سنغافورة

وقعت علبة صغيرة من يد سائحٍ أوروبي ، رأى ذلك طفلٌ صغير ، فأسرع إلى العلبة وأختطفها من على الأرض بسرعةٍ مذهلة ، حملها بيدهِ الصغيرة ، وأسرع بها يجري ، أخذ يُجاهد قدرتهُ على الركض ويحثها على طي الأرضِ بسرعةٍ أكبر ، فتسارعت خطواتِهِ شيئاً فشيئاً ، تسابقها أنفاسهِ اللاهثة ، يسقطُ حيناً ، ويصطدم بمن يجرون حوله في الاتجاهِ المعاكس أحياناً أخرى ، وبينما هو على هذهِ الحال أخذ يُفكر : ماذا عساهُ في هذه العُلبة ؟ ماذا يُمكن أن يكون ؟ هل هو شيءٌ ثمين ؟ أم يا ترى لا قيمة له ؟ وبين سؤالٍ وسؤال تكثر عثراته فيسقط ، ولكنهُ لا يلبث من التقاطِ أنفاسهِ , ونفضِ ما علق على ثيابهِ من أتربة حتى يواصل الركض بسرعةٍ أكبر ، وكأنَّ شبح الموت يُطارده ، تتقارب خطواته الصغيرة ، وتتضاءل المسافة بينهُ وبين غايتهِ ’ وما إن وصل إلى ذلكَ الأجنبي حتى استوقفهُ قائلاً :
- لحظة من فضلك يا سيدي .
- ما الأمر أيها الصغير ؟
- لقد وقعت هذه العلبة الصغيرة من يدك .
تبسم عندها الأجنبي قائلاً :
- لا أريدها ، فقد كانت بها آخر سيجارة ، وهي الآن فارغة .
- أتعني أنك رميتها عن قصد حينما نزعت منها سيجارتك الأخيرة ؟
- هذا ما حصل بالضبط ؟
- المعذرة يا سيدي ، فيبدو أنك لا تعلم أن سنغافورة ليست سلة مهملات كبيرة لك ترمي بها ما تشاء حينما تنتهي من استخدامه .
- لحظة من فضلك يا سيدي .
- ما الأمر أيها الصغير ؟
- لقد وقعت هذه العلبة الصغيرة من يدك .
تبسم عندها الأجنبي قائلاً :
- لا أريدها ، فقد كانت بها آخر سيجارة ، وهي الآن فارغة .
- أتعني أنك رميتها عن قصد حينما نزعت منها سيجارتك الأخيرة ؟
- هذا ما حصل بالضبط ؟
- المعذرة يا سيدي ، فيبدو أنك لا تعلم أن سنغافورة ليست سلة مهملات كبيرة لك ترمي بها ما تشاء حينما تنتهي من استخدامه .
(( تمت ))
التاسعة من مساء ..
الجمعة
5 نوفمبر 2010م

(( يسبقهُ ))
قبل أعوام وفي ذات الصيف الذي فازت فيه الديوك الفرنسية بكأس العالم ، وبعد أن هز رأس زين الدين زيدان ـ ذو النطحة الشهيرة بعد ذلك ـ الشباك البرازيلية مرتين ، بل حدث بعد أن رفع القائد الفرنسي ديدييه ديشامب الكأس العالمية بنحو أسبوعين حيثُ كنتُ أتحدث مع مرشدٍ سياحي ماليزي يُدعى "أزهر" ، والذي سألني عن وجهتنا القادمة بعد ماليزيا .
فأجبتهُ : سنغافورة .
فقال بعفوية وتلقائية غريبة : آه سنغافورة .
قلتُ مستغرباً : أبها شيء ؟
قال : هي حلم حياتي .
قلت : سنغافورة هي كل ما تحلم بهِ .
قال : بل هي حُلم كل ماليزي .
تعجبتُ جداً من هذا القول
فقلت : كل ماليزي يحلم بالسفر إلى سنغافورة ؟!!
تبسم من سطحية تفكيري فقال : ليس هذا ، فنحنُ دائمو السفر إلى هناك .. ثم أردف قائلاً : إن سنغافورة هي المثل الأعلى لماليزيا ، وأن المواطن السنغافوري هو المثل الأعلى لكلِّ مواطنٍ ماليزي .
قلتُ : ما الذي يدفعك لقولِ هذا يا أزهر ؟ ماذا ينقُصكم عنهم ؟
قال : سنغافورة بلد متحضر .
قلت : أنتم بلد مُتحضر .
قال : عندما ستذهب إلى هناك ستجد الفرق ، وستقول حينها " قد قالها أزهر " .
قلت : وماذا بعد ؟
قال : سأخبرك بأبسط الأشياء بلا تعقيد .
قلت : هات ما عندك .
قال : في سنغافورة لا يعْبر المارة إلا من على خطوط المُشاة .
قلت : أنتم هُنا لا تعبرون إلا من على خطوط المُشاة .
قال : هذا صحيح .. نحنُ هنا لا نعبر إلا من على خطوط المشاة ، وحين يكونُ المسارُ سالكاً ، ولكن السنغافوريون لا يفعلون ذلك .
رأى أزهر في وجهي علامات الدهشة والاستغراب ، فاستدركَ قائلاً : هم لا يعبرون عندما يكون المسارُ سالكاً ، بل إنهم لا يعبرون إلا عندما تكون إشارة المشاة الضوئية باللونِ الأخضر .
قلت : حتى وإن خلا المسار من السيارات ؟
قال : نعم ، هُناك يحترمون القوانين ، ويُطبقونها بحذافيرها دون الحاجة إلى رقيب .
قلت : هذا أمرٌ يدعو للإعجاب حقاً ..
قال : أعلمتَ الآن لماذا نحلم بأن نكون كالسنغافوريين ؟
قلت : ولكنكم تقربونهم جداً وبلادكم نظيفة .
قال : هي نظيفة لأننا نعمل على نظافتها باستمرار ، ولكن سنغافورة غير ذلك .
قلت : وكيف هي إذاً ؟
قال : ارجع إلى القصةِ أعلاه ، فستفهم ما أعني .. فهي قد (( تمت )) هناك مثلما أسلفت ... ولكنها لم تتم هنا بعد .
مودتي
"حــــــ علي الفارسي ــــــرف"
*****
*حقائق عن سنغافورة :

1-تعتبر سنغافورة أنظف بلد في العالم .
2-تفرض الحكومة السنغافورية غرامة قدرها 500 دولار سنغافوري لكل من يُلقي شيء في شوارع سنغافورة أو يبصق في الأماكن العامة .
3-معظم الشوارع السنغافورية مراقبة بالكاميرات .
2-تفرض الحكومة السنغافورية غرامة قدرها 500 دولار سنغافوري لكل من يُلقي شيء في شوارع سنغافورة أو يبصق في الأماكن العامة .
3-معظم الشوارع السنغافورية مراقبة بالكاميرات .
*هذه القصة من واقعي
تعليق