العمّ عبد الصّبور ...
وضع يده على زرّ الجرس بحنقٍ دون توقّفٍ ، هبّتْ السّكرتيرة الحسناء إلى مكتبهِ فزعةً من مكانها ..
ضربتْ أصابعه الأوراق المتوضّعة أمامه ، فتطاير الشّرر من بين أظافره ..مختلطاً بدخان سيجاره ..
بدأت الحرائق تلتهم أسلاك الهاتف في الدّائرة ..تستدعي الموظّف عبد الصّبور ،الذي نهض من فوره ، متثاقل الخطوات،
متوجّهاً نحو غرفة المدير .
سأله نبيل رئيس قسم الأرشفة :
_ خير ياعمّ ..؟؟؟!!! أراك مهموماً ، شاحب الوجه ، مرتجفاً ، ما الأمر ؟؟؟!!! ماذا يريد منك هذا المدير النّذل ..؟؟!!
_ لاشيء يا ولدي ، كنت أتوقّع هذه اللحظة ، لم أستطع أن أمرّر بياناتٍ كاذبةً في كشف الحساب ،
توضّح لي : إن لعبةً قذرةً كانتْ تُحاك في الظّلام ، مع بعض الخونة ، ضعاف النفوس في الدّائرة ، فأبيتُ التّوقيع .
امتقع وجه نبيل فازدادتْ سمرته تأجّجاً ، وراقب العمّ عبد الصّبور ، وهو يحني الظّهر من الألم ، وقد مال برأسه الأشيب على كتفه الأيمن بانكسار اللّحظة ، وتمزيقها في أوردته .
إنه الموظّف الأقدم في الدّائرة ، بسيطٌ ، طيّب ، مؤمن، ودود ، نظيف اليد .
فقير ، إلى حدّ ابتلاع الغصّة من يد المدير المتسلّط ، كأقراص دواءٍ مرّ ، لابدّ أن يتناوله ، على مدار اليوم ،
كي ينبتَ الزّرع في بيته المتآكل .
عيناه الضّعيفتان ، المحتجبتان خلف نظّارةٍ سميكةٍ ، استجرّتا ابتسامة باهتة لطيرٍ ذبيحٍ ، وهو يردّ التحيّة، على كلّ من كان يصادفه مستفسراً بقلقٍ عن الأمر ، فيجيب بطمأنينةٍ كاذبةٍ : خير .....إن شاء الله..... خير.
وصل إلى الرّدهة الفاصلة عن مكتب المدير ، تخشّبتْ قدماه بمسامير صلبته في مكانه ، لم يعدْ يقوى على المسير ، نضح العرق من جبينه ، وجفّ لعابه ، فصار حلقه كقطعةٍ من إسفلتِ منتصف نهارٍ قائظٍ .
استعجلته السكرتيرة المغناج :
_ أما زلتَ هنا أستاذ عبد الصّبور ...؟؟؟!!!! أرجوك عجّل ، المدير كرّر الاتّصال بإلحاحٍ ...إنه ينتظرك ...
ثمّ أمسكتْ بالمرآة تصلح تسريحة شعرها ، وماكياجها ، وتضخّ المزيد من عطرها .
تمنّى لو التفتتْ إليه ، لو هبّت من مكانها ، لتسند ذراعه اليسرى ،التي أحسّها تنسلخ عنه ،بخدرٍ يُنذر بذبحةٍ صدريّةٍ ، قديمةٍ أعيته قلّة الحيلة في معالجتها .
نقر الباب ، خُيّل إليه ذلك ، لم يعدْ يدري بعدها ما الذي حدث ...؟؟؟!!!!
عطّلتْ الإهانات كلّ حواسه ، كلّ الذي يذكره : ذلك الفم القذر الذي تدافع منه رذاذ لعابٍ نتنٍ ،يتطاير في وجهه ،
والإصبع التي فقأتْ عينه الكليلة فأعمتها ، وبقايا صوتٍ إبليسي الصّدى ثقب أذنيه ، وهو يكيل الاتّهامات ، والافتراءات له، بما سيودي به لا محالة ، إلى فصله عن عمله .
اعتاد عمّ عبد الصّبور أن يبكي صمتاً تحت أستار الظّلام ، ساعة وقوفه على سجادة الصلاة ، عند قيام الليل ، يتضرّع إلى ربّه بالفرج ، بعد أن يخطو فوق أكداس اللّحم الطريّ ، المتلاصقة ، كطيور القطا ، التي نبتَ للتوّ زغبها ، تفتح أفواهاً جائعةً ، لتكبر أجنحتها ، وتطير .
ولكنّه الآن لم يستطع أن يوقف نزف شرايين آدميّته المهدورة .
