[align=justify]... لازلت أذكره بكتفيه العريضتين وأوداجه المنتفخة مثل بالون ... ورأسه الضخم الأصلع ،لازلت أذكر صوته الخشن المرعب وتقاسيم وجهه الصارم ...
ـ عندما ولج فصلنا لأول مرة سبقته نحنحنة مرعبة .. ألصقتنا نظراته النارية ببعضنا .. احتمينا بصمتٍ طفولي .. أنسانا خوفنا الوقوف تحيةً له .. صاح في ارتجافنا بعنف " قيام " رعشنا قائمين .. ظلت عيوننا تراقب صرامته التي تصل حد الشراسة ، أجلسنا بإشارةٍ من يده ، ثم طفق يحدثنا بصرامة : " أنا شعبان مدرس الرياضيات .
الرياضيات ليست لعباً كبقية المواد .. هل فهمتم ... ؟ لابد لكل واحدٍ منكم أن ينتبه جيداً أثناء الدرس ، وحين أدخل الفصل تقطعون الأنفاس تماماً ، وتمنعون الحركة .. هل فهمتم ؟ .
- أومأنا برؤوسٍ مرتعشةٍ معلنين فهماً غير مفهوم .. " أنا لي أربع عيون .. عيناي هاتان .. واثتنان من الخلف .. أية حركة تبدر منكم وأنا أشرح أو أكتب على السبورة أرصدها بعيني الخلفيتين .. هل فهمتم ؟ .
- أمَّنت رؤوسنا باهتزازها رغم أننا لم نفهم شيئاً ، لكننا ظللنا نترقب استدارته للسبورة لنرى عينيه الخلفيتين .
تخيلتهما في مؤخرة رأسه ، بينما اعتقد زميلي في المقعد بأنهما في كتفيه المتورمتين ، وأنه يواريهما بملابسه المنتفخة .. صدَّقت ظنه حين استدار ولم تظهر بمؤخرة رأسه عينان .. لكنه استطاع بعينيه المزعومتين ضبطنا تماماً .. أوقف كل حركاتنا الصبيانية التي كنا نثيرها بالفصل .. رصد أنفاسنا .. نحنحنةٌ واحدةٌ منه كانت كفيلة بإسكات مدرسة كبيرة مكتظة بآلاف الصبيان المشاغبين مثلنا ..
- " حين تعودون لبيوتكم لابد من مراجعة الدرس جيداً .. أي لعب في الشارع سأراه وسأعاقب صاحبه .. هل فهمتم .. ؟ "
- تهتز رؤوسنا موافقةً بحركة بندولية محفوظة .
- حين عدت للبيت سألت أمي عن حقيقة عيني المدرس الخلفيتين .. هزت رأسها باسمةً مؤكدة وجودهما ، كما وافق أبي على إجابتها .. وحين صحبني معه مساءً للسوق كنت منشغلاً طوال الوقت بمراقبة ظهور الرجال محاولاً اكتشاف عيونٍ خلفية لديهم ، أو إلصاق عيونٍ بأكتافهم ومؤخرة رؤوسهم .
- في الصباح حين بدأت حصة الرياضيات جمَّدنا بنظرةٍ صارمة ، ثم تساءل عمَّن ذهب منا إلى السوق ..
- ارتعبت .. صلَّبني بنظرة قاسية .. اكتشف ارتعاشي .. شعرت بأنني كنت مرصوداً بعينيه الخلفيتين .. سألني :
- هل خرجت للسوق ..؟
- نعم .
- هل رأيتني ؟ هه .. لكن عينيَّ رصدتك ..!! سامحتك هذه المرة لصدقك فلا تفعلها مرةً أخرى .. اجلس ...
- بعد سنين طويلة من تلك الحادثة صرت معلماً ، وحين ولجت الفصل لأول مرة خطر لي أن أفعل ذلك مع تلاميذي .. تنحنحت .. أغلظت صوتي .. حاولت أن ألبس نظرتي شيئاً من الصرامة ، والجدية ، أخبرتهم عن عيوني الأربع ، ومقدرتي الفائقة على الرصد مثل رادار ، وإمكانية اقتناص كل شيطناتهم وشقاوتهم .. لكني لم أرَ أية ردة فعلٍ على وجوههم سوى ابتسامات سخريةٍ مكبوتة ..
وحين التفت إلى السبورة صاح أحدهم : " كـذَّاب !! "
وصاح الآخر : " أعور بأربع عيون .. !! "
- استدرت إليهم غاضباً .. شتمت أحدهم .. تنحنحت بقوة فغصصت بريقي .. ابتسمت ابتسامة سريعة لأتدارك الموقف ..
قلت لهم : " يعجبني ذكاؤكم .. فأنا أقصد أن نظارتي الطبية لها عينان أيضاً .. "
- لكني لم أجدها حينها إذ كان أحدهم يضعها على عينيه ملوِّحاً لفتاةٍ كانت تعبر الشارع المزدحم .. !!
