِتِكْ لَيَّا





          سَأَلْتِ راعِي الْغَنَمْ
          وَسْقانِي مِنْ مَطْرَتو
          وْشَبَّابْتو مِنْ قَصَبْ
          وْغَنَّى وِعْقالو قَصَبْ



          عَنْ وِلْفِي ما شافو
          وْعَلَّقْها بِكْتافو
          عَلَى روسِ شْفافو
          وِمْمَيِّلو شْوَيَّا





          يغير الغناء إلى الدلعونا :
          جولِِي زَتونِكْ حَبّهْ عا حَبِّهْ
          وِانْتِ يا بِنِتْ سَكَنْتِ قَلْبِي



          *
          تَيِصْبَحْ بيدَرْ عا شِكْلِ الْقُبِّهْ
          قَلْبِي يِهْواكِ يا نورِ عْيونَا









          أدار سامي ظهره ومضى عائدا إلى البيت ، بعد انتظار ممل ، وكان صوت الغناء بسبب الريح الشرقية يتبعه ويطرق سمعه ، فيزيده نشوة ، خاصة أن الريح تزيد من جمالية الصوت حين يأتي من بعيد .
          تكررت مراقبة سامي للموقع أياما عديدة ، لكن جميلة لم تأت .

          **********************



          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

          تعليق

          • هادي زاهر
            أديب وكاتب
            • 30-08-2008
            • 824

            #6
            لقد حاولت جميلة أن تخفي آلامها ، ولكنها لم تستطع مقاومة تمزقها الداخلي الذي هرسها هرسا وغمرها بأحاسيس غريبة ، كانت تحس وكأن الأرض زالت رواسيها ؟!! وأضحت تتأرجح بها ذات اليمين وذات الشمال ؛ كان الخيال يحلق بها بعيدا وأخذت تتنفس وكأن صخرة كبيرة تجثم فوق صدرها ، وعندما كانت تلجأ الى فراشها لكي تنام كانت تتقلب عليه وكأنها تتقلب على إبر أو مسامير ثبتت في لوح خشبي وهي عارية فوقه .. لقد هجر النوم أجفانها ، قاومت دموعها لكي لا تثب من مآقيها ونجحت ، ولكن وجهها عكس كآبتها السحيقة ، إذ اكفهر كأن سحابة سوداء اكتسحته ، وكم مرة نهضت من منامها مذعورة ، وأيقظت زوجها وابنها من نومهما ، وأكثر من مرة حاول زوجها معرفة ما الذي جرى ، لكن دون جدوى ، حتى إنه فكر خلال اليوم الذي قضاه في البيت معها ، قبل عودته إلى العمل، أن يصطحبها إلى طبيب القرية ، لعله يعرف ما الذي جرى لزوجته ، وكانت ترفض وما زالت ترفض ، لأنها وحدها تعرف ما جرى ولا رابط بينه وبين الجنون ، وفكر عدنان رغم ايمانه الشديد أن يأخذها الى العجوز التي تفتح بالمندل ، لانه ظن أن زوجته أصيبت بمس من الشيطان ، ولا يمكن لاحد غير الفتاحة أن يطرد الشيطان عن زوجته ، لكن هذه الفكرة لم يتم تنفيذها في البداية ، لقناعة عدنان أن الفَتَّاحَة ليست سوى مشعوذة ، تتعاطى السحر فقط ، وليس بمقدورها شفاء الناس ، وأكثر من مرة ظهر كذبها ودجلها ، وعدم قدرتها على شفاء المرضى الذين يقصدونها بسبب أميتهم وجهلهم ، وبسبب ما يتردد في القرية عن طريق المشعوذة نفسها من كلام حول قدرتها الخارقة على الشفاء ، ولكن وأمام الواقع الجديد الذي داهم البيت ، ونتيجة حبه لزوجته استسلم لفكرة عرض جميلة على المشعوذة ، وأقنع زوجته بضرورة عرضها على الفتاحة ، ولن يضرها شيء في حال عدم تمكن الفتاحة من مداواتها ؛ نادى على جميلة :
            ـ جميلة .. يا جميلة .
            ـ مالك يا عدنان ؟؟.. ماذا هناك ؟؟ .. لماذا تنادي ؟؟ ..
            ـ تجهزي بسرعة .. سنذهب إلى الفتاحة أم العبد .. لكي تفحصك .. وتداويك مما أنت فيه .
            ـ ماذا أصابك اليوم يا عدنان ؟؟ .. أنا لم أصب بشيء .. انظر فإني مثل الأصيلة .. والأمر لا يعدو كلها دوخة وهلوسة .. ولا نحتاج الذهاب إلى الفتاحة .
            ـ نحتاج يا جميلة .. نحتاج .. فما رأيته منك الليلة قلب لي راسي .. يجب أن نذهب إلى أم العبد لكي تكشف عليك ..
            ـ يا عدنان استهدي بالله .. امسح وجهك بالرحمن .. انت كنت دوما تقول عنها إنها مشعوذة .. وتتعامل بالسحر .. وهذا كله حرام في ديننا .. فما الذي غيرك اليوم ؟؟ .. أنت رجل مؤمن يا عدنان .. منذ متى أصبحت تؤمن بالشعوذة والخرافات ؟؟ .. غريب حالك يا عدنان .. ما رأيتك مثل هذا اليوم من قبل .. يا رجل دعك من هذه القصة أنا لا أشكو شيئا .. وعكة صغيرة فقط .
            ـ يا جميلة .. والله اني مؤمن .. لكن الذي رأيته غريب ورهيب .. واذا كانت ام العبد مشعوذة .. فالسحر في الدين ممكن ولا ينكره الدين .. والنبي سحروه .. يعني السحر موجود .. وأنا عندي شك انه أصابك سحر .. الله أعلم .. يمكن ابن حرام عمل لك سحرا .. هيا يا جميلة .. جهزي حالك لنذهب .. اليوم السبت عطلة عن الشغل .. وغدا أنا عائد إلى عملي .. وبعد يومين او اكثر حتى أعود إلى البيت .. جهزي حالك .
            تيأس جميلة من اقناع عدنان بالعدول عن رأيه ، فتستسلم لرغبته ، وتجهز نفسها ، ويصطحبان طفلهما ، وفي الطريق تحاول مجددا اقناعه بالعدول :
            ـ يا عدنان .. لا داعي للمتابعة .. لنعد إلى البيت .. لماذا لا تصدقني ؟؟
            ـ يا جميلة .. هداكِ الله .. انتهى .. ما رأيته من تصرفاتك الليلة وأنتِ نائمة .. اقنعني انه أصابك شيء .. ثم لماذا تعقدين الأمور ؟؟ .. لنصل أولا ونرى .. واذا لم يعجبنا نرجع .. أو نذهب إلى بلوطة الشيخ درويش ونعلق شريطا أخضر وندعو بعض الأدعية .. والله الشافي .. ولن نخسر شيئا من ذهابنا إليها .
            ـ دستور من خاطر الشيخ درويش .. هذا من أولياء الله الصالحين .. ما زلت أحفظ قصته منذ رواها لنا أبي ونحن صغار .. يوم كان مع الثوار في البراري .. وكيف استشهد وهو واقف ولم يهرب .. والله كان رجلا وبطلا مثلك يا عدنان .. لا حرمني الله منك يا حبيبي .. دعني أظل جنبك أشم رائحتك .. ولا تغب عن البيت كثيرا تراني ملهوفة عليك .
            ـ لقد اقتربنا يا جميلة .. مسافة قصيرة ونصل .. هاااه .. لا أريد كثرة كلام عند ام العبد .. شرح قصير .. مختصر ومفيد .. لننه بسرعة ونرجع للبيت .
            ـ حاضرة .. حاضرة يا رجل .. لا تحمل هم .. مع اني غير مقتنعة بما تقوله .. لكن لا بأس لأجلك قبلتْ .. ولن أفشلك إن شاء الله ..
            يتابعان السير ، ويلوح بيت أم العبد الفتاحة ، وهي امرأة أرملة ، توفي عنها زوجها منذ زمن بعيد ، وهي تتمتع بشخصية قوية ، وتفهم حاجة الشخص من ملامحه ، وتتمتع بفطنة كبيرة ؛ ضاقت بها الحال بعد وفاة زوجها ، فاتخذت من مهنة فتح المندل وكتابة الحجب مصدر رزق تعتاش منه ؛ رغم مرور السنين عليها ، إلا أنها حافظت على نضارة وجهها ، فلا يبدو الهرم عليها ، ولا تجاعيد في وجهها ، رغم أنها نافت على الخمسين ، وكثيرا ما قصدها الخطاب بعد وفاة زوجها ، من رجال القرية ، إلا أنها ردت الجميع ورفضت الزواج بعد وفاة زوجها .
            ـ وصلنا يا جميلة .. كما أوصيتك .. الله يرضى عليكِ .
            ـ حاضرة .. حاضرة .. كم مرة توصيني ؟؟ .. مرة واحدة تكفي .. اطمئن لن يكون الا ما تحب .. وحياة شاربك يا عزي وسندي .
            ـ أعز الله مقدارك يا جميلة .. أصيلة وطول عمرك أصيلة .. الحمد لك يا ربي على ههذه النعمة .. يا جميلة أنت نعمة الله أنعمها علي .. ولولا معزتك عندي .. ما ضغطت عليك لنأتي إلى أم العبد .. ولا أجبرتك على شيء لا ترغبين فيه .. وانت تعرفين طبعي من أول يوم تزوجنا .
            ـ عارفة يا سندي .. يا رافع راسي .. يا شهم يا أصيل .. يا حبيب قلبي .. وأنا لولا مقدارك عندي الذي ليس له حد .. كنت بقيت في البيت .. ووجدت ألف حجة لكي لا نأتي .. لكن كما قال المثل .. طاوع حبيبك عالحلوة والمرة .. وأنا طاوعتك يا نور عيني .
            يقف الطفل ولا يريد التقدم ، ويشد أمه من ثوبها ، فتلتفت إليه وتدرك أنه يريد التبول ، تطلب من عدنان التوقف ، وتميل بالطفل إلى الجانب ، وتنزل سرواله ، وتقف بجانبه تنظره حتى ينهي بوله ، بعد ذلك ترفع سرواله ، ويتابعون جميعا السير حتى يصلان إلى بيت ام العبد ، يطرق عدنان الباب وينادي :
            ـ أم العبد .. يا أم العبد .
            يجيب صوت من الداخل ، يبدو الوقار عليه :
            ـ تفضل .. من بالباب .. تفضل .. ادخل .. يا الله .. يا معين .. جئتك يا من تقرع الباب.. انتظر قليلا يا بني .. آتية حالا .. يا الله يا معين .. تحلَّ بالصبر قليلا .. فسني كبرت .. جئتك يا من تنادي .
            تفتح أم العبد الباب ، وبيدها مسبحة لا تكف عن التسبيح بها والتمتمة بذكر الله ، فيراها عدنان وجميلة ، ويبادرها عدنان :
            ـ أسعد الله صباحك يا أم العبد .
            ـ وأسعد صباحك يا بني .. صبَّحك وربَّحك .. وأعطاك حتى يرضيك .. ولا زار المرض ولا الداء أراضيك .. تفضلوا ..تفضلوا .. ادخلوا ولا تظلوا واقفين في الخارج .. ادخلوا .. الحمد لله الدار واسعة .. واذا ما وسعتكم الدار فالعيون تسعكم .. أهلا وسهلا .. تفضلوا ادخلوا .. حاجتكم مقضية باذن الله .
            يدخلان خلفها إلى داخل البيت ، وتجلسهما على كراسي قش ، وتجلس جميلة طفلها في حضنها ، وتجلس أم العبد في مكان أعدته لنفسها ، عبارة عن فرشة صغيرة ، ووسادة ، ولحاف مطوي وضع جانبا ، وأمام الفرشة كانون النار ، والجمر فيه لا ينطفئ ، وبجانبه علبة فيها بخور ، وهناك شرشف كبير ، وبجانب الكانون ابريق للشاي معد سلفا ، وصينية عليها أكواب وعلبة فيها سكر والملعقة داخلها . صبت لهما الشاي ووضعت السكر وحركته ، ثم نهضت لتقدم لهما ، فنهض عدنان وتقدم إليها :
            ـ هاتي يا ام العبد .. لا تتعبي حالك .. هاتي .. بارك الله فيك .. وسلمت على كرمك .. يا أصيلة يا بنت الأصول .. والله أمثالك قليلون هذه الأيام يا أم العبد .
            ـ لا .. اسمح لي يا بني .. أنا أقدم لكم .. أنت ضيفي .. أهلا ومرحبا بك وبامرأتك .. اهلا وسهلا .
            ـ لا والله .. والله لا يصير .. تقومين وتقدمين وانا قاعد !! لا .. لا .. لن يكون هذا يا أم العبد .. دعي الأمر لي .
            ـ قَوَّاك الله يا بني وزادك هيبة وعزة .. والله إنك أصيل ونشمة .. وترفع الراس .. هكذا الرجال أو لا .. خذ .. زادك الله كمالا .
            يأخذ عدنان الصينية ، ويقدم لجميلة كأسا من الشاي ، ويضع الصينية أمامه على الأرض ، ويتناول كأسه ويرشف الشاي ، ويبادل جميلة النظر ، وهي تبادله ، ويخاطبها من خلال حواجب عينيه ، ليبدأ الكلام مع أم العبد ، بينما أم العبد تراقب حركات جفونه ورأسها مطأطئ ، كأنها لا تعلم شيئا ، وتحاول رفع صوتها بالتسبيح والحمد ، ويبدأ عدنان الكلام :
            ـ الوقت صباح يا أم العبد .. صبحك الله بالخير .. لقد جئناك وأملنا بالله كبير .. وأنك تقدرين على معالجة الوضع .. وان شاء الله على يدك يزول المرض .. وماتأمرين به من عيني هذي قبل عيني هذي .. تكرم عينك بما تطلبينه .. فقط ان شاء الله تقوم امرأتي معافاة وترجع مثلما كانت ..
            تطيل أم العبد طأطأة رأسها ، ولا تكف عن التسبيح والحمد ، وعيناها تنتقلان بحركة سريعة فاحصة بين وجه عدنان وجميلة ، وحين تقع عيناها على جميلة فإنها تحدق فيها بقوة ، ثم ترفع رأسها مهللة :
            ـ لا اله إلا الله .. سبحان الله والحمد لله .. لا اله إلا الله .. انظر يا بني .. اول شيء .. ما اسمك بلا حرج ؟؟ ..
            ـ أنا عدنان يا أم العبد وهذي جميلة امرأتي .
            ـ أهلا وسهلا بك وبها .. اسمع يا عدنان .. حاجتكم مقضية باذن الله .. وبعون الله لن تخرجوا من عندي إلا وحاجتكم مقضية .. لكن دعني أشرح لكم أمرا صغيرا .
            ـ تفضلي يا ام العبد .. قولي .. ونحن نسمع .
            ـ زاد الله فضلك .. أنا يا بني حين كان أبو العبد رحمه الله حيا وعلى ظهر خيله .. كنت أعالج الناس بلا مقابل.. كان أبو العبد رحمه الله وأحسن إليه .. يكفينا كل شيء .. وكان الخير وافرا .. رغم القلة .. لكن منذ توفاه الله .. رحمه الله وأحسن اليه .. حاولت أن أشتغل شغلة أعيش منها وأستر حالي .. وكما تعلمون .. فأنا امرأه وحيدة وغريبة عن هذه البلدة .. حاولت أن أشتغل وأستر حالي وبيتي .. حتى لا أحتاج مخلوقا .. غير رحمة ربنا .. وحتى إني اشتغلت أسبوعا عند الخواجات في الخضار .. لكن الرزق مقدر ومقسوم .. وكما قال المثل : اركض ركض الوحوش .. غير رزقك ما تحوش .. وأنا مؤمنة بقدر الله وحكمه .. وضاقت علي الدنيا .. كانت تمر علي أيام لا أجد كسرة خبز في البيت أتقوت بها .. وصبرت ودعوت ربنا واستخرته كثيار .. وكنت أقوم الليل بطوله أصلي وأدعو ربنا أن يفرجها علي ويستر حالي .. وربنا كريم ولا ينسى خلقه ولا يضيع أحدا .. وبعدما كنت أعالج بلا ثمن .. صرت مجبرة على أخذ القليل .. وانا راضية وقنوعة .. وربنا فرجها ومضت أيام الضيق والفقر .. صرت أتقاضى فقط ثمن تعبي وانا أجمع الاعشاب من الوعر .. وأجهز الدواء للمرضى .. والحمد لله .. ربنا سترنا وأنعم علينا .. وهذا الكلام أحببت قوله فقط لأمر واحد .. حتى لا تفكروا كثيرا بالثمن .. لأني لا أتقاضى أجرا مثل غيري .. مثل الشيخ كساب الذي أهلك الخلق بسعره الباهظ .. وصار الناس يهربون منه ويأتون إلي .. لا يرحم الخلق هذا المخلوق .. لكن أنا لست مثله .. فما تجود به نفوسكم مقبول وكافي باذن الله .. فالطمع في الدين يا بني .. أما الطمع في المال فهو حرام .. حرام ثم حرام .. أبعدنا الله عن الحرام .. والآن يا عدنان .. ما المشكلة ؟؟ .. ومن المريض .. احكِ لي بالتفصيل ..
            ـ والله إنك أصيلة يا أم العبد .. وكلامك كله جواهر وحكم .. ولا يمل من حديثك .. المشكلة يا أم العبد .. امرأتي جميلة هي المريضة .. ومرضها منذ بضعة أيام .. كانت مثل المهرة الأصيلة .. وفجأة وبدون مقدمات انقلبت حالها .. كأنها ليست جميلة التي أعرفها .. ومرضها يا أم العبد .
            يتجه بالخطاب الى جميلة :
            ـ هل أحكي أنا أم تحكين انت يا جميلة ؟؟ .
            ـ لا يهم .. احك أنت يا عدنان .. العين لا تعلو على الحاجب .. فأنت رجل البيت .. وسندي وعزي .. احكِ أنت .
            ـ مرضها يا أم العبد .. يعني بلا مؤاخذة .. كيف أفسر لك .. محتار والله كيف أبدا ومن أين .
            تحدق أم العبد في عدنان ، تنتظر أن يبوح بالسر ، وحين لا يبوح تحاول تشجيعه على الكلام :
            ـ قل يا بني.. قل ولا تخجل .. فأنت مثل ابني .. وليس بيننا الا الذي حرمه الله .. قل .. مالها امرأتك ؟؟ .. ومرضها هل يتعلق بك وبالعلاقة بينكما ؟؟ .. يعني بطريقة ثانية .. هل امرأتك صارت تقصر معك بالفراش ؟؟ .. أم شيء غير هذا ؟؟ .. لا تستح يا بني فأنت مثل ابني .. قل .
            تظهر علامات الدهشة والاستغراب على وجهي عدنان وجميلة ، ويسارع عدنان للنفي بحركة من رأسه ، وفي هذه الأثناء بدأ الطفل يتململ في حضن أمه ، فقد رأى قطة تدخل البيت ، وتحك نفسها بأم العبد ، وتأتي إلى والده وتحك نفسها ، ثم إلى أمه وتحك نفسها ، وتطلق مواء خفيفا ناعما ، وتنظر إليه ، ولأن المنظر راق له فقد أراد النُّزول من حضن أمه ليلاعب القطة ، وتحاول أمه منعه من النُّزول ، لكنه يصر على النُّزول وملاعبة القطة ، فتنْزله أمه وتتركه يلاعب القطة ، وكل لحظة ينطلق مواء القطة لأن الطفل شدها من ذيلها بقوة ، أو أراد حملها من ذيلها ، فتخمشه القطة ، ويصيح على إثر ذلك ويتركها ، ثم ما يلبث أن يعاود الكرة مع القطة ، وأما عدنان فانه بعد أن علت وجهه علامات الاستغراب الانكاري لما قالته أم العبد قال :
            ـ لا .. لا .. لا يا أم العبد .. مرضها ليس له علاقة بهذه الأمور بتاتا .. مرضها بعيد عن هذه الأمراض .. مرضها يا أم العبد والله أعلم .. وكله شك حتى الان .. أنه تلبَّسها جن .. أو شيطان رجيم .. لعنة الله على الشياطين .. وجئناك كي نتأكد من هذا .. وان شاء الله على يديك ربنا يرد لها العافية والصحة .
            أم العبد ترمق جميلة بنظرات فاحصة ، تتأمل قسمات وجهها ، بينما جميلة تكاد من خجلها أن تغوص في ثيابها ، وبقيت أم العبد تتفحص جميلة من رأسها حتى أخمص قدمها ، وبعدة مدة من التفحص والصمت التفت إلى عدنان وقالت :
            ـ هذه بسيطة .. و الله الشافي .. هو الذي بيده الشفاء .. وان شاء الله حاجتكم ميسرة .. ومقضية باذن الله .. قل يا الله وصلِّ على رسول الله .. واسمع قصة وقعت قبل اسبوعين أو ثلاثة .. تراني صرت أنسى هذه الأيام لا تؤاخذوني ..
            يتمتم عدنان وجميلة بالصلاة على النبي دون أن يسمع الكلام ، وتتابع أم العبد حديثها :
            ـ يومها زارتني أم درويش .. التي تسكن في طرف البلد من جهة الحرش .. جاءتني فارعة دارعة .. وهجمت علي تريد تقبيل يدي .. وأنا .. وأعوذ بالله من كلمة أنا لا أقبل على نفسي هكذا وضعا .. المهم جلست أم درويش ودموعها تسيل على خديها .. وبالقوة استطاعت الكلام .. وبعدما التقطت أنفاسها وارتاحت قليلا .. قالت يا أم العبد أنا بالله ثم بكِ حلي لي مشكلتي .. الله لا يُضَيِّقُها في وجهك .. قلت لها وصلت يا أم درويش .. لكن افهميني القصة .. قالت : ابنتي الأسبوع القادم زفافها .. لكن فجأة منذ يومين لم تستطع النوم ولا أغمض لها جفن .. وصارت منتصف الليل تفز من النوم مذعورة وتصيح .. رأسي .. ظهري .. بطني .. ابعد عني ستر الله عرضك .. اتركني بالله عليك .. وحالة البنت انقلبت يا أم العبد .. وانا جئت وقصدي أن تحلي لي المشكلة .. بيض الله وجهك .. عرس البنت بعد أسبوع .. والحالة لا تسر عدوا ولا صديقا .. وما تطلبينه يصلك باذن الله .. فأنا سمعت الكلام وما استطعت القعود .. لاني عرفت بالضبط ماذا جرى للبنت من كلام أمها .. ولا يخفى علي من هذا شيء .. منذ تزوجت أبا العبد رحمه الله وقدمت إلى هذا البلد .. رأيت مناظر تقشعر لها الأبدان .. وقصة البنت من جملة القصص .. يعني مر علي مثلها .. وتوكلت على الله ومضيت مع أم درويش إلى بيتها .. ولما أقبلنا على البيت .. صرت أسمع أصواتا غريبة .. صياحا ولغطا وهرجا .. وأم درويش معي وتسمع .. وصلنا البيت .. وكان منظرا عافانا وعافاكم الله منه .. الناس متجمهرين أمام البيت .. والبنت في الداخل تصرخ وتنادي .. وصوت مسموع وصاحبه لا يظهر .. يصيح على البنت .. أنتِ امرأتي .. لن أتركك .. أنتِ زوجتي .. أنا تزوجتك .. ولن أتركك .. واذا اقترب منك غيري فسأقتله .. والناس في هرج ومرج .. لا أحد يعرف ماذا يعمل .. والمنظر كفاكم الله شره .. كان منظرا لم أر أغرب منه .. وكان بعض الحضور يرجف خوف .. وبعضهم يتفلت ليدخل البيت .. وأحد الأشخاص تشجع وركض إلى الباب حتى يكسره ويدخل فما لبث أن رأيناه ملقى أمامنا كالخرقة المتفحمة .. لا من يده ولا من حديده .. كما يقول المثل .
            ظهر الخوف على ملامح جميلة ، بينما ظل عدنان محدقا النظر في أم العبد ، ويظهر عدم التصديق عليه ، و أدركت أم العبد هذا فصارت تدقق النظر أكثر في عيني جميلة ؛ رشفت من فنجان الشاي ، وتعمدت أن يكون للرشف صوت ، ثم تابعت الحديث :
            ـ أنا رأيت هذا المنظر وصرت أسبح واذكر الله .. وصرت أقرأ مما أحفظه من الآيات والأدعية على البيت ومن فيه .. وما أحسست الا بيد أمسكتني من رقبتي وصارت تشد وتخنقني.. عندها عرفت أنه جن .. وقراءتي زادت غضبه وهيجانه .. وصرت أقرأ كل آية وكل جملة أحفظها .. وهو يشد حتى يخنقني .. وأنا أزيد القراءة وأرفع صوتي بها .. وطلعت عيناي من مكانهما .. وصار لوني يسود من قوة شده على رقبتي .. وطال الوقت .. حوالي نصف ساعة وأنا في عراك مع الجن .. بعدها صرت أحس أنه يضعف ويضعف .. حتى ترك رقبتي .. وأنا أقرأ عليه .. وما لبث أن سقط جنبي مثل حريق مشتعل .. وظل حتى صار رمادا .. ساعتها ركضت إلى داخل البيت .. حتى أرى البنت التي كانت تصرخ وتنادي .. وجدتها جالسة في زاوية البيت .. وثيابها ممزقة .. وتبكي .. والظاهر أن الملعون حاول أن يغتصبها .. كانت يا حسرتي عليها .. بنتا مثل غصن الريحان .. حوَّل حياتها لجهنم حمرا .. دخلتُ البيت .. سميت باسم الله .. وهجمت عليها وأخذتها في حضني .. البنت يا حسرتي من الخوف ظنت أن الجني من أمسكها .. فصاحت ورجعت عني وأبعدتني عنها .. فقلت لها لا تخافي يا بنيِّتي .. أنا أم العبد .. بسم الله عليك .. لا تخافي .. وصارت البنت تهدأ وتروق .. وأنا أطمئنها أن الأمر انتهى ولن يستطيع الاقتراب منها بعد .. وظللت على هذه الحالة حتى راقت وهدأتْ .. وصار بامكانها الكلام .. وحكت لي ما جرى معها .. وطمنأتها أنه انتهى .. ولففتها بعباءة كانت معلقة على الحائط لأسترها .. وخرجت بها خارج البيت والناس ما زالوا واقفين .. وما إن رأتنا أمها خارجتين.. حتى أطلقت زغرودة لم تزغرد امرأة مثلها في البلد من فرحتها .. وهجمت عليَّ تُقَبِّلُ يدي .. وانحنت حتى تقبل رجلي .. أستغفر الله العظيم .. لم أدعها تفعل ذلك .. وهجم الناس يهنُّون الأم والبنت وعاد الفرح والبسط للبيت وأهله .. والبنت ما شاء الله عليها شفيت من المرض ونهضت كالمهرة الأصيلة .. وتم عرسها وزفافها لبيت زوجها .. هناهم الله ببعض .. وبعد يومين جاءت أمها إلي .. حاملة جرة زيت مليئة إلى عنقها .. ووضعتها هناك .. تلك هي في الزاوية .. ما زالت حيث وضعَتْها .. وجلستْ ساعة ثم قفلت عائدة إلى بيتها .
            كانت جميلة طوال حديث أم العبد ترتعد خوفا ، وتلتصق بعدنان ، وعدنان يشد على يدها ، ويربت على كتفها ، ليطمئنها ، وأم العبد كلما رأت خوف جميلة ، رفعت صوتها قليلا مصحوبا بحركات من يديها ، ونظرات تمثيلية ، لتزيد خوف جميلة ، ولم يسعف جميلة إلا خروج طفلها خارج البيت لاحقا القطة التي هربت منه لكثرة ما اذاها ، فخرجت مسرعة خلف طفلها ، ثم عادت تحمله على خصرها ، وهي تؤنبه بلطف على فعله وخروجه ، ثم جلست على الكرسي ولم تترك طفلها يفلت منها مرة أخرى ، وبعد أن أتمت أم العبد حديثها ، حاول عدنان أن يثور في وجهها ، كونه اقتنع بأنها تكذب عليهما في الحديث ، ولا تعدو أن تكون دجالة ، وتتعاطى السحر والشعوذة ، لكنه أظهر شيئا من الاتزان ولم يبد لها ما في نفسه ، رغم أنه قرر عدم اتاحة الفرصة لها للكشف على زوجته ، أو البقاء طويلا عندها ، لأنه خشي أن تصاب زوجته بسوء نتيجة قصص أم العبد التي تثير الرعب ، فأمهلها حتى أتمت حديثها وقال لها :
            ـ يا أم العبد .. كل الذي تحكينه على رأسي وعيني .. ولهذا السبب جئناكِ وقصدنا بابك .. وكلنا أمل في الله ثم بك .. أن تعود جميلة سالمة ومعافاة .. وعسى على يدك باذن الله ترجع جميلة التي عرفتها .. قبل أن جرى ما جرى لها .
            ـ كله على الله .. توكل على الله ولا تهتم .. حالات أصعب منها عالجتها والله الشافي .. أنا لا أشفي .. الله الشافي وحده .. أنا مجرد واسطة وسبب خير .. لكن يا بني .. علي اليوم زيارة بيت أبي مطاوع .. فعندهم ولد مريض منذ زمن .. وأنا منذ مدة أذهب وأعالجه .. والولد كانت صحته متدهورة .. لكن على يدي بعد الله صار يتعافى .. ويسترد صحته .. أعانكم الله تعالوا إليَّ غدا مع العصر .. حتى أكشف عليك يا جميلة .
            لم يكد عدنان يسمع اعتذار أم العبد حتى انفرجت أساريره فرحا ، وحمد الله في سره ، وشد على يد جميلة مطمئنا إياها ، وقبل طفله في حركة بهلوانية لا تخلو من الحب لطفله ، واستأذن أم العبد وخرج من عندها مع جميلة وابنهما عائدين إلى البيت ، وفي الطريق قال عدنان :
            ـ الحمد لله يا جميلة .. تخلصنا منها ومن كلامها الذي لا يصدقه حتى الطفل .. كلامها يخوف من ضعيف القلب فقط .. فقط هذا وليس أكثر .
            ـ أنا منذ البداية قلت لك .. لا داعي للحضور إليها .. ولم تسمع مني .. وظننت إني لا أريد أن أتعالج .. لكن الحمد لله رأيتَ بعينك وسمعتَ بأذنك .. أي والله أنا كدت أموت من الخوف .. يا لطيف ما هذه المرأة .. كنت أرتجف وحالتي بالويل .
            ـ هههههه .. ههه .. هههه .. أخزى الله شيطانك يا جميلة .. ألهذه الدرجة قطع الخوف قلبك ؟؟ .. أنا كنت اضحك سرا عليها وعلى هبلها .. هذي مجرد دجالة .. والصحيح أنا أخطأت من البداية .. كان يجب أن آخذ برأيك .. ولا نأتي إلى دجالة .. واذا انتبهتِ .. فإنها كانت تحدق في عينيك .. وكلما رأتكِ خائفة .. كانت تزيد من تمثيلها .. ترفع صوتها .. وتحرك يديها .. حتى تزيد خوفك .. هههه .. والقصة التي روتها .. سبحان الله على كذبها .. فهمت قصتنا .. وألفت قصة تشبهها حتى نصدقها .
            ـ الحمد لله تخلصنا منها ومن كذبها .. لكن هل انت ناوي ترجع كما قالت ؟؟ .. أم لا ؟؟.
            ـ أعوذ بالله .. أعوذ بالله يا امرأه .. أنا ما كدت أصدق حتى خرجنا من عندها .. كادت روحي تخرج مني ونحن قاعدين عندها .. وحين خرجنا ردت روحي لجسمي .. هل جننتِ يا امرأة ؟؟.. حتى لو دفعتْ لي أجرا ما رجعت .. هه .. أما كفاها تكذب علينا وتمثل .. حتى زادت وذكرت جرة الزيت .. هذه نصابة .. وهمها تسرق الناس وتسلبهم أموالهم .. الحمد لله تخلصنا منها ومن دجلها .. تعالي قبل أن نعود إلى البيت .. نعرج شرقا على بلوطة أبي درويش نقرأ بعض الأدعية .. ونعلق شريطا أخضر .. وربنا الشافي .
            ـ يا عدنان هداك الله .. قلت لك ليس فيَّ شيئا .. لماذا أتعبتني وأتعبت نفسك اليوم .. دعنا نعد إلى البيت ولا داعي لكل هذا الذي تفكر فيه .
            ـ يا جميلة وحدي الله .
            ـ لا اله الا الله .. وهل أنا كفرت حين اعترضت ؟؟..
            ـ لم تكفري يا جميلة .. لم تكفري .. لكن لن يحدث شيء ولن تضرنا بعض الأدعية .. والدعاء مستجاب عند الأولياء الصالحين .
            ـ يا عدنان .. الدعاء مستجاب في كل مكان .. في الدار وعند البلوطة .. وفي الجامع .. وكل محل .. المهم النية الصادقة .. وليس المكان .
            ـ لم نخسر شيئا يا جميلة .. وسنتنزه قليلا فمنذ زمن ما مشيت شرق البلد .. ندعو ونتمشى قليلا ونعود إلى البيت .
            ـ حاضرة.. كما تحب .. توكل على الله .
            ويستمران في السير باتجاه الشرق ، حتى خرجا من القرية من جهة الشرق ، وسارا بين الحقول الشرقية ، وتلوح في البعيد مستعمرات حديثة البناء ، وأصوات تأتي من هناك تتحدث اللغة العبرية ، وتأتي أحيانا ممتزجة بلغات أخرى ، كالانجليزية ولغة لا يعرفها عدنان ، وينظر عدنان إليها ويتنهد ويتحسر على البلاد وكيف تسلب على مرأى ومسمع من الجميع ، سواء هنا أو الخارج ، وهنا ينطلق صوت عدنان دون شعور :
            ـ آآآآآآآآآه يا بلدنا .. آآآآآآآآه يا بلد .. ضاعت البلاد .. وشُرِّد أهلها .. وجاء غراب البين وسكنها .. يا زمن يا جائر على الضعيف .. يا زمن يا مرخص الغالي ومغلي الرخيص .. ويلي عليكِ يا بلدنا ويلي عليكِ .. هل سيدور الزمان دورته ؟؟ .. ويعود الماضي الجميل ؟؟ .
            ثم يغني غناء حزينا يشرح الحال :
            ـ اقتربنا من البلوطة يا جميلة .. أعدي دعاء مستجابا .
            ـ حاضرة .. أنا أحفظ أدعية كثيرة من أبي .. لا تحمل هما ..
            لاحت شجرة البلوط عن بعد ، فهي تقع في مكان على جانب الطريق ، يمر بها الناس صباح مساء ، ومنظرها يوحي بان الناس يجلونها بشدة ، فقد امتلأت أغصانها بشرائط خضراء تلوح من كل اتجاه ، وهي شجرة معمرة ، وتحت الجذع نثرت قطع من العملة الصغيرة دون ان يلتقطها أحد ، وما إن وصلا ووقفا أمامها ، وراى الطفل قطع النقود حتى أسرع يجمعها ، فنهرته امه واعادت القطع الى مكانه ، مع الاستغفار وطلب السماح من ساكن المكان كما كان الاعتقاد سائدا في القرية ، فاسم الشجرة اقترن باسم ولي صالح سكن في الماضي القرية ثم اعتزل الناس وأقام بجانب الشجرة في خيمة عابدا زاهدا ، ورويدا مع الزمن تحول المكان إلى مزار ومقصد لأهل القرية ، وساد اعتقاد أن البركة تكمن في المكان الذي سكن فيه الشيخ درويش ، وتحولت الشجرة مع الزمن الى رمز مقدس لا يجوز المس بها :
            ـ ادعي يا جميلة .. ادعي ولا تخلي في بالك دعاء .
            وراح عدنان يدعو ويدعو ، وجميلة تدعو الى جانبه ، والطفل منهمك باللعب وتسلق الشجرة ، وبعد مدة مسح عدنان وجهه بيدية ايذانا بختم الدعاء ، وكذلك فعلت جميلة ، ثم نادت على الطفل وقفلا راجعين :
            ـ أرأيتِ يا جميلة .. لم نستغرق سوى دقائق معدودة .. ولم نخسر شيئا .. بالعكس استفدنا وتنَزَّهنا .. رحلة بلا مقابل .. دعونا .. وان شاء الله ربنا يستجيب دعانا ويشفيك من المرض الذي داهمك فجأة .. وتعودين جميلتي .. حبيبتي .
            ـ صحيح ما تقوله يا عدنان .. لكن المشوار بعيد ومتعب .. والدعاء جائز في كل مكان .. وهذا السبب الذي جعلني أرفض في البداية .
            ـ لم يحدث شي يا جميلة .. انظري الارض ما أجملها .. انظري بلادنا يا جميلة .. احلى بلاد في الكون .. لولا الذي جرى .. كنا اليوم بألف نعمة .. انظري الحجل .. اسمعي ما أجمل صوته .. سبحانك يا رب سبحانك .
            ـ أرى يا عدنان .. أرى يا حبيبي .. دعني التصق بك .. والله اني أحبك يا عمري .. وأحب رجولتك .. وأحب كل شيء فيك .
            ـ وأنا يا جميلة يشهد الله أني أحبك .. ولا أبدلك بنساء العالم كلهن .. غالية علي يا جميلة .. غالية .
            ـ أنت أغلى يا حبيب قلبي .. قبلني يا عدنان .. قبلني فلا أحد يرانا .. إلا الله .. والقبلة منك لي حلال وليست حرام .
            ـ يا امرأة .. مالك ؟؟ .. انتبهي .. الولد معنا .. أو أحد الناس على الطريق يرانا ولا نراه .. ستكون فضيحة لنا .
            ـ لا مخلوق غيرنا يا حبيبي .. والولد حتى لو رأى فلن يفهم .. قبلني حبيبي .. قلبي ملهوف عليك .. قبلني .
            يضمها عدنان ويغيبان في قبلة عشق حارة ، وتطوقه جميلة بذراعيها ، ولا يتخلص منها الا بعد فترة .
            ـ مالك يا جميلة ؟؟ .. ماذا أصابك يا امرأة ؟؟ .. اصبري حتى نصل البيت على الأقل .. وهناك افعلي ما تريدين .. وهل أنا عندي أغلى منك حبيبتي ..
            ـ اللهم صبرني .. والله إني أحبك يا عدنان .. وأحببت أن تقبلني فقط .. هل حرام ؟؟ .. أم ممنوع ؟؟ .. ألست زوجي وحبيبي ؟؟ .
            وصلوا إلى البيت ، وكان الوقت قارب العصر ، ومنذ خرجوا لم يذوقوا الطعام ، والطفل بدأ يلوب ويتلوى من الجوع ، فسارعت جميلة وأعدت طعاما مما تيسر ، وهو عبارة عن صحن زيت وصحن زيتون مخلل ، وبضعة أرغفة ، وضعتها على طبق القش الكبير ، وجلسوا جميعا يأكلون ، بعد ذلك استلقى عدنان على فرشته ونام ، ولم ينهض من نومه إلا بعد المساء ، وكان الطفل قد نام ، وجميلة ما زالت يقظة ، مد يده إليها وداعب شعرها فانتبهت له ، فأشار إليها لتأتي إليه ، ولم تعترض جميلة ، بل سارعت إلى حضنه ، وقضى ليلة من ليالي العمر ، في حين أن جميلة ارتمت كجثة بين يديه ، نتيجة قلقها وآلامها النفسية ، وفي صباح اليوم التالي ، ومع الشروق كانت السيارة في القرية تطلق الزامور ، و العمال يركبون قاصدين أماكن العمل في المدينة ، وعدنان من جملتهم ، رغم أنه غالبا ما لا يذهب للعمل كغيره ، بل هي عملية تمويه حتى لا يلفت أنظار الناس إليه ، وكثيرا ما غادر القرية مع العمال صباحا ، وبعد ساعات يعود الى البيت لمتابعة أعماله الأخرى ، والتي هي الأهم عنده ، وكانت جميلة على علم به وبأعماله كلها ، لذا كانت تسر حين يعود ، ولا تعترض ، لأنها تعرف طبيعة حياته التي رهنها لبلده ، منذ طلب يدها من أبيها ، أخبرها بتفاصيل حياته وائتمنها على سره الكبير ، فكان يخرج مع العمال في بعض الأيام صباحا ، وأياما لا يخرج ، أو أنه ينام خارج البيت والبلدة ، وهكذا كانت حياته ، وبسبب قلة ذات اليد فإنه كان أحيانا يعمل عند الخواجات مع بعض العمال من القرية .
            **************

            " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

            تعليق

            • هادي زاهر
              أديب وكاتب
              • 30-08-2008
              • 824

              #7
              **************

              كانت جميلة عادة ما تمسك رأسها بين يديها عله يجود عليها بحل ما ، وتظل ساعات طويلة على تلك الحال ، لا يوقظها غير صوت طفلها يطلب أكلا أو ماء ، أو يريد قضاء حاجته .
              ومرت عدة أيام فأدركت أن عليها الخروج من جهنمها . وإلا سوف تنهار كليا . تحفزت للانطلاق ولكنها عجزت . فأعادت الكرة مرات عديدة ، حتى جمعت نفسها ونهضت ؛ بعد أن قررت أن لا بد من مواصلة مسيرة الحياة بحلوها ومرها .
              منذ أيام لم تخبز خبز البيت ، وعليها الآن أن تعد الخبز ، أحضرت طشت العجين ، وملأته بالطحين البلدي من الكيس المركون في الزاوية ، وأحضرت طنجرة وخرجت صوب البئر فملأتها ماء ، ثم عادت وعجنت العجين ؛ تركته قليلا ، فهو عويص كما يقال ، وانطلقت إلى الطابون . أوقدت الزبل حوله بسرعة حتى يسخن ، وعادت إلى البيت فقامت ببعض العمل ، ريثما يسخن الطابون ، ثم حملت طشت العجين ومضت إلى الطابون ، وبدأت تأخذ من الطشت مقدار قبضة اليد أو أكبر قليلا ، ثم تبدأ بتكويرها حتى تصبح رغيفا دائريا ، تلقيها داخل الطابون بعد أن ترفع غطاءه ، حتى أنهت الخبز ، فحملت خبزها وعادت إلى البيت ، ثم قامت باعداد الطبيخ مما تيسر في البيت . الوقت الان بعد الظهر ، ولا أحد سواها وطفلها في البيت ؛ وضعت طعاما لها ولطفلها ، وأكلا حتى شبعا ، ونهضت وحملت الطعام ، واعادت ما تبقى إلى الطنجرة ، وغسلت الأواني ، ومضى النهار .
              الفجر يكشف الظلام عن القرية ، والحياة بدأت تدب فيها ، صياح ديك ، ثغاء شاة ، خوار بقرة أو عجل ، وسرت الحياة في كل شيء في القرية ؛ تنهض جميلة من نومها تعد زادها ، وتصطحب ابنها ، إلى بيت أهلها حيث تتركه لدى أختها جميلة ، وتعود إلى البيت وتسحب الحمار خلفها بعد أن وضعت الخرج على ظهره ، وفيه زادها وما تحتاجه ، وظلت تسير والحمار خلفها حتى وصلت الحجر الكبير على جانب الدرب ، صعدت فوق الحجر وسحبت الحمار حتى حاذى الحجر ، ثم ركبته ومضت لاحقة الجوالة صوب الكرم لقطف الزيتون ، وتصل الكرم ويبدأ العمل ، ولكن خطاها كانت ثقيلة للغاية ، أو كأنها تحمل أثقالا في رجليها ؛ كانت تخبط قدميها ليعقب ذلك ارتجاجات في جسدها ، وكأنها تمشي مشية البط . كان واضحا للجميع أنها تعاني بشدة ، بالرغم من محاولتها إخفاء عذابها خلف ابتسامة مصطنعة . كان زفيرها عميقا للغاية ، وأثر انفعالاتها منعكس على مرآة وجهها بوضوح . جلست وقد أنهكها التعب ، وأعفيت من المشاركة تفهما لحالتها الصحية ، والجميع هنا يعرف أنها سقطت عن الصخرة ، وما زالت تعاني من رضوض الوقعة ، هذا ما يعرفه الجوالة ، لذا لم يسألها أحد أي سؤال ، فهم مقتنعون بالأمر ، وطال جلوسها وحلقت بخيالها بعيدا بعيدا ، ولم يغب عنها منظر اغتصابها وحالتها حينما أفاقت من تأثير المخدر .
              كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها . واشتد بها الألم والتعب حتى أخذها النوم ، بعد أن لم يزرها ليالي عديدة ، وما صحت إلا عندما تجمع الجوالة لحزم المحصول والعتاد والعودة الى البيت .
              في اليوم التالي رافقت المجموعة الى الكرم . لكنها لم تستطع العمل ، فجلست في ظل شجرة كثيفة وشردت بذهنها كالعادة ، وبقيت على حالها حتى حان موعد العودة إلى القرية ، فنادوا عليها ومضت عائدة معهم ، وفي الطريق تهامس الجوالة بأمر جميلة وتعالى الكلام رويدا رويدا ؛ كان التذمر باديا على الوجوه ، فهذا اليوم الثاني ؛ وجميلة لا تعمل ولا تفعل أي شيء ؛ تقدم منها رجل كبير السن وسألها :
              ـ يا جميلة يا بنتي ؛ مساء الخير .
              وخرج صوتها متهدجا ومتقطعا تبدو عليها نبرة الحزن :
              ـ مساء النور يا عمي .
              ـ يا بنتي حالك لا يعجبني ولا يعجب أي واحد فينا .. قبل أيام فقط كنت كالمهرة الأصيلة .. نشطة وخفيفة .. وما كان أحد يسبقك في الجوالة والحواش .. ومنذ يومين انقلب حالك عكس ما كان عليه من قبل .. إذا كانت الوقعة ما زالت مؤثرة عليك ارتاحي بضعة أيام في البيت .. ولا تهتمي نحن نقوم بالواجب وزيادة .. كلنا أهل يا بنتي يا جميلة .. والواجب علينا أن نعين بعضنا البعض .
              ـ يا عمي لا يوجد شيء ، لكنني تعبانة قليلا ، شغل في البيت وشغل في الزتون ، لا يوجد سوى هذا .. تعبانة ، ومكان الوقعة ما زال يؤلمني .
              يأتي من خلفها صوت امرأة تكلم رفيقتها :
              ـ ماذا ؟؟ .. هل نحن مجبرات بها حتى نحوش زيتوناتها وهي قاعدة مثل العروس على المصمدة .. تَتَجلى يعني ، لماذا يا اختي ؟؟ .. هل نحن خادمات عند من خلفها ؟؟.. من تكون هي ؟؟.. لا أحد أفضل من غيره ، صحيح وقعت وأصيبت .. لكن المجروح يشفى خلال يوم أو يومين.. الظاهر أنها تريد استغلالنا بحجة وقعتها .
              ـ اسكتي ربما تسمعنا ، اخفضي صوتك فضحتِنا فضحك الله ، انت مثل حبة الحمص ما تبتلِّيين في الفمْ ، اسكتي .. اسكتي .. ثم ألا ترين أن حالتها تصعب حتى على الكافر .. أليس في قلبك رحمة .
              ـ لا يا حبيبتي .. كلنا اولاد تسعة ولا أحد أحسن من أحد .. بالأمس جاءني زوجي .. وأنت تعرفين الرجل حين يريد حاجته من زوجته .. صدقيني كنت مثل القتيلة وما أحسست بفرحة ولا لذة .. فهل سنحرم حتى اللذة مع أزواجنا لأجلها .. وأنا معتادة على زوجي وأريد أن أظل في انبساط .. قواك الله يا زوجي يا نور عيني آآآآآآآآآآآآآه على ساعة معك .
              ـ انكتمي يا مفضوحة .. هل هذا وقت هذا الكلام ؟؟ .. مالك هل جنتتِ يا امرأة .. انخمدي فضيحة تفضحك .. كلنا مثلك لكن القرقرة والفضائح ما الحاجة إليها ؟؟ .. أنا زوجي يحفظه الله .. رجل ويُشبع .. وما يملّ حتى أملّ أنا .. مثل الحصان يحميه ربي .. هكذا يكون الرجال .. وإلا فلا .
              جميلة تسمع كل مادار ويدور بين النساء خلفها ، وأرادت أن تلتفت لكنها عجزت عن ذلك وتابعت الانصات الى الرجل الذي يحدثها :
              ـ لكن يا بنتي يا جميلة ..ألم تلاحظي معنا انك منذ يومين لا تشتغلين أي شيء .. وطول النهار تحت الزيتونة شاردة وسارحة .. وسحنتك مقلوبة منذ اليوم الذي وقعتِ فيه عن الصخرة .. يعني لستِ جميلة التي نعرفها .. كأنك فاقدة عزيزا وغاليا .. لا سمح الله .. ما رأيك لو ترتاحين بضعة أيام ؟؟ .
              ـ لا يا عمي صدقني مجرد تعب وارهاق وألم الوقعة .. ويظهر أني ـ وتضع يدها على بطنها ، مشيرة الى أنها حامل وتطيل تحسس بطنها ـ الظاهر يا عمي والله أعلم أني حبلى .. تبا للحبل وأيامه .. لا يأتي الا في عز الموسم ..
              كانت هذه الحيلة من جميلة بمثابة الجواب المفحم للرجل ، فسكت بعدها عن الكلام ، وتابعوا السير ، وما هي إلا لحظة حتى علا صراخ امرأة تلاه صراخ أخرى وخالط ذلك نهيق حمار في الخلف ، التفت كل من كان في المقدمة وكان منظرا مهولا ، كانت امرأتان ملقيتان على الارض ، وأحد الحمير واثب على حمارة ومنهمك بلذته ، يصاحب ذلك نهيق منه ومن باقي الحمير ، والنساء أصبن بالدهشة ، وصغيرات السن غطين وجوههن خجلا ، وتراكض الجمع صوب المرأتين ورفعوهما عن الأرض ، بينما ركض آخرون صوب الحمار يجلدونه ليترك الحمارة ، ولا حياة لمن تنادي ، فالحمار حمار ولو بين الخيول ربي ، ولم ينْزل الا بعد أن قضى لذته منها وشفى غليل قلبه ، وعلت الضحكات من كل جانب ؛ بدأت خافتة ثم ما لبثت أن أصبحت تدوي في أرجاء المكان .. وصار البعض يضرب كفا بكف خلال الضحك .
              بدأ ضحك النساء همسا خجولا ، ورويدا رويدا مع النظر من قبل الحضور الى العيون ، صار الضحك يعلو شيئا فشيئا ، إحداهن تغطي وجهها بطرف منديلها وتضحك ، وأخرى تدير وجهها وتضحك أيضا ، والرجال حائرون بين الدهشة والضحك ، ثم ثار الضحك ، حتى وصل إلى مسافة بعيدة .
              نفضت المرأتان الغبار والقش عن ثيابهما ، ثم بادرت صاحبة الحمارة الضحية :
              ـ يلعن أباكِ وأبا حمارك .. ألم يجد ساعة غير هذه الساعة .. ثم أليس هناك غير حمارتنا .. جعل الله مصيره جهنم .
              تتحسس ظهرها لأن الحمار عند وثوبه ضربت يداه ظهرها ، ثم تصيح :
              ـ آآآآآآآآآخ يا ظهري ، ليتك تقبرين هذا الحمار ولا تفرحين بثمنه .
              ـ لماذا يا مدللة ، من قال لحمارتكم أن تمشي قدامه مثل العروس تتجلى .. أتظنينه لا يحس ولا يشعر .. لا خالتي لا .. يحس ويحب أيضا - وأطلقت ضحكة خفيفة – .. عال والله عال .. حمار وثب على حمارة .. ماذا في ذلك .. نحن كل يوم نراهم يثبون على الحماير .. يعني وثبة حمارنا على حمارتكم أصبحت عجيبة وغريبة .. لقد أوقعني عن ظهره أيضا.. هدَّ الله حيلك يا حماري .. كسرت ظهري .. فضحتني بين الخلق .. يعني ألم تجد إلا حمارتهم ؟؟ .. وفي هذه الساعة ؟؟ .. أليس عندك صبر حتى الغد ؟؟ .. صدق من قال إنك حمااااااااااااار .
              زاد ضحك الفتيات والنساء لهذا المشهد المكمل ، وتدخل بعض الموجودين وطيبوا الخواطر ثم ركب كل حماره وتابعوا .
              *************
              انطلقت جميلة صبيحة اليوم الثالث مع الجوالة ، وكالعادة ما زالت في قمة اعيائها واحباطها وشعورها بالغثيان والقرف ، وتستولي عليها روح الانتقام ، وصل الجوالة ، ومضى كل في شغله ، وبقيت جالسة مدة، ثم انطلقت تتمشى صاعدة نحو الحرش ، وجلست تحت صنوبرة بعيدا عن الجوالة ، وشرد ذهنها ككل مرة ، لكنها عادت إلى نفسها عندما سمعت وقع أقدام تقترب منها .
              رفعت رأسها ونظرت ، فإذا بسامي قادم نحوها ، عرفته بالرغم من تغيير هيئته ، وعندها تقلصت عضلات وجهها وانبعث من عينيها شرر الغضب وفكرت في الانقضاض عليه ، لكنها أخذت تضعف أكثر وأكثر مع تقدمه حتى أخذها الارتجاف ، وعادت بذاكرتها إلى يوم أعطاها صرة الذهب ، فأدركت لحظتها أن الذهب كان ثمنا لعرضها الذي انتهكه والجريمة المقرفة التي ارتكبها بحقها ، وتأكدت يقينا أنه هو المجرم الذي هتك عرضها ، فأرادت أن تصرخ وتنادي على الجوالة ، لكنها أحجمت لعدم معرفة أحد منهم بما جرى ، ومرت عليها لحظات كأنها دهور ، وما إن وصل بجانبها حتى جمدت لبرهة . فأدرك أنها عرفته ، فألقى عليها التحية :
              ـ سلام .. كيف حالك يا حلوة ؟؟؟؟ .
              وهنا أخذ فمها يختلج فخرجت كلماتها متكسرة من بين شفتيها :
              ـ هذا .. أنت .. أيها .. اللعين ‍!!!!
              ـ ردي السلام أولا .. ثم لم أصمد أمام جمالك .. وشهوتي غلبتني .. ثم ألا تعلمين أنك تملكين جمالا يبعث الروح في الاموات ..
              وتبادلا النظرات ، كانت عيناها تلمع غضبا وتقدح شررا ، لكن خلف النظرات كان الاحباط يخيم ، وسامي كان ينظر اليها باشفاق لأنه أدرك أنها تعاني من كآبة عميقة جدا ؛ مرت لحظات ، ثم قال :
              ـ أرجو كبح انفعالك ، ولا داعي للغضب الزائد .
              ماجت بها الأرض ، ودارت مقلتاها ، ثم أخرجت كلماتها على حلقات :
              ـ اُغرب .. عن .. وجهي .. أيها .. الحقير .. أيها المجرم .. سأشرب من دمك ولن أرتوي .. هتكت عرضي هتك الله عرض أهلك .. وفضحك .
              ـ أرجو التكلم بشكل طبيعي ، وبدون عصبية .
              ـ يا ابن الكلب .. فضح الله أمك واختك .. لماذا أجرمت بحقي ؟؟ .
              وانتابها البكاء وخرج صوتها متقطعا مع البكاء ، وتابعت الكلام :
              ـ يا من لا تخاف من الله .. أنا كنت طاهرة وشريفة .. لوثتني يا ابن الحرام لماذا ؟؟ .. هتكت عرضي لماذا ؟؟ .
              ـ يا بنت الحلال اهدئي ولا حاجة لكل هذا .. ما جرى جرى وانتهى .. لقد جرى دون إرادة ووعي مني .. فأنا لا أستطيع مقاومة اغراء الجمال .. وهذا ضعفي وعيبي .. فاغفري لي ذنبي .. ولا حاجة لتهلكي نفسك .
              ـ وتقول انتهى .. ولا يهمك شيء .. يلعن من خلفوك .. انتهى ؟؟ .. كيف انتهى ؟؟ .
              ـ جيد .. جيد انتهينا .. كثر الكلام ليس له لزوم ولن يغير شيئا .
              ـ وتتكلم بعين قوية أيضا ؟؟ أليس في وجهك دم ؟؟ .. غافلتني وأنا أقضي حاجتي .. وأتيتني من الخلف وغدرتني .. وفعلتَ ما فعلت .. والله لأحنينَّ يدي من دمك يا ابن الحرام .. اصبر علي قليلا.. سأريك جميلة من تكون .. وسترى فعلها .. أترى يدي هاتين .. سأحنيهما من دمك .
              ـ يا جميلة .. قلت لك اهدأي ولا داعي أن يرتفع صوتك أكثر - وفي خفوت - وإلا فالعار والفضيحة سوف يلاحقانك طول حياتك .
              بهتت جميلة وأدركت من حدة نبرته صدق كلامه ، وأدرك بالمقابل أن إحساس الخوف قد تولاها ، فماجت الفرحة في عينيه وقال :
              ـ هاتي شربة ماء .. وخذي صرة أخرى كالتي منحتك إياها قبل أيام :
              ورمى الصرة باتجاهها .
              ـ تشرب سم .. ليتك تموت عطشا .. وما تجد أحدا يسقيك .
              ـ يا جميلة .. لقد حدث ما حدث دون أن أستطيع السيطرة على نفسي .. فأنا أمام الجمال الريفي الذي لفحته الشمس .. لا أستطيع الصمود والمقاومة .. وجمالك كان دوما يلاحقني .. كنت أعشقك .. فقوامك الممشوق .. وشعرك هذا الساحر .. وصدرك النافر .. كلها جعلتني لا أرى شيئا غيرك .. وأما الان فقد جرى ما جرى .. ولا مجال للرجوع إلى الوراء .. لن أبخل عليك أبدا .. ثم إنك تعيشين حالة فقر .. في حين أستطيع أن أوفر لك ما تريدين .. إن هذه الأنامل الرقيقة يجب أن لا تخدش .. إن هذا القوام يجب أن يلبس ثيابا تليق به .. إن هذا الشعر الخروبي يجب أن تفوح منه رائحة الياسمين .. بدلا من رائحة العرق .. ويجب أن ينسدل على الظهر ويسمح للنسيم بمداعبته بدل كبته ولفه بمنديل .
              يصمت قليلا حتى يرى أثر كلامه ووقعه في نفسها :
              ـ ما لك لا تتكلمين ؟؟ .. اِرفعي الصرة .. اِرفعيها ولا تحملي هما .
              تتجاهل طلبه ، وتهمس في صوت خافت ، وقد شعرت بجريان تيار حار في رأسها ونار مندلعة في أحشائها :
              ـ كلب ابن كلب .. نذل ابن نذل .. يلعن والدك .. يلعن من أنزلك من ظهره .. والله لاشربنَّ من دمك .. لكن كل شيء بوقته .. والصبر جميل .. يدي هذه لأحنينَّها من دمك .. وحياة رأس أبي .. لأقتلنَّك يا ملعون الوالدين .. واحنينَّ يدي من دمك .. فقط اصبر .
              يتجاهل الاهانة تفهما لحالتها النفسية ، ويحاول تهدئتها وتطييب خاطرها بكلام جميل ويقول :
              ـ يا جميلة ، يا حبيبتي .. أنا أعشقك .. أحبك .. أهيم بك منذ وقعت عيناي عليك أول مرة .. ومستعد لأن أعوضك عن كل ما سببته لك من أذى .. رغم أنه ليس أذى كبيرا .. ولو أنك تعيشين معي في المدينة لرأيت بعينيك أن ما جرى لك ليس جريمة .. بل هو أمر عادي جدا .. في المدينة كثير من البنات يمارسن هذا الفعل ولا يخجلن به .. والنساء يتمتعن بالرجال .. والرجال يتمتعون بالنساء .. المشكلة أنكم مجتمع محافظ جدا .. منغلق على نفسه .. مجتمع ما زال متخلفا ولا يواكب العصر وتطوراته .. لا يؤمن بحرية المرأة .. وأنها كالرجل تماما .. يحق لها ما يحق له .
              ـ يا سافل .. يا منحط .. الحفاظ على الشرف .. صار تخلفا وعدم تطور !! .. يعني التفريط بالشرف والعرض تطور !! .. عجايب يا زمن .. صار الكلاب يفتون ويحلون ويربطون !!.
              ـ يا جميلة .. الامر ليس بالضبط كما تفسرين .. كل ما هنالك أنني أردت أن أخفف عنك .. وأنسيك بعض هذا الهم الذي أراه فوق رأسك مثل الجبل .. فالأمر لا يستحق كل هذا الحزن .. هي لحظة متعة .. صحيح أنها بدون علمك .. لكنني متأكد لو طلبت منك قبل ذلك لرفضت وطردتني شر طردة .. بل ربما صرخت واستنجدت بأولئك الناس - يشير إلى الكرم حيث الجوالة - وحضروا محملين بالعصي والسكاكين وكنت أنا الان كما يقال الله يرحمه .. لا لن تقولوا الله يرحمه .. ستقولون كلب وفطس .. مجرم أراد الاعتداء على امرأة .. ونال جزاءه .. لم يكن لدي حل إلا هذا كي أصل إليك .. أحبك .. أعشقك يا جميلة .. هل تفهمين كلامي ؟؟ .. هل أصرخ الان أحبك وأسمع الدنيا .
              بدأت حدة غضب جميلة تخفت رويدا رويدا ، حتى اطمأنت قليلا ، لكن ما زال في صدرها جمر يغلي .. كتمته قليلا وقد رأت أن تستدرجه حتى تفتك به انتقاما لشرفها الذي انتهكه وعرضها الذي مزقه ، فابتسمت ابتسامة سخرية وحدقت في عينيه مدة ، ثم قالت :
              ـ أنا منذ أعطيتني الصرة لعب الفار بعبي .. لكن الفقر .. يلعن الفقر والحاجة .. ثم من يريد حاجة من شخص هل يغدره ويأخذ حاجته ؟؟ .. أم يسايره في الكلام حتى يستأنس ؟؟.. وبعدها يجرب حظه .. كما يقول المثل .. "يا بتصيب يا بتخيب" .. أما مثل ما فعلتَ حضرتك فهذا اللؤم والغدر والخسة وقلة الأصل .
              ـ يا جميلة والله كان غصبا عني .. من حبي لك وشغفي بك ما استطت صبرا .. ثم لو جئتك كما تقولين وحاولت كل المحاولات .. ما أظنك كنت سترضين وتعطينني طلبي .. لذلك استعملت الحيلة معك حتى وصلت إليك .. وفعلت الذي فعلته بك .. وكلامك هذا جعلني أشعر أني نذل .. وأتمنى أن تبتلعني الارض.. من أين لي أن أعرف انك كنت سترضين ؟؟ .
              ـ وما أدراك لو أنك طلبت أن لا تنال طلبك .. ألم تعطني صرة الذهب من قبل .. وهذه صرة أخرى .. ويوم أسقيتك الماء كنتَ لطيفا .. ومؤدبا جدا .. ويومها تمنيت لو كان زوجي بأخلاقك وأدبك .. لماذا لجأت إلى هذه الطريقة البشعة ؟؟ لماذا ؟؟ .. أنا فقيرة وبحاجة للمال .. هذه واحدة .. يعني باب يمكن الدخول من خلاله إلى قلب المرأة .. ثانيا أنا صبية .. وزوجي ليس كما كان قبل .. بدأ يضعف ولا يشبعني .. وأنا أحتاج رجلا .. ألست انسانة تحس .. كان بامكانك أن تكون لطيفا .. وليس متوحشا .. وعندها كنت سترى جميلة كيف تمنحك السعادة .. وتجعلك أسعد مخلوق على وجه الأرض .
              دارت الأرض بسامي ، وراح يعض على شفتيه ندما على الطريقة التي نفذ فعلته بها ، وتمنى للحظة لو أنه تعرف إليها بطريقة عادية ، وتوصل إلى طلبه برضاها ، وليس غصبا عنها ، وعقب قائلا :
              ـ ماذا أفعل يا جميلة .. لقد جرى ما جرى .. ولا مجال للعودة إلى الوراء .. وإن كان علي فإني أعتذر منك أشد الاعتذار .. لكن من أين لي أن أعلم نواياك وأنك كنتِ ستوافقين فيما لو طلبت منك ؟؟ .. أرجوك اِرفعي الصرة .. ولا تحملي هما بعد اليوم .. سأكون معك دوما .. وحتى لا تخافي .. فلن تريني بعد اليوم إلا حيث لا يكون مخلوق قط .. وسأوفر لك كل ما تحتاجين .. قولي للفقر وداعا يا جميلة .. وافتحي عينيك على عصر جديد من الفرح والغنى .. وعيشة الملوك معي .. معززة مكرمة .. سيدة تخدمها النساء .. وليست خادمة .. بثياب مهلهلة .. ستلبسين أغلى الثياب .. وتأكلين أطيب الطعام يا جميلة .
              تسرح جميلة وتحلق في آفاق الخيال ، وتحلم بما تسمع من سامي ، ولا تعود إلى الواقع إلا بعد أن أحست بيد سامي تهزها وصوته يقول لها :
              ـ سأغادر يا جميلة .. ونلتقي غدا هنا في نفس المكان ونفس الوقت .
              ـ حسنا .. حسنا . سأكون هنا بانتظارك .. لا تتأخر .. أو اسمع .. ليكن لقاؤنا صباحا قبل حضور الجوالة .. فهذا الوقت الوحيد الذي أجد فيه متسعا.
              ـ كما تشائين يا حلوتي .. أي وقت تحبين سأكون في المكان ..
              ـ إذا غدا في السابعة صباحا .. نلتقي هناك عند باب تلك المغارة ..
              تشير بيدها إلى حيث المغارة وتتابع كلامها :
              ـ هناك يمكننا الدخول إلى المغارة والبقاء ما شئنا من الوقت .. دون أن نخشى قدوم أحد .. ولك علي أن تنال ما تشاء .. وسأحاول اسعادك على قدر ذهبك .. فلا تبخل بالذهب .. حتى لا ابخل باسعادك بي .
              وتبتسم في وجهه ابتسامة فيها بعض الاغراء ، تعمدت ان تفعل ذلك حتى تتأكد من قدومه ، وتلمع عينا سامي من الفرح ، ويبتسم ابتسامة عريضة ، ويفرك وجهه بيديه غير مصدق لما يسمعه من جميلة ، ويقول والفرح يغمر وجهه ، وقد انفرجت أساريره لما يسمع :
              ـ يا حبيبتي يا جميلة .. سأكون في الوقت المحدد .. في المكان المحدد .. والآن سأغادر .. فإلى اللقاء حبيبتي غدا .
              ـ إلى اللقاء .. مع السلامة .
              يغادر سامي المكان ، بينما جميلة أحست أنه قد اطمأن إليها وإلى وعدها ؛ تناولت الصرة ودستها في صدرها ، وبدأت منذ تلك اللحظة بالتخطيط لقتل سامي ؛ نزلت من الحرش ومضت إلى حيث الجوالة ، وأمضت بقية يومها معهم ، وقد بدأ النشاط يعود إليها ، وفي المساء عاد الجميع إلى القرية ، مع غلتهم التي جمعوها .
              ***********

              " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

              تعليق

              • هادي زاهر
                أديب وكاتب
                • 30-08-2008
                • 824

                #8
                الليل يغطي الكائنات ، وبيوت القرية لفها الظلام ، ولا تسمع إلا عواء كلب في جهة ما ، أو مواء قطط ، في حالة عراك ، ويخرق سكون الليل صوت رجل ينادي زوجته ، ربما لقضاء ليلة في جنته ، وفي جانب غير بعيد يلوح ضوء سراج خافت ، يطل بنوره من شباك أحد بيوت القرية ، إنه بيت جميلة ، وهي جالسة بجانبه القرفصاء ، تمسك ركبتيها بيديها ورأسها على الركبتين ، غارقة في التفكير والتخطيط ، ولحسن حظها ، فإن زوجها الليلة لم ينم في البيت ، وقد أخبرها صبيحة اليوم قبل انطلاقها إلى الزيتون ، بأمر غيابه عن البيت لأمر هام ، وهي قد تعودت غيابه ، وتعرف أين يغيب ومع من يبيت وأين ، وتعرف نوع المهمات التي يقوم بها أثناء غيابه ومبيته خارج البيت في غير أيام العمل ، والتي يقضيها أيضا خارج البيت فلا يعود إلا مرة في الأسبوع ، أو مرتين ، وأكثر من مرة سمعت دوي انفجار ، وضحكت في سرها لمعرفتها سبب الانفجار .
                جميلة تحمل السراج وتنهض ، تدور في جوانب البيت باحثة بين الأمتعة المركومة فوق بعضها ، يلمع الخنجر من سقوط ضوء السراج عليه :
                ـ هه ها هو الخنجر .. حان أجلك يا ابن الكلب ههههه .. حان موتك .. حانت منيتك .. غدا سيكون آخر يوم من عمرك يا ابن الكلب .. غدا أيها الحقير الساقط ستموت .
                تتابع البحث ، والليل يخفي ملامحها إلا حين يقع ضوء السراج على وجهها فتبدو بسمة مشبعة بالغيظ الشديد ، وتتجسد روح الانتقام على تقاطيع وجهها ، والسراج يرتعش في يديها :
                ـ ههه البلطة .. ها هي البلطة .. يا ربي .. الحمد لله .. الموت ينتظرك يا كلب يا ابن الكلب .. غدا سأقتلك وأغسل عاري .. غدا يا سافل .. لن أدعك تعيش وتهنأ بعمرك .. سأنهي حياتك غدا .
                تحمل الخنجر والبلطة وتضع السراج في مكانه المعد له على الجدار ، وتفتح الباب وتخرج متجهة إلى حيث الحمار ، وتبحث عن الخرج ، وتضع الخنجر والبلطة فيه وتغطيهما بكيس من الخيش ، حتى لا تحتاج في الصباح سوى ركوب الحمار والمضي للموعد ، ثم أدارت رأسها وعادت إلى داخل البيت ، واندست في فرشتها .
                *************
                الفجر بدأ ينشق وينتشر ، والحياة بدأت تسري في الخليقة ، والقرية بدأت تتململ وتستيقظ ، ينطلق صياح الديكة ، يتلوه ثغاء الشاء ، وخوار البقر ، والعصافير بدأت بالتغريد وانطلقت جوقتها مع الفجر الجديد ، والمشهد في هذه الساعات يثير النفس فتنطلق متحدة متداخلة مع الجو العام الذي يبثه ميلاد الفجر ؛ ويلوح من بعيد راعي العجال وهو يسوق ماشية القرية صوب المراعي خارج القرية ، ويأتي صوته :
                ـ يا الله يا كريم .. يا رزاق يا الله - يمد صوته بلفظ الله - لا إله إلا الله .. أصبحنا وأصبح الملك لله - يلتقط بضعة احجار صغيرة يرميها باتجاه القطيع وينادي البقر ناهرا كلا باسمها - هووووووا عطيرة .. ارجعي .. صبحة .. هوووو وا يا لحيمة عودي .. ضارب يضربك.. يا فتاح يا عليم .. يا رزاق يا كريم .
                تسقط زوادته منه فينحني ويتناولها ويركض صوب إحدى البقرات التي مالت إلى جانب الدرب تحاول أن تجد ما تأكل مبتعدة عن القطيع ، ويهوي عليها بعصاه ، فتعود البقرة إلى القطيع :
                ـ علة تفجر قلبك .. ألا تصبرين حتى نصل الوعر .. خنجر يقطع رأسك .. أَنْتِ كل يوم نفس الحالة معك .. انتهينا .. اليوم سأعيدك لصاحبك .. وما عدت أجلبك معي .. أزهقتِ روحي .. أزهق الله روحك .
                على سلسلة أحجار حظيرة يقف ديك بألوانه الزاهية المزركشة ، يصيح بصوت جميل ، وتقفز إحدى الدجاجات إلى جانبه على السلسلة ، فيحوم حولها قليلا نافشا ريشه ، ثم يقضي رغبته ويشبع نهمه منها وهي تحته لا تحرك ساكنا ، ويأتي من جانب صوت فتح باب ، فالابواب كلها خشبية وحين تفتح تصدر أصواتا تسمع خاصة في هذه الساعات من الفجر .
                سيارة تدخل القرية وتطوف فيها ، وتتوقف في محطات كثيرة ، ليركب العمال الذين يعملون خارج القرية في البناء في المستوطنات ، أو في الأعمال الأخرى ، ولكنها أيضا شاقة ؛ يخترق سكون الصباح صوت أحد العمال الصاعدين إلى السيارة قائلا :
                ـ يا الله .. يا معين .. يا رب يا ساتر .. توكلنا على الله .
                يتبعه صوت عامل آخر :
                ـ صباح الخير يا جماعة .. خذ عني السلة يا جارنا .. الله يجزيك الخير يا أبا محمود .. يا الله يا معين .
                وتنطلق السيارة خارجة من القرية صوب المستوطنات التي انتشرت بكثرة ، وازدهرت سوق العمل فيها .
                جميلة خارجة من بيتها وابنها معها متجهة إلى بيت والدها ، وسرعان ما تعود إلى بيتها لوحدها ، فقد وضعت ابنها عند أختها ، تختفي في الداخل ثم تظهر وهي تجر حمارها خلفها والخرج على ظهره ؛ تتابع سيرها حتى تصل إلى جانب الحجر الكبير الملقى بالجنب ، تصعد فوقه وتسحب الحمار حتى يحاذيه ، وتركب ، وتتابع سيرها ورجلاها تضرب بطن الحمار من الجهتين ، ويداها تهزان الرسن بشدة ، وتارة تنحني وتضرب الحمار بكفها على رقبته ، وما تلبث أن تمد يدها إلى داخل الخرج لتتأكد أن بلطتها وخنجرها ما زالا في الخرج ولم يأخذهما أحد ، وكلما مال الحمار برأسه إلى جانب الدرب ليأكل شيئا ركلته بكلتا قدميها على بطنه ، وضربته بكفها على رقبته ؛ مرددة بصوت مسموع :
                ـ الحمار حمار ولو بين الخيول ربي .. هيا اسرع .. لست فاضية لك .. أريد الوصول باكرا قبل أن يصل ملعون الوالدين .. اِمْشِ .. عجِّلْ .
                الحمار يبصر بعر دابة وبولا ، فينْزل رأسه ويشم البول ، وتغضب جميلة وتحتد ، وتركل الحمار وتضرب عنقه ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فهو حرون في تلك اللحظة ولا يبالي ، وتصرخ جميلة عليه :
                ـ حاااااااااااااااااااااا .. أراحني الله منك .. حاااااااااااااااااا يا حمار .. تَحرَّكْ يا سايب .. يا قابر أهلك .. تَحرَّكْ .. بالله عليك أن تمشي .. ليس هذا وقت الشمشمة.. اليوم سآتيك بحمارة تشفي غليلك .. وتبرد نارك .. امشِ .. ليتك تنقبر .. حَرَّنْ القابر أهله .. لا يرد ولا يصد ..كلما رأى بعرة يشمها .. هو حمار ولا يفهم .
                رفع الحمار رأسه أعلى كمن ينظر إلى السماء ، وشفته العليا ملاصقة أنفه ، ثم أطلق نهيقا أجفلت منه جميع المخلوقات في المكان ، فكان كما ورد بشأنه حقيقة ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) ، وانحنى مرة أخرى ليتابع الشمشمة ، فثارت ثائرة جميلة وراحت تركله بقوة وتضرب رقبته باحدى يديها ، ولم يأبه الحمار وظل حتى أنهى الشم ، فسار ، وجميلة على ظهره ، تكاد تنفجر من الغضب ، واحمرت وجنتاها وبرقت عيناها، وفكرت في لحظة أن تستل الخنجر من الخرج وتطعن الحمار وتقتله ، لكنها تمالكت نفسها ، وبدأ الهدوء يعود إليها بعد أن تابع الحمار سيره ، وسرحت بخيالها ، فما جرى لها ما زال في مخيلتها يعصف ولم يهدأ ، والانتقام يصرخ فيها لتعجل بالثأر ، وراحت تحوار نفسها :
                ـ آآآآآآآآآآآآآآآآخ .. آآآآآآآآآآآآآآآآآخ .. آآآآآآآآآآآآآخ ..
                يا ويلك يا سواد ليلك .. اليوم يومك .. والله لأحنينَّ كفيَّ من دمك يا ابن الحرام .. استوطيت حيطي يا نذل يا جبان .. رأيتني وحيدة .. فاستقويت نفسك عليِّ .. وغَدرا أيضا !!.. اليوم سيكون موتك على يدي .. اليوم سأشفي غليلي منك .. وأبرد نار قلبي .- تخاطب نفسها - اعقلي يا جميلة .. اصبري لا يسمعنَّك أحد .. اسكتي يا بنت الحلال أسلم لك .. حتى لا تفشل خطتك ويضيع عليك الذي سريت من الصبح لأجله .

