أربع عيون ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ. جمعة الفاخري
    أديب وكاتب
    • 20-07-2007
    • 276

    أربع عيون ..

    [align=justify]... لازلت أذكره بكتفيه العريضتين وأوداجه المنتفخة مثل بالون ... ورأسه الضخم الأصلع ،لازلت أذكر صوته الخشن المرعب وتقاسيم وجهه الصارم ...
    ـ عندما ولج فصلنا لأول مرة سبقته نحنحنة مرعبة .. ألصقتنا نظراته النارية ببعضنا .. احتمينا بصمتٍ طفولي .. أنسانا خوفنا الوقوف تحيةً له .. صاح في ارتجافنا بعنف " قيام " رعشنا قائمين .. ظلت عيوننا تراقب صرامته التي تصل حد الشراسة ، أجلسنا بإشارةٍ من يده ، ثم طفق يحدثنا بصرامة : " أنا شعبان مدرس الرياضيات .
    الرياضيات ليست لعباً كبقية المواد .. هل فهمتم ... ؟ لابد لكل واحدٍ منكم أن ينتبه جيداً أثناء الدرس ، وحين أدخل الفصل تقطعون الأنفاس تماماً ، وتمنعون الحركة .. هل فهمتم ؟ .
    - أومأنا برؤوسٍ مرتعشةٍ معلنين فهماً غير مفهوم .. " أنا لي أربع عيون .. عيناي هاتان .. واثتنان من الخلف .. أية حركة تبدر منكم وأنا أشرح أو أكتب على السبورة أرصدها بعيني الخلفيتين .. هل فهمتم ؟ .
    - أمَّنت رؤوسنا باهتزازها رغم أننا لم نفهم شيئاً ، لكننا ظللنا نترقب استدارته للسبورة لنرى عينيه الخلفيتين .
    تخيلتهما في مؤخرة رأسه ، بينما اعتقد زميلي في المقعد بأنهما في كتفيه المتورمتين ، وأنه يواريهما بملابسه المنتفخة .. صدَّقت ظنه حين استدار ولم تظهر بمؤخرة رأسه عينان .. لكنه استطاع بعينيه المزعومتين ضبطنا تماماً .. أوقف كل حركاتنا الصبيانية التي كنا نثيرها بالفصل .. رصد أنفاسنا .. نحنحنةٌ واحدةٌ منه كانت كفيلة بإسكات مدرسة كبيرة مكتظة بآلاف الصبيان المشاغبين مثلنا ..
    - " حين تعودون لبيوتكم لابد من مراجعة الدرس جيداً .. أي لعب في الشارع سأراه وسأعاقب صاحبه .. هل فهمتم .. ؟ "
    - تهتز رؤوسنا موافقةً بحركة بندولية محفوظة .
    - حين عدت للبيت سألت أمي عن حقيقة عيني المدرس الخلفيتين .. هزت رأسها باسمةً مؤكدة وجودهما ، كما وافق أبي على إجابتها .. وحين صحبني معه مساءً للسوق كنت منشغلاً طوال الوقت بمراقبة ظهور الرجال محاولاً اكتشاف عيونٍ خلفية لديهم ، أو إلصاق عيونٍ بأكتافهم ومؤخرة رؤوسهم .
    - في الصباح حين بدأت حصة الرياضيات جمَّدنا بنظرةٍ صارمة ، ثم تساءل عمَّن ذهب منا إلى السوق ..
    - ارتعبت .. صلَّبني بنظرة قاسية .. اكتشف ارتعاشي .. شعرت بأنني كنت مرصوداً بعينيه الخلفيتين .. سألني :
    - هل خرجت للسوق ..؟
    - نعم .
    - هل رأيتني ؟ هه .. لكن عينيَّ رصدتك ..!! سامحتك هذه المرة لصدقك فلا تفعلها مرةً أخرى .. اجلس ...
    - بعد سنين طويلة من تلك الحادثة صرت معلماً ، وحين ولجت الفصل لأول مرة خطر لي أن أفعل ذلك مع تلاميذي .. تنحنحت .. أغلظت صوتي .. حاولت أن ألبس نظرتي شيئاً من الصرامة ، والجدية ، أخبرتهم عن عيوني الأربع ، ومقدرتي الفائقة على الرصد مثل رادار ، وإمكانية اقتناص كل شيطناتهم وشقاوتهم .. لكني لم أرَ أية ردة فعلٍ على وجوههم سوى ابتسامات سخريةٍ مكبوتة ..
    وحين التفت إلى السبورة صاح أحدهم : " كـذَّاب !! "
    وصاح الآخر : " أعور بأربع عيون .. !! "
    - استدرت إليهم غاضباً .. شتمت أحدهم .. تنحنحت بقوة فغصصت بريقي .. ابتسمت ابتسامة سريعة لأتدارك الموقف ..
    قلت لهم : " يعجبني ذكاؤكم .. فأنا أقصد أن نظارتي الطبية لها عينان أيضاً .. "
    - لكني لم أجدها حينها إذ كان أحدهم يضعها على عينيه ملوِّحاً لفتاةٍ كانت تعبر الشارع المزدحم .. !!


