هادي زاهر
السر الدفين
{ رواية}
حقوق الطبع محفوظة للكاتب
إستهلال
عزيزي القارئ.. لقد كنت مجنوناً أثناء كتابتي لروايتي هذه، لقد بكيت في انطوائي وضحكت كثيراً عندما خرجت من ذاتي وتقمصت حياة أبطال الرواية منتحلاً أفكارهم ومشاعرهم.. لقد أردت لروايتي أن تكون مفاجأة للوسط العربي في البلاد. وأن تضاهي في حبكتها الفنية الروايات الصادرة في كل مكان.. تذكرت ما كتبه سلامه موسى، من أن ما ينجزه الإنسان العبقري بسهولة، يستطيع أن ينجزه الإنسان العادي إذا بذل جهداً مضنياً، لذلك كانت عملية مخاضها صعبة امتدت أمدا طويلاً، ومع صدور روايتي هذه أكون قد بلغت الخمسين من عمري، وهذا معناه أني لم أعايش الواقع كله، ولكني واكبت شيئاً من حياة الفلاحين، واكبت "البيادر" وركبت على "لوح الدراس"، لقد استحضرت مثل هذه المناظر ومناظر أخرى استحضرتها من خلال سماعي للحكايا التراثية .
عزيزي القارئ.. قد تساءل البعض باستغراب، ومن يملك اليوم الوقت لقراءة رواية بهذا الحجم، وبطبيعة الحال فان كتابة الرواية بحاجة إلى انتهاج تقنيات أدبية تفتقدها الألوان الأدبية الأخرى، منها الإسهاب في وصف الكثير من الأمور بدقة متناهية، ومعالجتها لعدة قضايا من زوايا مختلفة، ولكن عندما عرضتها على بعض الأخوة الأدباء لإبداء ملاحظاتهم القيمة، فقد استفدت بالرغم من أنها كانت مقتضبة، كانت ردود الفعل طيبة ومغايرة للتساؤل، إذ تترجمت لدى مل من عرضتها عليه بقراءتها خلال أيام معدودة.
بالنسبة لأحداث الرواية والتي تصور مناظر معينة من حياة شعبنا في هذه البلاد أثناء فترة تاريخية مهمة.. فقد حرصت على إظهار جوانب لم تطرق، ولا أريد هنا الإشارة إليها، وإنما أترك ذلك للقارئ، وقد عز على بعض الإخوة أن يؤول الأمر إلى مثل هذا الواقع، وهو ما قد تجرح أحاسيس شريحة معينة، وهنا أقول إن مهمة الأدب أن يتطرق إلى الشاذ من الواقع كما يتطرق إلى العادي أيضا . هذا علما أن المخفي أعظم، ولكن ما فاجأني هو أن أحد الزملاء قرأها خلال ليلة واحدة، لقد اعتبرت ذلك بمثابة جواز سفر عام يجيز عبورها إلى العالم الرحيب .
عزيزي القارئ بقى أمر أحب أن أشير إليه وهو أني تعمدت المزج بين الفصحى والعامية حيثما رأيت أن ذلك يخدم النص والقارئ .
ختاماً عزيزي القارئ أتمنى لك وقتاً ممتعاً بصحبة روايتي
الفصل الأول
نهض سامي من نومه وتوجه إلى النافذة وأخذ يمعن النظر في الأجواء الخريفية التي بدأت تشيع، والأشجار التي بدأت تتعرى رويداً رويداً من أوراقها، والطيور المحلقة، جو شاحب رمادي، ,اسلم نفسه للخيال، فعاد إلى الماضي وما تكبده من مصاعب في طريقه حتى استقر في البلاد، ومرت أمام عينيه الذكريات وما قام به من مهمات، وكيف خرج من العراق سراً، وكيف استطاع الوصول إلى البلاد، وكيف كان لقاؤه الأول بمن سبقه من زملائه، وحاله في الأيام الأولى لوصوله، حيث سكن في (العبارات) التي تصلح فقط للبهائم، وكيف تحمل كل تلك المشاق والمصاعب في سبيل الهدف.
أحس بقشعريرة تسري في جسده، ضاقت نفسه، استل سيجارة، أشعلها وراح يمص الدخان بشدة ثم رفع رأسه نحو السماء وأخذ ينفث الدخان إلى أعلى على شكل دوائر، وتداخل تفكيره مع الدوائر المتصاعدة في حوار ذاتي أليم:
- ترى ما هي النهاية؟؟ هل نقتلعهم ونستولي على أمكنهم.. هل سننجح؟ وإذا نجحنا هل سيكون ذلك نجاحاً مؤقتاً أم نجاحاً أبدياً؟؟
سحب نفساً من سيجارته ونفث الدخان بعيداً وهو يهز رأسه متأففاً:
- ولكن المهمة صعبة.. بل إنها صعبة للغاية.. سيتوارثها جيل بعد جيل.
يأخذ نفساً آخر وينفث الدخان ثم يستدير ويتجه إلى المطبخ، يطفئ سيجارته وينشغل بإعداد إفطاره.. يتناوله بسرعة.. وهو يفكر في المهمة التي أوكلت إليه.. انتهى من الفطور ثم توجه إلى غرفة نومه وحمل ثيابه التنكرية التي تم تخصيصها له في مهمته، ثياب كثياب الفلاحين ليظهر كواحد منهم، قنباز وسروال، إضافة إلى الحطة والعقال، ثم خرج وأقفل باب البيت خلفه ومضى إلى سيارته، فتح الباب وتناول (المنويل) واستدار قاصداً مقدمة السيارة، وضع (المنويل) في المكان المحدد وراح يديره حتى اشتعل محرك السيارة، وقف قليلاً ومسح جبهته ثم دخل السيارة وجلس قليلاً وأشعل سيجارة وهو يتنفس بعمق نتيجة تشغيل المحرك والجهد في أدارة المنويل.
انطلق بسيارته حتى وصل قريباً من المكان المرسوم، أوقف السيارة على جانب الطريق في الحرش، وترجل منها بعد أن ارتدى ثيابه التنكرية ومضى في طريقه وعلامات الحيرة بادية على وجهه، كان عليه ان يقوم بالمهمة التي أوكلت إليه من قبل الجماعة الذين كانوا يفضلون الاعتماد على الرجال تفهماً منهم لتقاليد العرب، ولكنهم فشلوا، فقد أرسلوا أكثر من غانية لاصطياده ولكنهم فشلوا، فاعتمدوا على خطة استثنائية تتلخص بإيقاع جميلة زوجة عدنان، ذلك الثائر العنيد الذي لا يخشى ولا ينحني أمام الإغراء.. فعدنان من النوع الصلب الذي لا ينحني أمام أي شيء، وقد رهن نفسه لبلاده مع ثلة من الشباب الذي لم يصب بالإحباط نتيجة هزيمة الجيوش العربية واستسلام كافة القرى ابان الحرب. وخضوع عرب فلسطين للواقع والحكم الجديد.
كانوا على علم ان الاجتماعات تعقد في بيته ولا سبيل للوصول إليهم أفضل من زوجته.. ان نجاح المهمة معناه معرفة المعلومات من مصدرها الأول الأمر الذي يسهل إفشال خططهم ويوفر الكثير من الجهد الكبير في صفوفهم مما يعجل في النصر لذلك فمن المحتم نجاح الخطة التي رسمت بإتقان كبير.
اليوم هو بداية موسم قطف الزيتون والعائلات منتشرة في الكروم لجمع الغلة، كان عدنان يمللك كرماً من أشجار الزيتون، كانت العائلة تخرج لجمع غلتها، والكرم يقع على سفح تلة تم تحريشها منذ زمن بعيد، والصاعد من الكرم إلى الحرش يختفي بسهولة دون أن يكتشفه احد لان الحرش مليء بالأعشاب التي تغطي التربة والشجيرات الصغيرة المنتشرة بكثافة فيه تساعد على الاختفاء السريع، وأغلب الجوالة حين يريدون قضاء الحاجة يصعدون إلى الحرش ويندسون هناك، يقضون حاجتهم ويعودون.
كان سامي على عجلة من أمره، وكثيراُ ما سرح بفكره محدثاً نفسه:
- عليّ أنجاح في المهمة.. عليّ أن لا أتوانى أبدا.. إنها مهمة مقدسة ولا يجوز الفشل ولا التلكؤ لأن التلكؤ أو التواني في انجاز المهام يعني أننا غير جديرين للقيام بما يوكل لنا.
وأخذ يسير بسرعة كبيرة بين أشجار الصنوبر حتى وصل إلى موقع قريب مشرف بحيث يرى الناس ولا يرونه، وبدأ يرصد المكان، وكم كانت فرحته بالغة حين لمحها ولحسن حظه كانت جميلة تعمل دون زوجها وهي قريبة منه نوعا ما وإمكانه تمييز ملامحها، حدق نظره وبانت على وجهه أمارات الإعجاب، لقد كانت جميلة ذات أنوثة نابضة مفعمة بالحياة، لمح حمرة خديها وطولها الفارع، وأثاره نهديها البارزان واللذان يكادان يشقان الفستان ويبرزان خارجا، وتأمل ردفيها المترجرجين بفعل حركتها حتى كأنها من فتيات المسابقات الرياضية، وسال لعابه، وقال في سريرته وهو يشعل سيجارة:
- إنها اسم على مسمى، يا لها من أنثى شهية، إنها غاية في الحسن.
