حين رأى الجنود و رجال الشرطة العسكرية يقتربون من خيام الثوار ، تأكد له أنهم سوف يسيئون إلى ما كان ، فصرخ : توقفوا .. توقفوا .
علا نداؤه ، مزق طلاوة الصبح الطرى ، وقطع على النيل تسابيحه الفضية ، وأثار قلق وخوف عصافير كانت تحط و تحلق ، فنأت محومة والدموع تقطر من عيونها ، بينما ظل هو صاخبا ، بجسد نارى الوجع . و مع أول خيمة يوقعها الجنود كانت هستيرى تشيع الفوضى فى جسده. أحاط به أولاده مذعورين ، بينما قبضته تنتفض : " ارفعوا أيديكم .. ابتعدوا .. لا تقترفوا هذا الوجع .
انهار باكيا ، و الأولاد يتحلقونه ، يسارعون إلى إعادة الاتزان لروحه ، و تسكين بعض ألمه ؛ لعلمهم أن تلك الحالة ، لن تمر على خير ، فسوف تعرضه لنزف دموى ، معدته لن تتحمل ، و أيضا جرحه الحديث لن يصمد طويلا دون مضاعفات حادة :" توقف أنت يا أبي .. وماذا يفعلون .. لا بد أن تسير الأمور لعادياتها ، لن يظل الميدان حكرا عليهم ".
حدق فى وجوههم ، بغرابة و دهشة كان يطاردهم بنظراته :" لكن هنا لا بد أن يتحول لمزار ، متحف .. إن هذه البقعة أصبحت ملك البشرية .. أنتم لا تفهمون .. لا تفهمون !!".
: " أبي لا بد أن اتفاقا تم بين الثوار و الجيش .. اهدأ أرجوك ".
:" أى اتفاق .. لا أحد يملك حق المساومة .. لا أحد .. هنا شهد الدماء و الدموع .. الساعات القلقة والمميتة .. الفشل و الغضب ..النجاح و التحقق .. هنا .. لالا .. هذا إهدار .. إهدار .. انظروا ما يفعلون .. هاهم بهمجية يوقعون الخيام ، يتخلصون من آثارهم كأنها قمامة .. ابتعدوا أيها الجنود .. لا تفعلوا هذا .. لا تفعلوه بأنفسكم ".
كانت ثمة عصبية فى تصرفات و تحركات جنود الجيش ، مما أدى إلى نشوب عراك بين جماعة من الثوار و الجنود ، أنهوه بسرعة غريبة كأنه لا يعنيهم ، دون أن يتوقفوا عن تنفيذ الأوامر ، و إسقاط كل الآثار بشكل فوضوى غريب .
علا صوته ثانية :" لم تتغير الجلفة ، الطين يودى بنا ، الطين سيقتلنا ، و الطريق الذى أردنا لن يكون مستقيما أبدا .. لو كانوا عسكرا وجنودا ما فعلوا ، بل أعلنوها محمية لأنفاس الثورة .. أنفاس الحرية .. أكاد أجن .. أكاد ... ...... ".
اغتالته غيبوبة وقت كان حشد يتدفق تجاه الميدان ، يتحرك كموج كاسح فى عزة و إصرار ، غيرة على ما يتم حيالهم ، كان معنى الأوامر كريها و بليدا ، و استهانة بما تم ، ربما لم ينتبه لها المسئولون .
تصاعدت الهتافات كعاصفة ، لطمت كل الوجوه ، بلها أطاحت بأبواب العقول ، و العيون التى نال منها الرمد ، فتباعدت قوات الجيش ، رفعت الأيدى ، و اصطفت داخل كردون لها .الميدان يشتعل ، يعلن إرادته التى تفجرت يوم الخامس و العشرين من يناير ، وولادة الحلم ،
بينما السماء تشهد غربانا و حدآت تنعق ، و تختفى بعيدا ، ثم تعاود الظهور فى عناد عجيب ، فالتهمتها غيمة بيضاء ، كان لها الرعد و البرق ، ونذير الموت !
تعليق