جدار في الذاكرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    جدار في الذاكرة

    حين حملت رياح شوق مجنون محسن الى أطلال قريته البائدة، مرتع طفولته وصباه، هبّ الماضي النائم في ذاكرته واقفا،وانهمر شلال الصور المنسية على شكل طوفان لا ينتهي..ولاحت مواسم العمرفي خياله قصيرة وقد غطّتها سحابة ندم قاتم.
    انتصب الجدار عاليا
    إمتدّ في داخله من أقصى مكان في الذاكرة حتى تخوم اللحظة الراهنة.
    إمتد في صلابة لا تقهر, ليحمي ماتبقى له من ذكريات وهوية..
    ظلّ شامخا عند مدخل القرية منذ زمن موغل في القدم،
    شهد صباحات القرية بعين راعية ،
    شنفت صخوره الكبيرة أصوات القطعان الماضية بشوق نحو مراعيها ،وجلبة منطلقة من صدور غضّة صغيرة عارية،
    كان الجدار من أهم معالم القرية..وكان له رواده من الكبار والصغار..
    ولكونه يقع على المنبسط الوحيد في القرية المحاصرة بين جبلين، فقد استغله السكان مجلسا وملعبا ومكانا للحفلات والأعراس..
    يمنح ظله بسخاء أيام القيظ لشيوخ القرية ،يسمعونه حكايا الأزمنة الغابرة وعجائب الأيام الراهنة، يقارنون بين ماض تولّى, وحاضر هادر يسير بهم نحو آفاق مجهولة،
    وتحت أعينهم صغار يلاعبون التراب ، يرسمونه معالم غد قادم ،
    يذرونه ليمنح ملامحهم بعضا من لون الأرض..
    أسفل هذا الجدار اتخذت أهم القرارات فيما يذكرون،
    هنا تكسرت أحلام قبائل مغيرة في زمن بعيد،
    وهنا وقف رئيس كتيبة فرنسية يخاطب جنوده :
    - لا تعبروا هذا الجدار...ماوراءه حرام على أعينكم وأيديكم..
    وهنا كان الأجداد يستجدون بعض الثبات من صلابة الجدار وتماسكه وحكمته،كان شاهقا يحجب البيوتات والحقول عن الغرباء، قالوا أنه كان يلتف بالقرية من كل جهاتها ومع التوسع الذي فرضه نمو القرية الطبيعي،لم يبق منه إلا واجهته الأمامية هذه التي تشع في ذاكرة محسن الآن…
    في غبش ليلة لن تنسى هبّت على القرية عاصفة عنيفة،اهتزّ لها كل شيء،أفزعت الشيوخ والأطفال في مراقدهم، كان دويها مفزعا، أجبر كل الناس على الإلتصاق بالأرض وانتظار هدوءها بكثير من الصبر والخوف والرهبة،
    وأشرقت شمس الصباح بأشعة شاحبة على خراب لا يوصف..
    أشجار اقتلعت من جذورها وتمدد سموقها على الأرض ،
    مخازن العلف والغلل تطايرت سقوفها نحو أمكنة بعيدة...
    كل شيء قد صار هباء في جوف الليل ...
    وحين عبروا بوابة الجدار، ومسحوا وجهه بعيونهم هالهم حجم الشقوق التى اخترقت البناء...
    يومها قالوا كلاما كثيرا..
    قالوا سنرممه, فهو مجلسنا وملعب صغارنا وقد ذاد عن وجودنا لعقود طويلة...
    وقالوا, سنسويه بالأرض فقد انتهى عصر الجدار إلى الأبد، لنبني من أحجاره مدرسة أو جسرا أو مسكنا...
    وقالوا....وقالوا...لكنهم لم يتفقوا على رأي وتفرقوا في الأرض جماعات...
    يذكر محسن ذات عصر أسود أعقب ليلة العاصفة بأيام..
    يذكره بكل تفاصيله الأليمة،
    صرخة أخيرة مدوّية تشق سكون القرية، ويهرع مع الهارعين إلى مصدرها ..
    محمود اليافع المحبوب يتسلق الجدار فتنزلق به إحدى أحجاره فتدك صدره على الأرض دكا.
    وحين ساروا في جنازته كانوا حزانى حانقين...
    أحسوا جميعا أنهم هم القاتلون حين تقاعسوا عن حلّ مشكلة الجدار المصدوع..
    تذكر محسن هذه الصور التي قبعت في ظلام ذاكرته لزمن طويل،
    تظهر أحيانا فتثير في حيرته أسئلة من ألم وندم ..
    وهويلقي بنظراته الشاردة على بقايا قرية كانت ذات جدار...
    ارتدّ إلى ذاته.. حريق من حيرة يلتهم بقايا ثباته ، لم يحسم موقفه بعد ..
    تردّد لعقود طويلة.. ولازال: أهو مع هدم الجدار أم ترميمه؟
    حينها سقطت من عينه دمعة كبيرة ،
    انزلقت بصمت وغاصت عميقا في الأرض....