                يقطع حوارها مع نفسها نهيق الحمار مرة أخرى ، وتنظر إليه فيغلبها الضحك ، فحيث يقف الحمار ، وقعت عركة ، حين نزا أحد الحمير على حمارة ، وقضى حاجته منها ، وتصايحت النساء ، مَنْ سقطن عن الحمير أرضا ومَنْ هب لنجدتهن ، واسترجعت المنظر عبر ذاكرتها وضحكت طويلا ، فقد كان المنظر ساعتها مثيرا للضحك ، وغلبها ضحك شديد نسيت معه ما تريد فعله ، وما لبثت أن انتبهت لحالها ، وضربت الحمار بكفها ، فتابع السير ، وبدأ يلوح للعين كرم الزيتون ، فالمسافة بينه وبين القرية تقدر بنصف ساعة سيرا على الاقدام ، وكما يقال ( مرمى العصا ) الشمس بدأت تظهر من جهة المشرق ، من خلال الغيوم المنتشرة ، تظهر ثم تختفي ، وفي هذا الفصل - ابتداء الشتاء تقريبا - يتأخر شروقها عن باقي فصول السنة ، والفلاحون يدركون هذا بفطرتهم ، رغم وجود الساعة ، فهم اعتمادهم بالأساس على الشمس ، لدرجة أنهم يعرفون متى يكون الظهر والعصر وسواهما من الأوقات ، ومؤذن القرية يعتمد أيضا على الشمس في مواعيد أذانه نهارا ، وعلى النجوم ليلا .
                وصلت جميلة إلى كرم الزيتون ، نزلت عن الحمار ، وربطته إلى شجيرة صغيرة نبت حولها بعض العشب غب المطر الأول ، وأنزلت الخرج عن ظهره ؛ وأخذته معها وتركته يرعى وحده ؛ أخرجت منه الأكياس التي وضعتها فيه لتغطي الخنجر والبلطة ، وأخرجت قربة الماء والزوادة ووضعتهما جانبا في ظل شجرة ،وتوجهت صاعدة الى الحرش حاملة الخرج على كتفها ، وما زالت تصعد حتى وصلت المغارة التي اتفقت مع سامي على اللقاء عندها ، وضعت الكيس عن كتفها وراحت تتفحص المكان ، وأين يمكنها الاختباء للانقضاض على سامي عند وصوله ، فهي تريد ركنا قريبا من المغارة وساترا ، لا يكشف وجودها لسامي ساعة وصوله ، وما زالت تجيل النظر حتى وقعت عيناها على شجرة سريس ولها عب يتسع لها ، وتقع مباشرة فوق المغارة ، والمغارة لا ترتفع كثيرا عن الارض ، فسقفها أعلى من سطح الارض بمقدار نصف متر ، ومدخلها يبدو وكأن هناك من حفر أمامه في الارض ليسهل الدخول حبوا ، لكن المغارة من الداخل واسعة ، بحيث يستطيع من يدخلها الوقوف فيها ، وكثيرا ما رويت عن هذه المغارة قصص ، جعلت الناس يحجمون عن الوصول إليها ، وكم من مرة سمع أهل القرية والقرى المجاورة صوت الرصاص الكثيف يطرق أسماعهم ، فيتجهون بأنظارهم صوب الحرش ، حيث مصدر الصوت ، ثم يعودون إلى أعمالهم وأشغالهم ، وبعد يوم يبدأ تناقل خبر مفاده أن الرصاص انطلق من مغارة الحرش ، ولا يعيرون ذلك اهتماما كثيرا ، لكون الرصاص صار أمرا عاديا ، فلا يكاد يمضي يوم أو يومان حتى يلعلع الرصاص من جديد ، وكم من شاب من شباب القرية مات قتلا ، ولدى التشييع تهامس البعض بجملة صارت دلالة على هذا النوع من القتل - طخوه عند المغارة في الليل ، طخوه بباب المغارة غدرا في ظهره - ويتردد في القرية ساعتها أن فلانا شهيد سقط في سبيل وطنه .
                الفرح يغمر وجه جميلة ، تلقي نظرة داخل المغارة ، ترى أرضية المغارة مليئة بالرصاص الفارغ ، وفي جانب من جوانبها موقد للنار والرماد ما زال فيه ، تدرك سر وجود الرصاص فتبتسم ابتسامة عريضة وتتذكر زوجها عدنان وتدرك بفطرتها أن المغارة مكان يأوي إليه وقت الحاجة ، وتهمس :
                ـ نصرك الله يا عدنان .. يا حبيبي .. قواكم الله يا أبطال .. هذا كله من فعلكم !! يا ليتني مت هنا وأنا معكم .. يا ليت لو تقبلونني بينكم .. يحميكم الله يا أهلي وربعي .. يا رب احمهم وانصرهم .
                تستدير وتتناول الخرج ، وتخرج منه البلطة والخنجر ، وترميه داخل المغارة ، ثم تستدير وتصعد فوق المغارة وتندس داخل شجرة السرير ، ومعها البلطة والخنجر ، ثم تحاول ضم الاغصان المتهدلة لتغطي مدخل السريسة ، حتى لا يراها سامي عند وصوله ، أفلتت الاغصان فعادت إلى وضعها الطبيعي ، وعاد المدخل مكشوفا ، وظهرت جميلة حيث تجلس ، فأعادت ضم الأغصان وبقيت ممسكة بها حتى لا تنكشف مرة أخرى ، وظلت تنتظر قدوم سامي ، ومضى الوقت بطيئا عليها ، حتى كادت لعجلتها أن تفقد صبرها ، وتغير رأيها ، وما هي إلا لحظات حتى سمعت وقع أقدام بالقرب ؛ فتحت باصبعها فتحة بين الاغصان ونظرت من خلالها فرأت سامي ، وقد وصل ، وراح يتلفت هنا وهناك وينظر صوب الكرم عله يراها ، وراحت تراقبه وتراقب حركاته ؛ ووقعت عينا سامي على حمار جميلة في الأسفل ، فضرب كفيه ببعضهما وأطلق ضحكة رنت في سمع جميلة ، وتابع النظر ثم ما لبث أن جلس على الارض متجها ببصره صوب الكرم ، ظنا منه أن جميلة ما زالت هناك بين الشجر في الأسفل ، ولا يعلم أن جميلة تجلس فوقه مباشرة ؛ بدأت جميلة تعيد الاغصان الى وضعها الطبيعي دون ان تفلتها من يديها ، حتى لا تثير انتباه سامي ، وما إن بلغت الأغصان منتهاها ، حتى بدأت جميلة تتسلل إلى أن خرجت من عب السريسة ، وبيديها الخنجر والبلطة جاهزة للقتل ؛ المسافة بين سامي وجميلة لا تعدو مترا ، وبامكانها القفز فوقه واغماد الخنجر في ظهره ؛ لم تفكر جميلة طويلا ، قفزت فوق سامي وأغمدت الخنجر في ظهره ، سلته وأغمدته أخرى ، وأخرى ؛ ترنح سامي وانقلب على ظهره ؛ رمت جميلة الخنجر ، وراحت تضربه بالبلطة بكلتا يديها ، ضربة إثر ضربة ، لا تنظر مكان وقوع البلطة على جسمه ، رغم انها لم تصب رأسه باية ضربة ، فجميع ضرباتها أصابت صدره ، وظلت تضرب وتضرب - وسامي ينْزف بقوة ، إلى أن أغشي عليه - حتى خارت قواها وبدأت تشعر بالتعب ، لكنه تعب ممزوج بالفرح ؛ جثت على ركبتيها والبلطة في قبضتها واتكأت عليها كالعكاز ، ثم راحت تحدق في سامي الملقى أمامها ، وبقيت ساكته مدة حتى استردت أنفاسها ، وظنت أنها قتلته ، أطلقت زغرودة قوية :
                ـ لولولولولولولولولولولولولييييييييييييش .
                ـ نلت ثاري منك يا ابن الكلب .. يا فرحتي اليوم .. من مثلي .. غسلت عاري .. حلفت أن أحني يديَّ من دمك يا نجس .. وأتى الوقت الذي أفي بالحلف .. اِغْمِسْ - وتغمس كفيها بدم سامي - اِغْمِسْ .. تَحَنِّي يا جميلة .. أخذتِ بثارك .. غسلتِ عارك .. افرحي وارقصي يا جميلة .. افرحي يا بنت أبيك .. افرحي يا جميلة افرحي .
                تجلس مدة يسيرة ، ثم تنهض وتدخل المغارة وتحضر الخرج ، وتضع البلطة والخنجر داخله ، وتحمله على كتفها وتمضي نازلة إلى كرم الزيتون ، والفرح يغمر وجهها ، فقد زالت عنها آثار العياء ولم يعد للشرود مكان في رأسها .
                تتجه حيث الحمار ، وتتناول قربة الماء وتغسل الدماء عن كفيها ، وتغسل وجهها فيتهلل بشرا وفرحا ، ثم تغسل البلطة والخنجر ، وتضعهما في الخرج وتغطيهما بالأكياس مرة أخرى ، واتجهت صوب عدة العمل وهي عبارة عن قضبان وعصي لكت حب الزيتون ؛ وتناولت عصا طويلة ،وبدأت العمل ، ولا يوجد غيرها هناك في تلك اللحظة ، فالجوالة لم يحن موعد وصولهم ، لكنها تسمع من بعيد نهيق الحمير ، والكلام وإن كان لا يصل مفهوما ، الا انه علامة على أنهم أصبحوا قريبين من الكرم ، وتجلس تلقط الحب وتغني بصوت لا يكاد يسمعه غيرها :




                غَنَّتْ جَميلِهْ عَتابا وْأُوفِ
                وينَكْ يا حُبِّي تيِجِي وِتْشوفِ
                ***********


                أَنا لَغَنِّي وَاظَلَّ اغَنِّي
                كَفِّي يا كَفِّي مِنْ دَمُّهْ تْحَنِّي



                وْحَنَّتْ مِنْ دَمُّهْ الْيومِ لِكْفوفِ
                جَميلِهْ الصُّبِحْ تِنْشِدْ دَلْعونا
                ************


                وَسَمِّعْ صوتِي الاِنِسْ وِالْجِنِّ
                وْحَنِّي بَلَدْنا مَعْ كُلِّ الْكونا





                في هذه اللحظات ، يصل الجوالة إلى الكرم ، لكنهم لا يتفرقون ككل يوم ، بل يتجمهرون حول جميلة ، والدهشة تعلو وجوههم لما يرون ، فهي التي حتى الأمس لم تكن تقدر على العمل ، وجدوها قد سبقتهم ، وبدأت العمل بهمة ونشاط غير عاديين ، وغير مألوفين منها ؛ توجه إليها أحد الرجال الكبار بالكلام :
                ـ ما شا ء الله يا جميلة .. غير معقول يا ناس .. ما يجري اليوم لا يصدق .. الحمد لله على سلامتك يا جميلة .. يجب أن نوزع حلوى .. ونحتفل بك وبشفائك .. يجب أن نحتفل بهذه المناسبة السعيدة .
                ـ سلمك الله يا عمي .. وحفظ لك أولادك .. آمين .. لكن لماذا توزع حلوى ؟؟.. انا ما كنت مريضة .. والأمر لا يستحق توزيع الحلوى .. كنت متضايقة قليلا .. وانتم تعرفون أني حبلى .. وبعض رضوض من الوقعة .
                ـ يا بنتي غير معقول .. بالأمس ما كنتِ قادرة أن تتحركي .. والتعب ظاهر عليك .. ووجهك كيف أمسى وكيف أصبح .. سبحان الخلاق على هذا الحسن يا بنتي .. سبحان الذي خلقك ما أجملك يا جميلة .. آخ لو صبية بسنك أتزوجها على امرأتي .. تسعدني في آخر هذا العمر .
                تتدخل امرأة بالحديث :
                ـ احم احم .. ما هذا الغزل على الصبح .. يا ختيار أنت في آخر عمرك .. أما شبعت حتى اليوم ؟؟ عينك تبصبص على غير امرأتك لماذا ؟.. هههههه .
                ويضحك الجميع من كلام المرأة ، بينما يتابع الرجل كلامه :
                ـ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم .. ماذا يعني .. صارت الكلمة الحلوة غزلا !! ألا ترون حالتها كيف أصبحت اليوم .. انظروا إليها وقولوا لي رأيكم .. صار الواحد منا إن تكلم يا ويله .. وان سكت يا ويله .. طيب غزل .. ليكن .. جميلة راضية .. انتم ما شأنكم .. انت راضية أم لا يا جميلة ؟؟ .. استريني ستر الله عرضك يا بنتي .. قولي راضية .. انا مثل ابيك .. ونيتي صافية .
                تضحك جميلة ضحكة ممتدة عريضة :
                ـ راضية يا عمي .. دعك منها .. لتقل ما بدا لها .. ولتنفجر قهرا .. يمكن والله أعلم .. أو .. لا داعي لأتكلم حتى لا ينقلب المزاح جدا .. وتنشب معركة في هذا الوقت .. قل يا عمي قل .. أسعد الله صباحك بالخير والبركة .. انظر ما زلتُ صبية .. وجمالي يحل من المشنقة .. قل يا عمي ولا تحسب حسابا لأحد .. فالغزل يحرك عروق القلب .. قل .. قل ولا تهتم بشأنها .
                ـ سأقول يا عمي يا جميلة .. انت مثل ابنتي .. سأقول وأقول .. والتي تغار تفقع وتموت .. .. لكن هناك أناس قتلهم الكيد.. لا يحبون الكلمة الحلوة إلا لأنفسهم .. ويردون كل شيء لهم .
                ـ أنا أريد ؟؟ !! وغيرانة يا شايب ؟؟ .. وممن ؟؟ .. منك أنتِ ؟؟ آآآآآآآآخ يا قلبي .. الحقيني يا أمي .. صارت عيون العجزة تلعب .. لكن أنا زوجي يساوي طابور شباب .. ليس فقط عجزة .. لا .. لا .. العجزة ليسوا في الحساب .. هؤلاء لا يهشون ولا ينشون .. خشب مسندة .. امسكوها أو تقع .. وطب لا من يدها ولا من حديدها .. الواحد منهم مجرد أن يقع .. انتهى بح .. الله يرحمه .. حتى لو ظل حيا .. لانها عيشة الموت أفضل منها .. ثم يا ختيار .. لماذا ؟؟ هل جميلة أحلى مني ؟؟.. انظروا إلي هااااا .. انظري .. والله أحل من المشنقة .. اسم الله عليَّ .. لا ينقصني شيء .. طول وكسم .. وعيون غزلان .. ومن يتصبح بوجهي فقد انفتح له باب السماء .. وهو المحظوظ .
                يستمر الحوار الضاحك قليلا ، ويقطعه صوت أحد الكهول :
                الله ما أجمل هالصباح .. يومنا مبارك ان شاء الله .. والله الضحك يشرح الصدر يا جماعة الخير .. اللهم اعطنا خير هذا الضحك واكفنا شره .. اقعدوا قليلا .. وليعد لنا أحدكم فنجان قهوة نروق أعصابنا .. قبل أن نبدأ الشغل .. اقعدوا حول جميلة .. اقعدوا حلقة ووسعوها .. ودعونا مبسوطين .
                يجلس الجميع حول جميلة في حلقة كبيرة وتنتقل جميلة لتجلس بجانب امرأة أخرى ، ويمضي أحد الجوالة ويوقد النار ويجهز القهوة ، وتقوم امرأة شابة بتحضير الفناجين وتضعها على صينية وسط الحلقة ، وما ان ينتهي الرجل من اعداد القهوة ، حتى يحضرها ويضعها على الصينية ، وبعد دقائق يصب القهوة في الفناجين ، ويبدأون شرب القهوة ، ويتعالى حديثهم وكلامهم وضحكهم ، هذا يقول نكتة ، وهذا يغني مقطعا من الميجنا أو الجفرا أو العتابا ، وهذه تزغرد ، أو تغني غناء فخريا برجلها أو بشيخ البلد ، ويمضون ساعة في مكانهم ، ثم ينهضون إلى العمل ، ولا يتوقف الغناء طول النهار ، يخالطه أحيانا حديث عابر أو قصة مشوقة من كبار السن ، وأحيانا يقطعه السكوت لفترة ، وانتهى يوم العمل ، وجمعت الغلة وانطلق الجوالة عائدين إلى القرية .
                ************
                وصلت جميلة إلى بيتها ؛ نزلت عن الحمار وربطته في مكانه المعتاد ، وأنزلت الغلة عن ظهره ، ثم أخرجت الخنجر والبلطة من الخرج ودخلت البيت ؛ وضعت البلطة والخنجر في مكانهما حيث كانا بالأمس ، واتجهت صوب الحمام ، وفي الحمام قامت باشعال البابور ووضعت عليه طنجرة مملوءة من ماء البئر ، وبعد غليان الماء قامت بتبريده ، واغتسلت بشهية للماء وأعدت نفسها كعروس ليلة دخلتها ، وخرجت من الحمام ودخلت البيت ، وأعدت عشاءها وجلست تأكل ، بعد ذلك ذهبت إلى بيت أهلها وأحضرت ابنها ، وكان قد نام مبكرا ، ففرشت له موضعه ووضعته ثم غطته ليتابع نومه ، وجلست والبسمة تعلو وجهها ، والسراج يكشف وجهها تارة ويخفيه ، وكلما كشفه بدت عليه أمارات الارتياح والفرح ، وبعد وقت قصير تسمع طرقا على الباب ، ومن هيئة الطَّرق تعرف أنه عدنان زوجها ؛ فاليوم هو يوم الجمعة ، وهو يوم عودته حيث لم يرجع منتصف الأسبوع ؛ تنهض مسرعة وتفتح الباب ، وما ان يقع بصرها عليه حتى تقفز وتضمه ، وتبدأ بتقبيله ، كأنها لم تره منذ سنوات ، وزوجها يحضنها ويبادلها القبلات ، لكنه مصاب بالدهشة من هذه المفاجأة غير المعتادة من زوجته ، فلم يسبق لها أن فعلتها من قبل ، فماذا أصابها اليوم ، فيبعد شفتيها عن شفتيه ، رغم تلهفه وشوقه واغرائها الذي يشده رغما عنه ، وما يلبث أن يعاود تقبيلها ، ثم يسألها :
                ـ يا جميلة .. ماذا جرى لك اليوم ؟؟ .. منذ تزوجنا لم تفعليها .. ماذا جرى لك اليوم ؟؟ .. وماذا جد عليك ؟؟ .
                ـ يا حبيب قلبي .. يا روح جميلة .. لا شي .. دعني بحضنك يا عمري .. ضمني لصدرك بالله عليك .. أحس بشوق غريب .. ملهوفة عليك يا قلبي .. لا تبعدني عن صدرك يا حنون .. أحبك يا ابن عمي أحبك .. يشهد علي الله والخلق .. أحبك .
                ـ غريب حالك اليوم يا جميلة !! مؤكد أن هناك أمرا تخفينه عني ... احكي لي يا امرأة .. صدمتِني !! فرغم أنك حلالي لا أنال منك حاجتى الا بصعوبة .. الوضع اليوم انقلب .. أنت هجمتِ عليَّ تقبيلا وضمًّا !! غريبة يا ناس غريبة !! .. وما لك بالعادة تفعلينها .
                ـ آآآآآآآآآآآآه يا عمر جميلة .. آآآآآآآآآآآه يا روح جميلة .. دع رأسي مرتاحا على صدرك .. دعني أحس بأنفاسك .. دعني أمرمغ خدودي على شعر صدرك .. آآآآآآآآآآآه كم أنا مشتاقة لك .. آآآآآآآآآآآآآآه كم أحبك .. تعال حبيب قلبي تعال .. الولد نائم منذ نصف ساعة.. تعال ضمني إلى قلبك الدافئ .. تعال يا عمري .. أفدي روحك يا حبيبي .. تعال اطفئْ حر قلبي وبرِّد لي شوقي .. يا روح جميلة .. فديتك وفديت روحك .
                تتابع تقبيله وهي في حضنه ، وتطوق عنقه بذراعيها ، ويدخلان وهما على تلك الحالة ، وتسرع بخلع ملابسها ، ولا تنتظره حتى يخلع ، بل تساعده على خلع ملابسه ، وما ان يتما خلع الملابس حتى تبدأ ليلة من ليالي العمر ، لم يحظ عدنان بمثلها حتى في ليلة دخلته ، ولا يُسمع صوت فيها سوى صوت الغنج والآه ، والشهيق والزفير ، يخالط ذلك صوت أشبه بصوت كسر اللوز .
                انتهى الغرام والحب ، والتقطا أنفاسهما ؛ لبسا ثيابهما ، ثم نهض عدنان وتوجه إلى الحمام بعد أن طلب منها أن تسخن له ماء ليستحم ، ولأن البابور والطنجرة في الحمام ، فقد قامت معه إلى الحمام ، وأشعلت البابور ووضعت الطنجرة وملأتها ماء ، وخلال عملية تسخين الماء ، لم تدع زوجها ، بل عاودت الكرة ، ولأنها جميلة وذات اغراء لا بأس به ، لم يصبر زوجها وواقعها في الحمام مرتين ؛ اغتسلا معا ، تارة يصب عليها الماء ، وتارة تصب هي عليه ، وبعد أن أنهيا حمامهما ولبسا الثياب ، طلبت منه أن يحملها في حضنه حى داخل البيت فانصاع أمام غنجها ودلالها الذي أذهله تلك الليلة ، وما إن دخلا البيت وأنزلها حتى انفجرت جميلة بالضحك ، فقد لبس عدنان قميصه بالمقلوب ، ولم ير شيئا في الحمام لعدم وجود الضوء ، فلبس كما اتفق ، وحدق فيها قليلا ، ثم انفجر هو الآخر بالضحك ، فتوقفت عن الضحك مستغربة ضحكه ، فقد لبست هي الأخرى فستانها بالمقلوب ؛ سألته عن سبب الضحك فأخبرها ، وأخبرته بدورها عن سبب ضحكها ، وغابا في ضحك طويل ، تارة يشير إليها ، وتارة تشير إليه ، وبقيا مدة يضحكان ؛ بعدها اندسَّ عدنان في الفراش ، بينما بقيت جميلة ساهرة ؛ وفجأة تذكرت أنها لم تقم بتزبيل الطابون ، وفي الفجر عليها أن تخبز ؛ انسلت بهدوء وخرجت من البيت صوب الطابون ؛ ألقت عليه كيسا من الجلَّة وفردته حوله حتى غطته ، والنار فيه لا تنطفي ، لذا لا حاجة لاشعاله من جديد ؛ نفخت على بعض الجمر حتى رأت النار بدأت تسري في كومة الجلة ، فغادرت عائدة إلى البيت والبسمة لا تفارقها ، غسلت يديها ونشفتهما ، وجلست في الفراش بجانب عدنان وفردت شعرها على الجانبين ، ثم غابت في حوار مع نفسها :
                ـ لقد ارتحت الان .. المجرم قتلته .. وأثر الجريمة لن يسأل عنه أحد بعد اليوم .. واذا حملت فالحمل من زوجي وحبيبي وليس من ذاك الفطيس .. لقد سترني الله ولم يفضحني .. الحمد لله .. الحمد لله .. لن أشعر بالعار بعد اليوم .. وحتى لو كان من ذلك الكلب .. فقد فطس وارتحت منه .. والان جاء دور الذهب الذي أعطاني إياه .. منذ الغد ستتغير حياتنا .. منذ الغد .. لعن الله الفقر فهو كالكفر .. منذ الغد سأبدأ بالترتيب لكيفية اخراج الذهب .. والانتفاع به .. دون أن يشعر زوجي بذلك .. لكن كيف ؟؟ .. لا بد أن يشعر ويحس .. واذا عرف قصة الذهب فالويل لي بعدها .. لا .. لا .. لن أجعله يشعر .. سأفكر بطريقة جهنمية تعود بالفائدة علينا .. دون أن يعلم أو يدري .. سأقوم بتخبئة الذهب في الحاكورة بجانب البيت القديم الخرب .. فهو يعود إلى تاريخ الأتراك .. سأخبئ الذهب فيه .. سأجد مكانا هناك وأدس الذهب .. وبعد مدة سأتحايل لأخذ عدنان إليه بحثا عن شيء ضائع لنا .. وبطريق الحيلة سأجعله يجد الذهب .. وهكذا يظن أنه وجد كنْزا في البيت القديم .. وربما يقول إنه يعود إلى أحد أجدادنا منذ ذاك الزمان .. نعم .. نعم .. إنها حيلة جميلة يا جميلة .. لن أنتظر حتى الغد .. الآن سأقوم وأخبئ الذهب هناك .. ولن يراني أحد في هذا الليل .. نعم .. الآن .. هيا يا جميلة تحركي .. انهضي .. لا تتكاسلي .. الرزق سقط عليك .
                تنهض من الفراش وتمضي حيث خبأت صرتي الذهب ، تأخذهما وتخرج من البيت تتلمس الدرب صوب البيت الخرب في الحاكورة ، وتدخله ، فهو عبارة عن بقايا عقد قديم ، وساعدها أن القمر تلك الليلة في تمام اكتماله ، رغم أنه يختفي تارة ويظهر تارة بسبب الغيوم ، وظهر القمر ، فأضاء المكان قليلا ، وركضت جميلة إلى كومة أحجار مربعة نارية ، خفيفة الوزن ، رفعت بعضها ودست الصرتين تحت حجر كبير ، ثم أعادت الأحجار بصورة عشوائية ، ومضت عائدة إلى البيت واندست في الفراش ، وبدأ النعاس يداعب جفونها ؛ تنظر إلى زوجها وتنحني عليه وتقبله من شفتيه بهدوء دون أن يشعر وتهمس :
                - سوف نسعد بعيشنا يا عمري .. وداعا للفقر وأيامه .. وداعا لحياة الشقاء يا حبيبي .. سنأكل أحسن أكل .. ونلبس أحسن ملبس .
                غلبها النعاس ، وانقلبت على جنبها بجانب زوجها ، دون أن تتغطى باللحاف ، واستيقظ زوجها ليلا فوجدها خلفة بدون غطاء ، فغطاها ، ولم ينس أن يطبع قبلة على شفتيها وخدها ، قبل أن يعود إلى النوم .
                ****************
                " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                تعليق

                • هادي زاهر
                  أديب وكاتب
                  • 30-08-2008
                  • 824

                  #9



                  ****************
                  بقي سامي بباب المغارة ، وحين بدأ يصحو من ألمه ويعود وعيه إليه ، وأدرك ما جرى له ، أخرج من جيبه الجهاز الذي يصدر اشارات ، وضغط عليه ، ولم يمض وقت حتى كانت سيارات الشرطة والاسعاف في المكان ؛ حمله رجال الاسعاف ومضوا به ، وهو بين الحياة والموت ، لذا لم يتم سؤاله عما جرى له .
                  انشق فجر جديد ، والقرية تصحو الان من نومها ، وجميلة صحت مع أذان الفجر ؛ لقد قضت ليلة منذ زمن بعيد تحلم بمثلها ، ومنذ زمن أيضا لم تذق طعم الراحة كما ذاقته الليلة ؛ يبدو عليها النشاط ؛ نهضت لتخبز قبل أن ينهض زوجها وابنها من نومهما ؛ أسرعت باحضار الطشت والطحين والماء ؛ صبت الماء على الطحين وسمت الله وبدأت تعجن ؛ ولما انهت العجن غسلت يديها ، ونشفتهما بطرف الثوب ، ثم خرجت صوب الطابون فوجدته في أعلى درجات الحرارة ؛ عادت إلى البيت ، وحملت طشت العجين مع طبق من القش كبير ، واتجهت مرة أخرى إلى الطابون ؛ وضعت الطشت ، وسارت صوب البيت القديم لتتفقد المكان جيدا ، وتتأكد أن الذهب مخبأ بصورة جيدة ، نظرت إلى المكان ووضعت حجرا مدهونا بالكلس على الكومة ، لتعرف مكان الذهب بالتحديد حين تحتاج اخراجه ، ثم نفضت يديها وقفلت عائدة إلى الطابون ، وبدأت تأخذ من الطشت مقدار قبضة اليد أو أكبر قليلا ، ثم تبدأ بتكوير القطعة حتى تصبح رغيفا دائريا ، وما تلبث أن تزيح غطاء الطابون وتلقي الرغيف داخله على الرضف ، وتبدأ باعداد آخر ، وما ان تجهزه حتى يكون الأول قد نضج داخل الطابون ، فتخرج رغيفا وتدخل رغيفا ، والفجر صار نوره قويا ، وما كان خافيا بسبب الظلمة ، أو كان أشبه بالخيال في بدء انشقاق الفجر ، أصبح ظاهرا للعيان ، فقد ارتفع الصباح قليلا ، لكن جميلة لا تدري بما يجري في هذه الساعات في القرية ، بل داخل بيتها ، حيث قوة من الشرطة العسكرية حضرت وطوقت أحياء القرية ، وبدأت تقتاد الرجال والنساء قسرا ، تضربهم بأعقاب البنادق ، وبالأحذية ، إلى السيارات العسكرية ، يرافق ذلك صراخ النساء وفزع الأولاد والبنات في البيوت التي دخلها رجال الشرطة .
                  جميلة تخبز في الطابون ، وتسمع صراخ الشرطة وبكاء ابنها الصغير ، الذي استيقظ من نومه على صراخهم داخل البيت ، وفزع من منظرهم ، فغاب في البكاء ولم يهدأ ؛ وقبل أن تخرج من الطابون إلى البيت لتفقدِّه ولمعرفة سبب بكاء ابنها ، والصراخ الذي ملأ البيت في هذه الساعة من الفجر ، وتنصت جيدا :
                  ـ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم .. يا ساتر .. ما الذي يجري هذا الصباح ؟؟ .. ما زالت القرية نائمة .. ما هذاالصراخ ؟؟ .. يا لطيف الطف بنا يا الله .. الولد .. بنيَّ حبيبي أتيتك .. يا روح أمك .. يا عدنان .. يا عدنان ما الذي جرى .. أينك ؟؟ .. لطفك يا رب .. الصراخ في البلد كلها .. اللهم اكفنا الشر كله .. مَنْ مات هذا الصباح .. لكن لا .. البكاء على الميت ليس هكذا .. الصوت يأتي من كل الجهات .. يعني وقع شر للبلد .. استر يا رب .. استر يا الله .. يظهر أن هناك كبسية على البلد .. لكن لم نسمع أي صوت الليلة .. لا انفجار ولا طخ .. الملاعين لا ينامون ولا يتركون أحدا ينام .. منذ احتلونا ما رأينا يوما هنيًّا .. سأنهي الخبز وأذهب لأرى ما الذي جرى .
                  في هذه الاثناء داهمها رجلان من أفراد الشرطة في الطابون ، ولم يمهلاها حتى تفرغ من الخبز ، بل قاما بجرها من شعرها على الأرض خارج الطابون ، وهي تصرخ من شدة الألم ، لكن لا حياة لمن تنادي ، وابنها ينظر إليها وهي على الأرض ، ويرى الشرطي وهو يركلها بحذائه ، فيزيد المنظر من خوفه ورعبه ، ثم وضع الرجلان القيد في يديها وانطلقا بها إلى السيارة العسكرية ، لينطلق الموكب بالغنيمة إلى مركز الشرطة في المدينة ؛ أما الطفل ، فإن خالته سعدى حضرت إليه بعد علمها بالأمر ، وحملت الطفل معها إلى بيتها ، لتتولى رعايته حتى تعود أمه .

