صفحة من مذكرات معدوم

في ذلك اليوم المشؤوم وقفت في زنزانتي في قاعة مليئة بالحاضرين , وقاض عريض الجثة,عظيم الهيئة , حاد البصر , ثاقب النظر , خشن الصوت , جلس في مكانه عالي المقام ليزيد إلى هيبته و وقارة سلطان لا ترد قراراته , حاسمة كلماته , لا جدال في آرائه , وقفت تلك الوقفة التي لا أحسد عليها , فرجة للحاضرين , وموضع إتهام يشار إليه بالبنان , لا يحق لي الدفاع عن نفسي , بل على العكس , بدأ القاضي بسرد التُّهم المنسوبة إليّ , فأجبر على الإعتراف بها جميعاً , عوضاً عن الدفاع عن نفسي وأنا المظلوم , ثم ومن أجل تحقيق العدالة يطلب شهادة الشهود , وهل يعقل أن يشهد الشهود بعد إدانتي الجبرية بذلك الإعتراف الجبري المسلوب مني سلباً ؟ ثم كانت المفاجئة بأن شهد في قضيتي هذه كل الحاضرين , ولم تقتصر الشهادة على رجل أو إثنين أو ثلاثة بل أن الكل كانوا يتسابقون لإدلاء دلوهم , ولكني أحسست في تلك اللحظات بالأمل البسيط , إذ كان من بين الحضور والدي وإخوتي وعدد من أقاربي والمقربين من أصحابي , وبحضورهم ساستمع إلى شهادات تدافع عني , في الوقت الذي مُنعتُ فيه من الدفاع عن نفسي , ولكن سرعان ما تبدد الأمل , حينما رأيت أقربائي هم أكثر الناس إدانة لي , فكبر مصابي , وزاد الكرب كرباً بتلك الشهادات الغير متوقعة , وبعد أن شهد الجميع , وإتفقوا في شهاداتهم , أعْلِن رسمياً الحكم عليّ بالإعدام في القضية المنسوبة إليّ , فأخذ صوتي يعلو في داخلي مظلوم مظلوم مظلوم , ولكن لم تكن هناك آذان صاغية , ولم يُسمع صياحي بعد تلك الكلمات التي لا تُرِد من لسان القاضي .
وما هي إلا أيام ليقترب موعد تنفيذ الحكم , ولم يبقى من تلك الأيام إلا ساعاتٍ قليلة فبعد ساعات , سيُلفُ حبل المشنقة حول عنقي وينفذ حكم الإعدام , والغريب أن الكل في بيتنا كان يرقص ويغني , وكأنهم يقيمون الأفراح , لا أعلم هل كانوا ينتظرون بشغف يوم الخلاص مني ؟ خطة محكمة تلك التي أداروها لإدانتي , ولكن لصالح من كانت تلك الخطة ؟ وذلك المخطط ؟ من المستفيد من قتلي و التشهير بي ؟ وكيف تفرح أمي بفقد ولدها ؟!!
وحانت ساعة الصفر , وجاء الجميع لمشاهدة تنفيذ الحكم , جاءت أمي لتستمتع بذلك المنظر , وجاء والدي وهو يخفي إبتسامة عريضة على مُحيّاه , جاء الجميع أهلي وصحبي ومن يهمه أمري جاءوا ليتأكدوا من أن شهادتهم التي أدلوا بها في تلك القاعة لن تضيع هباءً , فشهادتهم غالية ستودي بحياة أعز الناس .
وكان المشهد و تفاجئت بأن حكم الإعدام لن ينفذ بحبل يلف حول عنقي , بل بإلقائي في قفص به أسد جائع يشتهي إلتهامي , ليتأكد الجميع أن جسدي قد قطّع ومزّق إرباً إربا , فأُدْخلت القفص , وعاد الجميع سعيدين بالإنجاز العظيم الذي حققوه .

صفحة : من مذكرات متزوج مجبر على الزواج .
تقبلوا مني التحية
"حرف"
تعليق