واستدرك قليلاً وهو ينفخ دخان سيجارته في الهواء:
- وما لي ولهذه الأفكار.. أنا في مهمة محددة.. عليّ القيام بها لا أكثر ولا أقل.. ويجب أن لا يتشتت تفكيري.
لكن نظره كان مركزاً على صدرها الرجراج ، وأخذه الخيال بعيداً حتى كاد ينسى مهمته التي حضر من أجلها، لكنه عاد واستدرك:
- عليّ التقدم.. لقد شطح الخيال بي بعيدا.
رمى سيجارته وداسها بحذائه قم نظر إليها ليتأكد إنها انطفأت، وبدأ التقدم باتجاه جميلة ولكنه كلما تقدم قليلا يتوافد أفراد الأسرة والجوالة من كل صوب لإفراغ الحمولة على البساط الذي فرش تحت شجرة زيتون كبيرة نسبيا، فالكرم له عدة أصحاب شركاء فيه، فيتمهل في خطواته، وما أن يعودوا لمواصلة القطف حتى يعاود سيره عله يدركها ليبادرها الحديث ويمهد الطريق للوصول إلى غايته، واستمر في العجلة والإبطاء مرات عديدة، الأمر الذي أدخله في حالة عصبية فاخذ يزفر عميقاً ويضرب الأرض برجليه ويصك على أسنانه.. والعصبية بادية على وجهه:
- ماذا عساي أن أفعل يا رب؟؟ سهل مهمتي بجاه كليمك.. أفففففف... أففففففففففف
يصمت قليلا ثم ينتفض مسترسلاً:
- لقد قيل عني صاحب قلب شجاع.. عليّ أن أكون شجاعا.. ثم إن مهمتي ليست مستحيلة.. إنها صعبة.. لكنها ليست مستحيلة.. قم إن الكلمة الحلوة تخرج الأفعى من وكرها.. والنقود.. النقود ذلك الشيطان الحقيقي الذي يستطيع فعل كل شيء.. الذي يستطيع أن يثني أثخن شارب من شوارب هؤلاء القذرين.
يستدير برأسه متفحصاً الموقع بحركة نصف دائرية ويكرر الأمر مرات عديدة، يتوقف بين الفينة والفينة محدقا في جهة من الجهات ويداهمه السعال من أثر الدخان ويكتم السعال حتى لا يثير انتباه أحد ويرمي سيجارته التي لم يستهلط إلا أقل من نصفها ويتابع حديثه:
- جربنا إغراء زوجها عدنان وفشلنا فهل سننجح في إغراء جميلة؟ إنه سؤال محير.. أخشى أن تكون أشد صلابة من زوجها، نحن أمام مشكلة عويصة.. لا.. لا .. عليّ أن أنجح وبسرعة.. لقد وعدت بالترقية.. سأفعل المستحيل من أجل نجاح المهمة.. إنها فرصتي ولن أفوتها.. قد تكونت فرصة العمر.. بل إنها كذلك.. إنها السلم الذي سأرتقي عليه إلى أعلى الدرجات.. إن الآخرين معي ليسوا أكثر ذكاء مني لذلك سوف أقهر كل العقبات أياً كانت خاصة أنني نجحت في السابق في مهمات أخرى.. لقد أوكل إلرّ نسف الكنيس على المصلين في بلاد ما بين النهرين لدفع أبناء شعبنا للهجرة إلى أرضنا المقدسة التي وعدنا بها الرب وقد نجحت في مهمتي رغم صغر سني.. فهل يعقل أن أفشل الآن؟
يتنهد ويواصل حديثه مع نفسه:
- وهنا عليّ أيضا أن أنجح في مهمتي.. ولو فشلت فهي نهايتي.. لا ..لا.. لن أسمح لنفسي بالفشل.
يضرب الأرض بقدمه مكررا:
- عليّ أن أنجح في مهمتي.. إنها امتحاني الصعب.. إنها أكبر تحد أواجهه في حياتي ونجاحي يثبت قوتي أمام ذاتي وأمام جماعتي لذلك عليّ أن أتقدم للمهمة بإرادة فولاذية فلا مجال الان للتردد والخوف.. ماذا أصابك يا سامي؟؟ لم تتردد من قبل..
يصمت قليلا ويعود بأفكاره إلى كنيس "شمطوف" في العراق وإلى مرابع صباه وطفولته في تلك البلاد التي ما زال الحنين والشوق يشده ويثور في صدره كلما مرت بخاطره او رأى صديقا له جاء من تلك البلاد، حتى لكأنها جنة فقدها في صغره أو حضن والدته نزعوه عنه بالقوة، لذلك تراه يذرف الدمع كلما سمع مجرد موال أو بيت عتابا من أحد الفلاحين في البلاد، ثم يعود إلى محاورة ذاته:
- ترى هل أنا مناضل من أجل شعبي أم أنني مجرم؟؟.. هل كانت مهمتي أخلاقية؟؟ هل عليّ تنفيذ ما تطلبه الجماعة مني؟؟ أم أن عليّ الرفض فيما لو اقتنعت بعدم مصداقيتهم؟؟ هل الغاية تبرر الوسيلة كما يقال؟؟
وفجأة تشرئب بعنقه، وقد غمرت فؤاده السعادة:
- لقد ابتعد الجميع وبقيت جميلة لوحدها.. يا للطالع السعيد.. عليّ أن أنقض الآن.. حانت فرصتك يا سامي فلا تفوتها.. يجب أن تكون رابط الجأش قوي القلب.
أخذ يحث خطاه ولمن سرعان ما تباطأ:
- هناك رجل دائم الحركة والغناء وقد يعرقل خطتي.. يجب التفكير في طريقة لإبعاده.. أو لعدم لفت انتباهه..ماذا عساي أن أفعل الآن؟
يهز رأسه وينظر يمينا ويسارا ثم يحدق قليلا في السماء
- لقد خطرت لي فكرة.. إن الرجل لا يشكل أي عقبة أمامي، فلماذا لا أتقدم؟؟ إن كل ما سأفعله هذه المرة هو تبادل الحديث معها.
أخذ يحث خطاه مرة أخرى وسرعان ما تحمع الجوالة لإفراغ الحمولة على البساط، توقف عن سيره متأففا حانقا:
- اففففففففف... أفففففففففف.. ماذا جرى يا ربي.. هناك حوار.. ماذا جري لهم؟! لقد قرروا تناول طعام الافطار على ما يبدو.. يا إلهي.. تأتي العقبات دفعة واحدة.. حسنا سأنتظر.
ينظر يمينا وشمالا ثم يقترب من صخرة وهو يقول لنفسه:
- ساستريح هنا حتى يفرغوا من طعامهم.
يجلس على الصخرة معاودا التأفف والضجر والضيق بالحال:
- إنهم يتحدثون.. ويضحكون أيضا.. أرجو أن لا تطول حكايتهم.
ثم يحدث نفسه بلهجة ساخرة والمارة والضيق يغمرانه:
- إنهم ليسوا على عجلة من أمرهم.. إنهم يملكون الزمن.. يتحركون بميوعة متناهية - ينظر في ساعته – لقد طال الانتظار.. يبدو أن الزمن ألقى بثقله على صدري.. آه ما أصعب الانتظار.. إنه أصعب من أي عمل – تنتابه نوبة من العصبية – ما لهم لا ينهضون، ويعود لتأفف أففففففف حسنا لقد عاودوا الجلوس.. ما لهؤلاء ال.. بقر.. إن هناك شخصا يحوم حول المكان.. يفتش عن شيء ما.. إنه يبحلق هذا الخنزير؟؟ إنه يكسر أغصانا يابسة.. لقد أحضر أحجارا متوسطة الحجم حول الأغصان.. ماذا يريد أن يفعل؟؟ إنه يشعل نارا.. يبدو أنه سيقوم بتحضير القهوة – يمعن النظر- لقد أحضر الإبريق.. وصدق ظني إذاً.. يبدو أن الأمر سيطول – يعزي نفسه – ما عليّ سأتكيف مع الواقع.. لماذا أحرق أعصابي؟؟ لا بد من التكيف مع الواقع حتى أنجح في مهمتي.. يبدو أن أعصابي بحاجة إلى تبريد لتكون كأعصابهم، وإلا سأصاب بمس من الجنون.. دعهم يشربون القهوة. ولتسري سما في عروقهم.. إني على عجلة من أمري، ولكن ما باليد حيلة.. عليّ التريث - وعاد يعزي نفسه - ولماذا تستعجل يا سامي؟؟ الرجل الناجح يتمتع بهدوء الأعصاب ولا يضيق خلقه لأول أزمة – ينظر يمينا وشمالا – إني بحاجة إلى قسط كبير من الراحة، حسنا يا أولاد الكلب.. يا خنازير.. حسنا أنا وراءكم ولن أسمح لنفسي بالفشل.. ولن تفلتي مني يا جميلة.. سأتمدد تحت الشجرة حتى يفرغوا من ارتشاف القهوة، وبعدها نرى ما يمكن فعله، وأمل أن تزول العقبات من طريقي..