                  *****************





                  " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                  تعليق

                  • هادي زاهر
                    أديب وكاتب
                    • 30-08-2008
                    • 824

                    #10
                    المكان مركز شرطة في بناية قديمة من الحجر ، يعود تاريخ بنائه إلى الايام الغابرة ، كان بيت احدى العائلات الثرية التي سكنته ، ثم استولت عليه الدولة عند قيامها ، بعد أن تركه أصحابه مع قيام الدولة وغادروا إلى دول الجوار ، وهو يتكون من غرف ورواق طويل يفصل بين الغرف على الجانبين ، وهناك مكتب خارجي ، وفي الداخل غرفة مكتب مرتبة جيدا ، وعلى الطاولة علم الدولة ، وضع بشكل يلفت النظر ، كأن من وضعه تعمد وضعه على هذه الهيئة ليقول للداخلين نحن هنا ، مع أن أغلب الداخلين ليسوا سوى المعتقلين الذين يتم القبض عليهم بالشبة أو التهمة ، وما أكثر التهم والشبهات ، وهناك غرف اعتقال وغرف لتعذيب المعتقلين ، وبين الفينة والفينة ينطلق صراخ من هذه الغرفة أو تلك ، وفي الرواق الطويل اصطف الشباب والرجال والنساء على طوله من الجانبين ، البعض مقيد اليدين والرجلين ، والبعض مقيد اليدين فقط ، وهناك من لا قيد في يديه ولا رجليه ، وهناك نساء مزقت ملابسهن في الأماكن الحساسة من أجسادهن ، وهناك رجال وشباب ما زال الدم ينْزف منهم من أماكن متعددة ، وهناك من لا يستطيع الوقوف لعدم تحمله التعذيب ، وما يميز الجميع أن آثار الضرب تبدو على الجميع بلا استثناء ، وكلهم يتألم ، فالجميع تبدو ملامحهم عربية ، فالعربي متهم في هذا العصر سواء كان مذنبا أو غير مذنب ، سواء كان وطنيا أو مجرد فلاح لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف من الوطن سوى أن يفلح أرضه ، ولا يعلم معنى أن تكون عربيا في ذلك الوقت وتحت الحكم الجديد إلا من عاش التجربة ، ودخل مركز شرطة للتحقيق بتهمة ما ، أو سجن بتهمة ما ، أو حتى من تم اعتراضه وهو يركب الحافلة في طريقه إلى العمل أو عائدا منه .
                    يبدأ التحقيق مع المعتقلين لمعرفة مرتكب الجريمة ، ويتم التحقيق مع جميلة وعدنان ، ويتعرضان للتعذيب والضرب ؛ يبدأ التحقيق مع عدنان ، ويبادره الضابط :
                    ـ وأخيرا وقعت في قبضتنا .
                    وفي غرفة المحقق يجلس المحقق وحوله بعض رجال المخابرات بملابس مدنية وتوضح بنية أجسامهم مدى قوتهم وتدريبهم ، وعدنان ما زال الدم ينْزف من وجهه وأثر اللكمات ظاهر عليه ، والقيد في يديه ورجليه ، وبالكاد يستطيع الوقوف على قدميه ، ولولا أن اثنين من الحضور أمسكاه لسقط ، فقد تلقى وجبة دسمة في المعتقل ، المحقق يتقن العربية بصورة جيدة جدا فلا يمكن تمييزه عن العرب ، ولعله ممن عاش في البلاد قبل قيام الدولة ، أو أنه ولد هنا في البلاد ، ولم يمهل عدنان وبدأ معه جولة تحقيق جديدة اضافة إلى الجولة التي مرت على جسده في الغرفة المجاورة ، باغته بلكمة على وجهه ، أتبعها بأخرى في بطنه ، يساعده الرجلان اللذان معه بالضرب على ظهر عدنان ووجهه ؛ مضت دقائق من اللكم والصفع والركل ، وسقط عدنان مغشيا عليه ؛ أمر الضابط أحد مساعديه باحضار ابريق من الماء وسكبه على وجه عدنان ليصحو ، ونفذ المساعد ما أمره الضابط به ، وأحضر ابريق ماء ، ثم نضح الماء على وجه عدنان ، فأفاق من غيبوبته ، وبالكاد يستطيع تمالك نفسه ، والوقوف ، فبادره الضابط صارخا :
                    ـ احكِ يا كلب .. احكِ يا وسخ .. من الذي حاول قتل الضابط سامي في الحرش ؟؟ .. اذا لم تتكلم .. والآن .. يا ويلك مني .
                    ـ لا أعرف .. والله لا أعرف .. انا طول النهار حتى المساء في شغلي .. لا أعرف شيئا .
                    ـ بل تعرف يا كلب يا ابن الكلب .. تكلم يا قذر .. أم أنك لم تشبع؟؟.. حاضر يا روح أمك حاضر .. ستحكي أم نكمل جولة ثانية ؟؟ نحن جاهزون ولا نتعب .. وأنتم جلودكم مثل جلود التماسيح .. لكن لا تخف حتى جلد التمساح نستطيع سلخه عنه .. تكلم يا كلب .
                    ـ لا أعرف شيئا .. صدقوني يا ناس ليس لدي علم ولا خبر .. حتى أمس رجعت من الشغل ليلا .. واذا كنتم غير مصدقين .. أنا أخبركم أين اشتغلت أمس بالذات ، وعند من وفي أية مستوطنة .
                    ـ قل يا كلب قل .. وسنفحص ونتأكد .. لكن اذا ظهر أنك كذاب .. ستموت هنا .. ولن يعرف مكانك حتى الذباب الأزرق .. سجل كلامه يا نقيب .. لا تترك ولا أية كلمة بدون تسجيل .. كل حرف ينطقه .. سجله أيها النقيب .. حتى لو لم يكن له علاقة بالتحقيق .
                    يضرب الطاولة بيده ، فينقلب العلم ويسقط على الارض ، يتناوله ويعيده إلى مكانه ، وينظر إلى عدنان منتظرا أن يتكلم ، لكن عدنان غائب في ألمه ، فلا يتكلم ، وهنا يصرخ :
                    ـ تكلم يا كلب .. تكلم يا نتن .. تكلم .
                    ـ يا خواجا أنا بالأمس بالذات اشتغلت في مستوطنة .. ما اسمها ؟؟ ..
                    يخاطب نفسه فقد نسي اسم المستوطنة من شدة التعذيب والضرب :
                    ـ مستوطنة .. ما اسمها يا عدنان ؟؟ .. ما اسمها ؟؟ .. الآن تنسى اسمها .. تذكر يا عدنان .. آآآآه تذكرت .
                    ـ مستوطنة روش بينا .. واشتغلت عند شخص اسمه يعقوب داوود .. وحتى تصدقوني فقد أنهينا صب سور باطون حول داره .. وتأخرنا في العمل حتى المغرب .. وكان أمس يوم عودتي إلى البيت .. لأني أعمل كل يوم في مكان .. ولا أرجع إلى البيت إلا مرة في الأسبوع أو مرتين حسب الشغل .. ونمت الليلة .. والصبح أخذتموني .. لا أعرف شيئا أكثر .
                    ـ خذوه .. أعيدوه إلى المعتقل .. وسنرى غدا اذا كان صادقا أو كاذبا .. الصباح رباح يا عدنان الكلب .. لحيتك هذي سأنتفها نتفا .
                    يخرج رجلا المخابرات مصطحبان عدنان إلى غرفة الاعتقال ، وينادي الضابط بصوت مرتفع :
                    ـ احضروا التالي بعده .. هاتوا الذي بعده .. هاتوه بسرعة .
                    يدخل آخران ومعهما جميلة ، وهي في حالة يرثى لها ، وتظهر علامات التعذيب على وجهها ، والقيد في يديها ورجليها ، وثوبها ممزق ، فقد حاولوا ارهابها بأنهم سيقومون باغتصابها أمام عيني زوجها عدنان ، يتلطف الضابط في البداية معها في الحديث ، ويقدم لها الماء ، وحين يتأكد أن لا نتيجة منها بالاعتراف يصرخ :
                    ـ يظهر أن الكلام الحلو لا ينفع معكِ .. ستعترفين من الذي حاول قتل الضابط سامي أم لا ؟؟ .. تكلمي يا بنت الكلب .
                    ـ يا خواجا لماذا تسبني ؟؟ .. ماذا فعلت لكم أنا ؟؟.. ستر الله عرضك .. لا أعرف شيئا .. ومَن سامي الذي تتكلم عنه .. حفظك الله يا خواجا .. لا أعرف شيئا .. طوال عمري ما سمعت مسبتي إلا هنا .. تفو على هذا العمر .. تفو عليِّ أنا .. لكن ماذا نقول .. حاكمك ظالمك .. تشكي همك لمن .
                    ـ كذابة يا بنت الكلب .. كلكم كذابون .
                    ويوجه لكمة الى وجهها فيطفر الدم من أنفها :
                    ـ لماذا تسبني هاااااااااااا ؟؟ .. كلاب .. كلكم كلاب .. انزعوا عنها ثيابها .. هنا سأفعل فيك يا بنت الكلب .. الآن سترين بعينك وتحسين برحمك .. سنعلمكم درسا أبديا يعلمكم كيف تحترموننا .. يا كلاب .. انزعوا ثيابها بسرعة .
                    يكاد ينفجر من الصراخ :
                    ـ انزعوها .. بسرعة .
                    يبدأ الرجلان بنَزع ثياب جميلة وهي تستغيث وتستنجد ، ولا حياة لمن تنادي ، وينْزعونها سوى الصدرية والسروال ، حيث يأمرهما الضابط بالتوقف ، واحضار عدنان ليراها بنفسه ، فيتركانها ، وتمضي إلى الزاوية تجر جسدها في القيد ، وتحاول ستره بيديها ، ويدخل الرجلان ومعهما عدنان ، الذي ما إن يرى جميلة على تلك الحالة ، حتى يزحف إليها محاولا سترها بما استطاع وكيفما كان ، ويصرخ الضابط على رجاله أن يبعدوه عنها وينادي آخرَيْن ليتمكن من الاثنين ، يدخل رجلان آخران ، ويأمرهما بايقاف جميلة على رجليها ، ويفتحان ذراعيها على الجانبين ، فتحاول اسدال شعرها الطويل على صدرها ، لكنهما لا يتيحان لها ذلك ، ويرفعان شعرها بشدة ، وتصرخ من الألم ، ويقهقه الضابط بصوت مرتفع ، ويحاول عدنان التخلص والانقضاض على الضابط ، فيعاجله أحد الرجال بلكمة تطيحه أرضا ، ويدوس بحذائه على رقبته ، ويحاول عدنان النهوض لكن قواه قد خارت ، ويضغط الشرطي على رقبته بقوة ، ثم يبادر الضابط بالسؤال :
                    ـ ها يا جماعة .. ستعترفون أم لا ؟؟ ما زال لدينا أساليب لم تسمعوا عنها .. أتحب يا عدنان رؤية اغتصاب جميلة أمام عينيك ؟؟ .. أتحب رؤيتها عارية من كل شيء أم ستعترف .. أفضل لك ..كل الذي رأيته مجرد لعب .. هناك أساليب كثيرة تجعلك تعترف بأشياء لم تفعلها في حياتك ولا سمعت عنها ..نحن دوخنا العالم ..فهل ستدوخنا حفنة كلاب مثلكم ؟؟ .. من الذي حاول قتل الضابط سامي يا كلالالالالالالالالالالالاب ؟؟ من يا حمير ؟؟ .. من يا عرب يا جرب ؟؟ .. من ؟؟ ..
                    ويستمر التحقيق مع عدنان وجميلة ، وعدنان في حالة أشبه بالهستيريا لما يرى من إهانته في زوجه ، وما يحس على جلده ، لكنه يتجلد ولا ينبس ببنت شفة ، وكذلك جميلة رغم ما تعرضت له لم تنبس بأية كلمة ، وبعد يأس الضابط منهما يعادان الى المعتقل ، ويتابع التحقيق مع الاخرين ، ويتعرض معظم من اقتيد للتحقيق في محاولة اغتيال سامي ، للتعذيب والاهانة في أقسى صورها ، لكن في النهاية ، لم تتمكن الشرطة من الحصول على اعتراف ، وفي اليوم التالي يتم استدعاء يعقوب داود الذي ذكره عدنان في التحقيق ، ويجلس في الغرفة منتظرا قدوم الضابط الذي تأخر في الدخول قليلا ، ثم يدخل الضابط ومباشرة يفتح الملف ويسأله الضابط :
                    ـ اسمك وعنوانك .
                    ـ اسمي يعقوب داوود .
                    ـ أين تسكن ؟؟ .. في أي بلد ؟؟ .
                    ـ أسكن في روش بينا .
                    ـ يعني أنت يهودي ؟؟
                    ـ نعم يهودي .. ثم ما سبب استدعائي إلى هنا ؟؟ .. أريد محاميا .. والآن أريد .. فلا أعلم أنني ارتكبت مخالفة توجب استدعائي إليكم .
                    ـ أولا نأسف اذا سببنا لك ازعاجا .. واستدعاؤك لأمر يخدم الدولة .. فليس عندنا ضدك أية تهمة .. فقط نرجو منك التعرف على شخص سندخله الان .. إلى هنا .. ونرجو أن تخبرنا بالحقيقة .
                    ـ إن كان هذا فقط فلا بأس .. ظننت أنني متهم بأمر ما .
                    يأمر الضابط أحد مساعديه باحضار عدنان ، فيخرج المساعد ويعود ومعه عدنان ، وما إن يرى عدنان يعقوب حتى يسرع إليه طالبا منه أن يخبرهم بأنه يعرفه وعمل عنده بالأمس ، ولكن الضابط يأمره بالصمت ، ويوجه كلامه إلى يعقوب ، الذي دهش لمنظر عدنان ، وأثر التعذيب الذي يبدو على وجهه ، وأحس بشفقة عليه :
                    ـ هذا العربي .. يا سيد يعقوب هل تعرفه ؟؟ ..
                    ـ طبعا أعرفه .. هذا عدنان .. بالأمس اشتغل عندي .
                    ـ بالأمس هل اشتغل عندك ؟؟ .
                    ـ نعم سيدي المحترم .. كان بالأمس عندي هو وباقي العمال .. وتأخروا في العمل حتى المساء .. بسبب السور الذي أتموه فقط بالأمس .. وعلامة ذلك أنه قبض أجره بعد انهاء العمل .. وأعطيت الجميع زيادة في الأجر لتأخرهم في العمل .. بسب مساء السبت .. فهو عيد .. كما لا يخفى عليك .
                    ـ أرجوك يا سيد يعقوب .. هل أنت متأكد مما قلت ؟؟ .. هل هو من كان عندك أم غيره ؟؟ .. أرجوك دقق النظر في وجهه .
                    ـ ماذا !! هل تشك في كلامي يا حضرة الضابط ؟؟ ..قلت لك انه هو .. إنه عدنان ..أعرفه وبيدي أعطيته أجرته أمس ..ما هذا الذي يجري ؟ .
                    ـ حسنا يا سيد يعقوب .. نحن آسفون على ازعاجك .. بامكانك الانصراف بعد التوقيع .. ونعتذر عما سببناه لك من متاعب .
                    ـ شكرا لكم .. لكن أيها المحقق .. لقد تركت اليوم عملي بسبب دعوتكم لي .. مما يعني أن لا أقبض أجرة هذا اليوم .. فمن سيعوضني عن أجرة يومي .. وأنا ما تعودت السكوت عن حقي .. أريد أجرة يومي .
                    ـ.. أية أجرة تريدها ؟؟ .. إن واجبك يحتم عليك مساعدة قوى الأمن في الحفاظ على الدولة .. فلا تضطرنا لسلوك مسلك غريب معك .. قم وامض بسلام وإلا .
                    يوقع يعقوب وينهض عن الكرسي خارجا ، وأثناء خروجه يميل على عدنان ويربت على كتفه ، ويحاول أن يكلمه ، فيمنعه الضابط ، ويغادر الغرفة ، ويسير في الممر يتفحص وجوه المعتقلين حتى يخرج من المركز .
                    تأكد الضابط واقتنع أن عدنان صادق فيما قاله ، وأنه بالفعل كما حكى لهم ، وبناء على شهادة يعقوب داود يتم اخلاء سبيل عدنان وجميلة ، وبعد أيام يخلى سبيل الجميع ، وتقيد القضية ضد مجهول في ملف التحقيق ، ويعود عدنان وجميلة منهكين كبقية المعتقلين ، وبقيا أياما في البيت حتى استردا عافيتهما ، وتابعا حياتهما كما كانت قبل الاعتقال ، وعادت القرية إلى طبيعتها الوادعة الهادئة .

                    *******************






                    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                    تعليق

                    • هادي زاهر
                      أديب وكاتب
                      • 30-08-2008
                      • 824

                      #11
                      مكث سامي في المستشفى شهرين في حالة غيبوبة ، ولم يتمكن أحد من سؤاله عما جرى له ، بعد شهرين بدأت تظهر عليه علامات الافاقة من الغيبوبة والعودة إلى وعيه ، وخلال شهر كان قد استعاد شيئا من عافيته ، وتم التحقيق معه واستجوابه عن الحادث ، لكنه آثر كتمان الأمر عن الجميع ، والاحتفاظ بسره لنفسه فقط ، ولم تفلح جميع محاولات رجال المخابرات وحيلهم في انتزاع الحقيقة من سامي ، وبقيت طي الكتمان لا يعلم بها الا الله وهو وجميلة ، وبعد مرور خمسة أشهر خرج من المستشفى وعاد الى بيته ، لكنه لم ينس جميلة وفعلتها ، وتفكر في حالها بعد هذه المدة ، فهي الان في شهرها الخامس من الحمل ، لكن سامي لا يعلم ان كانت حملت أم لا ، والأمر يحتاج إلى التأكد ، ولا ينفع التخمين هنا ، وقرر سامي بعد أسبوع أن يتوجه إلى قرية جميلة ، ليقف على الحال كما هو ، لكنه خشي أن يتعرض مرة أخرى لمحاولة اغتيال كالسابقة ، فقرر أن يذهب متخفيا في مظهر بياع الملابس والعنبر وأنواع الحلوى ، الذي يجوب القرى على حماره ، أو في زي شحاذ متسول ، المهم أن يصل إلى هدفه ، ورسا في النهاية على اختيار زي المتسول ، فهو أنسب زي ، ولن يشك أحد فيه ، فالفقر سمة عامة والتسول أمر طبيعي ومألوف .
                      خلال تلك الفترة لم تنس جميلة الذهب ، ونجحت في اقناع زوجها وجرِّه إلى البيت القديم ، بحجة احضار الحجارة التي هناك لبناء غرفة أخرى تكون مخزنا للزيت ولعدة الحرث والزرع ، وهناك يعثر عدنان على الصرتين ، ومنذ تلك اللحظة ينقلب حال البيت من الفقر الى الغنى ، مع التكتم على الامر وعدم اعلام أي شخص ، رغم تغير هيئة البيت وتغير نمط الحياة ، وتتمتع العائلة بحياة مختلفة لا فقر فيها .
                      الفصل ربيع ، والارض قد اكتست حلة خضراء ، والحياة تدب في كل ركن وزاوية ، وجميع ما فيها يتنفس ، فتلك الطيور تملأ الفضاء بأنغام تتفنن في عزفها كل يوم ، وتلك الهضاب والحقول كأنها في مسابقة للجمال ، والمواشي في القرية قد ولدت ، فتسمع من جانب ثغاء حمل صغير يشد النفس إليه ، وتسمع صوت عجل صغير أو سخل ينادي أمه ، فكأن الطبيعة في عرس في هذا الفصل ؛ الوقت الآن قبيل الغروب ، والشمس في الأفق بدأت تسقط خلف الجبال ، ومن بعيد تلوح القرية وقد بدأت الحركة فيها تخف شيئا فشيئا ، لكن ما زال النهار واضح المعالم ، ولم تدخل الظلمة بعد ، وألسنة الدخان تتصاعد من طوابين القرية ، ورائحة الجو تثير النشوة في النفس ؛ وقف سامي بملابس رثة ممزقة ، ولحية صناعية بيضاء ، وقد تعب كثيرا ليظهر بمظهر المتسولين كبار السن ، ومعه عكاز وقد حنى ظهره ليظنه من يراه عجوزا هرما ، وراح يراقب القرية ، ويدقق في البيوت ، ويعيد النظر مرة تلو الأخرى ، حتى عرف بيت جميلة في الزقاق المحاذي للطريق الغربي ، الذي يتجه خارج القرية إلى الكرم ، وقف مكانه مدة يسيرة ، ثم ما لبث أن انطلق يستجدي ويستعطف الناس ويخرج الصوت حزينا ليستثير الشفقة في نفوس الناس :
                      ـ لله يا محسنين لله .. احسنوا إلى الفقير تنالوا الأجر من رب العالمين .. قرش يطعم الأيتام .. رغيف خبز للجائع .. لا أذل الله لكم حالا .. ساعدونا يا أهل البلد .. لله يا محسنين لله .. حسنة تكسبوا ثوابها عند الباري .. صحن زيت ورغيف للفقير حتى يتعشى .. لله يا محسنين .
                      وكان طول الطريق ينظر خلسة في كل اتجاه حتى لا يكتشف أحد أمره ، وتابع نداءه واستعطافه ، حتى وصل أمام بيت جميلة ، فصار يرفع صوته :
                      ـ لله يا أجاويد .. قرشين يعشوا الاطفال الجياع .. رغيف وصحن زيت عشاء للفقير .. لله يا محسنين .. اكسبوا فينا أجرا لوجه الله .. لله يا محسنين لله ..
                      خرجت جميلة مسرعة بهيئة غير التي عرفها سامي ، ثياب جديدة ، ومنظر يوحي بالغنى ، وتحمل بضعة قروش تلعب بها بيدها ، وناولتها لسامي ، ووقع نظر سامي على بطن جميلة المنتفخة ، فتبسم خفية ، وحاول اطالة النظر إلى بطنها ، لكن صوت جميلة حال دون ذلك :
                      ـ تفضل يا عمي .. رزقك الله ولا أحوجك للناس ولا للتسول ..
                      ـ بارك الله فيك يا بنتي .. سترك الله ووفقك .. وحماك من شر أولاد الحرام .. آمين يا رب العالمين .. ولا رأيت ذلة ولا مهانة .
                      ـ آمين يا عمي .. يسمع الله منك .. أولاد الحرام كثروا هذه الأيام .
                      ـ لكن يا بنتي .. ولو أنه تطفل عليك .. طلب صغير لا تفشليني .. جبر الله خاطرك .. اجبري خاطري فأنا فقير .

