التّهييج و السجعْ
قشورٌ و قرعُ طبول
1
هذه مقالة مطولة أهديها للأستاذ ركاد أبو الحسن ، و أعده (إن أكرمني الله بالصّحة و بضع سنين أخرى في عمري) أن تصبح كتابا بعنوان "ركّاد".
لماذا ركّاد؟
لأن ركّاد أنموذجا من لحم و دم يَمْثُل أمامنا ليُمَثّل مآساتنا بكلّ أبعادها ، من الهزيمة الحضارية و الثقافية ، إلى هزيمة الإنسان و قهره ، مرورا باقتلاع الجذور من الوطن و حتى زيف الحضارة و تفنّن المجرم بتغليف (تحسين) جريمته ، واكتفائنا إما بـ "التّغريد" سجعا و إمّا بـ "الجعجعة" حماسا ، بين هذا و ذاك ، ننوء تحت وطأة الأنا المتورّمة وهما ، نحلم أنّنا أسياد العالم ، نصدّق فنسعد فننانم قريري الأعين ببراءة الأطفال (ويحي ما أجملنا!!)... اكتملت الترجيديا ، تبّا لك يا سوفوكليس .. بقي أن يسدل الستار فنكتب مراثينا في "العرب" البائدة.
ركّاد فلسطينيّ أفاق على الدّنيا و قد ورّثه والده ثلاثا : الاقتلاع من الأرض ، أحزان المشرّدين و سبي فلسطين .
ضياع فلسطين هو ذاته قيام الدولة الصهيونية في قلب بلاد العرب ، فوق ضلع المتوسّط ، و هما (ضياع و قيام ) ناتج بل حصاد الهزيمة الحضارية و الثقافية للعرب و المسلمين معا و غلّتها .
لأن ركّاد أنموذجا من لحم و دم يَمْثُل أمامنا ليُمَثّل مآساتنا بكلّ أبعادها ، من الهزيمة الحضارية و الثقافية ، إلى هزيمة الإنسان و قهره ، مرورا باقتلاع الجذور من الوطن و حتى زيف الحضارة و تفنّن المجرم بتغليف (تحسين) جريمته ، واكتفائنا إما بـ "التّغريد" سجعا و إمّا بـ "الجعجعة" حماسا ، بين هذا و ذاك ، ننوء تحت وطأة الأنا المتورّمة وهما ، نحلم أنّنا أسياد العالم ، نصدّق فنسعد فننانم قريري الأعين ببراءة الأطفال (ويحي ما أجملنا!!)... اكتملت الترجيديا ، تبّا لك يا سوفوكليس .. بقي أن يسدل الستار فنكتب مراثينا في "العرب" البائدة.
ركّاد فلسطينيّ أفاق على الدّنيا و قد ورّثه والده ثلاثا : الاقتلاع من الأرض ، أحزان المشرّدين و سبي فلسطين .
ضياع فلسطين هو ذاته قيام الدولة الصهيونية في قلب بلاد العرب ، فوق ضلع المتوسّط ، و هما (ضياع و قيام ) ناتج بل حصاد الهزيمة الحضارية و الثقافية للعرب و المسلمين معا و غلّتها .
لماذا العرب؟
لأن فلسطين تجمع أشلاءهم ، بدونها لا شرق يصل غربا و لا شمال يصل جنوبا ، من يتقوقع من العرب خلف شعار برّاق يقول بأنّ بلده ... أولا ، هي ردّة جاهلية ، كمثل تنصّل القبائل من الدّم يوم الفتنة خوفا من العاقبة و تقوقعها على نفسها ، هو ما خطر في بال أبو رغال عندما أرشد أبرهة لبيت كرامات و عزّة العرب ، اللّهم ّنفسي ، فهؤلاء جاهليون قبليون رغاليون حكما ، و الرّغاليّة في قاموسي أسوأ من التفريط و العمالة... ترى من ثانيا؟؟!!
لأن فلسطين تجمع أشلاءهم ، بدونها لا شرق يصل غربا و لا شمال يصل جنوبا ، من يتقوقع من العرب خلف شعار برّاق يقول بأنّ بلده ... أولا ، هي ردّة جاهلية ، كمثل تنصّل القبائل من الدّم يوم الفتنة خوفا من العاقبة و تقوقعها على نفسها ، هو ما خطر في بال أبو رغال عندما أرشد أبرهة لبيت كرامات و عزّة العرب ، اللّهم ّنفسي ، فهؤلاء جاهليون قبليون رغاليون حكما ، و الرّغاليّة في قاموسي أسوأ من التفريط و العمالة... ترى من ثانيا؟؟!!