[/align]
ـ عندما ولج فصلنا لأول مرة سبقته نحنحنة مرعبة .. ألصقتنا نظراته النارية ببعضنا .. احتمينا بصمتٍ طفولي .. أنسانا خوفنا الوقوف تحيةً له .. صاح في ارتجافنا بعنف " قيام " رعشنا قائمين .. ظلت عيوننا تراقب صرامته التي تصل حد الشراسة ، أجلسنا بإشارةٍ من يده ، ثم طفق يحدثنا بصرامة : " أنا شعبان مدرس الرياضيات .
الرياضيات ليست لعباً كبقية المواد .. هل فهمتم ... ؟ لابد لكل واحدٍ منكم أن ينتبه جيداً أثناء الدرس ، وحين أدخل الفصل تقطعون الأنفاس تماماً ، وتمنعون الحركة .. هل فهمتم ؟ .
- أومأنا برؤوسٍ مرتعشةٍ معلنين فهماً غير مفهوم .. " أنا لي أربع عيون .. عيناي هاتان .. واثتنان من الخلف .. أية حركة تبدر منكم وأنا أشرح أو أكتب على السبورة أرصدها بعيني الخلفيتين .. هل فهمتم ؟ .
- أمَّنت رؤوسنا باهتزازها رغم أننا لم نفهم شيئاً ، لكننا ظللنا نترقب استدارته للسبورة لنرى عينيه الخلفيتين .
تخيلتهما في مؤخرة رأسه ، بينما اعتقد زميلي في المقعد بأنهما في كتفيه المتورمتين ، وأنه يواريهما بملابسه المنتفخة .. صدَّقت ظنه حين استدار ولم تظهر بمؤخرة رأسه عينان .. لكنه استطاع بعينيه المزعومتين ضبطنا تماماً .. أوقف كل حركاتنا الصبيانية التي كنا نثيرها بالفصل .. رصد أنفاسنا .. نحنحنةٌ واحدةٌ منه كانت كفيلة بإسكات مدرسة كبيرة مكتظة بآلاف الصبيان المشاغبين مثلنا ..
- " حين تعودون لبيوتكم لابد من مراجعة الدرس جيداً .. أي لعب في الشارع سأراه وسأعاقب صاحبه .. هل فهمتم .. ؟ "
- تهتز رؤوسنا موافقةً بحركة بندولية محفوظة .
- حين عدت للبيت سألت أمي عن حقيقة عيني المدرس الخلفيتين .. هزت رأسها باسمةً مؤكدة وجودهما ، كما وافق أبي على إجابتها .. وحين صحبني معه مساءً للسوق كنت منشغلاً طوال الوقت بمراقبة ظهور الرجال محاولاً اكتشاف عيونٍ خلفية لديهم ، أو إلصاق عيونٍ بأكتافهم ومؤخرة رؤوسهم .
- في الصباح حين بدأت حصة الرياضيات جمَّدنا بنظرةٍ صارمة ، ثم تساءل عمَّن ذهب منا إلى السوق ..
- ارتعبت .. صلَّبني بنظرة قاسية .. اكتشف ارتعاشي .. شعرت بأنني كنت مرصوداً بعينيه الخلفيتين .. سألني :
- هل خرجت للسوق ..؟
- نعم .
- هل رأيتني ؟ هه .. لكن عينيَّ رصدتك ..!! سامحتك هذه المرة لصدقك فلا تفعلها مرةً أخرى .. اجلس ...
- بعد سنين طويلة من تلك الحادثة صرت معلماً ، وحين ولجت الفصل لأول مرة خطر لي أن أفعل ذلك مع تلاميذي .. تنحنحت .. أغلظت صوتي .. حاولت أن ألبس نظرتي شيئاً من الصرامة ، والجدية ، أخبرتهم عن عيوني الأربع ، ومقدرتي الفائقة على الرصد مثل رادار ، وإمكانية اقتناص كل شيطناتهم وشقاوتهم .. لكني لم أرَ أية ردة فعلٍ على وجوههم سوى ابتسامات سخريةٍ مكبوتة ..
وحين التفت إلى السبورة صاح أحدهم : " كـذَّاب !! "
وصاح الآخر : " أعور بأربع عيون .. !! "
- استدرت إليهم غاضباً .. شتمت أحدهم .. تنحنحت بقوة فغصصت بريقي .. ابتسمت ابتسامة سريعة لأتدارك الموقف ..
قلت لهم : " يعجبني ذكاؤكم .. فأنا أقصد أن نظارتي الطبية لها عينان أيضاً .. "
- لكني لم أجدها حينها إذ كان أحدهم يضعها على عينيه ملوِّحاً لفتاةٍ كانت تعبر الشارع المزدحم .. !!
[/align]
تعليق