                      ـ قل يا عمي .. واذا استطعت تلبية طلبك فلن أفشلك إن شاء الله .
                      ـ أريد يا بنتي رغيفا وصحن زيت أتعشى .. منذ الصباح على ريق بطني أدور على البيوت .. ما ذقت الاكل حتى الان .. فإذا تكرمت على شيبتي وكسبتِ فيها حسنة .. كثر الله خيرك يا بنتي .. لا أحوجكم الله ولا أذلكم .. لقد طفت على ثلاث قرى .. أنا من بلد بعيدة يا بنتي .. وتركت ورائي كوما من اللحم في البيت ليس عندهم رغيف .. لا أذاقكم الله شدة .
                      ـ تكرم عينك يا عمي .. انتظرني هنا حتى أحضر لك رغيفا وصحن زيت وزيتونا مخللا ..
                      ـ حفظك الله وستر عرضك .. ولا أهانك يا كريمة الاصل يا بنتي ..
                      وظل يدعو لجميلة ، بينما غابت هي داخل البيت ، فصار يحدث نفسه بأنه سيصبح والدا ، فهذا الذي في بطن جميلة لا بد أن يكون ابنه ، وبعد دقائق عادت تحمل صحن زيت ورغيف خبز وصحن زيتون مخلل ، وما ان رآها حتى تظاهر بأنه ما زال يدعو لها بالخير والبركة وجزيل الثواب من العلي الوهاب ؛ اعطته الاكل ، فتناوله وهم بالجلوس على حجر في المكان ، وصار يمهد ويزيل الغبار ، وجميلة تراقب حركاته ، ثم تابع كلامه :
                      ـ أتسمحين لي يا بنتي أن أجلس هنا حتى أنهي أكلي ؟؟ .. لكن إذا في الأمر احراج فلا داعي سأذهب إلى المسجد .. وبعد ما أنهي الأكل أعيد لك الصحن .
                      ـ لا يا عمي .. أليس عيبا ؟؟ .. أنت ضيف .. والضيف يجب أن نكرمه .. اجلس حيث تحب .. وكُلْ أكلك .. صحة وعافية .. وأنا سأذهب لأحضر لك ماء لتشرب .. اجلس يا عمي وكل .. لا تستح .. فأنت مثل أبي .. أطال الله عمره .. اجلس يا عمي .
                      جلس سامي يأكل ، وعيناه تتفحصان المكان ، وعلم أن زوجها غير موجود في البيت ، فلو كان موجودا لما خرجت إليه جميلة ، ولكان هو من خرج ، وبقي حتى عادت جميلة ، وتظاهر بأنه غص باللقمة ويحتاج شربة ماء ، وما ان عادت اليه بالماء حتى أشار إليها لتعطيه الماء ، فمدت يدها لتناوله الماء ، وانتهز سامي الفرصة وأمسك بيدها بشدة ، فتألمت وكادت تصرخ وقالت بصوت خائف :
                      ـ ما لك يا عمي .. ماذا أصابك .. لماذاا تمسك يدي .. اتركني .. اتركني ستر الله عرضك .. زوجي خارج البيت ويمكن يرجع في كل لحظة .. اترك يدي .. بالله عليك .. أنا امرأة وحيدة .. ليس لي أحد بعد الله إلا زوجي .. اتركني يا عمي اتركني .
                      وظل سامي ممسكا بيدها ، ثم جذبها إليه بقوة قائلا :
                      ـ جميلة .. اصحي يا جميلة .. هذا أنا سامي .. أم نسيتِني .. ما زلت حيا وأعيش يا جميلة .. ضرباتك لم تقتلني .
                      أصيبت جميلة بصدمة ، فلم تتوقع في أسوأ احلامها أن ترى ما تراه أمامها في هذه اللحظة ، وأرادت الكلام ، لكن الصدمة عقدت لسانها ومنعتها من النطق بأي حرف ، وتابع سامي كلامه :
                      ـ حاولتِ قتلي يا جميلة .. والله نجاني من الموت .. صرتين ذهبا أعطيتك .. وما كفاك !! .. وما برَّدَ الذهب ثارك !! .. ولا أطفأ نار قلبك !! .. آآآآخ يا جميلة .. ظننتِ أني مت وارتحت مني .. لكن أنا ما زلت أعيش انظري .. تفرجي .. دققي نظرك .. ما زلت حيا ولم أمت .. وقد سألتني جماعتي عمن حاول قتلي .. لكني أخفيت الحقيقة عنهم ولم أخبرهم أنك انتِ التي حاولت قتلي .. أتعرفين لماذا يا جميلة ؟؟ .. لأني أحببتك وهمت فيك .. لكن أنت جازيتِني بالغدر .. تمنيتِ موتي يا جميلة .. وربك أراد لي أن أعيش .. ظننتِ الحياة والموت بيدك ؟؟ .. لا .. لا .. لا .. هذا شيء ما لك يد فيه ولا لك قدرة عليه .. أنا حيٌّ يا جميلة .. واذا أردتِ أن تعيشي فيجب أن تنفذي كل طلباتي .. الآن أنا قادر على أن أضرك وأعجل بموتك انت وابنك وزوجك .. يعني ببساطة .. قادر أن أخرب بيتك .. أما اذا طاوعتِني .. فستسعدين معي .. ولن يصيبك أي ضرر .. لا أنت ولا ابنك .. وإذا ما عدتِ إلى اللعب على الحبال والرقص القديم .. فليس لك عندي إلا الموت جزاء .
                      وتحت هول الصدمة وهول ما تسمعه جميلة ، تهز رأسها بالموافقة على طلب سامي ، وتتابع محاولة الافلات من يده التي أمسكت يدها مثل الكماشة ، ويتابع سامي كلامه :
                      ـ سأترك يدك الآن .. لكن الويل إن صدر عنك أي صوت .. المسدس في جيبي .. وجماعتي خارج القرية .. إشارة واحدة مني ويطوقون البلد .. ولن يبقوا حجرا على حجر .. أتفهمين ؟؟ .. إياكِ أن تلعبي بذيلك هذه المرة .. رأسك سيطير عن جسمك فهمتِ أم لا ؟؟ تكلمي ردي .. أفهمت ؟؟ .
                      تهز جميلة رأسها بالموافقة ، ويترك سامي يدها ، فتبدأ بفرك مكان قبضته من يدها ، دون أن تتوقف عن النظر وتفحص هيئة سامي ، وعندها ينْزع سامي اللحية المستعارة ، ويدنو منها محاولا تقبيلها فتمنعه ؛ وتبتعد عنه وتدفعه عنها ، ثم قالت له :
                      ـ حاضر سأفعل ما تريد .. لكن الآن اذهب من هنا قبل أن يعود زوجي وينفضح أمري ..
                      لم يعرها سامي اهتماما ، بل راح يتأمل بطنها ويبتسم ، وينظر إلى ملابسها وهيئتها التي اختلفت عما كانت عليه أثناء لقائهما من قبل ، ثم تابع :
                      ـ أين أذهب يا مدللة ؟؟ .. اصحي .. اليوم ليس الأمس .. اصحي وأفيقي .. ما فات فقد مات .. ونحن أولاد اليوم .. وكلامي أوامر تنفذينها بلا تردد ولا مراجعة أو اعتراض اطلاقا .. مفهوم ؟؟ .
                      ـ حاضر .. فقط الان اذهب من هنا .. لا تفضحني .. زوجي يمكن أن يرجع من العمل .. واذا رآك هنا سوف يشك فِيِّ .. ويمكن أن يطلقني .
                      ـ اسمعي يا جميلة .. من اليوم ولاحقا أنا الذي أتكلم وانت عليك أن تنفذي فقط.. لا أريد اعتراضات .. اسمعي ما أريد قوله وركزي جيدا .. وقت اللعب انتهى ودخلنا وقت الجد ، غدا ظهرا سأكون عند المغارة .. ويا ويلك اذا لم تأتي .. هناك كلام كثير يجب أن تسمعيه .. غدا أنتظركِ عند المغارة .. مفهوم ؟؟ .. اذا لم تفهمي قولي .. سأفهمك .
                      تهز جميلة رأسها بالموافقة ، لكنها تستدرك :
                      ـ وكيف آتي غدا .. يجب أن أحتال حتى أستطيع القدوم .. الا اذا لم يبت زوجي الليلة في البيت .. فيمكن أن آتي .
                      ـ لا يعنيني .. المهم غدا في الموعد يجب أن تكوني عند المغارة .. لا أفهم غير هذا .. وفقط هذا ما سيكون .. زوجك .. ابنك .. كلهم لا يهمونني .. يهمني فقط أن تكوني غدا عند المغارة .
                      ـ حاضر .. حاضر .. سآتي غدا .. سوف آتي .
                      ـ والآن يجب أن أمشي .. اياك تفكري بالغدر .. لأني هذه المرة متيقظ لك جيدا .. سلام يا حلوة .. وانتبهي للطفل في بطنك .. يهمني كثير أن يولد بصورة صحيحة .. اياك أن تفكري بعمل يضر بالمولود .. هذا ابني .. سلام جميلتي .
                      أعاد اللحية إلى ذقنه ، واستدار ومضى ، يجر نفسه ، كما أقبل ، حتى ابتلعته الظلمة التي غطت القرية خلال وجوده وكلامه مع جميلة ، وظلت جميلة في مكانها كالخشبة ، دون حراك ، من هول الصدمة التي أصابتها ، وبعد لحظات حملت صحن الزيت وصحن الزيتون وما تبقى من رغيف الخبز ، ومضت إلى داخل البيت وهي في صدمة شديدة لما حل عليها في تلك اللحظة ، وتراءت لعينها الايام الأولى بعد اغتصابها فصارت تهذي :
                      ـ ابن الحرام ما زال حيا !!! .. يعيش حتى الآن !! .. يا ويلك يا جميلة .. ياااااااااااااه .. كيف جرى ذلك ؟؟ .. وكيف عاش ؟؟ .. وأنا قتلته بيدي .. غير معقول أن يكون هو .. غير معقول .. لكن هذا صوته وأنا أعرفه .. هو ذاته .. والله هو .. لم يتغير حتى اليوم .
                      وتدخل البيت وهي في هذه الحالة ، ومن بعيد يأتي صوت مؤذن القرية وهو يؤذن لصلاة العشاء ، لكن جميلة لا تسمع شيئا من هول صدمتها ، ولا تلتفت إلى أمر مطلقا ، فقد انحصر تفكيرها فيما جرى لها قبل لحظات ، وانتابها احساس غريب ملؤه الرعب من الأيام المقبلة ، وما زالت كلمات سامي ترن في رأسها ، كأنها صخر يدق رأسها ، و صارت الدنيا كأنها ثقب إبرة على مداها واتساعها .
                      *******************













                      " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                      تعليق

                      • هادي زاهر
                        أديب وكاتب
                        • 30-08-2008
                        • 824