لماذا المسلمون؟
من يفرّط بقبلته الأولى لا قبلة له ، لن يكون ضمان ، ربّما بظروف ما يقنع نفسه بالتّفريط بقبلته الثانية و الثالثة لو كان ، فسلمّ التنازلات مثل سلّم العهر ، مهما بدا مستحيلا و طويلا إلاّ أنّه درجة واحدة ، الدرجة الأولى ، أصعب الدّرجات ، إن أقنع نفسه بالوقوف عليها ثم تخطيها ، فليس بعد ذلك أسهل من قفز باقي الدّرجات إلى قعر الهاوية ..
من يفرّط بقبلته الأولى لا قبلة له ، لن يكون ضمان ، ربّما بظروف ما يقنع نفسه بالتّفريط بقبلته الثانية و الثالثة لو كان ، فسلمّ التنازلات مثل سلّم العهر ، مهما بدا مستحيلا و طويلا إلاّ أنّه درجة واحدة ، الدرجة الأولى ، أصعب الدّرجات ، إن أقنع نفسه بالوقوف عليها ثم تخطيها ، فليس بعد ذلك أسهل من قفز باقي الدّرجات إلى قعر الهاوية ..
ذاك كان ضياع فلسطين و قيام (إسرائيل) ، أما بقاءها أمام أعيننا ، فهو قهر يوميّ يُطاردنا ، كمن يحمل خزيه كظلّه ، يحاول التّخلّص منه ، فيفشل ، ثم يحاول فيفشل ... يُقهر كلّ لحظة ، ما العمل؟
في تنقيبه عن الحلّ أدلج هزيمته وجبنه و فشله ، فأصبح الحلّ لا بالخلاص من الخزي و العار المتمثّل ببقاء إسرائيل بل من الضحيّة ، من الفلسطيني وهمّه ، على مبدأ : أنت السبب ! عندما نقف غاضبين أمام مشكلة استعصى حلّها فنصرخ بأحدهم أيّا كان على أنه هو سبب المشكلة . أو على مبدأ أكثر هدوءا (!) : الباب الذي يأتيك منه الرّيح سدّه و (استريح) ، و هكذا ظهرت تعابير مثل "أنت" و "أنا" و "هو" بعد أن كنّا "نحن" ، صار الفلسطيني المخاطب أحيانا ، و كثيرا من الأحيان الضمير الغائب أو "هو" ، ثمّ لحقتها تعابير مثل : ساعدناك (أو ساعدناه) بكل ما استطعنا و لا يمكننا تقديم المزيد ! أو : قدمنا له العون ، وقفنا إلى جانبه ما سبّب لنا مشاكل اجتماعية و اقتصادية كثيرة ... صبرنا و تحملنا (لاحظوا الضمير الغائب "هو" ، تعني الفلسطيني مجازا) ثم ارتفعت الوتيرة فقالوا : ماذا يريد ؟ أن يحرّر أرضه بدم أبنائنا؟؟ أو : يبيع أرضه و يهرب عنها و يريدنا أن نحرّرها له بدمائنا؟؟ ثم تطوّرت اللغة لتصبح : انتهى وقت التضحيات المجانية ، بلدي أولا!!
في تنقيبه عن الحلّ أدلج هزيمته وجبنه و فشله ، فأصبح الحلّ لا بالخلاص من الخزي و العار المتمثّل ببقاء إسرائيل بل من الضحيّة ، من الفلسطيني وهمّه ، على مبدأ : أنت السبب ! عندما نقف غاضبين أمام مشكلة استعصى حلّها فنصرخ بأحدهم أيّا كان على أنه هو سبب المشكلة . أو على مبدأ أكثر هدوءا (!) : الباب الذي يأتيك منه الرّيح سدّه و (استريح) ، و هكذا ظهرت تعابير مثل "أنت" و "أنا" و "هو" بعد أن كنّا "نحن" ، صار الفلسطيني المخاطب أحيانا ، و كثيرا من الأحيان الضمير الغائب أو "هو" ، ثمّ لحقتها تعابير مثل : ساعدناك (أو ساعدناه) بكل ما استطعنا و لا يمكننا تقديم المزيد ! أو : قدمنا له العون ، وقفنا إلى جانبه ما سبّب لنا مشاكل اجتماعية و اقتصادية كثيرة ... صبرنا و تحملنا (لاحظوا الضمير الغائب "هو" ، تعني الفلسطيني مجازا) ثم ارتفعت الوتيرة فقالوا : ماذا يريد ؟ أن يحرّر أرضه بدم أبنائنا؟؟ أو : يبيع أرضه و يهرب عنها و يريدنا أن نحرّرها له بدمائنا؟؟ ثم تطوّرت اللغة لتصبح : انتهى وقت التضحيات المجانية ، بلدي أولا!!
