سـيّدي المبجَّل
*************
تمنيتُ كثيرًا أن أتشرف بلقائكم، لكنني لم أجرؤ؛ اكتفيت برؤية صوركم الملوّنة في الشوارع وعلى شاشات التلفاز.
أنا أعرفك جيدًا، أراقبك عن كثب، أعرف أنك تشرب فنجان القهوة مع الهيل في شرفة المنزل المواجه للنهر، تُفضّل الأريكة الخضراء، تتكئ على جانبك الأيسر حين تنام، تغيب في الغرفة البعيدة، لا أسمع إلا صوت طلقات نارية حادّة، يفزع قلبي عليك، تخرج مزهوًّا تلبس البياض وتفوح من جسدك رائحة المشمش البرّيّ.
واظبت على متابعتك أثناء النوم، تتململ مرات ومرات ويعلو شخيرك ـ اطمئن فلن يعلم أحد شيئًا ـ لا أقصد التعريض بك، على العكس أنا أحترمك وأجلّك وأستخدم العطر نفسه الذي تقتنيه، أداوم على شرب القهوة في الأصيل من الفنجان نفسه الذي تشرب منه.
عاداتك أصحبت جزءًا من شخصيتي، صدّقني ظننت أنني أراقبك لأتجسس عليك، وفجأة اكتشفتُ أنك تشبهني؛ لاحظ الشبه معي: أنا طويل القامة، ممشوق القدّ، أحبُّ لبس البياض، أُكثر من الاستحمام في الماء المعطّر، أتطيّب حتى تغار مني أزهار الشاطئ، شاربي كثّ، صوتي إذاعي رصين، أتفنّن في رصف الكلمات الرنّانة وأعرف كيف أحشو بندقيتي بالبارود، أحفظه جافًّا لعلني أحتاجه يومًا.
كان النسيم ثملاً لكزني في صدري برقّة، قفزت الفكرة في رأسي وأنا أرتشف آخر قطرة من فنجان القهوة.
ما عدت أخشاك الآن، الوقت ملائم للزيارة، قطعت الشارع الرئيسي ودخلت ميدان الاحتفالات، كان كرسيّك في الشرفة خاليًا، انتظرتك طويلاً، قرّرت أن أدخل الغرفة البعيدة، شممت رائحتك في كل شيء ولكنني لم أجدك. أغلقت المزلاج برفق ونظرت في المرايا حولي، لمحت الشبه دقيقًا بيني وبينك، تمنّيت أن أكسر كل المرايا وأهزمك.
تذكّرت البندقية، كان البارود مبتلًّا، ليتني لم أعبر النهر إليك!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العين في 13/5/2004م
تعليق