    العربي الثابت
    التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 10-12-2010, 23:21.
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    العربي الثابت
    نص رائع
    نص ينوء بكل أوجاع الأوطان المغتصبة علنا والمغطى احتلالها
    نص من أجمل النصوص التي قرأتها لك عربي
    أفرغت فيه شحنة محبة الأوطان جميعا
    أحببته كثيرا فهو
    مفحم
    موجع
    مؤثر
    وحقيقي
    كنت أنتظر المطر
    فجاءني سخيا منك
    ودي ومحبتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      والجّدار يا العربيّ ...يبقى شاهداً
      على تقاعس أمّةٍ في رتق جراحها ...
      إصلاح ثغرات تاريخها ...
      ضحاياها ...ودم طاهر أراقوه في سبيل الأرض وترابها ...
      من روح الإنسانيّة تغترف كلماتك دائماً أيها الثّابت
      فتأتي عميقة ، كعمق الجّراح ...
      ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        نصٌ جميل..
        ربما يرمز الجدار إلى ما هو أعمق من مجرد حجارة .
        عندي ملاحظة أخي الكريم حول استعمال لفظة " الراهنة " و نحن نسرد أحداثا ماضية ..
        لا أدري إن استطعتُ أن أوصل لك ما أعني ..
        تحيّتي و احترامي .
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • العربي الثابت
          أديب وكاتب
          • 19-09-2009
          • 815

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          العربي الثابت
          نص رائع
          نص ينوء بكل أوجاع الأوطان المغتصبة علنا والمغطى احتلالها
          نص من أجمل النصوص التي قرأتها لك عربي
          أفرغت فيه شحنة محبة الأوطان جميعا
          أحببته كثيرا فهو
          مفحم
          موجع
          مؤثر
          وحقيقي
          كنت أنتظر المطر
          فجاءني سخيا منك
          ودي ومحبتي لك
          أستاذتي الراقية عائدة....
          صدقيني إن قلت لك أنني تذكرتك وأنا أجهّز هذا النص للنشر وخطر لي أن أهديه لك..لكنني لست أدري لما لم أفعل، لكنك كنت بالقرب مني وجاءت قراءتك العميقة للنص لتعزف على ذات الوترالموجع الذي يجمعنا..
          الأمر كما رأيت ولن يكون غير ذلك...
          تقبلي سيدتي المتألقة صادق محبتي وعاطر تحاياي...
          ودمت بألف خير وأمان...
          أخوك العربي
          التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 12-12-2010, 20:48.
          اذا كان العبور الزاميا ....
          فمن الاجمل ان تعبر باسما....