هذه المسيرة اتّخذت أشكالا عملية مختلفة وتطابقت و تشابهت مع ما تقوم به (إسرائيل ) نفسها ، لنرى : أغلقنا بوّابات رفح ، أنشأ شارون الجدار العازل ، تتنازل دولا عن أراضٍ لها قريبة من (إسرائيل) ربّما (!) كي لا تحسب من دول المواجهة ، أعلن بعض العرب و بعض المسلمين أنّهم يقبلون ما يقبل به الفلسطينيون إذ أنّ دورهم ينحصر بهذا فقط ، فأهل مكّة أدرى بشعابها ، لتكتمل الدائرة زرعوا لنا دحلان و عباس لتحديد ما يريده الفلسطينيّون ، و هكذا كانت حرب أيلول ، و هكذا كان فك الإرتباط ، وحروب السبعينات و مذابحها في لبنان ....الخ
كما نرى أصبحت المعركة متشعّبة ، صار أي منا طرفا خصما مُحتملا فيها ، ليصبح في اليوم التالي طرفا حليفا مُحتملا فيها أيضا ، وعليه لم يعد مُستبعدا أن تقاتل جيوش أنظمة عربية إلى جانب جيش الدّفاع ، فلم لا و الديبلوماسية العربية و السياسة الخارجية العربية تتقاطع مصالحها مع إسرائيل و أمريكا ، فيقفون في صفّ واحد في ساحة الصراع الديبلوماسي العالمية ضدّ غزاويّ يجرّ ماعزا في نفق بين رفح و رفح ، بحجّة أنّه يعمل بالتّهريب ، أو أن الماعز ايرانية ، أو أكلت عشبا ايرانيا فتلوّث لحمها ، أو النقد الذي دفعه ثمنا لها كان بالدولار مجهول المصدر ، أو يقفون معا متعاضدين مع اسرائيل و أمريكا ضدّ مزارع تبغ لبناني على حدود ما كان يسمّى فلسطين (!) يغني على نايه لغنماته في مراعي الجليل ، كما كان يفعل منذ أيام صيدون الكنعانية ، بحجّة أنّه تشيّع للحسين ، و الحسين هذا ايرانيّا (!) أصبح خطرا داهما على دين الله الإسلام ، هكذا تتّسع دائرة المعارك ، إذ أن هؤلاء الذين يغارون على الإسلام و يشنّون الهجوم في الجليل و عسقلون باسمه ، هم أنفسهم من أضاعوا قِبْلة الإسلام الأولى في القدس !!
لا بدّ أن نذكر هنا زياد الرحباني في "فيلم أمريكي طويل" حين أصيب بالجنون لأنّه لا يفهم هذه المعادلة ...كيف يعني ؟؟ كيف أنت معي في الخندق و معهم أيضا في نفس الخندق؟؟
لا بدّ أن نذكر هنا زياد الرحباني في "فيلم أمريكي طويل" حين أصيب بالجنون لأنّه لا يفهم هذه المعادلة ...كيف يعني ؟؟ كيف أنت معي في الخندق و معهم أيضا في نفس الخندق؟؟
كلّ هذا ورثه "ركّاد" ، و كأنّه لا يكفي ، ففي لحظة اقتتال بين الإسلامي و القومي و المناطقي ، زاد العرب ميراثه بخرابات مخيّم نهر البارد ، فزادت عليه الخرابات و تشعّبت الأزقة و كلّها تتناسل شقاءا و أحزانا ... "ركاد" يحلم بأن تتّسع خليّة القدرة البشرية على تحمّل كل هذا ، فيجد فسحة من الوقت ليغنّي للأرض التي ورث سلبها و خراباتها و .... رائحتها.