                        #12
                        جميلة في فراشها ، متكئة على المخدة ، وتحاور نفسها :
                        ـ المجرم لا يزال حيا .. لم يمت الكلب ابن الكلب .. يا ويلك يا جميلة .. وقعتِ ولم يُسَمِّ أحد عليكِ .. ياااااااااااااااااااه .. من أين حلت هذه المصيبة ونزلت عليَّ ؟؟ .. وكيف أعمل ؟؟ .. آآآآآآخ يا راسي آآآآآآآخ .. سأنفجر من القهر .. قتلته بيدي .. لكن الله لم يقتله .. غرزت الخنجر في ظهره أكثر من مرة .. وما زال حيا !! مؤكد هذا جن وليس إنسا .. مؤكد هذا شيطان اربد ..
                        اعتدلت في جلستها قليلا ، وتنهدت بحسرة ، ثم راحت تتأمل وجه ابنها الذي يغط في سبات عميق والبسمة تعلو ثغره كأنه في حلم جميل؛ أسندت رأسها إلى الحائط وأمسكته بيديها وحدقت في زاوية البيت الملاصقة للسقف ،وعادت إلى حوارها مع نفسها وسط ذهولها ودهشتها :
                        ـ كيف سأتصرف ؟؟ .. كيف ؟؟ .. يا رب اهدني إلى طريقة تخلصني منه .. فكِّري يا جميلة فكِّري .. ابحثي عن حل .. لا تقعدي وتتحسري .. لكن الذي يغيظني .. ابن الحرام عينه على بطني .. كأن الذي في بطني منه .. اخسأ .. هذا الجنين من زوجي .. نعم من زوجي .. ثم إن زوجي رجل باربعة وعشرين قيراطا .. وابني شاهد .. ويكفي أنه حين يأتيني تكون ليلة لا تنسى حلاوتها .. يظل فوقي إلى قريب نصف الليل .. آآآآآآآآآآآآآآآآآه .. أسعدك الله يا عدنان .. رجل وتروي عطشي وتشفي غليلي .. وتطفئ ناري .. ليس لك مثيل في البلد كله .. مَنْ يقارن الكلب بالغزال .. ومن أين إلى أين حتى هذا يكون مثل زوجي؟ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه على ساعة في حضنك يا حبيب قلبي .. أين أنت في هذا الوقت ؟؟ .. اسكتي يا جميلة .. فأنت تعرفين أين هو وماذا يعمل الآن .. وكل مرة يخرج فيها من البيت يخبرك من طقطق للسلام عليكم .. يعني تتعرفين كل شاردة وواردة عنه .. يا جميلة يا بنت الحلال فكري بالهم الذي نزل عليك .. فكري في حل .
                        وظلت على حالتها مدة طويلة حتى غلبها النعاس ، فاندست تحت لحافها ونامت ، وحين نهضت في الصباح نظرت إلى جانبها فلم تجد زوجها في الفراش ، فأدركت أنه بات خارج البيت مع رفاقه ، ونظرت صوب طفلها ، وجدته ما زال في نومه ، وهنا تقوم من فراشها ، وتتجه إلى الباب تفتحه وتخرج متجهة إلى خلف البيت ، تقضي حاجتها وتعود ، تشعل البابور وتحضر الابريق ، وتملأه ماء وتضعه على النار ، وتحضر الشاي ، رغم ان أغلب الناس ما زالوا يشربون مغلي الاعشاب ، ولا يستعملون الشاي ، إلا بعض بيوت الاغنياء في القرية ، لكن البن متوفر في البلد ، وربما امتناعهم عن شرب الشاي نتيجة تفضيل الغالبية للأعشاب ورائحتها العطرة ؛ والفقر المدقع تضع الشاي في ابريق الماء ، وتنشغل باعداد الفطور لها ولابنها ، الذي بدأ يتململ في فراشه نتيجة صوت البابور ، وما هي الا لحظات حتى كان واقفا بجوار أمه المنهمكة في اعداد الفطور لهما ، ثم صعد وجلس على كيس من أكياس القمح المركونة في الزاوية وراح يتأمل وجه أمه ، والفطور عبارة عن صحن زيت مع قليل من اللبنة البلدية ، وصحن زيتون مخلل ؛ وضعت الفطور على طبق القش ، بجانب الفرشة ، وذهبت فأحضرت رغيفين ، وفناجين ، والسكر ومعلقة صغيرة ، وجلست ، ونزل ابنها عن الكيس وقفز إلى حضنها ، واحتضنته بلهفة وقبلته بين عينيه ، وكانت عيناها تتنقلان بين الابريق وبين وجه ابنها ، تطبع على خده قبلة تارة ، وتدغدغه تارة أخرى ، والطفل في حالة مرح وانبساط ؛ غلى الماء في الابريق ، فانزلته عن النار ، وصبت لها ولابنها ، ولان الشاي حار ، صارت تبرد فنجان ابنها حتى يستطيع شربه بسهولة ؛ أنهيا تناول الفطور ، وخرجت وأحضرت العلف للحمار ، وتركته يأكل ، وعادت وانشغلت بأعمال البيت من كنس وجلي وما شابه ؛ بدأ النهار يعلو ، والوقت صار يركض ، والموعد يقترب ، ويزداد خفقان قلب جميلة ، فعليها أن تجد حيلة للذهاب وحدها إلى الحرش ، وابقاء ابنها في البيت وحده:
                        ـ سوف أتركه ولا أخبره حين أخرج .. لا .. لا .. لمن سأتركه هنا .. البيت ليس فيه أحد .. كيف سأتركه وحده .. عمره أربع سنين يا حسرتي عليه .. لا غدا ولا راح.. سأتركه عند أهلي ككل مرة .. أختي لا ترد لي طلبا .. وهو صغير وعند أهلي هناك صغار مثله .. أولاد الجيران وأولاد أختي المتزوجة .. نعم أتركه هناك يقضي النهار معهم .. فكرة حلوة يا جميلة .. طيري كالبرق .. لا تتأخري .
                        وانطلقت إلى بيت أهلها ، وطرقت الباب وأتبعت بنداء خفيف :
                        ـ يا سعدى .. ردي يا سعدى .. صار الوقت ظهرا .. أما زلتم نائمين؟؟.. لا فائدة .. هذه البنت تعشق النوم .
                        تفتح سعدى الباب ، وتظهر صبية في عز أنوثتها ، بصدرها الناهد وقوامها الممشوق ، وشعرها الأشقر الطويل كشعر جميلة ، وعمرها ناف على العشرين ، تبتسم لجميلة وتقول :
                        ـ تفضلي .. أهلا جميلة .. يا مرحبا بجميلة الغالية .. يا مرحبا بالريحة الطيبة .. تفضلي أختي .. مالك واقفة بالباب كالغريبة ؟؟ .. أنسيتِ بيت أبيك ؟؟ .. مالك يا جميلة ؟؟ .. هذه دارنا .. دار أهلك حبيبتي .. هيا ادخلي هيا .. أكيد أنك اليوم ستخرجين إلى الوعر .
                        ـ أعرف يا سعدى .. والله أعرف .. لكني على عجلة من أمري .. سأجلب قليلا من الجلة من الوعر .. لم يبق عندنا جلة لتزبيل الطابون .. وانت تعرفين حاجتنا للطابون والخبز .. لكن أخيتي .. الصغير لا أستطيع أخذه معي .. وصعب أن أتركه في البيت لوحده .. وأبوه منذ أيام غائب عن البيت .. فقلت في نفسي ليس لي إلا الله ثم أنت يا سعدى مثل كل مرة .. سأتركه عندكم اليوم حتى أرجع من الوعر .. عندكم يوجد صغار يلعب ويلهو معهم .. والولد بحاجة إلى ولد مثله .
                        ـ من عيوني حبيبة قلبي جميلة.. أنت تأمرين أمرا .. ولا تطلبين طلبا .. هاتيه إلي .. تعال يا صغيري .. تعال يا حبيبي .. وأنت يا جميلة اشربي اشربي الشاي .. فهو مما أحضرتِهِ قبل أسبوع لأبيك .. وهو جاهز على النار .. أعددتُ الفطور لأبي وأمي والشاي ما زال حارا .. ادخلي كلي شيئا .. لقيمات قليلة .. منذ زمن لم تأكلي من بيتنا .. ادخلي أخيتي ادخلي .
                        ـ لا يا سعدى .. اسمحي لي مستعجلة .. سترك الله حبيبة قلبي .. ورزقك ابن الحلال الذي يسعد قلبك .. ما شاء الله عليكِ وعلى جمالك .. فقط انتبهي للولد .. لن أوصيك كثيرا .. دعيني أذهب لكي أرجع قبل المساء .
                        يُسمعُ صوت والدهما من الداخل :
                        ـ يا سعدى .. من الذي أتانا .. ادخليه يا ابنتي .. لماذا يقف بالباب ؟؟
                        ـ هذي جميلة يابا .. ليس هناك غريب .
                        تهمس لجميلة وتضحك :
                        ـ أتسمعين أباك .. ادخلي وسلمي عليه .. فهو يسأل عنك كثيرا .. ودوما يطلب مني أن أطمئنه عنك وعن عدنان والولد .. وأقص عليه أخبارك .
                        تدخلان إلى البيت ، وتنْزل سعدى الطفل وتمضي لاحضار الشاي ، وتبدأ جميلة بالسلام على والدها الذي شارف على السبعين من عمره ، وتبدو تجاعيد الزمن على وجهه ، ثم تنحني تقبل يده :
                        ـ صباح الخير يا أبي .. كيف حالك .. إن شاء الله راضٍ عني يا أبي ؟؟ .
                        ـ أهلا يا بنيتي .. أهلا يا حبيبة أبيها .. تعالي افطري .. تعالي هنا جنبي .. الله يرضى عليكم كلكم يا ابنتي .. يرضى عليكم دنيا واخرة .. أين أمك يا سعدى ؟؟ .. أكلت لقيمات وطارت مثل العصافير .. كعادتها .. لا تقر ولا ترتاح .. ناديها يا سعدى .. ناديها لتجلس معنا .. هذه العجوز .. سبحان الله لا تتغير .. كم أقول لها أريحي نفسك .. سعدى صبية وتريحك .. لكن بلا فائدة .. ناديها يا سعدى .. أكيد هي عند الدواب .. أو في الطابون تخبز .. آآآآآآآآآآآآآخ .. ختيارتي وأعرفها .. منذ تزوجنا حتى اليوم .. وهي كما هي .. ناديها يا سعدى .
                        ـ أمي يا أبي ذهبت تعلف الدواب .. وتخبز .. لأن الخبز نفد من البيت .. وهي الآن أنهت العجين وبدأت تخبز .. بعد قليل تأتي .
                        تلتفت جميلة إلى سعدى ، ثم إلى والدها وتقول :
                        ـ أنا يا أبي سأمر عليها في الطابون .. وأسلم عليها .. لا تشغلوا بالكم .
                        ثم تجلس وطفلها بجانب والدها ، ويضمهما إليه ويقبل رأسيهما قائلا :
                        ـ الله يرضى عليكِ يا جميلة .. أنت وكل اخوتك .. ويسعدكم في الدنيا والآخرة .. وهذا الصغير .. أسعدك الله يا جدو ما أطيبك .. تعال يا جدو تعال .. هات قبلة حلوة لجدك .
                        يضم الطفل مرة أخرى ويقبله ، ويلاعبه ، ثم يعاود الحديث مع جميلة :
                        ـ ها يا جميلة .. كيف حالك ؟؟ وكيف زوجك عدنان ؟؟ منذ زمن لم يزرني .. أين علومه هذه الايام ؟؟ .. أيشتغل أم لا ؟؟ .
                        ـ عدنان بخير يا أبي .. ويسلم عليك .. ويشتغل وينام خارج البيت .. ماذا نفعل يا أبي .. الحياة صعبة .. واللقمة تحتاج ركضا لتحصيلها .. وانت سيد العارفين يا أبي ..
                        ـ الله يرضى عليكم يا ابنتي .. لكن أنا زعلان منه .. لِمَ لا يزورني ؟؟ .
                        تقبل سعدى حاملة كوبين من الشاي ، وتناول جميلة أحدهما وتضع الاخر أمام الطفل ، ثم تجلس بجانبها ، وتأخذ الطفل من حضن أبيها وتضعه في حضنها ، وتتناول كوب الشاي وتسقيه منه ، وتتابع جميلة كلامها مع والدها ، وهي تشرب الشاي:
                        ـ زعلك رضى يا أبي .. لكن العمل يتطلب منه أن يغيب أياما .. لكن بعون الله حين يرجع هذه المرَّة سأخبره .. ليأتي إليك .. اشتقنا لجلساتك يا أبي .. وسواليفك الحلوة .. ولأكلة من أكلات أمي .. ليس أشهى من طبيخ الأم .. صار لي سنين متزوجة .. وما ذقت حتى اليوم أطيب من طبخ أمي .. ولن أذوق حتى موتي .. هيييه يا أبي .. لو أن الايام التي مضت تعود .. وأعود عندكم لأعيش بينكم .. لا هَمَّ ولا يحزنون .
                        تقبل رأس أبيها بحرارة ، وتنهي تناول الشاي ، وتنهض ، متجهة بالكلام إلى أختها سعده ، لكن سعدى تقاطعها :
                        ـ مالك مستعجلة .. الولد لم ينه شرب الشاي .. انتظري حتى ينهي كوبه.
                        ـ لا بأس يا سعدى .. ليشربها مع أبي .. لن أوصيك أخيتي .. الولد أمانة في عنقك .. انتبهي له .. الله يستر أخيتي .. ويرزقك ابن الحلال الذي يسعد قلبك .
                        ـ تكرم عيونك يا جميلة .. من عيوني .. بعون الله سيكون في الحفظ والصون .. ولا تحملي همه .. و يسمع الله منك ويستجيب دعاءك .
                        ـ بارك الله بكِ أخيتي .. ونولك ما تطلبينه من الحياة .
                        ـ ولو يا جميلة .. مالك أخيتي ؟؟ .. ماذا جرى ؟؟ .. اذا كان أولاد جيراننا كل يوم يأتون إلينا ويلعبون .. فكيف ابنك ؟؟ وافرضي انك جارة ولست أختي .. فالناس لبعضها .. هل انقطع الخير من الدنيا ؟؟ .. توكلي على الله وتيسري .
                        تهم جميلة بتوديع الطفل وهو في حضن سعدى ، ويتعلق الطفل بأذيال أمه ويبكي ، فهو يرفض فراق أمه ، وتحاولان تهدئته وتطييب خاطره ، وتنادي سعدى على الأطفال ، فيحضرون ، وما إن يراهم الطفل حتى يهدأ ، ثم ما يلبث أن ينطلق معهم إلى الحاكورة للعب ، وتودع جميلة والدها وأختها ، وتمضي خارجة ، وتمر على والدتها التي قاربت الستين من العمر ، وهي تكور الأرغفة ثم تدخلها في الطابون ، وتبدأ بتحية أمها :
                        ـ صباح الخير يا أمي .
                        تمسح الأم يديها بطرف ثوبها ، وتلتفت إلى الصوت فترى جميلة :
                        ـ أهلا بنيتي .. من ؟؟ .. جميلة !! يا هلا عمري .. هلا حبيبة قلبي .
                        ـ كيف حالك يا أمي ؟؟ .. إن شاء الله بخير ؟؟ .. وكيف رضاك علي ؟؟ .. ارضي عليِّ يا أمي .. ولا تنسيني من دعواتك في الصلاة .
                        الام لا تتمالك نفسها ، وتدمع عيناها ، وتضم جميلة إلى صدرها بلهفة :
                        ـ ربنا يرضى عليك في الدنيا والآخرة .. كل يوم أدعو لك أنت وكل إخوتك .. يشهد الله لا أنساكم يا ابنتي .. وأدعو الله أن يغنيكم ولا ترون يوما من الفقر والذل الذي رأيناه وعشناه .
                        ـ لا يوجد فقر يا أمي .. الناس بألف نعمة .. والكل مبسوط .
                        ـ اسكتي يا بنيتي اسكتي .. ماذا تعرفين أنت ؟؟.. كنا وحنن بنات .. نخرج حب الشعير من بعر الدواب حتى نأكل .. اليوم أنتم بألف نعمة بالنسبة لأيامنا .. قطع الله الانجليز .. والله كانوا يجبرون شباب البلد على السير فوق ألواح الصبر .. هؤلاء الجماعة أرحم ألف مرة من الانجليز .. الله يقطع الانجليز ولا يبقي منهم أحدا .. و ذات مرة فرضوا على البلد دفع مبلغ أربعين ليرة غرامة .. لأن الثوار أطلقوا النار على العسكر .. ولم يكن في البلد ليرة واحدة.. فجمعوا الشباب على البيادر وكانوا يريدون اعدامهم أمام أهل البلد .. ويومها .. بَيَّضَ الله وجه أبي محمد كيفما اتجه .. كان أبو محمد قد تمت خطوبته ويملك أربعين ليرة مهر العروس .. وحين رأى الشباب على تلك الحالة دفع الأربعين ليرة التي معه مهر عروسته وأنقذ شباب البلد من الاعدام والموت .
                        ـ أين سرح بك الخيال يا أمي ؟؟..
                        ـ لا يا ابنتي لا سرحت ولا على بالي .. لكن أتحسر كيف كانت أيامنا وما ذقناه ، وكيف انتم اليوم .. دعي الأمر لله يا ابنتي .. هو خلقنا وهو يدبرنا .. والمكتوب ليس منه مهروب .. عمري ستين سنة .. والحال هو الحال .. جاء الانجليز وراحوا .. بعدهم جاء اليهود .. ويعلم الله من بعدهم .. نعود إلينا الآن .. كيف حالك ؟؟ .. وكيف ابنك وزوجك ؟ .
                        تمد يدها إلى بطن جميلة تتحسسه :
                        ـ ما هذا يا جميلة ؟؟ .. ما شاء الله .. اللهم صلِّ على النبي .. أريد أن أزغرد .. حامل يا ابنتي ؟؟ .. الهنية الهنية .. هكذا يا ابنتي نعم .. ابنك صار عمره أربع سنين .. خلِّفي له أخا أو أختا يأنس به .. الخلفة بركة ونعمة .
                        ـ هنَّاكي الله أمي .. وأبقاك لي يا رب .. وتظلين تاجا على رؤوسنا كلنا .. ولا ترين ذلة ولا شقاء .. وأطال عمرك ربنا ..صرت في الشهر الخامس.
                        ـ ها يا جميلة .. خيرا يا ابنتي ؟.. ما حاجتك ؟؟ .. الغالي يرخص لكم أنت وإخوتك .. وروحي لو استطعت قدمتها لكم ..
                        ـ سلمي يا أمي وتسلم روحك .. لا شيء .. لكن سأخرج إلى الوعر .. أجمع جلَّة للطابون .. وقلت أبقي الولد عند سعدى .. حتى أرجع .. لأنه صغير وليس بامكاني أخذه معي .. وقبل أن آتيك كنت عندها وجلست قليلا مع أبي .. وشربت الشاي معه .
                        ـ وماله يا ابنتي اتركيه .. يلعب مع الأولاد في الحاكورة .. لكن هل ستخرجين وحدك إلى الوعر يا ابنتي ؟؟ .. أم معك رفقة ؟؟ .
                        ـ سأخرج وحدي يا أمي .. ألا تثقين بجميلة يا أمي ؟؟ .. أنا بنت رجل أصيل .. وتعرفين ابنتك .
                        ـ أنعم وأكرم يا ابنتي .. لكن هذا الزمن يخوِّف .. والامان قليل فيه .. لكن الحامي هو الله يا ابنتي .. يحميكي ويسترك .. تعالي خذي رغيفين .. زادا حتى لا تجوعي .. ومُرِّي على سعدى خذي لبنة وزيتونا مخللا .. تأكلي في الوعر .. الجوع كافر يا ابنتي .. خذي خذي .. بسم الله .. واحد .. اثنان .. ثلاثة .. خذي يا ابنتي .. صحة وعافية .. كلي واطعمي ابنك .. الخير كثير والرب كريم .. وسبحان الله .. قسمتك جاءت بك إلي .. حتى تذوقي لقمة خبز .. خذي يا جميلة .. امسكي يا ابنتي .. ثم أنت حامل .. فلا تحرمي نفسك من أي طعام .. حتى لا تخرج الوحمة مع المولود .
                        ـ هذا كثير يا أمي .. رغيف واحد يكفي .. وأنا أعددت زوادة منذ الفجر .. لكن .. يا الله سلمت يداكِ يا أمي .. ولا حرمنا منك ربنا .. يا أغلى أم .. وأكلك .. مهما أكلنا فلا أطيب منه .. يا الله أستأذنكِ أمي .. وارضي عني .
                        ـ الله يرضى عليكِ يا ابنتي .. ويحميك من أولاد الحرام .. في حماية الله يا حبيبتي .. واحضري لي معك شتلتي مريمية .. لأزرعهما خلف البيت .. المريمية التي كانت يبست وماتت .. أريد أن أزرع مكانها شتلة غيرها .
                        ـ إن شاء الله أمي .. من عيوني .. سأحضر لك عشر شتلات .
                        تقبل جميلة والدتها ، وتودعها ، وتأخذ الأرغفة معها وتعود إلى البيت ؛ تضع الخرج على الحمار ، وتسحبه حتى تصل به إلى الحجر الكبير بجانب الطريق ، ثم تصعد فوق الحجر وتركب على الحمار ، وتنطلق صوب الكرم ، وفي الطريق راحت تحدث نفسها متسائلة عما يمكن أن يجري لها :
                        ـ ترى هل سيقتلني ؟؟ .. لا .. لا .. لو كان ينوي الشر لزجني في السجن .. أو وشى بي إلى الشرطة .. يبدو أنه يمتلك بعض الشهامة .. ولكن من أين لي معرفة ما في خاطره ؟؟ .. غريب أمر هذا الرجل .. حقا إنه غريب جدا .. حاولت قتله وما زال يقول انه يحبني .. لا أفهم كيف يحبني وأنا متزوجة وأم لطفل .. ثم من هو حتى يحبني ؟؟ .. لم أر أتفه ولا أرخص ولا أوقح منه .. لعنة الله عليه وعلى من ولدته .