    [/align]
  • آمنة أبو حسين
    أديب وكاتب
    • 18-02-2008
    • 761

    #2


    الرائع جمعة

    يبدو أن النماذج تتكرر كثيرا ..

    هل تصدق أن الامر ذاته كان يحدث معنا ونحن صغار

    ابتسامة رافقت الذكريات أهديتها لي هذا الصباح من خلال القصة

    شكرا كثيرا لقلمك
    شُكراً .. لرب السماء

    تعليق

    • أ. جمعة الفاخري
      أديب وكاتب
      • 20-07-2007
      • 276

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة آمنة أبو حسين مشاهدة المشاركة


      الرائع جمعة

      يبدو أن النماذج تتكرر كثيرا ..

      هل تصدق أن الامر ذاته كان يحدث معنا ونحن صغار

      ابتسامة رافقت الذكريات أهديتها لي هذا الصباح من خلال القصة

      شكرا كثيرا لقلمك
      المبدعة / آمنة أبو حسين ..
      ـ نعم ، أوافقك على ما ذهبت إليها فمواقف الطفولة والدراسة تكاد تتشابه عند الجميع .. لذلك نتفاعل مع كل ما نراه يمسُّنا أو يستفزنا ..
      سعدت بمرورك البهيَّ .. فشكراً لقلبك وقلمك ..
      محبتي الشاسعة ..

      تعليق

      • بنت الشهباء
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 6341

        #4
        أستاذنا الفاضل
        جمعة الفاخري
        بهذا العمل القصصي المبدع عدت معك إلى طفولتي لأذكر كلام معلمتي وهي تقول لنا :
        الحمامة ستخبرني عن أخباركم , وتأتيني بكل شيء ..
        لكن هناك فارق ما بين هذا الأستاذ , ومعلمتي . بالرغم من أنها كانت جادة لكن أجدها رحيمة ودود بنا .. ولم تكن لتصرخ في وجوهنا بالرغم من أننا كنا نهابها ونخاف إن زاغت أعيننا عن الدرس ..
        لكن للأسف أين نحن من التعليم الآن !!!؟؟...
        أعتقد أن المعلم في زماننا هذا هو الذي يخاف من تلميذه ويخشاه ... واحترام وهيبة المعلم لم تعد كما كانت في السابق ...

        أمينة أحمد خشفة

        تعليق

        • أ. جمعة الفاخري
          أديب وكاتب
          • 20-07-2007
          • 276

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة بنت الشهباء مشاهدة المشاركة
          أستاذنا الفاضل
          جمعة الفاخري
          بهذا العمل القصصي المبدع عدت معك إلى طفولتي لأذكر كلام معلمتي وهي تقول لنا :
          الحمامة ستخبرني عن أخباركم , وتأتيني بكل شيء ..
          لكن هناك فارق ما بين هذا الأستاذ , ومعلمتي . بالرغم من أنها كانت جادة لكن أجدها رحيمة ودود بنا .. ولم تكن لتصرخ في وجوهنا بالرغم من أننا كنا نهابها ونخاف إن زاغت أعيننا عن الدرس ..
          لكن للأسف أين نحن من التعليم الآن !!!؟؟...
          أعتقد أن المعلم في زماننا هذا هو الذي يخاف من تلميذه ويخشاه ... واحترام وهيبة المعلم لم تعد كما كانت في السابق ...
          الأستاذة الصديقة / بنت الشهباء ..
          ـ غالباً ما تتشابه طرائق التدريس .. ووتتقاطع الكثير من الأحداث التربوية التي مررنا بها صغاراً ، لذلك تذكرنا هذه المواقف بأخرى تشبهها مرَّت بنا .. وأنا معك في أن الأساليب القديمة في التعليم كانت أجدى وأنفع .. أما اليوم فقد انفلتت الأمور ..
          شكراً لك على كل حال .. سررت بمرورك العاطر .. وتحياتي لوالدك المبجَّل ..

          تعليق

          • خالد ساحلي
            عضو الملتقى
            • 19-10-2007
            • 335

            #6
            السلام عليكم و رحمة الله
            الفاضل الأستاذ فخري: نص يبحث في رواق الماضي على ما يحيي الذكريات داخل الذاكرة الممتلئة بالحشمة و الانضباط داخل مجتمع صار لا يقيم وزنا للقيم و تقديس مكانة العلم و المعلمين.
            هي الحداثة في زمن الام بي 4.
            تحياتي
            [SIZE=5][/SIZE]

            تعليق

            • أ. جمعة الفاخري
              أديب وكاتب
              • 20-07-2007
              • 276

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة خالد ساحلي مشاهدة المشاركة
              السلام عليكم و رحمة الله
              الفاضل الأستاذ فخري: نص يبحث في رواق الماضي على ما يحيي الذكريات داخل الذاكرة الممتلئة بالحشمة و الانضباط داخل مجتمع صار لا يقيم وزنا للقيم و تقديس مكانة العلم و المعلمين.
              هي الحداثة في زمن الام بي 4.
              تحياتي
              الأستاذ/ خالد ساحلي ..
              أشكر لك قراءتك الوعية .. ومرورك الكريم ..
              أطيب الود والاحترام.

