وفقدت معصمي الآخر ..!
كلما لمعت تذكرت عينيها ... وكلما لامستها أناملي غمرني دفء لم تحظ به الشمس قبلا .. مستديرة كعالمي الخالي من الزوايا ..مستديرة كثغرها المنقوش بحناء المحبة .. إنها إسورة أمي .. صندوق ذكرياتي بل الجسد الذي وضعت فيه روحي ..وضعت فيه أمي روحها..!
كلما باغتني شتاء في غير موسم المظلات، كانت مظلتي ..! وإذا ما هجمت فصول الوحدة على ليلي ..كانت ونيستي ..تحدثني عن أمي الحبيبة .. فترفرف على غصن الكلام أشواقي ... !
الحنين ما ترك مساحة في حقولي إلا وغطاها بشتلاته المؤلمة .. ورحيل أمي ما ترك بيني وبين الحياة أي مودة... قطع أوصال السنين ..فكانت كلها نزفا ...
حتى الجسور معظمها خذلني عند أول هوة في حياتي، وما كان وفيا منهاغير أسورتي ..!
أعبرها كلما اشتد بيّ العطش نحو تلك الينابيع الصافية، فأشرب من الحنان ما يعادل بحارا ..ثم أعود إلى حجرتي الغريبة، فبالرغم من مضي سنين على انتقالنا إلى دارنا الجديد إلا أننا لم نتبادل أي ثقافة معه..ولا امتزجت حضاراتنا ببعضها، كل منا أخذ ركنا له ومارس فيه شعائره الخاصة.! لم يحمل ملامح أمي .. ولم يشرب القهوة معها قبلا ،فلا عجب أن تغيب عن مأدبته قطع السكر .. وأن تذوب في قهوته المرة كل قطع الراحة!
مع أن أبي حاول جاهدا أن يضع مساحيق الأمومة على وجهه ... أن يقلد ابتسامتها .. أن يلبث ثوب رقتها ... إلا أنه فشل في تقليدها كما فشل في الطهو .. ولكني كنت أتناول من جميع أطباقه وجميع كلامه، أتنقل بين أحضانه إلى أن وجدت فيها مرة الكثير من النوافذ المفتوحة ...! لم يخبرني يوما أن الرياح كانت تدخل منها لتعصفه .. كان يبرد بصمت .. ويستقبل خريف الأيام بصمت ،إلى أن جاء يوم ما عاد استحمل فيه الصقيع ..وما عادت تنفعه فيه أغطيتي .. فكشف عن كامل رعشاته أمامي .. وأخبرني أنه يريد الزواج!!
في البداية لم أتقبل الأمر، ولكني خفت عليه من المرض جرّاء ذلك البرد! تناقشت الأمر وإسورتي التي وعدتني بأنّ شيئا لن يتغير .. وأنّ شيئا لن يفرق شمل عائلتنا!
الغصة وضعت حواجز تفتيش عند مداخل حنجرتي ومنعطفاتها، فكانت تلتقط الكلام وتلقيه في سجونها ، فما كان باليد حيلة إلا أن أستعين برأسي لأوقف تشغيل الأسطوانة التي حملت يوميا نفس السؤال ... هززت رأسي معلنة موافقتي .. وإرهاقي ..!
هاجت نبضات قلبي في وريدي فثبتُّ إسورتي على معصمي كي أهدأ من روعها ... فسكنت أخيرا ..
كيف لا وقد وضعت عليها البلسم؟!
كان أبي يستغرب من تلك العلاقة التي ربطتني بإسورتي ..كان يوصيني بخلعها قبل النوم فكنت أجيبه: هي معصمي فكيف أخلعه..! وفي مرة سألني :
-أنا من أكون إذا ..؟
-أنت معصمي الآخر يا أبي ..!
فكان يبتسم ويغمرني .........
.
.
قدمت العروس الجديدة بفستانها الأبيض ويديها المثقلتين بالأساور الذهبية .. وبعينيها المثقلتين بشباك كان يترصدني طوال الوقت .. ويترصد إسورتي الحبيبة .. !
وقد لاحظ أبي على مرّ الأيام ذلك ... فطلب مني أن أعتني بها جيدا .. ثم اقترح أن يخبئها لي معه، رفضت بشدّة وحضنتها كأنها أحد أطفالي .. ولكني كنت أمّا مستهترة، فبعد تلك الليلة التي قضيتها مع حمى شديدة أصابتني ومع أبي الذي سهر على راحتي .. صحيت لأجد ثلوجا قد غطت يدي .. !
بحثت عنها بوعيي وجنوني ... ولكنها تلاشت ككثير من الأمور!
جعلتها قضية حياتي وموتي .. وشغلت بها كل من حولي .. ولكن لم يعرف طريقها أحد ولا هي تركت لي أية رسالة عند رحيلها ..! تساقطت دموعي على كف أبي المذهول، الغاضب لفقد الإسورة ،لامني كثيرا ... كما لمت نفسي ...!
أعلنت الحداد .." إن اليوم ماتت أمي ..! وسأمشي بجنازتها مدى الحياة ..! "
مرت أيام والأمطار لم تتوقف رغم أن الكل كان يحتفل بمهرجانات الصيف ..!
جرفتني سيول دموعي نحو غرفتهما ذات مساء،وكأن شيئا ما كان يقودني ..!
كان باب غرفتهما مفتوحا قليلا .. فرأيت والدي ينحي لتقبيل يدها ..وفجأة لمع شيئ ما أعرفه ..!
.
.
12/11/2010
تعليق