                        وصلت الكرم ، ونزلت عن حمارها وربطته إلى زيتونة ، وانطلقت صعودا حتى وصلت المغارة ، فوجدت سامي قد سبقها ، وما ان رآها حتى بادرها الكلام والتأنيب على التأخر :
                        ـ تأخرتِ يا حلوة .. لماذا ؟؟ .. ماذا اتفقنا أمس ؟؟.. اذا كنتِ هكذا من البداية .. فهذا معناه الفشل من أولها .. لا يا حلوة .. التأخير ممنوع .. لا أقبله .. شغلنا يحتاج الدقة .. وليس التخبيص .. أنا غير مستعد للبهدلة .. ولست مستعدا لأكون طرطورا .. سامي الذي كنتِ تعرفينه تغير .
                        ـ والله ما استطعت القدوم في الوقت المحدد .. والولد غلَّبني حتى رضي البقاء عند أهلي .. ثم إن أهلي لم يفلتوني حتى جلست معهم بعض الوقت .. منذ زمن لم أزرهم .. وبالحيلة والكذب عليهم استطعت الافلات منهم والحضور .. لكن قبل أن أنسى .. قل ماذا تريد مني .. لا تغلبني .. لأن حيلي مهدود .. وأراني خايفة منك حد الموت .. اطلب ما تريد إلا طلبا واحدا لا تطلبه لأنه صعب عليَّ كثيرا .. ولا أقدر أن أعطيك إياه ..
                        ـ أنت خائفة ؟؟!! .. غير معقول يا جميلة .. أنت تخوِّفين وليس تخافين .. ثم لماذا أنتِ خائفة ومِمَّ أنتِ خائفة ؟؟ .. أنا أريد مصلحتك .. مصلحتنا نحن الاثنين .. وأنا ما زلت عند وعدي الذي وعدتك إياه .. قبل أن تغدريني .. وجاهز لأعوضك عن كل شيء .. فقط طاوعيني .. ولا تظلي عنيدة .. لأنني وكما تعلمين .. ما أستطيع فعله .. وسبق وقلت لك .. لكن أنا لا أريد الأمر إلا برضاك التام .. ولن أغصبك بالقوة .. وأول حاجة نعتبرها صلحة بعد الذي جرى .. أن تعطيني .. بالضبط .. ما أريد منك .
                        جميلة تعتريها أحاسيس بالتقزز منه ، لكنها الان ضعيفة ، والضعف ظاهر عليها ، فلم تعد جميلة الاولى ، وتهمس بكلام مسموع :
                        ـ كلب ابن كلب .. واطي .. حقير .. سافل .. نذل .. جبان .
                        يتجاهل الاهانة تفهما لحالتها النفسية ، ويقول :
                        ـ كلب .. حيوان .. قولي ما تريدين .. لكن أنت اليوم ملكي .. وكل شيء أطلبه يجب أن ينفذ .. بدون اعتراض أو رفض .. هيا يا جميلة .. تعالي ندخل المغارة .. فهنا وضعنا مكشوف .. في الداخل أستر لنا ولا يرانا أحد .. حتى لو مر من أمام المغارة .
                        تستسلم جميلة لارادته بسبب خوفها الشديد منه ، ويدخلان إلى داخل المغارة ، وأول حاجة بدأ بها أنه بدأ يتحسس جسدها ، وبعد أن قضى نهمه وجوعه الجنسي قال :
                        ـ ها جميلة حبيبتي .. كيف شعورك ؟؟ .. مبسوطة حبيبتي ؟؟ .
                        تهز جميلة رأسها متظاهرة بالموافقة والايجاب ، وتبتسم له بسمة سحرية ، تخفي وراءها سخرية منه ومرارة عظيمة في نفسها ، ويتابع :
                        ـ جميلة يا روحي .. يجب أن تعرفي أني أحبك .. وليس في قلبي حقد عليكِ رغم الذي فعلتِه معي .. ولأني أحبك رجعت إليك .. بعد خمس شهور .. يعني لو شخص غيري كان انتقم منك وقتلك .. وليس هناك من يسأل عنك .. لكن أنا أحبك يا جميلة .. ولو أني نويت الانتقام منك كنتِ أنت اليوم في السجن وليس معي هنا .. كنتُ بلغتهم الحقيقة منذ سألوني أول مرة عنكِ .
                        ـ ماذا ؟؟.. تحبني .. أو لا تحبني .. ما أردته فقد أخذته .. اتركني الآن بحالي .. يكفي الذي جرى لي منك .. أي حب هذا الذي تتحدث عنه .. لا تحسبني جاهلة .. أضف أني امرأة متزوجة .. فكيف بامرأة متزوجة وتحب شخصا غير زوجها .. ومن غير ملتها أيضا .. أية سخرية هذه .. ألا يكفي أني خنت زوجي الآن وأنا أعلم أنها خيانه ؟؟؟ ..
                        ـ رجعتِ للشكوى !!! .. أنا أحبك .. يعني أحبك .. وزوجك لا أطلب منك تركه .. سوف يظل زوجك .
                        ـ الظاهر إنك مجنون .. حياتي انقلب أسفلها على أعلاها منذ ظهرت حضرتك .. وصارت مثل الجحيم .. دعني أعشْ مستورة مع زوجي وابني .. لا تزد هموما فوق همومي .. والخوف الذي أعايشه .. لا يمكنك تصور حجمه .
                        ـ أنا أدرك وضعك وضعفك تماما .. ولا داعي للخوف والقلق .. طلب واحد أريدك أن تلبيه لي يا جميلة .. نحن على علم تام بما يفعله زوجك وجماعته .. ونعلم أخبار اجتماعاتهم عندكم في بيتكم .. كل ليلة سبت .. وكيف يخططون ويشتغلون .. وزوجك نعلم كل شي عنه .
                        جميلة تعتريها الدهشة ولا تنبس ببنت شفة ، بينما يتابع سامي كلامه :
                        ـ أنا يا جميلة رجل مخابرات .. نحن نعلم كل شيء يا جميلة .. وعيوننا بينكم .. وفي كل قرية لنا عيون .. نحن لسنا نائمين .. نحن نعرف كل شيء عن زوجك عدنان .. ونعلم منذ متى لم يبت في البيت .. ومتى يدخل ومتى يخرج .. ومتى نام معك آخر مرة .. ورغم ذلك يا جميلة .. لا داعي للخوف .. إن كل ما أريده هو اخباري عن اجتماعات الجماعة التي تعقد في بيتكم .. وما نوع الحديث ؟؟ .. وكيف يخططون ؟؟.. وكيف ينفذون ؟؟ .. يا جميلة صحيح أنني يهودي .. لكنني عراقي .. من بلاد الرافدين .. وتربيت تربية عربية .. فلا تستغربي اتقاني لغتكم .. وأيضا أنا أفضل حياتكم البسيطة على حياة المدينة .. واعلمي أيضا وهو الأهم أنني احبك .. وسأظل أحبك بكل اخلاص .. رغم ما فعلته بي .. ولست قاصرا عن النيل منك .. ولو أردت ذلك كنت أخذت منك ما أريد بالقوة وبدون أن أطلبه منك .
                        تضعف جميلة ، وتشعر بغصة في حلقها ، وتقول :
                        ـ أعرف أنك من أبناء خيبر .. يهودي .
                        ـ أعرف ذلك .. لكن منذ متى ؟؟ ومن أخبرك ؟؟ .. لأني شعرت أنك تعرفين حين جئتك على هيئة شحاذ .. فقد شعرت بالشك في عينيك .
                        ـ أخبرني رجالكم .. بعد أن طعنتك هنا .. حضروا صباح اليوم التالي إلى القرية .. اقتادوني وزوجي وكثيرا من أهل القرية إلى معتقل الشرطة .. وحققوا معنا حول عملية اغتيالك .. وقد ضربونا بشدة وبدون رحمة .. بل وصل الأمر بهم أن عروني من ثيابي .. لم يبقوا علي إلا الصدرية والسروال .. وأحضروا زوجي أمامي .. لكنهم لم يغتصبوني .. وقد اكتفوا بتعذيبنا .. وسألونا كثيرا عنك وعمن حاول اغتيالك .
                        ـ آآآآه .. ربما حدث هذا وأنا في المستشفى .. لتلقي العلاج .. وحين كانوا يستجوبونني كنت أسمعهم يرددون .. لم يقم بهذا العمل إلا شخص مثل عدنان أو جماعته .. وأحدهم قال يومها لا تستبعدوا النساء .. فالجميع يريدون قتلنا .. الرجال والنساء .. لكن دعينا الان من كل ما مضى .. أريدك الان أن تعملي معنا .. وتحديدا معي أنا بالذات .. وما أطلبه منك أريدك أن تنفذيه .. بلا أسئلة ولا استفسارات .
                        ـ وماذا سأعمل معك ؟؟ .. وماذا تفيدك مثلي ؟؟.. ثم أنا لا أفهم لغتكم ولا أعرف التحدث بها .. أنت تفهم لغتنا واستطعت أن تكلمني .
                        ـ لا عليك فلا حاجة لتتعلمي لغتنا .. لغتكم تفي بالطلب .
                        ـ ماذا أعمل ؟؟ .. قل وارحني .
                        ـ اهدأي وترثي قليلا .. دعينا نتمتع ببعضنا قليلا .. اعطني قبلة .
                        يضمها ويقبلها بشغف ، وتمانع ، لكنه لا ترفض طلبه لخوفها منه ، وتشعر بشيء من اللذة عبر القبلة ، وهي التي كانت تشمئز لمجرد رؤيته ، وأخذ يقبلها ويمص شفتيها ، ويداعب نهديها ، ويمد يده يتحسس بطنها وينْزل قليلا حتى يثيرها أكثر ، ثم توقف وقال :
                        ـ أريدك يا حبيبتي أن تخبريني بكل التفاصيل .. الاجتماعات التي تعقد في بيتكم .. المواقع التي يستهدفونها .. وكل صغيرة وكبيرة .. لا تتركي أية معلومة مهما صغرت .. وإلا سوف أعلم الجميع بالعلاقة التي أقمتها معك .. وأنت تعرفين العواقب بعدها .. وما قد يحصل لك .. سواء من زوجك أو من القرية .. هذا إن أبقوك على قيد الحياة .. ولا تعجبي .. بامكاني إشاعة الخبر في قريتكم كلها .. فعيوننا تنتشر بينكم .. ولن يتوانوا في تنفيذ أمري .
                        تصاب جميلة بذهول شديد ، وخوف مشوب بالقرف فيكمل حديثه :
                        ـ فكّري جيدا ، وتصرفي بحكمة ، سوف أعود غدا لمعرفة الجواب .. والان .. علي أن أعود .. وأنت عودي حتى لا يشك أحد بأمرك ..
                        تتمتم في سرها كلاما :
                        ـ يبدو أنني لن أفلت من قبضته بعد اليوم .
                        يمد سامي يده إلى جيبه يخرج صرة ، يقبلها ويلقيها لجميلة :
                        ـ تفضلي حبيبتي .. هذي صرة أخرى .. سأجعلك ملكة .. فقط طاوعيني .. ولا تعاندي .. فالمال عندي وافر .. ولن أبخل عليك .
                        ويغادر المكان تاركا جميلة في المغارة .
                        ظلت جميلة في المغارة جالسة ، والذهول يخيم عليها ، والاشمئزاز والتقزز ، وتكاد أن تتقيأ مما جرى ، وبعد تفكير طويل ومؤلم ، كاد يفتت كبدها ؛ يبدو عليها الاستسلام لحظها التعيس الاقتناع بأن هذا قدرها ؛ تتناول الصرة ، وتخرج من المغارة وتنْزل الى حيث الحمار ، وتجمع حملا من الجلَّة للطابون ، وبضع شتلات من نبتة المريمية لوالدتها ، ثم تعود الى البيت ، تصل البيت ، وتلقي الحمل عن الحمار ، وتربطه في مكانه ، ثم تنطلق بالحمل وتفرغه بباب الطابون ، وتقوم بتزبيل الطابون ، ثم تمضي إلى بيت أهلها لتحضر ابنها ، ومعها شتلات المريمية ، وتقرع الباب ، فتخرج سعدى :
                        ـ أهلا جميلة أهلا بالغالية .. ماذا جرى لك ؟؟ .. صار الوقت مساء .. أما زلت في الوعر حتى هذا الوقت ؟؟ .. حتى راعي العجال عاد من المرعى .
                        ـ ماذا أفعل يا سعدى .. تعبت كثيرا .. الظاهر هناك سبقنا وجمع الجلة من الوعر قبلنا .. خذي هذه المريمية لأمي .. طلبت مني في الصباح أن أحضرها لها .. واعطيني الولد لأعود إلى البيت .
                        تأخذ سعدى منها الشتل ، وتردف الحديث :
                        ـ الولد نائم منذ ساعة تقريبا .. ادخلي حتى أغطيه بشرشف .. حتى لا يصيبه برد في هذا الليل .. وبالمناسبة تتعشين .. مؤكد أنك لم تأكلي منذ الصباح .. ادخلي .. ادخلي .
                        ـ لا .. أكلت .. أخذت معي زوادة وأكلت .. الحمد لله .
                        ـ ماذا أكلتِ ؟؟ .
                        وهما داخلتان تضم سعدى جميلة وتقبلها ، وتتابع جميلة حديثها :
                        ـ أكلت خبز طابون مع لبنة .. لم تفلتني أمي في الصباح حتى أعطتني ثلاثة أرغفة .. أكلت يا سعدى .. سلمتِ أخيتي .. اعطِني الولد لأعود إلى البيت .. تعبانة وحيلي مهدود .. رغم إني ما وجدت اليوم جلَّة كثيرا .. وغدا سأعود إلى الوعر لجمع الجلة مرة أخرى .. وسأحضر الولد إليك مرة أخرى.
                        ـ تكرم عيونك أخيتي .. لا تتعبي نفسك .. أنا في الصباح سآتي إليك وآخذه .. لا تتعبي نفسك .. أنت تعبانة والعمل يهد الحيل .
                        ـ الله يخلي لي اياك يا سعدى .. لولاك ما كنت عارفة ايش اعمل .
                        تغيب سعدى وتعود تحمل الطفل مغطى بشرشف ، وتناوله لجميلة ، فتأخذه جميلة بحضنها وتقبله ، ثم تمضي عائدة إلى البيت ؛ فتدخله ، وتضع طفلها في فراشه ، ثم تخبئ الصرة ، وتعد بعض الطعام مما تيسر ، وتأكل ، ثم تفرش فراشها بجانب فراش ابنها وتندس فيه ، وتبدأ تسترجع عبر ذاكرتها بداية اللقاء مع سامي ، وتحلل ما جرى لها ، وتتاكد أن ما جرى لم يكن سوى فخ للايقاع بها في شركهم ، وتقتنع أنهم نجحوا بالايقاع بها ، وتمر على رأسها فكرة الانتحار ، لكن تمر أيضا فكرة الغنى والرفاهية والعيش الهني ، والذهب الذي معها ، فتفضل الغنى والرفاهية على الانتحار والموت ، وتستسلم للمصير المقبل ، وتمضي في تعليل وتبرير اختيارها ، وأنها مجرد امرأة ضعيفة ، وتغشاها فكرة الاثم والذنب ، ويعاودها الشعور بالقرف والتقزز ، وتفكر في الغد وكيف ستذهب لملاقاة سامي ، وراودتها فكرة اغتياله مرة أخرى ، لكنها اسبعدتها لعدم نجاحها ، وغاصت في حوار ذاتي :
                        ـ الانتحار طريق سهل إلى جهنم .. وغضب من الله لا ينتهي .. أما العمل معهم .. فمهما كان فهو أخف من الأول .. وبامكان المرء أن يستغفر من الذنوب ويتوب الله عليه .. والله يعلم بأمري وضعفي .. وعدم رضاي بهذا ، لكنني مكرهة عليه .. ثم لماذا أفكر كثيرا .. هل يتوقف الأمر عليّ .. إن الملوك والأمراء والحكام .. هم الذين باعوا البلاد وأنا الانسانة البسيطة التي لا حول لها ولا قوة .. ماذا يمكنني أن أفعل ؟؟ .. هل يمكنني أن أمنع البيع ؟؟.. إن الأمور تسير رغما عني وعن الجميع .. ولن يفيد الرفض .. فلن تأتي منه إلا الخسارة والتشرد كما حدث لباقي القرى التي غادرت .. وما زالت تنتظر خلف الحدود لترجع إلى البلاد .. مساكين أولئك الذين غادروا ورحلوا عن البلاد .. من سيعيدهم إليها ؟؟ .. لا أظنهم سيعودون مهما طال الزمان .. لعبة لعبها الحكام .. هنا وهناك خارج البلاد .. ونتيجتها على جلودنا نحن الفقراء .. الحكام لا يشعرون بآلام الشعب الفقير .. همهم تكديس المال وحياة الرفاهية والخدم والحشم والحرس .. أما تحرير البلاد فهو أبعد شيء عن تفكيرهم .. قال أحد المجتمعين عندنا قبل أسبوع .. أنه حين تسلل عبر الحدود شمالا .. وعاش هناك فترة .. إن الحكم هناك أقسى ألف مرة من هنا .. فالانسان العادي هناك لا قيمة له .. أما هنا فرغم أننا تحت الحكم العسكري .. إلا أننا نعرف مسبقا أن من يحكمنا هو عدونا .. ولا ننتظر الخير من العدو .. لكنه كثيرا ما يعاملنا بصورة أفضل منهم .. إنها لعبة يا جميلة .. والذكي من يلعب باتقان .. للبلاد رب يحميها .. عليّ الانسجام مع اللعبة .. بل عليّ الاستسلام والاستجابة للطلب ، وإلا سوف يلاحقني العار ويلاحق زوجي وأولادي وكل من له صلة بي .. ومصيري الموت .. ولا أريد أن أموت .. ما زلت صغيرة .. أريد التمتع بالحياة .. آه ما أصعب هذه الحياة .. آه من قدري .. لكن يا جميلة الضعف شيء .. والرضى بالخيانة شيء آخر .. والموت أهون ألف مرة من الرضى بالزنى والخيانة والعار الذي تحملين .. رغم عدم معرفة أحد بالأمر .. فأنت تعرفين أنك تمارسين الفاحشة وخيانة زوج طيب وأصيل ووطني .. كيف تقبلين على نفسك هذا .. أيتها العاهرة يا جميلة موتك أرحم .. لكن لماذا أحس بالعار .. لقد اغتصبني أول مرة دون علمي .. وفي الثانية اغتصبني تحت التهديد بالفضيحة .. أي أنني مكرهة على الأمر ولا أستطيع المقاومة .. أنا مجرد امرأة لا حول لي ولا قوة .. آآآآآآآآه .. لقد انصهرت كليا ولا قيمة لي بعد اليوم ، لقد أصبحت ريشة في مهب الريح .. سوف أترك النار تلتهمني كما تلتهم الزبل .. المهم ألا يلحق العار أفراد أسرتي .. إنها تضحية من أجل المحيطين بي .. أما اللعبة الكبرى فهي للكبار .. ونحن لسنا منهم .. إن عدم وجودنا أفضل من وجودنا بكثير بالنسبة إليهم .. آآآآآآآآه .. آه من هذا الواقع .. آه من هذا الوجع .. كيف لقلبي أن يتحمل .. كيف لنفسي أن ترتاح .. كيف لنفسي أن تسعد بعد اليوم .. أما آن لقلبي أن ينفجر وتنتهي الحياة إلى الجحيم ؟؟ .. يا لها من أفكار قاتلة .. الموت !! .. الحياة !! .. الحياة أفضل .. وهي الخيار .. وما خُيِّرَ انسان بين الحياة والموت إلا اختار الحياة والعيش .. فهل أنا أقوى من غيري ؟؟ .. الحياة أحق من الموت بالاختيار .
                        وتجد نفسها منساقة لتنفيذ الخطة التي رسمتها .
                        تحسست بطنها بيديها ، الجنين ينبض في أحشائها ، أحست بنبضه أقوى من قبل , وانتابتها الهواجس ، وكوتها نيران القلق التي حرقت قلبها ولسعت روحها ، واحساسها بالاثم والذنب والعار ، وعاد السؤال يعصف بقوة :
                        ـ ماذا علي أن أفعل ؟؟ سأسقط الجنين .. لن أدعه يفرح به .. إن بامكانه الادعاء أنه ابنه .. وهو ابنه حقيقة .. لكني لن أدعه يفرح به .. سأسقطه .. نعم سأسقطه .. هذا هو الحل الوحيد .. لكن كيف سيسقط وعمره خمسة أشهر ؟؟ .. كان علي اسقاطه منذ زمن بعيد وليس الان .. ما أتعسني .. لكن سأجرب ربما نجحت .
                        أخذت تمارس حركات مجنونة . تقفز باستمرار وتنحني انحناءات متواصلة يرافقها الكثير من الخشونة . عل الجنين يسقط . ولكن عبثا .
                        ـ ما له يتشبث في أحشائي .. اخرج من بطني يا ابن الكلب .. ما أنت إلا ابن زنا .. واغتصاب مقرف .. اخرج مني .. ساعدني يا إلهي في التخلص منه ومن وجعي .. لماذا تغمرني بكل هذا العذاب ؟؟ .. دعه يسقط على الأقل .. أو عجل بخلاصي من هذه الدنيا .. رحماك يا رب .. إنك تعلم بحالي .. ماذا فعلت يا ربي لأستحق كل هذا العقاب ؟؟ .. إنني لم أجرم بحق مخلوق كان .. فلماذا أحمل أوجاع الدنيا كلها دون ذنب ؟؟ .. آه من هذه الدنيا كم هي قاسية .. إنني لا أقوى .. إن دمي يغلي في عروقي .. فجر قلبي يا إلهي .. فجر رأسي .. اسحقني .. امحقني .. لا أريد العيش مع العار .. دع الأرض تنشق وتبتلعني .. فجِّر لغما تحت قدمي .. علِّي أتمزق إربا إربا .. علِّي أتناثر أشلاء وشظايا لا يمكن تجميعها .. لعلِّي أرتاح من الدنيا .. أو ارشدني إلى حل يريحني من عذابي .. ساعدني يا رب .. ساعدني .
                        أخذت دموعها المنهمرة تلهب خدودها التي اصفرت منذ تم اغتصابها ، كانت تتقاذفها أمواج الألم وتلقيها على صخر واقعها الجديد ، وتمضي تجتر الآمها وحدها ، فلا يشعر بالألم إلا حامله , ولا يعرف الثقل إلا الرازح تحته ، ويمر الوقت ثقيلا عليها ، وهي على حالها شاردة الذهن حتى تعبت ، وداهمها النعاس فنامت .
                        ***************