              تعليق

              • منى كمال
                أديب وكاتب
                • 22-06-2007
                • 1829

                #8
                الاستاذ الرائع جمعة فخرى اخذتنا معك فى رحلة لماضى وذكريات الطفولة

                كان مثله بالضبط استاذ اللغة العربية فى مدرستى الابتدائية حتى كدت من وصفك له اظنه هو

                ولكن رغم شدته وقسوته على الكثيرين الا انه كان حنونا ودودا للمميزين

                بحق احببت هذا الرجل واحببت معه اللغة لانه كان يحبها ويغار عليها

                اشكر لك باقة الذكريات التى اهديتنا اياها

                دمت مبدعا وراقيا

                مودتى

                منى كمال

                مدونتى

                تعليق

                • منى كمال
                  أديب وكاتب
                  • 22-06-2007
                  • 1829

                  #9
                  نسيت ان اعلق عن الفارق الشاسع بين طفل الامس وطفل اليوم بالطبع هو لم يكن فارق ذكاء ولكن فارق تقدم وتكنولوجيا اعطيت لهم ولم تعطى لنا

                  فأصبحت مخيلتهم واسعة كما أنّا كنا نبجل الكبار وخاصة المعلمين وحقيقى اليوم انا اتعجب من حديث ابنى مع معلمه وهو يتخذه صديق يتضاحكون احيانا ويدرسون فى الاحيان الاخرى

                  ونحن كنا نهلل فرحا لو ابتسم فى وجهنا المعلم

                  اضافة كان لابد منها فسامحنى على فيض الذكريات

                  كن بخير

                  مدونتى

                  تعليق

                  • أ. جمعة الفاخري
                    أديب وكاتب
                    • 20-07-2007
                    • 276

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة منى كمال مشاهدة المشاركة
                    نسيت ان اعلق عن الفارق الشاسع بين طفل الامس وطفل اليوم بالطبع هو لم يكن فارق ذكاء ولكن فارق تقدم وتكنولوجيا اعطيت لهم ولم تعطى لنا

                    فأصبحت مخيلتهم واسعة كما أنّا كنا نبجل الكبار وخاصة المعلمين وحقيقى اليوم انا اتعجب من حديث ابنى مع معلمه وهو يتخذه صديق يتضاحكون احيانا ويدرسون فى الاحيان الاخرى

                    ونحن كنا نهلل فرحا لو ابتسم فى وجهنا المعلم

                    اضافة كان لابد منها فسامحنى على فيض الذكريات

                    كن بخير
                    الفاضلة / منى كمال
                    لا تثريبَ عليكِ سيِّدتي .. فعلاً هذا هو حال معلمينا اليوم وطلابنا .. رحم ض الله تلك الأيام بكلِّ قسوتها وجفافِها .. فقط بدت لنا اليومَ أكثر احتراماً ومنفعةً .. سعدت بزيارتك وتعليقك .. فاقبلي إكباري واعتزازي ...

                    تعليق

                    • سماح شيط
                      عضو الملتقى
                      • 29-02-2008
                      • 31

                      #11
                      الاستاذ الكريم جمعة الفاخري
                      القصة بهية حقا ..غمرتني بابتسامات وسعادة لكأنني أسمع زمجرة المدرس وأحس ارتعاد الاطفال
                      شكرا لجمال قصتك
                      وتقبل فائق احترامي وتقديري
                      [color=#FF1493][size=4]إن المستقبل يمتلكه أولئك الذين يؤمنون بجمال أحلامهم [/size][/color]:emot66:

                      تعليق

                      • أ. جمعة الفاخري
                        أديب وكاتب
                        • 20-07-2007
                        • 276

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة سماح شيط مشاهدة المشاركة
                        الاستاذ الكريم جمعة الفاخري
                        القصة بهية حقا ..غمرتني بابتسامات وسعادة لكأنني أسمع زمجرة المدرس وأحس ارتعاد الاطفال
                        شكرا لجمال قصتك
                        وتقبل فائق احترامي وتقديري
                        الأستاذة / سماح شيط ..
                        أسعدتني إطلالتك على براح قصَّتي .. وسعدت لسعادتكِ بها ..
                        بورك فيك .. ولك كل الحب والاحترام ..

                        تعليق

                        يعمل...
                        X