          تعليق

          • العربي الثابت
            أديب وكاتب
            • 19-09-2009
            • 815

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            والجّدار يا العربيّ ...يبقى شاهداً
            على تقاعس أمّةٍ في رتق جراحها ...
            إصلاح ثغرات تاريخها ...
            ضحاياها ...ودم طاهر أراقوه في سبيل الأرض وترابها ...
            من روح الإنسانيّة تغترف كلماتك دائماً أيها الثّابت
            فتأتي عميقة ، كعمق الجّراح ...
            ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...
            أستاذتي المقتدرة ...
            أسعدني مرورك المعطر...
            قراءتك جاءت متناسقة وظلال الجدار التي تمتد وتغطي بوجعها كل أسطر النص..من أول الجكاية حتى نقطة النهاية..
            تلاشي الجدار وتصدعه تركنا في عراء،والصمت حولنا يغيبنا عن وجودنا الفعلي والحقيقي...
            تفضلي سيدتي بقبول صادق محبتي وتقديري..
            أخوك العربي
            اذا كان العبور الزاميا ....
            فمن الاجمل ان تعبر باسما....

            تعليق

            • فايزشناني
              عضو الملتقى
              • 29-09-2010
              • 4795

              #7

              أخي العربي الثابت

              هل على الجدار أن يقررعنهم ماهم فاعلون
              وهل عليه أن يتوقع نهايته عند أول فاجعة
              وهو الذي ضحى لأجلهم بكثير من الظلال والذكريات الجميلة
              صديقي أنا ما القول إذا عاب اصبعك اقطعه
              و لا أحب الذين يؤجلون ... ويؤجلون بوعي أو غباء الأمور الملحة
              علينا أن نقرر ونتخذ القرار في الوقت المناسب لنعيد اللحمة لأوصال تقطعت
              سرني أن أقرأ لك أيها العربي القدير
              مع ودي وتقديري
              هيهات منا الهزيمة
              قررنا ألا نخاف
              تعيش وتسلم يا وطني​

              تعليق

              • العربي الثابت
                أديب وكاتب
                • 19-09-2009
                • 815

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                نصٌ جميل..
                ربما يرمز الجدار إلى ما هو أعمق من مجرد حجارة .
                عندي ملاحظة أخي الكريم حول استعمال لفظة " الراهنة " و نحن نسرد أحداثا ماضية ..
                لا أدري إن استطعتُ أن أوصل لك ما أعني ..
                تحيّتي و احترامي .
                أستاذتي الراقية المحترمة آسيا
                أسعدني مرورك هنا بكل تأكيد..وقراءتك لهذا النص المتواضع رفعت معنوياتي ..
                لفظة الراهنة أعتقد أنها تتعلق بزمن الحكي والمقام الذي وردت فيه،لكنني سأعود لتفحص أمرها.
                لك كل الشكر أختي الكريمة..
                العربي
                اذا كان العبور الزاميا ....
                فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                تعليق

                • العربي الثابت
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2009
                  • 815

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة فايزشناني مشاهدة المشاركة
                  أخي العربي الثابت

                  هل على الجدار أن يقررعنهم ماهم فاعلون
                  وهل عليه أن يتوقع نهايته عند أول فاجعة
                  وهو الذي ضحى لأجلهم بكثير من الظلال والذكريات الجميلة
                  صديقي أنا ما القول إذا عاب اصبعك اقطعه
                  و لا أحب الذين يؤجلون ... ويؤجلون بوعي أو غباء الأمور الملحة
                  علينا أن نقرر ونتخذ القرار في الوقت المناسب لنعيد اللحمة لأوصال تقطعت
                  سرني أن أقرأ لك أيها العربي القدير
                  مع ودي وتقديري

                  زميلي المقتدر فايز..
                  عطرت متصفحي بمرورك الراقي ..ورفعت سقف معنوياتي عاليا بهذه القراءة الدقيقة لهذا النص المتواضع..
                  نعم تلك حالنا ولاشيء غير ذلك...
                  تفرقنا في العراء جماعات وصرنا فريسة سهلة لكل ناب كاسر..
                  تقبل مني صادق محبتي واعتزازي وتقديري..
                  أخوك العربي
                  اذا كان العبور الزاميا ....
                  فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                  تعليق

                  يعمل...
                  X