حين حملت رياح شوق مجنون محسن الى أطلال قريته البائدة، مرتع طفولته وصباه، هبّ الماضي النائم في ذاكرته واقفا،وانهمر شلال الصور المنسية على شكل طوفان لا ينتهي..ولاحت مواسم العمرفي خياله قصيرة وقد غطّتها سحابة ندم قاتم.
انتصب الجدار عاليا
إمتدّ في داخله من أقصى مكان في الذاكرة حتى تخوم اللحظة الراهنة.
إمتد في صلابة لا تقهر, ليحمي ماتبقى له من ذكريات وهوية..
ظلّ شامخا عند مدخل القرية منذ زمن موغل في القدم،
شهد صباحات القرية بعين راعية ،
شنفت صخوره الكبيرة أصوات القطعان الماضية بشوق نحو مراعيها ،وجلبة منطلقة من صدور غضّة صغيرة عارية،
كان الجدار من أهم معالم القرية..وكان له رواده من الكبار والصغار..
ولكونه يقع على المنبسط الوحيد في القرية المحاصرة بين جبلين، فقد استغله السكان مجلسا وملعبا ومكانا للحفلات والأعراس..
يمنح ظله بسخاء أيام القيظ لشيوخ القرية ،يسمعونه حكايا الأزمنة الغابرة وعجائب الأيام الراهنة، يقارنون بين ماض تولّى, وحاضر هادر يسير بهم نحو آفاق مجهولة،
وتحت أعينهم صغار يلاعبون التراب ، يرسمونه معالم غد قادم ،
يذرونه ليمنح ملامحهم بعضا من لون الأرض..
أسفل هذا الجدار اتخذت أهم القرارات فيما يذكرون،
هنا تكسرت أحلام قبائل مغيرة في زمن بعيد،
وهنا وقف رئيس كتيبة فرنسية يخاطب جنوده :
- لا تعبروا هذا الجدار...ماوراءه حرام على أعينكم وأيديكم..
وهنا كان الأجداد يستجدون بعض الثبات من صلابة الجدار وتماسكه وحكمته،كان شاهقا يحجب البيوتات والحقول عن الغرباء، قالوا أنه كان يلتف بالقرية من كل جهاتها ومع التوسع الذي فرضه نمو القرية الطبيعي،لم يبق منه إلا واجهته الأمامية هذه التي تشع في ذاكرة محسن الآن…
في غبش ليلة لن تنسى هبّت على القرية عاصفة عنيفة،اهتزّ لها كل شيء،أفزعت الشيوخ والأطفال في مراقدهم، كان دويها مفزعا، أجبر كل الناس على الإلتصاق بالأرض وانتظار هدوءها بكثير من الصبر والخوف والرهبة،
وأشرقت شمس الصباح بأشعة شاحبة على خراب لا يوصف..
أشجار اقتلعت من جذورها وتمدد سموقها على الأرض ،
مخازن العلف والغلل تطايرت سقوفها نحو أمكنة بعيدة...
كل شيء قد صار هباء في جوف الليل ...
وحين عبروا بوابة الجدار، ومسحوا وجهه بعيونهم هالهم حجم الشقوق التى اخترقت البناء...
يومها قالوا كلاما كثيرا..
قالوا سنرممه, فهو مجلسنا وملعب صغارنا وقد ذاد عن وجودنا لعقود طويلة...
وقالوا, سنسويه بالأرض فقد انتهى عصر الجدار إلى الأبد، لنبني من أحجاره مدرسة أو جسرا أو مسكنا...
وقالوا....وقالوا...لكنهم لم يتفقوا على رأي وتفرقوا في الأرض جماعات...
يذكر محسن ذات عصر أسود أعقب ليلة العاصفة بأيام..
يذكره بكل تفاصيله الأليمة،
صرخة أخيرة مدوّية تشق سكون القرية، ويهرع مع الهارعين إلى مصدرها ..
محمود اليافع المحبوب يتسلق الجدار فتنزلق به إحدى أحجاره فتدك صدره على الأرض دكا.
وحين ساروا في جنازته كانوا حزانى حانقين...
أحسوا جميعا أنهم هم القاتلون حين تقاعسوا عن حلّ مشكلة الجدار المصدوع..
تذكر محسن هذه الصور التي قبعت في ظلام ذاكرته لزمن طويل،
تظهر أحيانا فتثير في حيرته أسئلة من ألم وندم ..
وهويلقي بنظراته الشاردة على بقايا قرية كانت ذات جدار...
ارتدّ إلى ذاته.. حريق من حيرة يلتهم بقايا ثباته ، لم يحسم موقفه بعد ..
