عندَ آخرِ محطةٍ للمطرْ ، أنحني إلى جانبِ الزهرْ ،
أنتظرُ نصيبي منْ فيضِ السماءْ ،
وأنتظرُ ولادَتي على أكفُ اللحظةِ الأولى ،
أسقطُ منْ أعلى الممرِ الضيقِ ، نصفيّ حياةٌ ونصفيّ موتْ ،
حينَ الشفقْ ، آتي مَـعْ أحمرِ الأفقِ البعيدْ ،
يلتقيني الغروبُ ؛ غريباً ، مغترباً ، مستغرباً ،
حائراً في القديم ِ وفي الجديدْ ،
القديمُ ، ذكرياتٌ في رحمِ الأمومةِ ،
والجديدُ ، ما تبقى لي منْ حياةْ ،
كيفَ ستكونُ الحياة ، وكيفَ سأحيا ؟!!
وأنا ما زلتُ لا أجيدُ قراءةَ سفرَ النجاةِ منْ عدمِ الوجودْ ،
ولا أتقنُ الهروبَ منَ الهروبْ ،
ولا أحاولُ التوحدَ في الأشياءْ ،
ولا أصرخُ منادياً على نفسيّ في الغيابْ ،
فالغيابُ سيئتي ، والمنفى مكانُ نوميّ الأخيرْ ،
ولا أرحلُ كما ترحلُ الشمسُ في الغروبْ ،
فأنا لم أخترْ الموتَ ، لأموتْ ،
ولمْ أخترْ الحياةَ ، ولا الحريةَ ،
ولم آخذ فرصةَ الجسدِ ، ولمْ أغتنمْ منحةَ الروحْ ،
كانَ كلّ شئٍ فوقَ السيطرة ،
فأنا غريبٌ ، في كلّ مكانٍ غريبْ ،
وذكرايّ هناكْ ، تفتعل الصدفْ ،
وتختلقُ الأكاذيبْ ، وتلعنُ النسيانْ ،
عجزاً في العودةِ إلى الروحِ ،
وعجزاً في السؤالِ عنْ المعاني ،
لم أعدْ أحفظُ التاريخ ، ولم أعدْ أذكـرُ صوتَ الحمامْ ،
وَلا الأغاني ،
كم أكرهُ المكوثَ طويلاً بينَ زهرٍ يكرهُ الغرباءْ ،
هذا الغريبُ كان يوماً هنا ، يقلمُ أظافرَ الأزهارْ ،
ويرتبها خصلةً خصلة ، يُـلبسها ثوبَ الجمالِ ،
وينحني ليقبلها ، ويشكرها ،
كما يشكـرُ كلّ الأشياءِ الجميلة ، عندما تكونُ جميلة ،
سماءٌ أقربُ من المعتادْ ،
مطرٌ يمحي خَطايانا ، يثقلُ الهواجسْ ،
ويغسلُ الزهرَ منَ الماضي ،
مهدُ طفلٍ ، لم يكبرْ بعد ،
كيْ يرى الأشياءَ كما هي الأشياءْ ،
لا أشعرُ بشئٍ في الجوار ،
لا البيتُ الدافئُ ،
لا البحرُ المشوشُ ، لا الشاطئُ ،
كم لبثتُ هناكَ ، كي يجتاحني النسيانْ ،
ويبدلَ الأفكارَ عنّي ،
كم لبثتُ هناكَ ، كي تتبدلّ وجوهنا في المرايا ،
وتتغيرّ الأسماءْ ، التي ماتَ حاملوها من قبلْ ،
تغيّر كل شئٍ ، وأيّ شئٍ ، إلا أنا ،
فما زلتُ أحلمُ بالحلمْ ، وأموت في الموتْ ،
وأخوض مع الحياةِ ، الصراعَ مع أضدادها ،
وأطلّ من شرفةٍ سماويةٍ ، في مساءٍ فضيٍ ، بليلٍ قد يأتي ،
لأكملّ المشهدَ الناقصَ ، منَ موسيقى الوجعْ ،
وأعيش أبديةَ الغيابِ .. إلى الأبدْ ،
لا أحدٌ يذكـرُ أيّ شئْ ، ولا أحدٌ يذكـرُ أيّ شئْ ،
فلم يتبقى للرحيلِ ، سوى بضعُ مقدماتْ ،
بدأتْ ، وبدأتُ على إثرها أنتهي ،
بيــــــنَ زهرٍ لا ينتهي ..!!
،
،
تعليق