وينطلق ضوت أحد الجوالة بالغناء مما جعل سامي ينصت إليه ويؤخر تمدده تحت الشجرة:
ليا وليا يا بنيا يا واردة عالميا
وانتي الدلال يصلحلك وأنا العذاب عليا
يغني الجوالة معه ويرددون اللازمة ويتابع:
وردت على الورود بنت الكرام والجود
يا رب يا معبود يجعل نصيبك ليا
الجوالة يرددون اللازمة ويكمل المغني
وردت على المرابع ومدقدقا الأصابع
ملعون أبوك يا مرابع دير الفدان عليا
وردت على الصفصاف تشرب حليب الصافي
ولله ما فيه إنصاف شايب ياخذ صبيا
ويستمر المغني في غنائه والجوالة يرددون خلفه، وسامي يستمتع وينظر في ساعته، يتوقف الغناء ويدور أحد الحديث بين الجوالة، لكن أحد الرجال يبدو عليه الغم ويظهر الحزن والأسى على وجهه ويبادر رجل آخر بالسؤال:
- ما لك يا آبا سعيد؟؟ كفانا الله واياك الغم والهم .
- لا شيء يا آبا العبد.. لا شيء.
- كيف لا شيء يا رجل؟؟ الحزن على جبينك ظاهر للجميع.
- آآآآآآآآآآآآآآآخ.. يا أبا العبد؟؟ ماذا تقول ولمن نشكو همنا.. الشكوى لغير الله مذلة.
- يبدو أن الأمر خطير.. قل يا رجل ولا تكتم في قلبك .
تشارك إحدى العجائز في الحوار:
- نالك يا آبا سعيد؟؟ ما هذا الغم الذي هبط عليك؟؟.. لم تكن بالأمس هكذا.
- لا شيء يا أم علي.. لبا شيء.. لا أقول إلا ربنا عليك توكلنا فلا تكلنا إلى خلقك ولا تسلط علينا أحدا يا رب العالمين.
وتدمع عيناه من الحزن، فيتأثر الجميع لحاله.. بالله عليك لا تكتم عنا أمرك.. نحن أهل يا رجل.. فلا تخف عنا أمرك.. ربما نستطيع المساعدة.
- بارك الله بكم يا أهلي وعشيرتي.. القصة وما فيها يا جماعة الخير إن مختارنا لعنة الله عليه وجعل جهنم مثواه.. لايشبع فقد طلبت منه بحكم كونه المختار أن يتوسط لابني سعيد ليتم توظيفه معلما.. أتدرون ماذا طلب مقابل ذلك.. لقد طلب أجرة ثلاثة أشهر مسبقا، فمن أين سأحضر له المال، وأنا بالكاد أطعم أولادي لقد دفعت من دم قلبي حتى أعلم أبني سعيد.. وكم من ليلة بتها بلا عشاء ولا يعلم إلا الله بحالي.. حتى أوفر أجرة الباص لابني .. وكم يوم عاد من المدينة ماشيا لأنه لا يملك ثمن التذكرة.. ويأتي المختار الآن يريد أجرة ثلاثة أشهر قبل أن يبدأ أبني عمله.. الله أكبر على كل ظالم؟
- وحد الله يا آبا سعيد.. قصتك أهون من قصة أبي زيدان.. يا أبا زيدان تعال هنا وحدث الجميع بقصتك مع المختار منذ البداية حتى اليوم ولا تترك شاردة ولا واردة.. تحدث ولا تخجل فالكل يريد أن يعرف.
يتقدم أبو زيدان وهو رجل في أواخر السبعينات من عمره، ظهره منحتي ولحيته الغزيزة علاها الشيب، يجلس ثم يبدأ بسرد قصته:
- صلوا على رسول الله.
الجميع بصوت واحد:
- الهم صل على النبي
- يا جماعة الخير.. هذا المختار أبن حرام.. لا أقال الله له عثرة ولا جزاه إلا بما يستحقه.. أنا عجوز لم أتعرض حتى من أسياده اليهود لما تعرضت له من المختار، لقد جعلني أكره الحياة،، منذ سنوات لم يتركني وشاني؟؟ لم يتوقف عن زيارتي في بيتي إلا بعد أن استجيب إلى طلبه.. حينها فقط توقف عن زيارتي.. حتى لم يعد يكلمني.. انتم تعرفون أرضي التي ورثتها عن أبي رحمة الله.. هذه الأرض سأورثها لأبنائي بعد موتي.. تصوروا.. يريدني أن أبيعها لليهود وكم حاول أن يغريني بالمال مستغلا فقري.. بل أكثر من ذلك .. كان يصور لي أن أبنائي سيذبحون بعضهم البعض بسبب الأرض ويضرب الأمثال التي توافق رأيه.. كان يقول لي.. أسعد الناس من مات ولم يورث.. تصوروا.. هل رأيتم أحقر من هذا الرجل.
يرد أبو العبد والغيظ يملأ صدره :
- لعنة الله عليه هذا كافر ومجرم من هانت عليه نفسه هان عليه كل شيء ن لقد تاجر بأهل بلده وباع نفسه للسلطة.. هذا الرجل سيرته كسيرة الحية دعونا منه تعال يا حمدان أسمعنا بعض "الدلعونا" و"ظريف الطول".. خفف عنا، أكاد أنفجر من سيرة المختار اللعين.. كم من مصائب جرها على البلد.. ألا يوجد من يريحنا منه؟.. عنّ يا حمدان .
يعدل حمدان في جلسته ويضع كفه على أذنه ويبذأ:
- يا ريم الوادي ما أحمل ورودك علينا والهوى ينفح ورودك
برمش العين قوم واقرا ورودك وعلم كل أمة من كتاب
ويتمايل الحضور طربا، ثم يغير حمدان ويغني ميجنا:
- يا ميجنا يا ميجنا يا ميجنا زحلق حبيبي ع الدرج وقعت أنا
يا ريمة الوادي علينا ورودي وخدك من ورود الجنتين ورودي
وبرمش عينك بعنيقي ورودي بس ارجعي وشوف شو حال قلوبنا
ويستمر الغناء والزجل، ويظهر الارتياح على وجوه الحضور، وبين الفينة والفينة تنطلق زغرودة من احد النساء، أو يطلق أحد الرجال صوته منتخيا أمام الحضور ملوحا بيده ويغني حمدان بيتا من العتابا:
اوووووووووووووووووف
قلبي في بحور الشوق انعام على اللي ثوبها من ريش إنعام
الله زادها من النعم انعام وربي زادني بحبها عذاب
وما أن أنهى بيت العتابا حتى نهض أحد الرجال وهو معروف بخفته وحبه للطرب، فرمى حطته وعقاله على الأرض وصار يرقص ويصفق بيديه، وأنطلق الضحك عاليا من الرجال والنساء والصبايا والشباب، وزاد طرب الرجل فأخذ يظهر براعته بصورة لافتة للنظر، والكل يضحك وحالة الفرح تغشى الجميع.
سامي ما زال في مكانه يستمع، وقد بدأ الضيق يظهر عليه:
- حسنا يبدو أن لا قيمة للوقت عندكم.. عنو.. سأتمدد قليلا
يتمدد على الأرضن وقد بدا النعاس يداعب جفنيه:
- آه ما أروع هذه النسمات، يبدو أنهم محقون في جلستهم.. فما زالوا جالسين يرتشفون القهوة.
رغم مقاومته للنعاس، يغيب في نوم طويل إلى ما بعد الغروب وعندما يستيقظ يكون البرد قد فعل فعله فيه، يرفع رأسه منذهلا:
- ماذا جرى؟؟.. يبدو أنني نمت طويلا .أحححححح البرد شديد
يفرك يديه من البرد ثم ينظر غلى ساعته ويزفر:
- كان عليّ أن لا أغفو أبدا.. لقد عادوا إلى بيوتهم.. يوم آخر يذهب أدراج الرياح.. ماذا أصابك يا سامي.. تبا لي ما أسخفني.. ماذا سيقول رئيسي لو علم بأمر نومي؟؟ إنها بهدلة ما بعدها بهدلة.. أخشى أن يكون قد أرسل أحدا ليتعقبني - يعدل في جلسته – لتامين الحماية لي فيما لو تعرضت لأي خطر.
ثم يقف ويعود أدراجه وهو يفكر في الغد .
- سوف آتي غدا.. ترى هل ستقع الفريسة في شراكي؟؟ أرجو ذلك.. نعم ستقع فريسة لي.. فأنا سامي لم أفشل في آية مهمة ولن أفشل الآن.. ولكن قد لا يحالفني الحظ واضطر لحرق أيام عديدة.. والجماعة يضغطون بسبب الخسائر الكبيرة التي نتكبدها.. لن يهدأ لي بال حتى تنجح المهمة.