تردّد لعقود طويلة.. ولازال: أهو مع هدم الجدار أم ترميمه؟
حينها سقطت من عينه دمعة كبيرة ،
انزلقت بصمت وغاصت عميقا في الأرض....
انتصب الجدار عاليا
إمتدّ في داخله من أقصى مكان في الذاكرة حتى تخوم اللحظة الراهنة.
إمتد في صلابة لا تقهر, ليحمي ماتبقى له من ذكريات وهوية..
ظلّ شامخا عند مدخل القرية منذ زمن موغل في القدم،
شهد صباحات القرية بعين راعية ،
شنفت صخوره الكبيرة أصوات القطعان الماضية بشوق نحو مراعيها ،وجلبة منطلقة من صدور غضّة صغيرة عارية،
كان الجدار من أهم معالم القرية..وكان له رواده من الكبار والصغار..
ولكونه يقع على المنبسط الوحيد في القرية المحاصرة بين جبلين، فقد استغله السكان مجلسا وملعبا ومكانا للحفلات والأعراس..
يمنح ظله بسخاء أيام القيظ لشيوخ القرية ،يسمعونه حكايا الأزمنة الغابرة وعجائب الأيام الراهنة، يقارنون بين ماض تولّى, وحاضر هادر يسير بهم نحو آفاق مجهولة،
وتحت أعينهم صغار يلاعبون التراب ، يرسمونه معالم غد قادم ،
يذرونه ليمنح ملامحهم بعضا من لون الأرض..
أسفل هذا الجدار اتخذت أهم القرارات فيما يذكرون،
هنا تكسرت أحلام قبائل مغيرة في زمن بعيد،
وهنا وقف رئيس كتيبة فرنسية يخاطب جنوده :
- لا تعبروا هذا الجدار...ماوراءه حرام على أعينكم وأيديكم..
وهنا كان الأجداد يستجدون بعض الثبات من صلابة الجدار وتماسكه وحكمته،كان شاهقا يحجب البيوتات والحقول عن الغرباء، قالوا أنه كان يلتف بالقرية من كل جهاتها ومع التوسع الذي فرضه نمو القرية الطبيعي،لم يبق منه إلا واجهته الأمامية هذه التي تشع في ذاكرة محسن الآن…
في غبش ليلة لن تنسى هبّت على القرية عاصفة عنيفة،اهتزّ لها كل شيء،أفزعت الشيوخ والأطفال في مراقدهم، كان دويها مفزعا، أجبر كل الناس على الإلتصاق بالأرض وانتظار هدوءها بكثير من الصبر والخوف والرهبة،
وأشرقت شمس الصباح بأشعة شاحبة على خراب لا يوصف..
أشجار اقتلعت من جذورها وتمدد سموقها على الأرض ،
مخازن العلف والغلل تطايرت سقوفها نحو أمكنة بعيدة...
كل شيء قد صار هباء في جوف الليل ...
وحين عبروا بوابة الجدار، ومسحوا وجهه بعيونهم هالهم حجم الشقوق التى اخترقت البناء...
يومها قالوا كلاما كثيرا..
قالوا سنرممه, فهو مجلسنا وملعب صغارنا وقد ذاد عن وجودنا لعقود طويلة...
وقالوا, سنسويه بالأرض فقد انتهى عصر الجدار إلى الأبد، لنبني من أحجاره مدرسة أو جسرا أو مسكنا...
وقالوا....وقالوا...لكنهم لم يتفقوا على رأي وتفرقوا في الأرض جماعات...
يذكر محسن ذات عصر أسود أعقب ليلة العاصفة بأيام..
يذكره بكل تفاصيله الأليمة،
صرخة أخيرة مدوّية تشق سكون القرية، ويهرع مع الهارعين إلى مصدرها ..
محمود اليافع المحبوب يتسلق الجدار فتنزلق به إحدى أحجاره فتدك صدره على الأرض دكا.
وحين ساروا في جنازته كانوا حزانى حانقين...
أحسوا جميعا أنهم هم القاتلون حين تقاعسوا عن حلّ مشكلة الجدار المصدوع..
تذكر محسن هذه الصور التي قبعت في ظلام ذاكرته لزمن طويل،
تظهر أحيانا فتثير في حيرته أسئلة من ألم وندم ..
وهويلقي بنظراته الشاردة على بقايا قرية كانت ذات جدار...
ارتدّ إلى ذاته.. حريق من حيرة يلتهم بقايا ثباته ، لم يحسم موقفه بعد ..
تردّد لعقود طويلة.. ولازال: أهو مع هدم الجدار أم ترميمه؟
حينها سقطت من عينه دمعة كبيرة ،
انزلقت بصمت وغاصت عميقا في الأرض....
العربي الثابت
تعليق