علق جيب قميصه في قبضة الباب ، تعثّر ، كاد يهوي ،استنجدت جوارحه بها ، كانت لاتزال تطمئنّ على خطوط وألوان ماكياجها .
تهالك على أقرب كرسيّ صادفه في طريقه ، يفرك بيده اليمنى منطقة الصّدر ، واليد اليسرى ، يشكو عجزاً ، وهناً ، ظلماً ، قهراً ، سراديب سجونٍ تحكم روحه بأصفاد الذلّ ، والهوان ، يصرخ :
_ياربّ تولّ العيال ، وأمّهم المريضة ، وتولّني برحمتك ، ياربّ ...أنت شاهد على الظّلم ، فوّضتك أمري ...فوّضتك أمري .
صوت القهر وصل ...رغم كلّ الجدران العازلة وصل ، ،فتح كلّ الأبواب التي أوصدها الحرّاس ، والنّوافذ .
هبّ نبيل يحتضنه ، يلتقط بيديه ما تكسّر من خلاياه المتساقطة قهراً ، ثمّ لبس درع الفرسان ومضى .
وقع خطواته الفولاذيّة تعدّدتْ ، تفرّعتْ ، تكاثرتْ ، صارتْ ملحميّة ، تصاعد صوت الهدير برجولته ، وأنوثته .
ارتطم باب السكرتيرة بالجدار بعنفٍ ، وتخلّعتْ الأقفال ، صارتْ كضفدعةٍ بشعةٍ ، ذات أصباغٍ مضحكة ، وانكمشتْ خلف طاولتها .
كسروا باب المدير بغضبٍ مجلجلٍ ، شهق كمجرمٍ، باغتته لحظة ، أتت خارج التدابير، ما حسبها ..
ولملمتْ المرأة السّاقطة التي كانتْ بين أحضانه ، ثنايا ثيابها الرّخيصة ، تغلق بأصابعها المرتجفة، ذات الأظافر القرمزّية ، فتحة الصّدر المتلجلج كشمعٍ ذائبٍ ..
حاول الرّأس الفاسد أن يتماسك ، ويلوّح بعصا التّرهيب من جديدٍ ، ولم يفلح ، تفنّن في استعراض كلّ أفانين ضغوطاته القديمة ، المرعبة، فلم يلمح تلك العيون المذعورة ،التي كانتْ تنهار الومضة فيها، انكسارأ حتى التّلاشي ..
ركل نبيل بقدمه المكتب ، ثمّ ضرب سطحه ،بقبضة يده القوية ، فتهشّم زجاجه...صاح فيه بنبرةٍ واثقة :
_..كفى ...كفى ..
سوف أفضح كلّ أقنيتك العطبة ...لا سكوت بعد اليوم ...لن نصمت بعد الآن ...
وتوالتْ الأصوات ارتفاعاً ..تسارعاً ...محاصرة ..تهدر كخيولٍ جامحةٍ ، لا تعرف الترويض ...
ترنّح القميء إلى الخلف كجرذٍ أجربَ يستوطن مستنقعاً ، وقد عشّشتْ في صدره كلّ الأوبئة التي زرعها فأحرقتْ رئتيه
يرنو برعبٍ إلى كابوس مصيرٍ مجهولٍ ينتظره ...وألقي باسمه في سلّة محذوفات الزمن ..
وأشرق الصّبح ذات يومٍ، على باقات وردٍ ، تزيّن مكتب عمّ عبد الصّبور ، تهنّئه بالشّفاء من جراحه ، ونزفه...
حادث نفسه :لقد أعاد لك الأولاد وقار شيبتك يا عبد الصّبور ، أرجعوك لمكانتك المفقودة ، خلعتَ عنك أثواب الذلّ والهوان قبل رحيلك ...الحمد لله ...الحمد لله ..
وبشّتْ عيناه بفرحٍ طفوليّ، لمّا تسابق جميع الموظّفين بحرارةٍ لمصافحة المدير الجديد ...
كان صلب العود يطفح بالتفاؤل ، والطّموح ، نظيف الثّياب ، رغم بساطتها ..
أسمر الجّبهة ، تتضاحك على وجنتيه سنابل الخير ، تنبئ بأنّ الحصاد صار ، أبهى ، وأنضر ، وأشهى ، وأطيب
واستغرب الجميع تلعثم العمّ عبد الصّبور بالكلام ، حين انتابته الرّعشة من جديد ، وغالبه الدّمع...لمّا خصّه المدير بالسلام ...يشدّ يده إليه بقوّةٍ ، قائلاً بمرحٍ : وهو يربّت على كتفه :
_ كيف حالك يا بطل ...؟؟؟؟؟!!!!!! ثمّ مضى إلى مكتبه يباشر العمل ..دون أن يغلق الأبواب
****************** ************************* *******************************14 / 2 / 2011
تعليق