وصل إلى سيارته فتح بابها وأخرج (المنويل) وكعادته أدار المحرك، ثم عاد ودخل البيت، السيارة ونزع ثيابه التنكرية وامسك بالمقود وانطلق عائدا إلى بيته.. انطلق بخياله كعادة، ونفسه لا تكف عن التفكير بجميلة وحسنها ومهمته الموكلة إليها واهتمامه البالغ بنجاح مهمته، وصل إلى بيته، أطفأ محرك السيارة وترجل ثم أقفلها ودخل بيته، ودخل الحمام ليغتسل، ثم خرج ووقف أمام النافذة كما وقف في الصباح، وأشعل سيجارة وراح ينفث الدخان بعيدا في الجو ، وما إن أوشكت السيجارة على الانتهاء حتى أشعل سيجارة آخرى، وسرح بخياله طويلا، معلقا مع دخان سيجارته، وداهمته أفكار سوداء، أحس كأن كابوسا ثقيلا جثم على صدرهن رأى الموت يختطف جزاء منه، صحا من كابوسه وخيالاته وهز رأسه استنكارا وعدم تصديق لما رأى.. نظر في ساعته، فأدرك أنه وقف طويلا أمام النافذة، استدار وذهب إلى المطبخ، وأعاد طعامه وأكل، ثم أعد القهوة وجلس أمام النافذة وراح يحتسي القهوة وأشعل سيجارة وصار ينفخ دخانها إلى أعلى خارج النافذة، ويتأمل في الأطفال الذين يلعبون، على المساحة الخضراء قريبا منه، ويبتسم في سره حيث استطاعوا تحقيق الأمن لهؤلاء الصغار ليتمتعوا بوقتهم كله دون أن يزعجهم شيء، وفكر في أطفال الشعب الآخر، لكنه بدا متضايقا، فأولئك لا يهمه أمرهم، ثم يحدق في السماء بعد أن لمح طائرة تحلق متجهة شمالا، وبقى على حاله مدة، ثم نهض واتجه إلى غرفة نومه ورمى نفسه على السرير وغاب في النوم.
استيقظ في ساعات الفجر الأولى دخل المطبخ وأعد الشاي وشيئا من الجبنة وتناول فطوره، بدا الضوء ينتشر في النواحي، والحياة بدأت تستيقظ من جديد، انتهى من فطوره ,اعد القهوة وجلي أمام النافذة يحتسيها بهدوء وتلذذ مع سيجارة، وما بيث أن سرح بخياله، فداهمه الكابوس السابق.. الموت ينتزع منه جزءا، أحس بمرارة وغصة، نظر في ساعة فإذا هي السابعة، نهض من مكانه ولبس ثياب العمل وانطلق خارجاً في مهمته، وصل إلى نفس الموقع المطل على الكرم، بدأ يراقب ويتفحص بتمعن شديد وطال تفحصه:
- ما الذي جرى أين هي ؟ لا أراها.. ترى هل انشغلت في أعمال المنزل.. هل ستلحق بهم - طال انتظار – وهو يحاور نفسه: لعل وعكة صحية ألمت بها.. لا .. لا لقد كانت بالأمس مشيطة جدا، لم يظهر عليها أي تعب.. اعتقد أنها انشغلت في تدبير أعمال المنزل، وستلحق بهم.. لن يسعفني سوى الانتظار.. عليّ الصبر.
وطال انتظاره دون جدوى وقرر مغادرة المكان:
- عليّ الانصراف.. ولكن سوف يسألني رئيسي ماذا فعلت؟ وأين وصلت في تنفيذ الحطة؟ فماذا أجيبه؟ إنهم يلحقون بنا من الخسائر كثيرا وعلينا التصرف بسرعة.ز إنها قضية وجود.. نحن أو هم في هذه البلاد.. إنها صغيرة ولا تتسع للجميع.. ولا بد لأحدنا أن يخلي المكان.. بالطبع عليهم هم أن يخلوا لنا المكان.. إنها أرض آبائنا وأجدادنا.. أرض الميعاد التي وعدنا بها الرب.. إن الأمر مرتبط بي إلى حد بعيد.. ولكن ما شأني، انني لا أبخل بأي جهد.. إن الأمر مرتبط بنجاح الخطة.. وعدم نجاحها يعني نهايتي واقالتي.
يصمت قليلا ويشعل سيجارة ويتفحص ما تبقى معه من سجائر في علبته فيجدها بضع سجائر:
- تبا لهذا الحال.. لقد أصبحت مدمنا على التدخين بقوة.. لم أكن قبل هذه المهمة أدخن هكذا فماذا أصابني ؟ لا أكاد أطفئ سيجارة حتى أشعل أختها.
ينتبه لنفسه كمن نسي أمرا وتذكره فيعاود النظر إلى الجوالة:
- لكن أخشى ألا تاتي لقطف الزيتون أكثر, وهذه مشكلة جدية، وعندها عليّ رسم خطة جديدة، قد تكلفني الكثير من الوقت، وهذا يكلفنا الكثير من الخسائر وخاصة البشرية.. إن الأمر لا يقبل التأجيل أكثر.. ماذا عساي أن أفعل؟ إن جماعتي لا يقبلون الفشل.. إن منطقهم ملتو.. فهم الناجحون إذا نجحت، وإذا فشلت فأنا الفاشل وحدي.. إنهم لا يحاولون حتى أن يجدوا عذرا لي رغم أني لا أدخر جهدا، فلماذا أتقبل كل مرة وجبة من التوبيخ؟؟ لماذا عليّ أن أتحمل وأصبر دون اعتراض؟ أفففففففف.. أي حياة هذه؟
يصمت قليلا ثم يبتسم في نفسه:
- المهم أنهم لم يعلموا بامر غفوتي أمس هههههه.
يتنهد طويلا ثم يتأفف وتضيق أخلاقه،.
- آآآآآآآآآه.. يوووووه..ضاق صدري.. أفففففففف.. إن كل الأمور في هذه الحياة ملتوية.. يبدو أن السير في الحياة كسير الأفعى تماما.. فالأفعى لا يمكنها السير والتقدم إلا إذا كانت حركتها ملتوية، ولكن كل هذا لن يشفع لي.. إني أعزي نفسي.. المهم ماذا سأقول له؟؟ كيف سأبرر عدم تقدمي في المهمة وأي عذر ينفعني؟؟ إن جماعتي لا يقبلون التلكؤ ولا التلكع.. وهم محقون في ذلك.. ولكني لا أتلكع.. على كل حال سأتناول وجبة كبيرة من التوبيخ وأرجو ألا يكون دشا حاميا.. لن أقدم أي تبرير سوف أطلعهم على الحقيقة كما هي بدون لف أو دوران
.. إذا لم يعجبهم!!.. لا..لا.. أعتقد أنهم لن يجدوا أفضل مني.. إني أقدم ما هو مطلوب مني.. أجازف بحياتي وماذا يمكنني أن أقدم أكثر من ذلك.. إن دمي.. لم أرفض أية مهمة في السابق، فلماذا أخشى منهم الآن.. سأواجه الموقف بقوة.. لن أتأتئ أبداً.. إن دوري في دفع القادمين من بلاد ما بين النهرين.. لا يمكن لأحد أن ينكره.. بل لا يستطيع أحد أن يثقل على ضميره كما أثقلت.. لقد قمت بعمل بطولي رغم أن قسما منا قتل هناك.
حمل نفسه وعاد أدراجه، وصل إلى السيارة، أدار المحرك بالمناويل ثم انطلق في طريقه إلى البيت وكان كثير النظر من نافذة السيارة يراقب السيارات القليلة التي تصادفه من الجهة المقابلة وأكثر من مرة خرج عن مسلكه وأعاده إليه صوت زمور سيارة تسير خلفه.
وصل إلى البيت ، أطفأ محرك السيارة، وعلامات الضيق تظهر على وجهه، وفي طريقه
إلى مدخل البيت قال في نفسه:
- يوم آخر يمضي دون نجاح في المهمة، تبا لكل المهمات، ألهذا الحد صار تنفيذ مهمتي صعبا؟؟.
وضرب الأرض بقدمه استنكارا، ودخل إلى البيت وهو في حالة كئيبة، والليل بدأ يفرد سواده على الخلق، جلس على الكرسي حيث أعتاد الجلوس أمام النافذة والطاولة أمامه عليها منفضة السجائر، وما هي إلا لحظات حتى سمع طرقا على الباب، نهض إلى الباب ثم فتحه ليفاجأ بأحد أصدقائه في العمل يقف على الباب محييا إياه:
- مساء الخير سامي.