                        " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                        تعليق

                        • هادي زاهر
                          أديب وكاتب
                          • 30-08-2008
                          • 824

                          #13
                          انشق الفجر فوق القرية ، وبدأت الحياة تستيقظ من نومها ، وجميلة جالسة في فراشها ، فقد قررت عدم الذهاب إلى الوعر لعلمها بما ينتظرها هناك ، فقد فعلت بالأمس ما لا يمكنها تقبله حتى في الحلم ، إنها تشعر بغثيان من نفسها وقرف ، لسماحها لسامي أن يضاجعها ، وما زال مشهد المضاجعة يقلق راحتها رغم أنه فعل مضى ، ورغم أنها شعرت بلذة الجنس ، لكنه يظل الجنس المحرم ، ولا يحق لسامي أن يفعل بها ذلك ، لكن خوفها من العواقب هو ما أجبرها على القبول ، وبينما هي على حالتها تسمع طرقا على الباب ، وصوت أختها سعدى يناديها ، تنهض مسرعة لفتح الباب ، فهي في أمس الحاجة لمن يسلي وحدتها ويخفف من همومها ، تفتح الباب :
                          ـ أهلا سعدى .. أهلا حبيبتي .. تعالي ادخلي .
                          ـ أسعد الله صباحك يا جميلة .. كما وعدتك بالأمس فقد أتيت .. أينه حبيب خالته ؟؟ .
                          ـ ادخلي يا سعدى .. ادخلي .. سنعد الشاي ونشرب ونتحدث قليلا .
                          وهما داخلتان تتابع سعدى كلامها :
                          ـ ماذا جرى يا جميلة ؟؟ .. بالك مرتاح اليوم .. ألن تذهبي إلى الوعر ؟؟ .. كأنك قد غيرتِ رأيك .
                          ـ شيء من هذا القبيل .. أحس نفسي زهقانة وليس بي اليوم رغبة .. غدا أو بعده أذهب .. الجلَّة لن تنتهي .. البقر موجود دوما والروث موجود طالما كان البقر موجودا .. فلا تخافي لن ينفد .. تعالي اقعدي هنا على الفرشة .. وانا سأعد ابريق شاي .. حتى أنا لم أفطر إلى الآن .. والولد ما زال نائما .. هيا سأعد الشاي وأجهز الفطور ونوقظ الصبي ونفطر كلنا .
                          ـ حسنٌ .. أنت اعدي الشاي وجهزي الفطور .. وأنا سأرى الغالي .. حبيب خالته .. والله غلاوته كغلاوة الروح .. أينه حبيب خالته ؟؟ .
                          تمضي جميلة إلى الجانب وتبدأ باعداد الفطور ، بينما تنهض سعدى وتذهب إلى حيث ينام الطفل وتبدأ بمداعبته وملاعبته وتقبيله ، حتى يستيقظ ، وتلوح البسمة على شفته ، فبراءة الاطفال أمر يغري الكبار بالعطف والحنية ، تحمله سعدى وتعود إلى الفرشة ، تجلس وتجلسه في حضنها ، وتبدأ بملاعبته ومحادثته واستلطافه ، ولا تتوقف عن تقبيله ، والطفل يضحك لها ، وبعد مدة تنادي على جميلة :
                          ـ يا جميلة ؟؟ .. هل أنهيت تجهيز الفطور أم لا ؟؟ .. أبي الآن يقلب البيت بحثا عني .. ومؤكد أن صوته الآن يدوي في الشارع .. كلما غبت عنه قليلا .. يقلب البيت وصياحه يصل آخر الطريق .. لا أعرف ما جرى في الفترة الأخيرة.. أصبح يحبني أكثر من قبل .. عجلي يا جميلة .. اسرعي قليلا .. هل سيطول الانتظار ؟؟ .. سيقلق أبي كثيرا علي .. اسرعي يا جميلة .
                          ـ لا لن يطول .. دقيقة ويكون جاهزا .. فقط انتظري حتى يغلي الابريق .. تمهلي قليلا .. فلن يغضب حين يعرف أين أنت موجودة .. فهو يحبني أيضا كما يحبك .. إن أبانا طيب جدا .
                          ـ قبل يومين فقط .. ذهبت لأعلف الدواب .. وغبت قليلا في الحاكورة .. وبدأ صياح أبي .. يا سعدى .. يا سعدى .. أين أنت يا مسخوطة ؟؟ .. أين أنت يا بنت ؟؟ .. أين أنت ؟؟ .
                          ـ ولِمَ غبتِ يا سعدى ؟؟ .. أما زلتِ تأملين أن يخطبك ؟؟
                          ـ وماذا أفعل أخيتي .. القلب متعلق به .. ولا أستطيع نسيانه .. والله إنه يُحَبُّ .. أخذ قلبي معه ومضى .. ومنذ سجنوه وأنا أنتظر عودته .. في نفس المحل بجانب السلسلة .. يمكن أن ربنا يفرج همنا ويعود إلي .. هو يحبني أكثر من حبي إياه .. لكن خجله من أبي وأمي .. كان حين يسمع صوت أمي أو أبي .. يختفي .. كأن الأرض تنشق وتبتلعه .
                          ـ فك الله قيده وأعاده إليك يا سعدى .. احكي لي الخبر الصحيح .. أنا أختك وسرك لا يصونه مثلي .. ألم يلمِّح لك ؟؟ .. ألم يقل لك أنه سيخطبك ؟؟ .. الحب نهايته الزواج .. أو سيكون مجرد لعب .. وأخشى أن يكون لاهيا ويلعب بعواطفك فقط .. وربما استغل طيبتك .. أنا أختك وأعرفك .. وأعرف رقتك المفرطة .. وقلبك العاشق منذ الصغر .
                          ـ لا .. ماذا ؟؟ .. يلعب بعواطفي ؟؟ .. كان قد نوى أن يحضر أباه ويكلم أبي ويخطبني .. لكن السجن قطع الطريق عليه .. ولهذا السبب لم يحضر حتى اليوم .. وكل يوم أذهب وأتحسس إن كان خرج من السجن أم لا .. وأملي بالله كبير .. لا بد أن يأتي ويخطبني .. فهو يحبني جدا .
                          ـ ايه يا سعدى .. رده الله سالما غانما .. إن كان الأمر كذلك فانتظريه حتى يخرج من السجن .. وكشخص فهو لا غبار عليه .. أخلاقه رفيعة .. ونشيط .. وليس عاطلا عن العمل كأغلب الشباب في هذا الزمن .. الشاب أصيل يا سعدى .. فقط أرجو أن يصدق .
                          ـ يسمع الله منك ويفك أسره .. اسكتي يا جميلة لا تفتحي جروحي .. والله إن قلبي ملتهب شوقا .. وأنتظر اللحظة التي أراه خارج السجن .
                          ـ ماذا ستفعلين ؟؟ .. ماذا يا بنت ؟؟ .. قولي ولا تخجلي .
                          تبتسم سعدى ابتسامة خفيفة ، وتغطي وجهها بيديها خجلا :
                          ـ لا شي.. لن أفعل شيئا .. لا تخجليني يا جميلة .
                          ـ سعدى !!! أنا أختك .. وكما قال المثل .. ابن بطني يعرف رطني .. ما الذي في بالك تفعلينه ؟؟ .. فقط إياك أن تفكري بالخطأ ..
                          ـ كفانا الله شر الخطأ .. أي خطأ .. كنتُ نويت أن أقبله قبلة صغيرة فقط .. وهذه ليس فيها خطأ .. في السر آخذها منه .. ليعلم أني ملهوفة عليه .. ويحس بشوقي إليه .. وأنني لا أطيق بعده عني لحظة .. ليدرك مدى حبي له .
                          ـ ههه .. هههه .. أخزى الله شيطانك يا سعدى .
                          في هذه الأثناء فرغت جميلة من اعداد الفطور ، وأحضرته على طبق القش ، وبدأ الجميع بتناول الافطار ، ومتابعة الحديث فقالت سعدى :
                          ـ نعود إليك يا جميلة .. لماذا لا تريدين الذهاب إلى الوعر ؟؟ .
                          ـ لا شيء ..أحس نفسي زهقانة اليوم .. ولا أفكر في الذهاب اليوم .. لاحقا أذهب .. وكما قلت لك .. الجلة لن تنفد من الوعر .. والطابون يوجد زبل نزبله بضعة أيام .
                          ـ حسنٌ .. على راحتك أخيتي .. المهم حين تقررين الذهاب أخبريني .. الولد في عيوني .. أبي وأمي دوما يوصياني عليك .. وأنت تعرفين رضى الوالدين .. وأنا لا أخالف أبي وأمي .. ما يطلبانه ينفذ .. دعيني أرجع إلى البيت .. مؤكد أبي الآن قلب البيت علي .. أستأذنك .. خذي الولد .
                          ـ ابقي قليلا .. لن يحدث شيء .. هاتي الولد .. تعال بُني .
                          ـ لا أخيتي .. الآن أبي وضعه مقلوب يقينا .. دعيني أذهب .
                          تنهض سعدى ، وتودع جميلة وتمضي عائدة إلى بيتها ، وتسمع وهي في الطريق كلما اقتربت من البيت صوت والدها يصرخ وينادي عليها :
                          ـ يا سعدى .. أين أنت يا بنت يا مسخوطة .. أين اختفيتِ يا بنت .
                          تجيبه سعدى وهي في الطريق :
                          ـ جئت يا أبي جئت .. كنت عند أختي جميلة .. ورجعت بسرعة .
                          ـ غلبتيني يا بنت .. لو أخبرتني يا ابنتي .
                          ـ نسيت يا أبي .. وحياة شاربك نسيت .. لا تغضب يا أبي .
                          ـ آآآآآآخ .. فقط لولا محبتك الزائدة .. آخر العنقود يحفظك الله لي .
                          ***************




                          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                          تعليق

                          • هادي زاهر
                            أديب وكاتب
                            • 30-08-2008
                            • 824

                            #14
                            كانت جميلة طوال الفترة الماضية حريصة على تجنب لقاء سامي ، حتى لا تسقط في وحل الخيانة والتجسس على زوجها وأهل بلدها ، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فالمصير تقرر ، وليس باليد حيلة ، وها هي تصطدم مع سامي وجها لوجه أثناء جمعها الجلة من الوعر ، لتسأل نفسها :
                            ـ من أين ظهر لي ؟؟ .. يا رب اجعل العواقب سليمة ؟؟ .. رجلاي لا تحملانني .. أي نهار هذا ؟؟ .
                            يقترب سامي ويلقي التحية :
                            ـ صباح الخير يا حبيبتي .
                            تصعق جميلة لسماع هذه الكلمة ، وتنظر مشدوهة ، فيواصل سامي الحديث :
                            ـ ما لك تنْزعجين مني في كل لقاء ؟؟ .. أم أن كلمة حبيبتي تزعجك ؟؟ .. أنت حبيبتي حقا وليس كذبا .. ولا أمثل عليك في هذا الأمر .. فأنا أحبك حقا يا جميلة .. ولو لم أكن أحبك لما سعيت وراءك كل هذا الوقت .. هناك الكثيرون ممن يقومون بالمهام المطلوبة .. فليست هي أهم ما يربطني بك .. إن ما في بطنك هو الذي يربطنا ببعض .. ويحتم علينا أن تكون علاقتنا علاقة محبة قوية متينة .. نعم يا جميلة .. إن الواجب يحتم علينا أن نحب بعضنا البعض .. رغم أنك دوما تكذبين عليَّ .. وتخلفين وعودك .. أما أنا فما زلت منذ اللقاء الأخير أحضر كل يوم وأنتظرك .. وهذا لوحده تأكيد على أني أحبك أكثر من روحي .
                            تواصل جميلة صمتها وسط عجزها عن الرد ، ودهشة تلجمها عن الكلام ، وعندها يواصل سامي حديثه :
                            ـ يا جميلة عليك أن تكوني صادقة معي .. وتكفي عن الكذب علي كل مرة .. وعليك أن تخرجي من أزمتك .. فأنت لست أول مرأة في العالم تمر بهذه التجربة .. ولن تكوني الأخيرة .. لقد خلقت النساء لتحبل وتلد .. ولا تختلفين في هذا عن غيرك .. والفرق الوحيد هنا أن ابننا ليس ابن حلال .. لكن رغم ذلك فهو ابننا .. وأنا أعترف بذلك .. ولن أنكر ما حييت أنه ابننا نحن .. بل كيف لي أن أنكر وأتهرب من أبوة ابني ؟؟ .. هل يوجد يا جميلة أب يفعل هذا ؟؟ .. مستحيل .. لا يوجد أب ينكر ابنه .. سأكون إلى جانبك دوما .. إن لي صدرا حنونا .. يمكنك الوثوق به .. يمكنك أن تلقي رأسك عليه ، لتسترخي وتكوني هادئة البال ومرتاحة القلب .. لقد انتهى عهد الشقاء يا جميلة .. وبدأ عهد الرخاء .. رغم أن عيشك تغير قليلا من الفقر إلى الغنى .. لكنه لا يقاس بالغنى والسعادة التي تنتظرك معي .. فقط وافقيني وأطيعيني يا جميلة .. الانسان يعيش مرة واحدة .. فلنعش حياتنا بسعادة وراحة وغنى .. أليس أفضل على الأقل من الوضع الذي أنت فيه .. وهل جمع هذا الروث عمل يناسب حبيبتي الجميلة ؟..ولِمَ تجمعين الروث ؟؟ .. أليس من عمل غيره ؟؟ .. أليس لديك ما تقومين به غير جمع روث البهائم ؟؟ .. أي عمل حقير هذا .. أي عمل اخترتِ لنفسك يا حبيبتي ؟؟ .. مالك هل جننتِ ؟؟ .
                            ـ للطابون .. أزبل به الطابون .. ليظل حارا وأخبز الخبز .
                            ـ ماذا ؟؟ .. .. أما زلتم تعيشون هكذا ؟؟ .. عندنا لا يوجد مثل هذا .. عندنا الخبز في الفرن والدكان .. لا تقولي أنك سعيدة بهذا الشغل وهذه الحياة .. وأنك تعيشين في راحة بال .
                            لكن جميلة تحدث نفسها بصمت قليلا ، ثم تجيب بصوت مرتفع :
                            ـ إن راحة القلب والبال ماتت .. لقد انتهيت وانتهى أمري .. وتنتظرني أيام سوداء .. هذا شهري السادس .. ثلاثة شهور ويشرف المولود .
                            يواصل سامي حديثه :
                            ـ رائع جدا .. ابتسمي يا روحي .. انسي هموم الدنيا .. إن ابتسامتك تبعث السرور في فؤادي ، وسعادتك ترسل السعادة إلى نفسي ، فقد أصبح بيننا ترابط روحي ، لا يمكن تجاهله .. إنه واقعنا الذي لا مفر لنا منه .. ما لك تصمتين غير مصدقة ؟؟ .. إنها طبيعة الحياة بين شخصين وصلت العلاقة بينهما حد الامتزاج .. والانصهار .
                            لكن جميلة تنظر إلى سامي ، وكأنها استيقظت للتوِّ لدى سماع تعبيره الأخير فيواصل سامي حديثه المعسول :
                            ـ قد لا تصدقين ولكنها الحقيقة .. إن طيفك يجثم فوق وسادتي دائما.. وصورتك تأبى الانسلاخ عن مخيلتي .. إنني مغرم بك يا جميلة .. إنني أعشقك .. هائم بك .. أحبك .. أحبك يا جميلة أحبك .. امنحيني الحب يا حياتي .. وسترين بأني سأكون سندك الأبدي .. ولا تنسي أنه ابننا المشترك هذا الذي يكبر في أحشائك .. وقد اقترب وقت خروجه .. ثم يا حبيبتي إنك بحاجة إلى من يفهمك ويقدرك ويقدر مشاعرك كامرأة .. لست بحاجة إلى من يُسَخِّرَك في خدمته .. أنت بحاجة إلى من يقدر هذا الجمال الذي تتمتعين به .. إلى من يضمك ويعتني بك ويحترمك كانسانة .. إن الحب والحنان يملآن قلبك وعينيك .. وأنت بحاجة إلى من يقدر هذا .. إن زوجك عدنان يهمل هذا الجمال .. لا يلتفت إلى رقتك وطيبتك .. إنه يهمل هذه الروعة .. وهذه الرقة .. والنعومة .. وهذا الحسن الأخاذ الذي لفحته شمس الريف .. إنك بحاجة لمن يحترم أنوثتك الشهية .
                            ينحني ويضمها برقة إليه وعيناه تترقرقان بالدموع ، وتحس جميلة بدفء يسري فيها ، وتثور شهوة الأنثى فيها إلى الرجل ، وتغمض عينيها وتستسلم بين ذراعي سامي الذي لا يغفل هذا ، فيقبلها من شفتيها بحرارة ، ويقبل نحرها ، ثم يتابع حديثه :
                            ـ كيف يقوى زوجك على هجر هذا الجمال ؟؟ .. كيف يقوى على البعد عن هذا الملاك ؟؟ .. يا حبيبتي .. يا ملاكي الجميل .. اقتربي يا حياتي .. ادخلي قلبي وسأخبئك مدى العمر .. اقتربي يا جميلتي .. لا تنْزعجي يا روحي .. لا تنْزعجي يا قلبي .. لا تنْزعجي يا سعادتي .. إني أعبد هذه الروح الطاهرة .. إني أقدسك حبيبتي .. سأرفعك إلى السماء .
                            كانت جميلة مرتخية بين ذراعي سامي ، غائبة عن الوعي ، لرقة حديثه ، وملامسة يده لجسدها بنعومة ولطف لم تعهدهما من قبل ، وظهرت عليها علامات الشبق بقوة وارتخى جفناها وذبلا ، وأدرك سامي أنها أصبحت دمية في يديه ، وأن بإمكانه أن يفعل بها ما يشاء ..
                            " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                            تعليق

                            • هادي زاهر
                              أديب وكاتب
                              • 30-08-2008
                              • 824

                              #15
                              ******************
                              تتوثق العلاقة بينهما مع الأيام ويزدادان قربا من بعضهما ، وتنخرط جميلة في العمل مع سامي ، وكانت تشعر بتأنيب الضمير مع كل خيانة تقوم بها ، لكن اغراء المال كان كفيلا بقتل الضمير فيها ، ثم قدرة سامي على تغييب زوجها عدنان جعلتها تشعر باطمئنان إلى العمل مع سامي ، ونسيان كل ما سواه ، رغم أنها غير راضية عما تفعل ، وتغطس في وحل الخيانة حتى أذنيها ، وأصبحت لقاءاتها معه تتسم بالطبيعية ، فقد كانت في نظر سامي زوجته ، ومعاملته لها على هذا الأساس ، فلا عجب أن يغدق عليها المال حتى لا تعاني من الفقر ، وذات لقاء يحضر سامي جهاز تسجيل صغير ، وخلال اللقاء ، يخرج سامي الجهاز من جيبه :
                              ـ ما هذا يا سامي ؟؟ .
                              ـ سأريك حبيبتي انتظري قليلا .. إنه شيء لم تريه من قبل ولم تعرفيه .
                              يشغل الجهاز ويضعه جانبا ويتابع الحديث معها ، وينشغل بالعناق والقبل ، ثم يتوقف ، ويتناول الجهاز ، ويشغله ، فتقفز جميلة من مكانها مذعورة ، فلم يسبق لها أن رأت مسجلا أو استعملته ، ويهدئ سامي من روعها ، ويشرح لها الأمر ، وأن هذا جهاز تسجيل أصوات ، وهو يسجل أي صوت يصدر ، من خلال الضغط على زر معين ، يريها إياه ، ويريها الزر الذي يشغله ، ويعلمها وظيفة كل زر في الجهاز ، فتهدأ جميلة وتمسك الجهاز وتتأمله وسط دهشتها التي ما زالت تعتريها ، ثم تخاطب سامي :
                              ـ وما حاجتنا لمثل هذا الجهاز .. وهل له وظيفة محددة في علاقتنا وعملنا ؟؟ .. لا أظننا نحتاج أكثر من اللقاء .. ما رأيك ؟؟ .
                              ـ يا حبيبتي .. بل نحن نحتاج إليه كثيرا .. هذا الجهاز ستضعينه في بيتكم وتشغلينه في الوقت الذي يجتمع عدنان وجماعته .. لأن ما تنقلينه من كلام عنهم لا يفي بالغرض .. وربما تحدثوا بأمر وكانوا يقصدون أمرا آخر .. ولعلهم لا يثقون بأحد ، وبالتالي فان كلامهم كله رموز وإشارات .. وهذا يصعِّب مهمتنا .. ومهمتك أيضا .
                              ـ لكن أنا لا أعرف كيف أستعمله ؟؟ .
                              ـ لا عليك حبيبتي .. سأعلمك الان كل ما تحتاجين له .. خذي الجهاز وضعيه بين نهديك داخل الصدرية .
                              تأخذ جميلة الجهاز وتنفذ طلب سامي ، ويتابع سامي :
                              ـ أرأيتِ حبيبتي .. لا يمكن أن يحس أحد بوجوده معك .. والان اخرجيه .. لأعلمك البقية .
                              ـ لا أريد .. اخرجه أنت .
                              قالت تلك الجملة ، وكان هدفها أن يداعب سامي نهديها ، فقد جربت رقته في المداعبة ، لكن سامي فكره مشغول بما هو أهم من ذلك في تلك اللحظة ، لكنه يلبي رغبة جميلة ، فيدخل يده إلى صدرها ويخرج الجهاز ، ولا ينسى أن يدغدغ نهديها قليلا ، فيرتفع غنج جميلة ، وتأوهها ، وتذبل عيناها،ثم يجلسان ويتابع تعليمها على الجهاز ، حتى يتأكد أنها حفظت كل ما يتعلق به ، والذي تقتضي المهمة ، أن تضعه جميلة في البيت وقت الاجتماعات ، ثم نقله إلى شق في جذع زيتونة اتفقت مع سامي عليها ، ثم تعاود أخذه ثانية من جذع الشجرة لتعيده ثانية إليها ، إلى أن يلتقيا ، وظل أمر وضع الجهاز في شق الزيتونة دون تغيير ، وهكذا دواليك ، حتى صار كل ما يقوم به زوجها وجماعته مكشوفا ومعروفا لسامي ، وكثيرا ما كان سامي وبعض رجاله يقفون بانتظار وصول جماعة عدنان ، فيقبضون عليهم قبل تنفيذ المهمة ، وكل ذلك بفضل ما تقوم به جميلة ، وما تزود به سامي من معلومات ، رغم كرهها لما تقوم به من مهمات ، ويتم القبض على عدنان أيضا أثناء تنفيذ مهمة ، ويحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة، ويخلو الجو لسامي ، فقد كان عدنان يمثل عبئا على لقاءاته مع جميلة ، وها هو أودع السجن ، وخلا الميدان لحميدان .
                              انزعجت جميلة من الوضع ، وحاولت جاهدة مع سامي أن يترك عدنان ويخلي سبيله ، لكن سامي رفض طلبها بشدة ، ولم ينس أن يطمئنها أن زوجها في أيد أمينة ، وسجنه جاء حتى لا يُقتل ، لأنه لا يريد قتله من أجلها فقط ، فاطمأنت إلى كلامه ووعده ، رغم أن الثوار منذ توطدت علاقتها بسامي بدأوا يتدحرجون الواحد تلو الآخر ، لكنها ظلت على ثقتها بسامي ووعوده بعدم قتل زوجها ، فهو ما زال زوجها ، رغم علاقتها بسامي .
                              صارت جميلة وحيدة في بيتها مع ابنها ، لذا كانت تدعو أختها سعدى كثيرا الى بيتها ، وتبقى عندها طول النهار ، وأحيانا تنام عندها ، حتى صار غياب سعدى عن بيت جميلة أمرا نادرا ، وفي هذه الأثناء يخرج حبيب سعدى من السجن ، ويعود إلى لقائها ، والسمر معها في الليل ، خاصة أن البلد لم تحظ بالكهرباء بعد ، وهنا تعرف جميلة بطريق الحيلة بلقاء سعدى مع حبيبها ، فتقرر أن يكون لقاؤهما عندها في البيت ، وتبدأ باستمالة حبيب سعدى للقدوم والسهر معهما في البيت ، ويرفض ، لكنها تفاجئه بمعرفة كل شيء عن علاقته بسعدى ، ورغم ذلك تعده بمساعدته على الزواج من أختها ، وستكون له عونا على ذلك ، وهي امرأة غنية ، واذا احتاج مالا فستعطيه ، ويرضخ الشاب أمام إلحاح جميلة ، ويلبي طلبها ، ويطرق الباب ليلا ، وترتجف سعدى لحضوره ، فتطمئنها جميلة وتخلي المكان تاركة الحبيبين معا ، يتمتعان ببعضهما ، وجميلة تتولى حراستهما خوفا من أن يطرق أحد الباب فجأة فينفضح الأمر ، وتتوالى لقاءات الحبيبين ، ويسر إلى حبيبته بمهمته المقبلة ، وما سيقوم به من عمل بطولي ، ويوصيها بانتظار الخبر السار ويمضي ، ولأن سعدى لا تخفي عن جميلة شيئا ، أبلغتها بخوفها على حبيبها ، وعن المهمة التي سيقوم بتنفيذها ، دون أن تفكر للحظة أن كشف أمر حبيبها سيكون الخطوة الأولى في طريق سقوطه شهيدا ، على تراب الوطن وفي سبيله ، وطمأنتها جميلة أن حبيبها سيكون بخير ، وحاولت التخفيف عنها بسرد حكاية عدنان الذي يقبع في السجن ، بسبب وطنيته وحبه لبلده ، وكيف أن عدنان دخل السجن من أجل بلده ، لكن ظل رأسه مرفوعا وقامته تطاول الشمس ، وأنها فخورة بعدنا إلى حد لا يصدق ، وأن على سعدى أن تفخر بأن حبيبها سلك هذا الطريق ولم يسلك طرق الزعرنة ، ولم يرافق السفلة ، بل رافق الأبطال لأنه منهم ومثلهم ، ومن كانت هذه حاله فحق لسعدى أن تفخر به ، وترفع رأسها مباهية بنات القرية بحبيبها ، فمن مثلها حظيت بحبيب كحبيبها ، إنها تشعر بحسد بنات القرية لها على هذا الحبيب ، وتضحك فرحا في سرها ، إنها ملكة على عرش قلبه ، ومعاملته لها دوما تشعرها بذلك .
                              *************











                              " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                              تعليق

                              يعمل...
                              X