الآخرون يقنعونه بأن القضيّة هي ليست رائحة الأرض التي تملأ صدره بل هي ميزانيّة الأونوروا التي انخفضت ، و ما عليه إلاّ أن يتحمّل شحّ الحال فقط ، فيقبل بكيس واحد من الطّحين الفاخر بدلا من اثنين عندما كان البترول و الدولار يغدقان بـ (التّبرعات) !
"ركّاد" يتمسّك بحلمه ، فتخجل الحضارة من نفسها أمام هول الواقع في خرابات نهر البارد التي اعتلت خرابات فلسطين ، الخرابات الأولى على يد الصهاينة ، و الثانية على يد العرب !! يخجلون جدا ، يمنحونه لقبا حضاريا يوازي موقفهم الأخلاقي الإنساني مع "ركّاد" الإنسان.. فيصبح سويسريا ..
"ركّاد" يتمسّك بحلمه ، فتخجل الحضارة من نفسها أمام هول الواقع في خرابات نهر البارد التي اعتلت خرابات فلسطين ، الخرابات الأولى على يد الصهاينة ، و الثانية على يد العرب !! يخجلون جدا ، يمنحونه لقبا حضاريا يوازي موقفهم الأخلاقي الإنساني مع "ركّاد" الإنسان.. فيصبح سويسريا ..
لماذا توقف زياد الرحباني عند "فيلم أمريكي طويل" ؟؟ ألا يستحق "ركّاد" الجزء الثاني ، فيلم أمريكي طويل "نمبر تو" ؟ كيف يصبح كلّ هذا الخراب مغلّفا بالسولوفان السويسري الفاخر؟ كيف يعني معهم في نفس الخندق ثم معنا أيضا في الخندق؟
ماذا حدث ؟ هل حقا تخجل (الحضارة) من فعلتها بالإنسان الشرقي؟ أم هي تقف مع نفسها كي لا تنكشف و تنفضح عورتها الأخلاقية ؟ في هذه الوقفة يصلنا بعض الرّذاذ الحضاري السويسري الفاخر؟ أسئلة كثيرة تطرحها دهشة الموقف في اللّقاء بين أزقة نهر البارد المظلمة و ركامها وأحزانها و سويسرا!!
ماذا حدث ؟ هل حقا تخجل (الحضارة) من فعلتها بالإنسان الشرقي؟ أم هي تقف مع نفسها كي لا تنكشف و تنفضح عورتها الأخلاقية ؟ في هذه الوقفة يصلنا بعض الرّذاذ الحضاري السويسري الفاخر؟ أسئلة كثيرة تطرحها دهشة الموقف في اللّقاء بين أزقة نهر البارد المظلمة و ركامها وأحزانها و سويسرا!!
"ركّاد" سويسريّاً ... "ركاد" لا يحبّ الشوكولا بل يحبّ "فقع" الأرض. (فقع الأرض هو الكمء)
"ركّاد" يعرف التّناقض .. "ركاد" يتمزّق .. لكنّ حلمه ظل طازجا كما هو ، يراه في كلّ شيء داخله .. لم يعد يرى و لا يريد أن يرى إلاّ ما تحمله رائحة الأرض و قصصها و المفتاح الكبير الذي ورثه عن والده و عن العرب كلّهم .. هي رؤية ما خلف الموجودات المادية ، هي رؤية في البعيد ، و لأن سوفوكليس مازال موجودا مسيطرا ، أصبح العصب البصري المهيأ للرؤية العادية لا عمل له ، فصار يضمر و يضمر ... "ركّاد" سيصاب بالعمى ... انتهت فصول الترجيديا ... تبّا لك يا سوفوكليس ، بقي أن يسدل الستار ونكتب بـ "ركّاد" مراثينا...
"ركّاد" يعرف التّناقض .. "ركاد" يتمزّق .. لكنّ حلمه ظل طازجا كما هو ، يراه في كلّ شيء داخله .. لم يعد يرى و لا يريد أن يرى إلاّ ما تحمله رائحة الأرض و قصصها و المفتاح الكبير الذي ورثه عن والده و عن العرب كلّهم .. هي رؤية ما خلف الموجودات المادية ، هي رؤية في البعيد ، و لأن سوفوكليس مازال موجودا مسيطرا ، أصبح العصب البصري المهيأ للرؤية العادية لا عمل له ، فصار يضمر و يضمر ... "ركّاد" سيصاب بالعمى ... انتهت فصول الترجيديا ... تبّا لك يا سوفوكليس ، بقي أن يسدل الستار ونكتب بـ "ركّاد" مراثينا...
....يتبع//
تعليق