- مساء النور شلومو.. تفضل أدخل
يدخل شلومو، ويجلس على كرسي، ويسأله سامي إن كان يريد فنجان قهوة، فيرد شلومو بالإيجاب، ويمضي سامي إلى المطبخ يعد فنجانين من القهوة ويعود بهما على صينية
- تفضل.. أشرب قهوة من صنعي
- شكرا .. شكرا
يتناول فنجان القهوة ويرشف منه بتلذذ، ويتلمظ بفمه تمتعا قم يكمل كلامه:
السر الدفين
{ رواية}
حقوق الطبع محفوظة للكاتب
إستهلال
عزيزي القارئ.. لقد كنت مجنوناً أثناء كتابتي لروايتي هذه، لقد بكيت في انطوائي وضحكت كثيراً عندما خرجت من ذاتي وتقمصت حياة أبطال الرواية منتحلاً أفكارهم ومشاعرهم.. لقد أردت لروايتي أن تكون مفاجأة للوسط العربي في البلاد. وأن تضاهي في حبكتها الفنية الروايات الصادرة في كل مكان.. تذكرت ما كتبه سلامه موسى، من أن ما ينجزه الإنسان العبقري بسهولة، يستطيع أن ينجزه الإنسان العادي إذا بذل جهداً مضنياً، لذلك كانت عملية مخاضها صعبة امتدت أمدا طويلاً، ومع صدور روايتي هذه أكون قد بلغت الخمسين من عمري، وهذا معناه أني لم أعايش الواقع كله، ولكني واكبت شيئاً من حياة الفلاحين، واكبت "البيادر" وركبت على "لوح الدراس"، لقد استحضرت مثل هذه المناظر ومناظر أخرى استحضرتها من خلال سماعي للحكايا التراثية .
عزيزي القارئ.. قد تساءل البعض باستغراب، ومن يملك اليوم الوقت لقراءة رواية بهذا الحجم، وبطبيعة الحال فان كتابة الرواية بحاجة إلى انتهاج تقنيات أدبية تفتقدها الألوان الأدبية الأخرى، منها الإسهاب في وصف الكثير من الأمور بدقة متناهية، ومعالجتها لعدة قضايا من زوايا مختلفة، ولكن عندما عرضتها على بعض الأخوة الأدباء لإبداء ملاحظاتهم القيمة، فقد استفدت بالرغم من أنها كانت مقتضبة، كانت ردود الفعل طيبة ومغايرة للتساؤل، إذ تترجمت لدى مل من عرضتها عليه بقراءتها خلال أيام معدودة.
بالنسبة لأحداث الرواية والتي تصور مناظر معينة من حياة شعبنا في هذه البلاد أثناء فترة تاريخية مهمة.. فقد حرصت على إظهار جوانب لم تطرق، ولا أريد هنا الإشارة إليها، وإنما أترك ذلك للقارئ، وقد عز على بعض الإخوة أن يؤول الأمر إلى مثل هذا الواقع، وهو ما قد تجرح أحاسيس شريحة معينة، وهنا أقول إن مهمة الأدب أن يتطرق إلى الشاذ من الواقع كما يتطرق إلى العادي أيضا . هذا علما أن المخفي أعظم، ولكن ما فاجأني هو أن أحد الزملاء قرأها خلال ليلة واحدة، لقد اعتبرت ذلك بمثابة جواز سفر عام يجيز عبورها إلى العالم الرحيب .
عزيزي القارئ بقى أمر أحب أن أشير إليه وهو أني تعمدت المزج بين الفصحى والعامية حيثما رأيت أن ذلك يخدم النص والقارئ .
ختاماً عزيزي القارئ أتمنى لك وقتاً ممتعاً بصحبة روايتي
الفصل الأول
نهض سامي من نومه وتوجه إلى النافذة وأخذ يمعن النظر في الأجواء الخريفية التي بدأت تشيع، والأشجار التي بدأت تتعرى رويداً رويداً من أوراقها، والطيور المحلقة، جو شاحب رمادي، ,اسلم نفسه للخيال، فعاد إلى الماضي وما تكبده من مصاعب في طريقه حتى استقر في البلاد، ومرت أمام عينيه الذكريات وما قام به من مهمات، وكيف خرج من العراق سراً، وكيف استطاع الوصول إلى البلاد، وكيف كان لقاؤه الأول بمن سبقه من زملائه، وحاله في الأيام الأولى لوصوله، حيث سكن في (العبارات) التي تصلح فقط للبهائم، وكيف تحمل كل تلك المشاق والمصاعب في سبيل الهدف.
أحس بقشعريرة تسري في جسده، ضاقت نفسه، استل سيجارة، أشعلها وراح يمص الدخان بشدة ثم رفع رأسه نحو السماء وأخذ ينفث الدخان إلى أعلى على شكل دوائر، وتداخل تفكيره مع الدوائر المتصاعدة في حوار ذاتي أليم:
- ترى ما هي النهاية؟؟ هل نقتلعهم ونستولي على أمكنهم.. هل سننجح؟ وإذا نجحنا هل سيكون ذلك نجاحاً مؤقتاً أم نجاحاً أبدياً؟؟
سحب نفساً من سيجارته ونفث الدخان بعيداً وهو يهز رأسه متأففاً:
- ولكن المهمة صعبة.. بل إنها صعبة للغاية.. سيتوارثها جيل بعد جيل.
يأخذ نفساً آخر وينفث الدخان ثم يستدير ويتجه إلى المطبخ، يطفئ سيجارته وينشغل بإعداد إفطاره.. يتناوله بسرعة.. وهو يفكر في المهمة التي أوكلت إليه.. انتهى من الفطور ثم توجه إلى غرفة نومه وحمل ثيابه التنكرية التي تم تخصيصها له في مهمته، ثياب كثياب الفلاحين ليظهر كواحد منهم، قنباز وسروال، إضافة إلى الحطة والعقال، ثم خرج وأقفل باب البيت خلفه ومضى إلى سيارته، فتح الباب وتناول (المنويل) واستدار قاصداً مقدمة السيارة، وضع (المنويل) في المكان المحدد وراح يديره حتى اشتعل محرك السيارة، وقف قليلاً ومسح جبهته ثم دخل السيارة وجلس قليلاً وأشعل سيجارة وهو يتنفس بعمق نتيجة تشغيل المحرك والجهد في أدارة المنويل.
انطلق بسيارته حتى وصل قريباً من المكان المرسوم، أوقف السيارة على جانب الطريق في الحرش، وترجل منها بعد أن ارتدى ثيابه التنكرية ومضى في طريقه وعلامات الحيرة بادية على وجهه، كان عليه ان يقوم بالمهمة التي أوكلت إليه من قبل الجماعة الذين كانوا يفضلون الاعتماد على الرجال تفهماً منهم لتقاليد العرب، ولكنهم فشلوا، فقد أرسلوا أكثر من غانية لاصطياده ولكنهم فشلوا، فاعتمدوا على خطة استثنائية تتلخص بإيقاع جميلة زوجة عدنان، ذلك الثائر العنيد الذي لا يخشى ولا ينحني أمام الإغراء.. فعدنان من النوع الصلب الذي لا ينحني أمام أي شيء، وقد رهن نفسه لبلاده مع ثلة من الشباب الذي لم يصب بالإحباط نتيجة هزيمة الجيوش العربية واستسلام كافة القرى ابان الحرب. وخضوع عرب فلسطين للواقع والحكم الجديد.
كانوا على علم ان الاجتماعات تعقد في بيته ولا سبيل للوصول إليهم أفضل من زوجته.. ان نجاح المهمة معناه معرفة المعلومات من مصدرها الأول الأمر الذي يسهل إفشال خططهم ويوفر الكثير من الجهد الكبير في صفوفهم مما يعجل في النصر لذلك فمن المحتم نجاح الخطة التي رسمت بإتقان كبير.
اليوم هو بداية موسم قطف الزيتون والعائلات منتشرة في الكروم لجمع الغلة، كان عدنان يمللك كرماً من أشجار الزيتون، كانت العائلة تخرج لجمع غلتها، والكرم يقع على سفح تلة تم تحريشها منذ زمن بعيد، والصاعد من الكرم إلى الحرش يختفي بسهولة دون أن يكتشفه احد لان الحرش مليء بالأعشاب التي تغطي التربة والشجيرات الصغيرة المنتشرة بكثافة فيه تساعد على الاختفاء السريع، وأغلب الجوالة حين يريدون قضاء الحاجة يصعدون إلى الحرش ويندسون هناك، يقضون حاجتهم ويعودون.
كان سامي على عجلة من أمره، وكثيراُ ما سرح بفكره محدثاً نفسه:
- عليّ أنجاح في المهمة.. عليّ أن لا أتوانى أبدا.. إنها مهمة مقدسة ولا يجوز الفشل ولا التلكؤ لأن التلكؤ أو التواني في انجاز المهام يعني أننا غير جديرين للقيام بما يوكل لنا.
وأخذ يسير بسرعة كبيرة بين أشجار الصنوبر حتى وصل إلى موقع قريب مشرف بحيث يرى الناس ولا يرونه، وبدأ يرصد المكان، وكم كانت فرحته بالغة حين لمحها ولحسن حظه كانت جميلة تعمل دون زوجها وهي قريبة منه نوعا ما وإمكانه تمييز ملامحها، حدق نظره وبانت على وجهه أمارات الإعجاب، لقد كانت جميلة ذات أنوثة نابضة مفعمة بالحياة، لمح حمرة خديها وطولها الفارع، وأثاره نهديها البارزان واللذان يكادان يشقان الفستان ويبرزان خارجا، وتأمل ردفيها المترجرجين بفعل حركتها حتى كأنها من فتيات المسابقات الرياضية، وسال لعابه، وقال في سريرته وهو يشعل سيجارة:
- إنها اسم على مسمى، يا لها من أنثى شهية، إنها غاية في الحسن.
