ارتجّ سريره بعنف، فتح عينيه في ظلام الغرفة، سكون مطبق ،لاشيء يتحرك غيرنبضات خوف تصدر عن قلبه المفزوع .
الساحة الوحيدة بين الضريح ومنازل القرية غاصّة بالرجال والنساء والأطفال ،كان مندسّا بينهم حين ارتفع في عنان السماء صوت زلزل سمعه، أتاه من كل الجهات ، شلّ قدرته على تحديد مصدره ، قويّا ..واضحا كان:
- ياعبد الله بن الحسن ارفع البلاطة عن قبري هذا..وانثر الذهب على الناس..افعل كماتؤمر..
استرجع بعض من نفسه ،استعاذ بالله مااستطاع ..حاول أن ينام،لكن الخوف تمكن منه، أضاع منه أيّة فرصة لنوم جديد، هاجمته الأسئلة :
لماذا ذكرني الصوت بالإسم؟ وما البلاطة؟ ومن الراقد تحتها؟
لماذا ذكرني الصوت بالإسم؟ وما البلاطة؟ ومن الراقد تحتها؟
أكيد أنه يقصد الولي الصالح، صاحب القبة العاليةالمطلة من ربوتها على حقول القرية وبيوتاتها ،ارتعدت فرائصه ،اصطكت ركبتاه ،استحضر كل ما تواتر عن حياة الولي من حكايا..
قالوا عنه أنه وفد علي القرية منذ زمن بعيد ،كان في عقده الستين،ومعه كلب غريب الأطوار، يتقاسم معه مايجود به الناس من طعام ،
اتّخذ كوخا من قصب جنب الصخرة العالية أسفل الربوة، وداوم على صلواته في مسجد القرية، فأظهر حفظه للقرآن وإلمامه ببعض أمور الفقه، فاتخذه الأهالي إماما وبنوا له بيتا من غرفتين مكان الكوخ، فصارا إماما وحكيما وقدوة تتقدى...لا يلتئم جمع إلا بحضوره الفعلي.
اتّخذ كوخا من قصب جنب الصخرة العالية أسفل الربوة، وداوم على صلواته في مسجد القرية، فأظهر حفظه للقرآن وإلمامه ببعض أمور الفقه، فاتخذه الأهالي إماما وبنوا له بيتا من غرفتين مكان الكوخ، فصارا إماما وحكيما وقدوة تتقدى...لا يلتئم جمع إلا بحضوره الفعلي.
يحكون أيضا وبيقين عميق هذه المرّة، أنه في ليلة عاصفة خضّل فيها المطر وجه القرية، تخلّف الإمام عن صلاتي المغرب والعشاء،ممّا أثار فضول المصلين لكنهم أرجعوا سبب ذلك إلى رداءة الطقس ،وانبلج الصبح وبدا صحوا جميلا.. ولم يحضرالإمام .حينئذ هرع بعضهم الى مسكنه،اجتازوا شجيرات الزيتون المبلّلة...دقوا الباب طويلا ،لم يأتهم رد.
اقتحموه بسهولة ويسر ..كانت آثار مياه لاتزال على الأرض طرية..و
في ركن من الغرفة انتصب قبر حديث لم يجف طينه بعد،
اقتحموه بسهولة ويسر ..كانت آثار مياه لاتزال على الأرض طرية..و
في ركن من الغرفة انتصب قبر حديث لم يجف طينه بعد،
تملكتهم رهبة الموت ، حاصرتهم الأسئلة ..استداروا الى باب المسجد وأعلنوا وفاة الإمام وأكّدواأن الملائكة قد وارته التراب ...
انتشر الخبر المدهش عبر الأرياف القريبة والبعيدة..
قيل بعدها بشهور عديدة أن الإمام ظهر ذات جمعة في قرية بعيدة ،اختفى سريعا بعد فراغه من إمامة المصلين فلم يعثر له على أثر...
تملكته أحاسيس غريبة وهو يتذكّر كل ذلك .....،
تذكر مواسم الولي وكيف يحجّ الناس إليه أواخر الصيف وأوائل الخريف قادمين من أماكن بعيدة،محملين بالهدايا والذبائح،يقضون ثلاث ليال تتوسطها ليلة جمعة في ضيافة الولي،يذبحون ويأكلون ،يطوفون بالضريح ذي القبة العالية،
يرددون أذكارا وأمداحا...حتى إذا جنّ الليل انسلوا الى حقول القرية نسوة ورجالا،لقضاء الليلة رقصا وغناء حتى مطلع الفجر..
لازمته صور الحلم شهورا طويلة،حاول أن ينسى أو يتناسى ، يلمع الذهب المدفون في ذهنه،ويتذكر كلمات المنادي في حلمه ....فيلجم طمعه
لكن حين أثلجت الدنيا ذات ليلة ،تكوم الأهالي حول المدافيء يجترون حكايا قديمة ...لمعت فكرة الذهب في خياله من جديد.. قرّر أن يفعل هذه المرة..يستغل هذا الحظرللتجوال الذي تفرضه السماء...
ضربة واحدة فيتربة القبر تغنيه عن مئات الضربات في الحقول.
ضربة واحدة فيتربة القبر تغنيه عن مئات الضربات في الحقول.
صحيح أن قلبه اهتزّ بعنف وهويقترب من مدخل الضريح ،
وصحيح أيضا أن حلقه قد جفّ تماما، لكن لمعان الذهب كان قويا،استبدّ به ،لملم ماتبقى فيه من شجاعة دلف نحو الداخل أوقد الشموع... وصار تماما بين الخشبات التي تحيط بالقبر حيث تنشر فوقها أقمشة ملونة.....
أزال بعض التراب عن القبر فارتفع غباره وامتزج بروائح بخور قديمة وحين صارت الرؤية ممكنة رفع البلاطة كما أومر..أدخل الشمعة داخل القبر..ارتعدت فرائصه ،تجمد الدم في عروقه،تفحص الصورة من كل زواياها الممكنة ،
بقايا رفات بجمجمة كلب....
شلّت قدرته على التفكير.
بقايا رفات بجمجمة كلب....
شلّت قدرته على التفكير.
بطريقة آلية أعاد القبر الى وضعه ..خرج مفزوعا لا يدري إلى أين ؟؟
عرك أكوام الثلج مضطربا ..هام على غير هدى..
حين أشرقت شمس الصباح وقد تحررت أشعتها من سلطة السحب التي تحجبها،اشتد توهّج لمعان الثلج في العيون،
كان سكان القرية كأفواج النمل من وإلى الضريح وجوههم مثقلة بالشحوب ،
رمّموا ماأصاب القبر من تلف،
تحدّثوا عن جثة عبد الله التي تجمّدت تحت أكوام الثلج ..
.تتبّعوا آثار خطواته ، تأكّدوا تماما أنه من نبش القبر.
كان سكان القرية كأفواج النمل من وإلى الضريح وجوههم مثقلة بالشحوب ،
رمّموا ماأصاب القبر من تلف،
تحدّثوا عن جثة عبد الله التي تجمّدت تحت أكوام الثلج ..
.تتبّعوا آثار خطواته ، تأكّدوا تماما أنه من نبش القبر.
حينها قالوا: هتك حرمة الولي ،فرماه بين فكّي موت بارد...
العربي الثابت
العربي الثابت
تعليق