واستدرك قليلاً وهو ينفخ دخان سيجارته في الهواء:
- وما لي ولهذه الأفكار.. أنا في مهمة محددة.. عليّ القيام بها لا أكثر ولا أقل.. ويجب أن لا يتشتت تفكيري.
لكن نظره كان مركزاً على صدرها الرجراج ، وأخذه الخيال بعيداً حتى كاد ينسى مهمته التي حضر من أجلها، لكنه عاد واستدرك:
- عليّ التقدم.. لقد شطح الخيال بي بعيدا.
رمى سيجارته وداسها بحذائه قم نظر إليها ليتأكد إنها انطفأت، وبدأ التقدم باتجاه جميلة ولكنه كلما تقدم قليلا يتوافد أفراد الأسرة والجوالة من كل صوب لإفراغ الحمولة على البساط الذي فرش تحت شجرة زيتون كبيرة نسبيا، فالكرم له عدة أصحاب شركاء فيه، فيتمهل في خطواته، وما أن يعودوا لمواصلة القطف حتى يعاود سيره عله يدركها ليبادرها الحديث ويمهد الطريق للوصول إلى غايته، واستمر في العجلة والإبطاء مرات عديدة، الأمر الذي أدخله في حالة عصبية فاخذ يزفر عميقاً ويضرب الأرض برجليه ويصك على أسنانه.. والعصبية بادية على وجهه:
- ماذا عساي أن أفعل يا رب؟؟ سهل مهمتي بجاه كليمك.. أفففففف... أففففففففففف
يصمت قليلا ثم ينتفض مسترسلاً:
- لقد قيل عني صاحب قلب شجاع.. عليّ أن أكون شجاعا.. ثم إن مهمتي ليست مستحيلة.. إنها صعبة.. لكنها ليست مستحيلة.. قم إن الكلمة الحلوة تخرج الأفعى من وكرها.. والنقود.. النقود ذلك الشيطان الحقيقي الذي يستطيع فعل كل شيء.. الذي يستطيع أن يثني أثخن شارب من شوارب هؤلاء القذرين.
يستدير برأسه متفحصاً الموقع بحركة نصف دائرية ويكرر الأمر مرات عديدة، يتوقف بين الفينة والفينة محدقا في جهة من الجهات ويداهمه السعال من أثر الدخان ويكتم السعال حتى لا يثير انتباه أحد ويرمي سيجارته التي لم يستهلط إلا أقل من نصفها ويتابع حديثه:
- جربنا إغراء زوجها عدنان وفشلنا فهل سننجح في إغراء جميلة؟ إنه سؤال محير.. أخشى أن تكون أشد صلابة من زوجها، نحن أمام مشكلة عويصة.. لا.. لا .. عليّ أن أنجح وبسرعة.. لقد وعدت بالترقية.. سأفعل المستحيل من أجل نجاح المهمة.. إنها فرصتي ولن أفوتها.. قد تكونت فرصة العمر.. بل إنها كذلك.. إنها السلم الذي سأرتقي عليه إلى أعلى الدرجات.. إن الآخرين معي ليسوا أكثر ذكاء مني لذلك سوف أقهر كل العقبات أياً كانت خاصة أنني نجحت في السابق في مهمات أخرى.. لقد أوكل إلرّ نسف الكنيس على المصلين في بلاد ما بين النهرين لدفع أبناء شعبنا للهجرة إلى أرضنا المقدسة التي وعدنا بها الرب وقد نجحت في مهمتي رغم صغر سني.. فهل يعقل أن أفشل الآن؟
يتنهد ويواصل حديثه مع نفسه:
- وهنا عليّ أيضا أن أنجح في مهمتي.. ولو فشلت فهي نهايتي.. لا ..لا.. لن أسمح لنفسي بالفشل.
يضرب الأرض بقدمه مكررا:
- عليّ أن أنجح في مهمتي.. إنها امتحاني الصعب.. إنها أكبر تحد أواجهه في حياتي ونجاحي يثبت قوتي أمام ذاتي وأمام جماعتي لذلك عليّ أن أتقدم للمهمة بإرادة فولاذية فلا مجال الان للتردد والخوف.. ماذا أصابك يا سامي؟؟ لم تتردد من قبل..
يصمت قليلا ويعود بأفكاره إلى كنيس "شمطوف" في العراق وإلى مرابع صباه وطفولته في تلك البلاد التي ما زال الحنين والشوق يشده ويثور في صدره كلما مرت بخاطره او رأى صديقا له جاء من تلك البلاد، حتى لكأنها جنة فقدها في صغره أو حضن والدته نزعوه عنه بالقوة، لذلك تراه يذرف الدمع كلما سمع مجرد موال أو بيت عتابا من أحد الفلاحين في البلاد، ثم يعود إلى محاورة ذاته:
- ترى هل أنا مناضل من أجل شعبي أم أنني مجرم؟؟.. هل كانت مهمتي أخلاقية؟؟ هل عليّ تنفيذ ما تطلبه الجماعة مني؟؟ أم أن عليّ الرفض فيما لو اقتنعت بعدم مصداقيتهم؟؟ هل الغاية تبرر الوسيلة كما يقال؟؟
وفجأة تشرئب بعنقه، وقد غمرت فؤاده السعادة:
- لقد ابتعد الجميع وبقيت جميلة لوحدها.. يا للطالع السعيد.. عليّ أن أنقض الآن.. حانت فرصتك يا سامي فلا تفوتها.. يجب أن تكون رابط الجأش قوي القلب.
أخذ يحث خطاه ولمن سرعان ما تباطأ:
- هناك رجل دائم الحركة والغناء وقد يعرقل خطتي.. يجب التفكير في طريقة لإبعاده.. أو لعدم لفت انتباهه..ماذا عساي أن أفعل الآن؟
يهز رأسه وينظر يمينا ويسارا ثم يحدق قليلا في السماء
- لقد خطرت لي فكرة.. إن الرجل لا يشكل أي عقبة أمامي، فلماذا لا أتقدم؟؟ إن كل ما سأفعله هذه المرة هو تبادل الحديث معها.
أخذ يحث خطاه مرة أخرى وسرعان ما تحمع الجوالة لإفراغ الحمولة على البساط، توقف عن سيره متأففا حانقا:
- اففففففففف... أفففففففففف.. ماذا جرى يا ربي.. هناك حوار.. ماذا جري لهم؟! لقد قرروا تناول طعام الافطار على ما يبدو.. يا إلهي.. تأتي العقبات دفعة واحدة.. حسنا سأنتظر.
ينظر يمينا وشمالا ثم يقترب من صخرة وهو يقول لنفسه:
- ساستريح هنا حتى يفرغوا من طعامهم.
يجلس على الصخرة معاودا التأفف والضجر والضيق بالحال:
- إنهم يتحدثون.. ويضحكون أيضا.. أرجو أن لا تطول حكايتهم.
ثم يحدث نفسه بلهجة ساخرة والمارة والضيق يغمرانه:
- إنهم ليسوا على عجلة من أمرهم.. إنهم يملكون الزمن.. يتحركون بميوعة متناهية - ينظر في ساعته – لقد طال الانتظار.. يبدو أن الزمن ألقى بثقله على صدري.. آه ما أصعب الانتظار.. إنه أصعب من أي عمل – تنتابه نوبة من العصبية – ما لهم لا ينهضون، ويعود لتأفف أففففففف حسنا لقد عاودوا الجلوس.. ما لهؤلاء ال.. بقر.. إن هناك شخصا يحوم حول المكان.. يفتش عن شيء ما.. إنه يبحلق هذا الخنزير؟؟ إنه يكسر أغصانا يابسة.. لقد أحضر أحجارا متوسطة الحجم حول الأغصان.. ماذا يريد أن يفعل؟؟ إنه يشعل نارا.. يبدو أنه سيقوم بتحضير القهوة – يمعن النظر- لقد أحضر الإبريق.. وصدق ظني إذاً.. يبدو أن الأمر سيطول – يعزي نفسه – ما عليّ سأتكيف مع الواقع.. لماذا أحرق أعصابي؟؟ لا بد من التكيف مع الواقع حتى أنجح في مهمتي.. يبدو أن أعصابي بحاجة إلى تبريد لتكون كأعصابهم، وإلا سأصاب بمس من الجنون.. دعهم يشربون القهوة. ولتسري سما في عروقهم.. إني على عجلة من أمري، ولكن ما باليد حيلة.. عليّ التريث - وعاد يعزي نفسه - ولماذا تستعجل يا سامي؟؟ الرجل الناجح يتمتع بهدوء الأعصاب ولا يضيق خلقه لأول أزمة – ينظر يمينا وشمالا – إني بحاجة إلى قسط كبير من الراحة، حسنا يا أولاد الكلب.. يا خنازير.. حسنا أنا وراءكم ولن أسمح لنفسي بالفشل.. ولن تفلتي مني يا جميلة.. سأتمدد تحت الشجرة حتى يفرغوا من ارتشاف القهوة، وبعدها نرى ما يمكن فعله، وأمل أن تزول العقبات من طريقي..
وينطلق ضوت أحد الجوالة بالغناء مما جعل سامي ينصت إليه ويؤخر تمدده تحت الشجرة:
ليا وليا يا بنيا يا واردة عالميا
وانتي الدلال يصلحلك وأنا العذاب عليا
يغني الجوالة معه ويرددون اللازمة ويتابع:
وردت على الورود بنت الكرام والجود
يا رب يا معبود يجعل نصيبك ليا
الجوالة يرددون اللازمة ويكمل المغني
وردت على المرابع ومدقدقا الأصابع
ملعون أبوك يا مرابع دير الفدان عليا
وردت على الصفصاف تشرب حليب الصافي
ولله ما فيه إنصاف شايب ياخذ صبيا
ويستمر المغني في غنائه والجوالة يرددون خلفه، وسامي يستمتع وينظر في ساعته، يتوقف الغناء ويدور أحد الحديث بين الجوالة، لكن أحد الرجال يبدو عليه الغم ويظهر الحزن والأسى على وجهه ويبادر رجل آخر بالسؤال:
- ما لك يا آبا سعيد؟؟ كفانا الله واياك الغم والهم .
- لا شيء يا آبا العبد.. لا شيء.
- كيف لا شيء يا رجل؟؟ الحزن على جبينك ظاهر للجميع.
- آآآآآآآآآآآآآآآخ.. يا أبا العبد؟؟ ماذا تقول ولمن نشكو همنا.. الشكوى لغير الله مذلة.
- يبدو أن الأمر خطير.. قل يا رجل ولا تكتم في قلبك .
تشارك إحدى العجائز في الحوار:
- نالك يا آبا سعيد؟؟ ما هذا الغم الذي هبط عليك؟؟.. لم تكن بالأمس هكذا.
- لا شيء يا أم علي.. لبا شيء.. لا أقول إلا ربنا عليك توكلنا فلا تكلنا إلى خلقك ولا تسلط علينا أحدا يا رب العالمين.
وتدمع عيناه من الحزن، فيتأثر الجميع لحاله.. بالله عليك لا تكتم عنا أمرك.. نحن أهل يا رجل.. فلا تخف عنا أمرك.. ربما نستطيع المساعدة.
- بارك الله بكم يا أهلي وعشيرتي.. القصة وما فيها يا جماعة الخير إن مختارنا لعنة الله عليه وجعل جهنم مثواه.. لايشبع فقد طلبت منه بحكم كونه المختار أن يتوسط لابني سعيد ليتم توظيفه معلما.. أتدرون ماذا طلب مقابل ذلك.. لقد طلب أجرة ثلاثة أشهر مسبقا، فمن أين سأحضر له المال، وأنا بالكاد أطعم أولادي لقد دفعت من دم قلبي حتى أعلم أبني سعيد.. وكم من ليلة بتها بلا عشاء ولا يعلم إلا الله بحالي.. حتى أوفر أجرة الباص لابني .. وكم يوم عاد من المدينة ماشيا لأنه لا يملك ثمن التذكرة.. ويأتي المختار الآن يريد أجرة ثلاثة أشهر قبل أن يبدأ أبني عمله.. الله أكبر على كل ظالم؟
- وحد الله يا آبا سعيد.. قصتك أهون من قصة أبي زيدان.. يا أبا زيدان تعال هنا وحدث الجميع بقصتك مع المختار منذ البداية حتى اليوم ولا تترك شاردة ولا واردة.. تحدث ولا تخجل فالكل يريد أن يعرف.
يتقدم أبو زيدان وهو رجل في أواخر السبعينات من عمره، ظهره منحتي ولحيته الغزيزة علاها الشيب، يجلس ثم يبدأ بسرد قصته:
- صلوا على رسول الله.
الجميع بصوت واحد:
- الهم صل على النبي
- يا جماعة الخير.. هذا المختار أبن حرام.. لا أقال الله له عثرة ولا جزاه إلا بما يستحقه.. أنا عجوز لم أتعرض حتى من أسياده اليهود لما تعرضت له من المختار، لقد جعلني أكره الحياة،، منذ سنوات لم يتركني وشاني؟؟ لم يتوقف عن زيارتي في بيتي إلا بعد أن استجيب إلى طلبه.. حينها فقط توقف عن زيارتي.. حتى لم يعد يكلمني.. انتم تعرفون أرضي التي ورثتها عن أبي رحمة الله.. هذه الأرض سأورثها لأبنائي بعد موتي.. تصوروا.. يريدني أن أبيعها لليهود وكم حاول أن يغريني بالمال مستغلا فقري.. بل أكثر من ذلك .. كان يصور لي أن أبنائي سيذبحون بعضهم البعض بسبب الأرض ويضرب الأمثال التي توافق رأيه.. كان يقول لي.. أسعد الناس من مات ولم يورث.. تصوروا.. هل رأيتم أحقر من هذا الرجل.
يرد أبو العبد والغيظ يملأ صدره :
- لعنة الله عليه هذا كافر ومجرم من هانت عليه نفسه هان عليه كل شيء ن لقد تاجر بأهل بلده وباع نفسه للسلطة.. هذا الرجل سيرته كسيرة الحية دعونا منه تعال يا حمدان أسمعنا بعض "الدلعونا" و"ظريف الطول".. خفف عنا، أكاد أنفجر من سيرة المختار اللعين.. كم من مصائب جرها على البلد.. ألا يوجد من يريحنا منه؟.. عنّ يا حمدان .
يعدل حمدان في جلسته ويضع كفه على أذنه ويبذأ:
- يا ريم الوادي ما أحمل ورودك علينا والهوى ينفح ورودك
برمش العين قوم واقرا ورودك وعلم كل أمة من كتاب
ويتمايل الحضور طربا، ثم يغير حمدان ويغني ميجنا:
- يا ميجنا يا ميجنا يا ميجنا زحلق حبيبي ع الدرج وقعت أنا
يا ريمة الوادي علينا ورودي وخدك من ورود الجنتين ورودي
وبرمش عينك بعنيقي ورودي بس ارجعي وشوف شو حال قلوبنا
ويستمر الغناء والزجل، ويظهر الارتياح على وجوه الحضور، وبين الفينة والفينة تنطلق زغرودة من احد النساء، أو يطلق أحد الرجال صوته منتخيا أمام الحضور ملوحا بيده ويغني حمدان بيتا من العتابا:
اوووووووووووووووووف
قلبي في بحور الشوق انعام على اللي ثوبها من ريش إنعام
الله زادها من النعم انعام وربي زادني بحبها عذاب
وما أن أنهى بيت العتابا حتى نهض أحد الرجال وهو معروف بخفته وحبه للطرب، فرمى حطته وعقاله على الأرض وصار يرقص ويصفق بيديه، وأنطلق الضحك عاليا من الرجال والنساء والصبايا والشباب، وزاد طرب الرجل فأخذ يظهر براعته بصورة لافتة للنظر، والكل يضحك وحالة الفرح تغشى الجميع.
سامي ما زال في مكانه يستمع، وقد بدأ الضيق يظهر عليه:
- حسنا يبدو أن لا قيمة للوقت عندكم.. عنو.. سأتمدد قليلا
يتمدد على الأرضن وقد بدا النعاس يداعب جفنيه:
- آه ما أروع هذه النسمات، يبدو أنهم محقون في جلستهم.. فما زالوا جالسين يرتشفون القهوة.
رغم مقاومته للنعاس، يغيب في نوم طويل إلى ما بعد الغروب وعندما يستيقظ يكون البرد قد فعل فعله فيه، يرفع رأسه منذهلا:
- ماذا جرى؟؟.. يبدو أنني نمت طويلا .أحححححح البرد شديد
يفرك يديه من البرد ثم ينظر غلى ساعته ويزفر:
- كان عليّ أن لا أغفو أبدا.. لقد عادوا إلى بيوتهم.. يوم آخر يذهب أدراج الرياح.. ماذا أصابك يا سامي.. تبا لي ما أسخفني.. ماذا سيقول رئيسي لو علم بأمر نومي؟؟ إنها بهدلة ما بعدها بهدلة.. أخشى أن يكون قد أرسل أحدا ليتعقبني - يعدل في جلسته – لتامين الحماية لي فيما لو تعرضت لأي خطر.
ثم يقف ويعود أدراجه وهو يفكر في الغد .
- سوف آتي غدا.. ترى هل ستقع الفريسة في شراكي؟؟ أرجو ذلك.. نعم ستقع فريسة لي.. فأنا سامي لم أفشل في آية مهمة ولن أفشل الآن.. ولكن قد لا يحالفني الحظ واضطر لحرق أيام عديدة.. والجماعة يضغطون بسبب الخسائر الكبيرة التي نتكبدها.. لن يهدأ لي بال حتى تنجح المهمة.
وصل إلى سيارته فتح بابها وأخرج (المنويل) وكعادته أدار المحرك، ثم عاد ودخل البيت، السيارة ونزع ثيابه التنكرية وامسك بالمقود وانطلق عائدا إلى بيته.. انطلق بخياله كعادة، ونفسه لا تكف عن التفكير بجميلة وحسنها ومهمته الموكلة إليها واهتمامه البالغ بنجاح مهمته، وصل إلى بيته، أطفأ محرك السيارة وترجل ثم أقفلها ودخل بيته، ودخل الحمام ليغتسل، ثم خرج ووقف أمام النافذة كما وقف في الصباح، وأشعل سيجارة وراح ينفث الدخان بعيدا في الجو ، وما إن أوشكت السيجارة على الانتهاء حتى أشعل سيجارة آخرى، وسرح بخياله طويلا، معلقا مع دخان سيجارته، وداهمته أفكار سوداء، أحس كأن كابوسا ثقيلا جثم على صدرهن رأى الموت يختطف جزاء منه، صحا من كابوسه وخيالاته وهز رأسه استنكارا وعدم تصديق لما رأى.. نظر في ساعته، فأدرك أنه وقف طويلا أمام النافذة، استدار وذهب إلى المطبخ، وأعاد طعامه وأكل، ثم أعد القهوة وجلس أمام النافذة وراح يحتسي القهوة وأشعل سيجارة وصار ينفخ دخانها إلى أعلى خارج النافذة، ويتأمل في الأطفال الذين يلعبون، على المساحة الخضراء قريبا منه، ويبتسم في سره حيث استطاعوا تحقيق الأمن لهؤلاء الصغار ليتمتعوا بوقتهم كله دون أن يزعجهم شيء، وفكر في أطفال الشعب الآخر، لكنه بدا متضايقا، فأولئك لا يهمه أمرهم، ثم يحدق في السماء بعد أن لمح طائرة تحلق متجهة شمالا، وبقى على حاله مدة، ثم نهض واتجه إلى غرفة نومه ورمى نفسه على السرير وغاب في النوم.
استيقظ في ساعات الفجر الأولى دخل المطبخ وأعد الشاي وشيئا من الجبنة وتناول فطوره، بدا الضوء ينتشر في النواحي، والحياة بدأت تستيقظ من جديد، انتهى من فطوره ,اعد القهوة وجلي أمام النافذة يحتسيها بهدوء وتلذذ مع سيجارة، وما بيث أن سرح بخياله، فداهمه الكابوس السابق.. الموت ينتزع منه جزءا، أحس بمرارة وغصة، نظر في ساعة فإذا هي السابعة، نهض من مكانه ولبس ثياب العمل وانطلق خارجاً في مهمته، وصل إلى نفس الموقع المطل على الكرم، بدأ يراقب ويتفحص بتمعن شديد وطال تفحصه:
- ما الذي جرى أين هي ؟ لا أراها.. ترى هل انشغلت في أعمال المنزل.. هل ستلحق بهم - طال انتظار – وهو يحاور نفسه: لعل وعكة صحية ألمت بها.. لا .. لا لقد كانت بالأمس مشيطة جدا، لم يظهر عليها أي تعب.. اعتقد أنها انشغلت في تدبير أعمال المنزل، وستلحق بهم.. لن يسعفني سوى الانتظار.. عليّ الصبر.
وطال انتظاره دون جدوى وقرر مغادرة المكان:
- عليّ الانصراف.. ولكن سوف يسألني رئيسي ماذا فعلت؟ وأين وصلت في تنفيذ الحطة؟ فماذا أجيبه؟ إنهم يلحقون بنا من الخسائر كثيرا وعلينا التصرف بسرعة.ز إنها قضية وجود.. نحن أو هم في هذه البلاد.. إنها صغيرة ولا تتسع للجميع.. ولا بد لأحدنا أن يخلي المكان.. بالطبع عليهم هم أن يخلوا لنا المكان.. إنها أرض آبائنا وأجدادنا.. أرض الميعاد التي وعدنا بها الرب.. إن الأمر مرتبط بي إلى حد بعيد.. ولكن ما شأني، انني لا أبخل بأي جهد.. إن الأمر مرتبط بنجاح الخطة.. وعدم نجاحها يعني نهايتي واقالتي.
يصمت قليلا ويشعل سيجارة ويتفحص ما تبقى معه من سجائر في علبته فيجدها بضع سجائر:
- تبا لهذا الحال.. لقد أصبحت مدمنا على التدخين بقوة.. لم أكن قبل هذه المهمة أدخن هكذا فماذا أصابني ؟ لا أكاد أطفئ سيجارة حتى أشعل أختها.
ينتبه لنفسه كمن نسي أمرا وتذكره فيعاود النظر إلى الجوالة:
- لكن أخشى ألا تاتي لقطف الزيتون أكثر, وهذه مشكلة جدية، وعندها عليّ رسم خطة جديدة، قد تكلفني الكثير من الوقت، وهذا يكلفنا الكثير من الخسائر وخاصة البشرية.. إن الأمر لا يقبل التأجيل أكثر.. ماذا عساي أن أفعل؟ إن جماعتي لا يقبلون الفشل.. إن منطقهم ملتو.. فهم الناجحون إذا نجحت، وإذا فشلت فأنا الفاشل وحدي.. إنهم لا يحاولون حتى أن يجدوا عذرا لي رغم أني لا أدخر جهدا، فلماذا أتقبل كل مرة وجبة من التوبيخ؟؟ لماذا عليّ أن أتحمل وأصبر دون اعتراض؟ أفففففففف.. أي حياة هذه؟
يصمت قليلا ثم يبتسم في نفسه:
- المهم أنهم لم يعلموا بامر غفوتي أمس هههههه.
يتنهد طويلا ثم يتأفف وتضيق أخلاقه،.
- آآآآآآآآآه.. يوووووه..ضاق صدري.. أفففففففف.. إن كل الأمور في هذه الحياة ملتوية.. يبدو أن السير في الحياة كسير الأفعى تماما.. فالأفعى لا يمكنها السير والتقدم إلا إذا كانت حركتها ملتوية، ولكن كل هذا لن يشفع لي.. إني أعزي نفسي.. المهم ماذا سأقول له؟؟ كيف سأبرر عدم تقدمي في المهمة وأي عذر ينفعني؟؟ إن جماعتي لا يقبلون التلكؤ ولا التلكع.. وهم محقون في ذلك.. ولكني لا أتلكع.. على كل حال سأتناول وجبة كبيرة من التوبيخ وأرجو ألا يكون دشا حاميا.. لن أقدم أي تبرير سوف أطلعهم على الحقيقة كما هي بدون لف أو دوران
.. إذا لم يعجبهم!!.. لا..لا.. أعتقد أنهم لن يجدوا أفضل مني.. إني أقدم ما هو مطلوب مني.. أجازف بحياتي وماذا يمكنني أن أقدم أكثر من ذلك.. إن دمي.. لم أرفض أية مهمة في السابق، فلماذا أخشى منهم الآن.. سأواجه الموقف بقوة.. لن أتأتئ أبداً.. إن دوري في دفع القادمين من بلاد ما بين النهرين.. لا يمكن لأحد أن ينكره.. بل لا يستطيع أحد أن يثقل على ضميره كما أثقلت.. لقد قمت بعمل بطولي رغم أن قسما منا قتل هناك.
حمل نفسه وعاد أدراجه، وصل إلى السيارة، أدار المحرك بالمناويل ثم انطلق في طريقه إلى البيت وكان كثير النظر من نافذة السيارة يراقب السيارات القليلة التي تصادفه من الجهة المقابلة وأكثر من مرة خرج عن مسلكه وأعاده إليه صوت زمور سيارة تسير خلفه.
وصل إلى البيت ، أطفأ محرك السيارة، وعلامات الضيق تظهر على وجهه، وفي طريقه
إلى مدخل البيت قال في نفسه:
- يوم آخر يمضي دون نجاح في المهمة، تبا لكل المهمات، ألهذا الحد صار تنفيذ مهمتي صعبا؟؟.
وضرب الأرض بقدمه استنكارا، ودخل إلى البيت وهو في حالة كئيبة، والليل بدأ يفرد سواده على الخلق، جلس على الكرسي حيث أعتاد الجلوس أمام النافذة والطاولة أمامه عليها منفضة السجائر، وما هي إلا لحظات حتى سمع طرقا على الباب، نهض إلى الباب ثم فتحه ليفاجأ بأحد أصدقائه في العمل يقف على الباب محييا إياه:
- مساء الخير سامي.
- مساء النور شلومو.. تفضل أدخل
يدخل شلومو، ويجلس على كرسي، ويسأله سامي إن كان يريد فنجان قهوة، فيرد شلومو بالإيجاب، ويمضي سامي إلى المطبخ يعد فنجانين من القهوة ويعود بهما على صينية
- تفضل.. أشرب قهوة من صنعي
- شكرا .. شكرا
يتناول فنجان القهوة ويرشف منه بتلذذ، ويتلمظ بفمه تمتعا قم يكمل كلامه:
- قهوة متقنة جدا يا سامي ورائحتها تفتح الشهية,, لا بد أنك تتقن تجهيز القهوة أكثر من النساء في أيامنا,, يا صديقي لماذا لا تتزوج وتستريح.. ألم يحن الوقت لزواجك بعد؟؟.. العمر يمضي بك وأنت غافل رغم أنك لا ينقصك شيء..فقط انو وستجد ألف شابة تقبل بك.. أو أنا سأبحث لك عن عروس كما تحب وتشتهي.. شقراء أوروبية.. سمراء شرقية.. فقط أشر بيدك وسترى ما أفعل لأجلك .
يتبع
يتبع
تعليق